صحيفة التغيير السودانية:
2024-07-06@06:33:24 GMT

الوطن محمولاً على «كارو»

تاريخ النشر: 17th, September 2023 GMT

الوطن محمولاً على «كارو»

فيصل محمد صالح

تاريخ الحروب والنزاعات في العالم مملوء بالقصص التراجيدية والمأسوية التي قد تتجسد في لقطة أو صورة واحدة تغني عن كثير من الكلام والحبر المراق، وتلخص النتائج المدمرة للحروب والنزاعات.

الحرب العالمية الثانية راح ضحيتها ملايين المدنيين في دول أوروبا المختلفة التي كانت مسرح الأحداث الأساسية للحرب، ثم انتقلت إلى أفريقيا وآسيا، لكن منظر ضحايا القنبلة النووية التي ألقتها الطائرات الأميركية في بلدتي نغازاكي وهيروشيما اليابانيتين جسد قمة البشاعة حيث لم يعد الأمر يحتاج مزيداً من الأدلة والشواهد على فظاعة الحرب.

عند ظهور أولى علامات التغير المناخي السالب في الثمانينات عبر موجة الجفاف والتصحر التي ضربت مناطق مختلفة من أفريقيا، نشطت منظمات الإغاثة الإنسانية في جمع التبرعات والمساعدات من مختلف دول العالم، ومن بين آلاف الصور التي تجسد المأساة، اختارت إحدى المنظمات الدولية صورة لطفلة أثيوبية هزيلة سألها موظف الإغاثة: «ماذا تريدين أن تكوني عندما تكبرين؟»، أجابت الطفلة: «أن أكون على قيد الحياة …..a live». أخذت المنظمات صورة الطفلة ومختصر الحوار الذي دار وصنعت منه ملصق بوستر طاف حول العالم، هز مشاعر الملايين واجتذب ملايين الدولارات من التبرعات.

خلال حرب فيتنام نشطت حركة مقاومة شرسة داخل أميركا رافضة المشاركة في الحرب، وتعرض المعارضون لهجمات مضادة من اليمين الأميركي الأبيض يتهمهم بأنهم شيوعيون وخونة وعملاء لا يريدون لقيم الديمقراطية الأميركية أن تنتشر في العالم. التقط مصور أميركي محترف لقطة لطفلة فيتنامية تجري عارية تماماً خارج إحدى القرى التي تعرضت لهجمات أميركية بقنابل النابالم المحرمة دولياً، وبها بعض الحروق، وتبدو على وجهها ملامح الذعر والخوف التي لم تحتملها مشاعر الملايين داخل أميركا وخارجها. يقول بعض خبراء الإعلام إن هذه الصورة، بالتأكيد إلى جانب عوامل أخرى، لعبت دوراً كبيراً في تغيير اتجاهات الرأي العالم العالمي والأميركي ووقوف الأغلبية ضد الحرب في فيتنام، وأدت لسحب القوات الأميركية من هناك.

حرب السودان الحالية خلقت أوضاعاً مأسوية في كل مكان، العاصمة الخرطوم مركز الحدث الأساسي، ولايات دارفور وكردفان التي انتقل إليها القتال، ثم بقية مدن السودان التي امتلأت بالنازحين من الخرطوم، وبعضهم ليس لديه مكان يأويه. عشرات الصور ظهرت خلال الأشهر الخمسة الماضية تجسد مأساة الحرب، غير أن صورة واحدة هزت مشاعر الناس ولخصت ما تفعله الحرب بهم. كانت تلك صورة الشاعر والكاتب المسرحي السوداني المعروف هاشم صديق محمولاً على عربة كارو يجرها حصان من مسكنه بحي بانت في أمدرمان، الذي صار مسرحاً للمعارك، إلى منطقة الثورات بشمال أمدرمان.

قال مرافقوه إنهم قرروا منذ أيام نقله للمنطقة الآمنة نسبة لحالته الصحية التي تحتاج لأنواع من الأدوية يصعب الحصول عليها في الحي الذي يسكنه، لكن لأيام وبسبب احتدام المعارك في المنطقة لم يجدوا سيارة حتى «توكتوك» يقبل مخاطرة أن يمر بهذه المنطقة، وأرجو ألا يسأل أحد عن سيارات الإسعاف، فلجأوا لعربة كارو وضعوا عليها مرتبة ووضعوه عليها وسارت تشق بهم شوارع أمدرمان حتى وصل لمقصده.

هاشم صديق شاعر وكاتب ومسرحي سوداني معروف، صاغ كلمات الأغنية الوطنية المعروفة في السودان باسم «الملحمة» وهي تحتفي بثورة أكتوبر (تشرين الأول) الشعبية التي أطاحت بالحكم العسكري الأول في أكتوبر 1964. كتب هاشم صديق هذه القصيدة وهو طالب بالمرحلة الثانوية، ولحنها الموسيقار والفنان السوداني محمد الأمين، وأشرك في غنائها عدداً من الأصوات الشابة، حينئذ. وطوال أكثر من 50 عاماً، لا تزال هي الأغنية الوطنية الأولى التي توازي النشيد الوطني. كما كتب عدداً من الأغنيات المعروفة، التي غناها له كبار المطربين السودانيين، منهم محمد الأمين وسيد خليفة وأبوعركي البخيت وصلاح ابن البادية ونانسي عجاج، وهو من رواد مدرسة الواقعية الاشتراكي، في ذلك الوقت، وتمزج أغنياته بين الحبيبة والوطن.

في مجال المسرح والمسلسلات الإذاعية، كتب هاشم صديق مسرحية شعرية تعدّ من فرائد المسرح السوداني، وهي مسرحية «نبتة حبيبتي»، بجانب عدد من المسلسلات الإذاعية والتلفزيونية خلال فترة السبعينات والثمانينات، ويحفظ الشباب والطلاب كثيراً من قصائده الشعرية الثورية التي تلهمهم روح المقاومة ضد الأنظمة العسكرية والشمولية، ويرددونها في الاحتفالات والمظاهرات.

عاش السودانيون مآسي هذه الحرب، وربما لكل فرد تجربة شخصية مؤلمة، لكن منظر الشاعر العظيم هاشم صديق محمولاً على عربة كارو جسّد بشاعة الحرب، وسبّب آلاماً مضاعفة، وجرح مشاعر الآلاف الذين كتبوا يعتذرون للقيم والقمم الوطنية العظيمة التي تعبث بها الحرب، ويتحسرون على انحسار الإرث الإنساني العظيم في المجتمع السوداني، ما تلخصه صورة الوطن محمولاً على سيارة كارو.

نقلاً عن صحيفة الشرق الأوسط

الوسومفيصل محمد صالح

المصدر: صحيفة التغيير السودانية

كلمات دلالية: هاشم صدیق

إقرأ أيضاً:

مصر تستضيف مؤتمرا لمناقشة وقف الحرب في السودان

الخرطوم– تستضيف القاهرة، يومي السبت والأحد، مؤتمرا يجمع فرقاء السودان لمناقشة وقف الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية والتحضير للمسار السياسي.

وذلك في حدث اعتبره مراقبون خطوة لكسر الحاجز النفسي وبناء الثقة بين فرقاء سيجلسون تحت سقف واحد لأول مرة منذ اندلاع الحرب في بلادهم قبل نحو 15 شهرا.

ووجهت وزارة الخارجية في مصر الدعوة إلى أكثر من 50 من قيادات القوى السياسية والمدنية والمجتمعية وشخصيات قومية ورجال دين وإدارات أهلية، وتجاوزت الدعوة المقدمة للتنظيمات وليس الكتل السياسية- التيار الإسلامي.

وراعت الدعوة التوازنات على ضفتي المشهد السوداني، إذ شملت القوى المنضوية تحت تحالف قوى الميثاق الوطني المساندة للجيش، والقوى المدنية الديمقراطية “تقدم” المتّهمة من خصومها بموالاة قوات الدعم السريع.

ووفقا لخطاب الدعوة، فإن المؤتمر الذي تستضيفه العاصمة الإدارية الجديدة في القاهرة، سيستمع خلال جلسات متوازية إلى رؤى القوى المدنية والسياسية بشأن التداعيات السلبية للصراع الراهن في السودان، وسبل معالجته، وطبيعة الاحتياجات المطلوبة للمتضررين، وكذلك إلقاء الضوء على محددات الحوار السياسي السوداني-السوداني.

رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك على رأس المشاركين في مؤتمر القاهرة (مواقع التواصل الاجتماعي)

ومن أبرز المشاركين رئيس هيئة القوى المدنية الديمقراطية “تقدم” عبد الله حمدوك، ورئيس حزب الأمة فضل الله برمة ناصر، ورئيس المكتب التنفيذي لحزب التجمع الاتحادي بابكر فيصل، ورئيس حزب المؤتمر السوداني عمر الدقير، ورئيس حزب البعث كمال بولاد، وقائد حركة تحرير السودان المجلس الانتقالي الهادي إدريس، وزعيم تجمع قوى تحرير السودان الطاهر حجر، بجانب ممثلي المهنيين والنقابات والمجتمع المدني ولجان المقاومة.

وفي تطور لافت، قال حزب البعث العربي الاشتراكي إن زعيمه علي الريح السنهوري سيشارك في مؤتمر القاهرة بعد فترة اختفاء طويلة، منذ مغادرة الحزب تحالف قوى الحرية والتغيير.

كما قدمت الدعوة إلى جعفر الميرغني نائب رئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي، ورئيس حركة تحرير السودان مني أركو مناوي، وقائد حركة العدل والمساواة جبريل إبراهيم، ورئيس الحركة الشعبية شمال مالك عقار، ورئيس حزب الأمة مبارك الفاضل، ورئيس المجلس الأعلى للبجا والعموديات المستقلة محمد الأمين ترك.

وشملت الدعوة كذلك رئيس الجبهة الشعبية للتحرير والعدالة الأمين داؤود، ورئيس حزب التحرير التجاني السيسي، إضافة إلى شخصيات وطنية بينها السفير نور الدين ساتي، والواثق كمير، وصديق أمبدة، وعالم عباس، والمحبوب عبد السلام، والشفيع خضر.

وأعلنت الحركة الشعبية- شمال، برئاسة عبد العزيز الحلو، عدم المشاركة في مؤتمر القاهرة كما أعلنت بثينة دينار نائبة رئيس التيار الثوري الديمقراطي، اعتذارها أيضا عن المشاركة في المؤتمر، مطالبة تحالف “تقدم” الذي تنتمي إليه بتبني رؤية واضحة حول العملية السياسية قبل المشاركة.

من جهته، قال صديق الصادق المهدي، الأمين العام لتنسيقية “تقدم” ومساعد رئيس حزب الأمة القومي، خلال لقاء مع مجموعة من الإعلاميين بالقاهرة الأربعاء، إنهم متفائلون بمؤتمر القاهرة لجهة أنه يخاطب قضايا الحرب، ويسعى إلى توظيف التضامن الإقليمي والدولي لإنهاء الاقتتال الدائر في البلاد.

ورأى المهدي أن القاهرة قادرة على الضغط على الطرف المتعنت لوقف الحرب، وأن ما يتمخض عنه المؤتمر سيؤسس لواقع جديد يتطلب تكامل الأدوار، من أجل توحيد موقف المدنيين، لأن ذلك يشكل ضغطا على طرفي الحرب لوقفها.

من جانبه، يرى المفكر السياسي اليساري الشفيع خضر أن موافقة القوى المدنية والسياسية على المشاركة في المؤتمر، يعني أنها باتت على قناعة بأن الوطن كله أصبح في مهب الريح، وأن خطرا داهما يتهدد الجميع، وأن ما يجمع بين هذه القوى من مصالح في الحد الأدنى الضروري للحياة في سودان آمن، أقوى مما يفرقها، وأنها لا بد أن تلتقي وتعمل بجدية وإخلاص لمنع انهيار الدولة السودانية.

ويعتقد المفكر السوداني، في رسالة مفتوحة بمناسبة المؤتمر، أن المسؤولية الأكبر والرئيسية في وقف الحرب المدمرة تقع على عاتق القوى المدنية السودانية، لأنها المناط بها تصميم وقيادة العملية السياسية التي بدونها لن تضع الحرب أوزارها، وتوقع أن يسعى المؤتمرون لمضاعفة المشتركات والتوافق حول مقترحات عملية.

ويستبعد المتحدث أن يحسم المؤتمر كل القضايا المطروحة من أول وهلة، لأنها تحتاج إلى عدة لقاءات أخرى، ويقترح أن تكتفي محصلة المؤتمر بالتأكيد على المبادئ العامة حول وقف الحرب عبر التفاوض، ومخاطبة الأزمة الإنسانية، والحفاظ على وحدة السودان، وعملية سياسية تؤسس لفترة انتقال تأسيسية، والتوافق على لجنة تحضيرية للقاءات تالية مكملة.

من جهتها، ترى أماني الطويل، الكاتبة المصرية ومديرة البرنامج الأفريقي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أن مؤتمر القاهرة يأتي في سياق جهد تراكمي لبلورة موقف استكشافي إزاء وقف الحرب، وتم استبعاد قوى من المؤتمر لدورها في الحرب وعدم طرحها رؤى لوقفها.

وبحسب حديث الكاتبة للجزيرة نت، فإن مصر تسلك منهجا مدروسا وحذرا لتقريب مواقف الأطراف السودانية، لكن تحقيق تقدم يستند إلى توفر إرادة عند الفرقاء السودانيين، كما أن القوى الدولية والإقليمية ستدعم هذا الاتجاه في حال التوصل إلى تفاهمات إيجابية.

وتضيف المتحدثة أن المؤتمر جولة استكشافية، ولا ينبغي أن ينظر إليه على أنه سينهي الحرب، بل محاولة لبناء علاقات جديدة على أسس جديدة، لبلورة خريطة طريق نحو حل الأزمة السودانية.

بدوره، يرى الكاتب والمحلل السياسي محمد لطيف أن نجاح المؤتمر يتوقف على تجاوز الأطراف المشاركة التخوين والتخوين المضاد والتلاوم والمحاسبة على الماضي، وقدرتها على تجريد الأحداث الجارية في البلاد من الحمولات السياسية وتناولها بمسؤولية باعتبارها أزمة تواجه الشعب السوداني.

وفي حديث للجزيرة نت، يعتقد المحلل أن المؤتمر فرصة للأطراف المناهضة للحرب لإقناع القوى التي تدعمها بخطأ موقفها، ودفعها إلى مربع جديد لتجنيب البلاد مزيدا من الدمار وتشريد المواطنين.

المصدر : الجزيرة

مقالات مشابهة

  • غدا.. يوم التقبيل العالمي
  • رشان اوشي: المأزق السوداني متعدد الأوجه
  • مصر تستضيف مؤتمرا لمناقشة وقف الحرب في السودان
  • محمد رفعت هاشم خبير تكنولوجي: أسباب تدفعك إلى تعلم البرمجة في الحال
  • مؤتمر القاهرة.. تحرك حثيث لرأب الصدع في السودان
  • المحاور والعوائق في التفاوض السوداني
  • التفكير بالتمنى وسكرة ينى
  • “سؤال المليار”.. هل نحن على حافة حرب عالمية ثالثة؟
  • سيحاصرك الموت غدا!!
  • بعد انتحاره بسبب ضغط العمل.. هل لـ «لروبوتات» مشاعر مثل الإنسان؟