جريدة الرؤية العمانية:
2024-07-26@14:06:20 GMT

كفاءات أم علاقات؟!

تاريخ النشر: 16th, September 2023 GMT

كفاءات أم علاقات؟!

 

د. صالح الفهدي

في كلّ عامٍ تتجدد طموحاته، وآمالهُ ليكون من المرشّحين لمرتبةٍ أفضل، ويخيبُ أمله من عام لآخر، حتى اجتاز معايير الترشُّح فخاض الاختبارات، واجتازها بتفوقٍ وتميُّز حتى بُشّر بالقبول، وبُلّغ بالاستعداد للمرحلة الجديدة، لكن (وما أكثر هذه الّلاكن، وما أعظم ألمها) طُلب للاجتماع قبل يومٍ واحد من بدء التدريب، وتم إبلاغه بأنّه لم يُقبل فتلقّى الخبر مصدومًا، وبكى بحرقة، حتى أشفق عليه أحدهم، فصارحه قائلًا: "أحد المسؤولين في الجهة قد وضع اسم ابنه في القائمة بدلًا من اسمك"، يقول الشّاب: "أعلمُ أن الواسطة والمحسوبية لا تزال فاعلة، ولكن الذي أحرق قلبي هو أنَّ ابن هذا المسؤول الذي وضعوه بديلًا لي لم يكن في القائمة من الأصل أبدًا".

صُغتُ هذه القصّة بتصرّفٍ حتى لا أكشف عن الوظيفة ولا عن القطاع، لأضرب بها مثلًا حول غلبة العلاقات على الكفاءات، وما تسفرُ عنه من إضرار بنماء الوطن.

كم هي الكفاءات القديرة التي يفقدها الوطن لثلاثة أُمور؛ الأول: لأنّه يغلّبُ عليها العلاقات، فيضعُ من لا يستحق في مكانة من يستحق، أمّا الثاني: فإقصاؤه لأصحاب الكفاءات الذين يُظهرون سمات كفاءتهم، وصفات قدراتهم كي لا يظهروا فيكون لهم شأنٌ على مسؤوليهم، بغضّ النظر عن الإضافات العظيمة التي يُمكن أن يقدّموها لأوطانهم، الأمر الثالث: أن الوطن لا يصلُ إلى الكفاءات لعدّة أسبابٍ منها: أن هناك من يحجبُ الوصول إليهم حتى يقدّم من شاء، أو أنه يكلّفُ جهاتٍ لا تعرفُ كيفية استقطاب أصحاب الكفاءات.

الأوطانُ لا تبنيها العلاقات؛ بل تبنيها وتُعلي شأنها الكفاءات.. العلاقات تأتي بالطالح أكثر من الصالح لأنَّ الأهواء والأمزجة والعواطف هي التي تحكمها، أمّا الكفاءات فتأتي بالأصلح من بين الصالحين، والأكثر تميُّزًا من بين المتميّزين.

وعلى ذلك أقول: إنّ الأوطان عليها أن تقرّر: هل تريدُ البناء الحقيقي، والتطوُّر الفعّال كما تُعلن ذلك في خطاباتها، أم أنها تريدُ بناءً ظاهريًا بغير محتوى، وتطوُّرًا بغير جوهر؟! إذا كانت الأوطانُ تمتلك الإرادة الفاعلة للبناء والتطوير والعمران والازدهار فإنِّه لا بديل لها سوى تمكين الكفاءات والحرص على وضعهم في الأمكنة التي يجدرُ بهم أن يكونوا فيها ليقودوا الحراك التنموي في أوطانهم.

أمّا إذا كانت الأهواءُ هي التي تسيّرُ الأوطانُ فإنها تجعلُ للعلاقات قوةً نافذة، وواسطةً مؤثّرة، وحينها لا يجب أن تسأل الأوطانُ عن سرّ تأخر اقتصادها، وبطء نمائها، وتعثُّر مسارها، وما يعتورها من عراقيل، وبيروقراطيات في أدائها، وإنجاز المصالح فيها.

والله لقد شهدتُ على كفاءاتٍ ذات قدراتٍ عظيمة تنميتُ ان يكون لها مكانةٌ ما لكي تُسهم في بناء وطنها، لكنها ضيّعت بسبب الأسباب الثلاثة التي ذكرتها آنفًا، يقول الشاعر عبيد بن الأبرص:

لأعرفنّك بعد الموت تندُبُني

وفي حياتي ما زوّدتني زادي

الأوطانُ بحاجةٍ إلى من يتقصّد الكفاءات، ويتبنّى سياسة اصطياد الرؤوس (Head Hunting) بكلّ تجرُّدٍ وأمانة من أجل رفعة الوطن وحده، لا لسبب أو لآخر، يقول الراحل غازي القصيبي في كتابه "حياة في الإدارة": "أستطيع أن أقول، صادقًا، إنني لم أندم على قرار واحد بتعيين مسؤول واحد، كان السبب، بعد توفيق الله، أنني لم أنظر قط إلى الاعتبارات الشخصية. لم يكن العمل عملي الشخصي لأُشرك فيه من أحب وأحجب عنه من أكره. كان العمل عمل الدولة، وكان من واجبي أن أبحث عن الأكفأ دون تأثر المودة أو الصداقة أو الزمالة".. وأجزمُ شخصيًا بالقول إنه لو تبنّى كل مسؤول كبيرٍ هذا المبدأ لتحررت الأوطان من قيود الأمزجة والأهواء والمصالح الشخصية التي ما أردى الأوطان أكثر منها..!!

من نافلة القول إن الكفاءات القديرة لو وُضعت في مكانها الصحيح لأثرت الأوطان بعطائها، ودفعته بإبداعاتها وأفكارها إلى مصاف التقدم، وليس ذلك صعبًا ولا مستحيلًا إن تبنته الأوطان سياسة لا تحيد عنها، وفي هذا سُئل السير ريتشارد برانسون صاحب مجموعة فيرجين: كيف تستطيع إدارة المئات من شركاتك فأجابهم: "لا أدير شركاتي، وإنما أختار الأشخاص المناسبين لإدارتها، وأمضي عنها". ومثله أجاب جاك ماي صاحب شركة "علي بابا": "أنا لا أفهم في التكنولوجيا، ولا أفهم شيئًا في الإدارة ولا في أمور أُخرى ولكنني طوال سنوات أختار أشخاص أذكى مني وأجعلهم يعملون مع بعضهم البعض".

خلاصة الأمر.. إننا لا نجدُ خيارًا دون اختيار الكفاءات الجديرة، ولكن قبلها علينا أن نحدد من يختار هذه الكفاءات، ومن هو الوصي بالإشارة إليها، وما هي معايير الإختيار في ذلك، متيقنين أنه متجرّدٌ من المصلحة الشخصية، ومتنصلًا من الأهواء والأمزجة، ومطبقًا للمعايير السليمة التي تستقطب أفضل الكفاءات إلى مكانها الصحيح حينها سنرى كيف يتقدم الوطن سريعًا في زمنٍ لا يعترفُ إلا بالكفاءات.

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

إقرأ أيضاً:

كريم إمام يكتب: مساحات مشتركة للشباب بالحوار الوطني

منذ أن أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي دعوة الحوار الوطني في حفل إفطار الأسرة المصرية في أبريل 2022، أصبح هذا الحوار منصة للتشاور المستمر بين جميع فئات المجتمع المصري. تشمل هذه الدعوة القوى الوطنية، الشخصيات العامة، النقابات، الهيئات، الشباب، العمال والفلاحين، ليتشاركوا جميعًا في رسم مستقبل الوطن.

من اللحظة الأولى، كان الشباب على رأس مائدة الحوار، يشاركون بقوة في كافة المحاور والقطاعات. لقد أتاح الحوار الوطني مساحات مشتركة تفاعلية بين كافة التيارات، ما أسهم في نشوء حالة من الحراك السياسي غير المسبوق. هذا الحراك يهدف إلى ترسيخ الحياة الديمقراطية، تعزيز الإصلاحات السياسية، وتقديم رؤى اقتصادية جديدة تتناسب مع التحديات الراهنة التي يشهدها العالم بأسره.

الحوار الوطني لم يكن مجرد لقاءات وأحاديث، بل كان محطة لإطلاق العنان للأفكار الخلاقة والابتكارات الشبابية التي من شأنها أن ترسم ملامح الجمهورية الجديدة. إن إشراك الشباب في هذا الحوار يعكس إيمان القيادة المصرية بأهمية دورهم الفاعل في بناء المستقبل، فهم ليسوا فقط أمل الغد، بل هم أيضاً صناع الحاضر.

لقد شهد الحوار الوطني تقديم مقترحات جوهرية في مختلف المجالات، سواء كانت اقتصادية أو اجتماعية أو ثقافية، وفي ضوء الأزمات العالمية الحالية، أصبح من الضروري أن نتبنى رؤى متكاملة ومستدامة تعزز من قدرة الدولة على مواجهة التحديات وتحقيق التنمية الشاملة.

من خلال هذا الحوار، تمكنت الدولة من فتح قنوات اتصال مباشرة مع كافة شرائح المجتمع، ما أتاح فرصًا غير مسبوقة للتعبير عن الآراء وتبادل الأفكار. هذا النهج الديمقراطي يعكس روح الجمهورية الجديدة التي تتطلع إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والازدهار الاقتصادي لجميع المواطنين.

لا يمكن إغفال دور الحوار الوطني في تعزيز الشعور بالانتماء والوحدة الوطنية. لقد كان منصة للتقارب والتفاهم بين مختلف التيارات والفئات، ما ساهم في بناء جسور التواصل والثقة المتبادلة. إن هذا التوجه يعزز من استقرار الدولة ويخلق بيئة محفزة للإبداع والابتكار.

إن الجمهورية الجديدة التي نسعى إلى بنائها تعتمد في أساسها على الشباب الواعي والمثقف، الذي يمتلك القدرة على التفكير النقدي والتحليل البناء. هؤلاء الشباب هم الذين سيقودون قاطرة التنمية والتقدم، وهم الذين سيحافظون على مكتسبات الوطن ويحمون مقدراته.

وفي ختام هذا المقال، لا يسعنا إلا أن نشيد بالقيادة الحكيمة للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي أطلق هذه المبادرة الوطنية وأعطى الفرصة للشباب ليكونوا جزءًا أساسيًا من عملية البناء والتطوير. إن الحوار الوطني هو خطوة كبيرة نحو تحقيق آمال وطموحات المصريين، وهو يعكس الرؤية الاستراتيجية لبناء دولة قوية، مستقرة، ومزدهرة.

المهندس كريم إمام، أمين أمانة الشباب المركزية لحزب حماة الوطن

مقالات مشابهة

  • أزمنة الكرب وبعثرة الأوطان (31)
  • كريم إمام يكتب: مساحات مشتركة للشباب بالحوار الوطني
  • ندوة في موريتانيا تناقش دور المجتمع المدني ومراكز التفكير في تعزيز علاقات الرباط ونواكشوط
  • برنامج تدريبي حول بناء كفاءات بيئية مستقبلية بشمال الباطنة
  • تنظيم دورة الإسعافات الأولية والإنعاش القلبي الرئوي لرفع كفاءات الكوادر الرياضية
  • "عمران" تزف كفاءات وطنية مؤهلة إلى سوق العمل بختام النسخة الأولى من "إمداد"
  • "دور الشباب في بناء الأوطان" ندوة توعوية بفعاليات جامعات إقليم الدلتا بالمنصورة
  • «ريثيون الإمارات» تطلق برنامج التدريب الداخلي للاستثمار في الكفاءات الإماراتية
  • أزمنة الكرب وبعثرة الأوطان (30)
  • خالد الجندي: هذا حال الشعوب التي استجابت إلى لصوص الأوطان (فيديو)