الثورة نت:
2025-04-03@05:26:49 GMT

21 سبتمبر.. أيقونة التحرر من الوصاية والارتهان

تاريخ النشر: 16th, September 2023 GMT

21 سبتمبر.. أيقونة التحرر من الوصاية والارتهان

 

شكلت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر علامة فارقة في تاريخ اليمن المعاصر، وتحولا مفصليا في حياة اليمنيين بعد عقود من التبعية والعمالة والارتهان والفساد، والمؤامرات الخطيرة التي كان يتعرض لها اليمن بعد أن وصلت البلاد إلى حالة استلاب القرار السياسي.
وتكمن أهمية هذه الثورة المجيدة في أنها حققت إنجازات عظيمة ونقلت الشعب اليمني من وضع كان فيه مسلوب الإرادة والقرار.

. مستباحاً من قبل الأعداء، إلى وضع أصبح رقما صعباً ومؤثراً في مجريات الأحداث وقوة فاعلة بالمنطقة والعالم.
الثورة /…

كما أن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر كرست مفهوم الشراكة الحقيقية، وانتصرت بالتحرك المسؤول والفاعل لكافة مكونات الشعب اليمني، رغم التآمر الأمريكي والسعودي والتهديدات التي كان يطلقها مجلس الأمن، لكن أبناء اليمن تمكنوا من الخروج من الوصاية والارتهان وفرض إرادتهم بحكمة القيادة الثورية.
وفي الوقت الذي تحل علينا فيه الذكرى التاسعة لهذه الثورة المباركة، وهي تزخر برصيد حافل من الإنجازات الباذخة في كافة المجالات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية، نستعرض بعضاً من هذه الإنجازات:

سياسيا
بعد أن ظلت اليمن لعقود مضت بمثابة حديقة خلفية للسعودية ومن ورائها أمريكا، وكان سفيرا الرياض وواشنطن هما الحاكمان الفعليان لليمن، حيث عملت السعودية على شراء الكثير من الولاءات القبلية والدينية وإثارة الفتن والنعرات وتمزيق النسيج الاجتماعي، في الوقت الذي اتجه فيه السفير الأمريكي إلى اختراق الحالة الشعبية، وبدأ بتنسيق علاقات مباشرة مع بعض الشخصيات الاجتماعية، والمشايخ، والوجاهات الاجتماعية، وحاول أن يعزز له ارتباطات مع بعض المناطق، واتجه إلى وجهة أخرى هي المجتمع المدني؛ ليتغلغل من هذه النافذة، وأصبح يتدخل في كل شؤون اليمن بما يخدم السياسات الأمريكية الاستعمارية العدائية.

التحرر من الوصاية
جاءت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر كضرورة وطنية وشعبية ملحة، وحققت إنجازات عدة، لعل أهمها وأكبرها – كما يقول قائد الثورة السيد عبدالملك الحوثي «يحفظه الله»، في أحد خطاباته – «تحرر الشعب اليمني من الوصاية الخارجية واستعادة حقه في الاستقلال والسيادة والحرية».

إسقاط مشروع الأقلمة
حيث أسقطت ثورة الـ 21 من سبتمبر كليا مشروع الأقلمة والوصاية الدولية على اليمن التي جاءت محمولة على قرارات مجلس الأمن وما يسمى بالفصل السابع، والذي كان الغرض منه تمزيق اليمن وتجزئته، وتغذية الصراعات والاغتيالات، ونشر الفوضى والحروب فيه وغيرها.

شراكة وطنية
إلى ذلك فإن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر، عملت على تشكيل حكومة كفاءات وشراكة وطنية بعيدا عن الإملاءات والتدخلات الخارجية، بالإضافة إلى تطهير البلاد من العملاء وهوامير الفساد واستعادة الموارد من أيدي العابثين والناهبين.

مقاومة التطبيع
كذلك فإن ثورة الـحادي والعشرين من سبتمبر مثلت فاصلاً وسداً منيعاً ضد التطبيع، ولولا هذه الثورة الـعظيمة لكان اليمن قد سبق الإمارات والبحرين في التطبيع مع كيان العدو الصهيوني، وفي هذا الصدد، كشف قائد الثورة “المسار المنحرف الخطير، الذي بدأت السلطة تسير فيه آنذاك للتطبيع مع إسرائيل، والعلاقة مع إسرائيل، ويشير إلى أنه أتى آنذاك مسؤولون إسرائيليون في مراحل معينة إلى صنعاء بطريقة سرية، وكانت لهم لقاءات، واتفاقيات، وترتيبات لتعزيز هذه الحالة في المستقبل وفق مسار مرسوم، مبيناً أن هذا شيء طبيعي في ظل الخضوع لأمريكا، ولكنه غير طبيعي بالنسبة للشعب في هويته الإيمانية، وموقفه المسؤول، الإنساني والمبدئي في العداء للعدو الإسرائيلي».

الوضع الأمني
قبل ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر كان الوضع الأمني في اليمن في ذروة الضعف والانهيار والانفلات والصراعات البينية الطاحنة بين أوساط المجتمعات، أبرزها الثأرات القبلية والمناطقية والطائفية، إضافة إلى حالة الفوضى الأمنية العارمة التي تسببت بها التنظيمات الإرهابية أيادي أمريكا “داعش والقاعدة”، وأصبح القتل والتفخيخ والتفجير قبل الثورة يمارَس بصورة شبه يومية، بل وصل الأمر إلى الحد الذي عجز فيه منتسبو الجيش والأمن عن ارتداء بزتهم العسكرية الرسمية ورتبهم؛ خوفاً من الاستهداف والقتل، الذي طال المئات منهم؛ نتيجة انهيار الوضع الأمني، والاستهداف والتدمير الممنهج للجيش والمؤسّسة الأمنية من قبل الجماعات التكفيرية، سواءً بالاغتيالات والتفجيرات أو غيرها.

فوضى واغتيالات
لم يكن هناك شبر آمن في اليمن لم تصل إليه الفوضى، والاغتيالات والذبح والإخفاء القسري والتفجيرات الانتحارية التي طالت كُـلّ شيء، حيث وصلت عمليات الاغتيال والإخفاء القسري في تلك الفترة، بحسب إحصائية أمنية للفترة من 1990 حتى 2014م، إلى ثمانية آلاف و132 عملية، منها ما يزيد عن 1364 عملية اغتيال في ذروة التدخل الأمريكي خلال عامي 2011 و2014.

نجاحات مذهلة
بعون الله وتمكينه وبفضل قائد الثورة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي (يحفظه الله)، والقيادات الأمنية والعيون الساهرة على أمن واستقرار الوطن، حققت ثورة الـ21 من سبتمبر إنجازات متراكمة ونجاحات مذهلة على الصعيد الأمني بدءاً بالقضاء على جيوب الجماعات التكفيرية داعش والقاعدة وتطهير كافة المناطق من تواجدها بشكل نهائي، وتأمين الطرقات للمسافرين، والقضاء على فتنة ديسمبر.

منظومة أمنية واستخباراتية قوية
بالإضافة إلى ذلك استطاعت ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر في ظل اهتمام وحرص القيادة الثورية والسياسية، بناء منظومة أمنية واستخباراتية قوية وفعالة، لمواجهة الحرب الأمنية والاستخباراتية لدول العدوان، ووصلت إلى درجة التفوق على تلك الحرب التي يشنها العدوان ضد الشعب اليمني، وأصبحت المؤسّسة الأمنية بعد ثورة 21 سبتمبر، ورغم استهدافها المباشر، حاضرة بقوة وفاعلية عالية في الواقع العملي، ويرتقي أداؤها نحو الأفضل يوماً بعد يوم، كما أن لها برنامجها المهم في البناء والتصحيح والتطوير، وترسيخ دعائم الأمن والاستقرار في المحافظات الحرة، وحفظ النظام وسيادة القانون ومكافحة الجريمة وإفشال مؤامرات ومخطّطات العدوان لاستهداف الجبهة الداخلية، كُـلّ ذلك لم يأتِ من فراغ، بل كان نتائج عمل دؤوب ومتواصل في الإعداد وإعادة البناء والتدريب والتأهيل لهذه المؤسّسة الوطنية التي أصبحت اليوم أقوى وأكثر فاعلية في القيام بمهامها وأكثر نجاحاً.

إنجازات بالأرقام
تؤكد وزارة الداخلية في تقريرها الذي أصدرته في 22 مارس من العام الجاري، أن إجمالي إنجازاتها الأمنية منذ بدء العدوان بلغ 288 ألفاً و866 إنجازا أمنيا.
حيث تمكنت وزارة الداخلية من إحباط المخططات الإجرامية للعدو خلال 8 أعوام من ضبط ألف و310 خلايا تابعة للعدوان كانت تخطط لتنفيذ مخططات تخريبية واغتيالات في العاصمة صنعاء والمحافظات الحرة.
كما تمكنت وزارة الداخلية من إفشال 347 عملية انتحارية للعناصر التكفيرية كانت تستهدف المواطنين في الأماكن العامة، وضبط وتفكيك 3 آلاف و 207 عبوات ومتفجرات كانت قد أعدتها العناصر التابعة للعدوان لاستهداف حياة المواطنين في الطرقات والأماكن العامة بالإضافة إلى ضبط ألف و 23 عنصرا تابعا للجماعات التكفيرية.
وبحسب تقرير وزارة الداخلية الصادر في مارس المنصرم، تم ضبط 24 الفاً و965 عنصرا جندهم العدوان للقيام بعمليات تخريبية تستهدف الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى إلقاء القبض على (ألفين و 94 عنصرا ) جندهم العدوان للقيام بعمليات الرصد وتحديد الأهداف.
وفي مجال مكافحة المخدرات والخمور نفذت وزارة الداخلية منذ بداية العدوان 12 ألفاً و634 عملية، ضبطت خلالها مئات الأطنان من الحشيش المخدر وكميات كبيرة من أصناف المخدرات الأخرى والخمور، وجميعها كانت قادمة من المناطق التي يسيطر عليها العدوان ومرتزقته.
أما في مجال ضبط ومكافحة الجرائم الأخرى على اختلاف أنواعها.. فقد تمكنت وزارة الداخلية خلال نفس الفترة من ضبط 194 ألفاً و 39 جريمة جسيمة و 982 عملية ضبط جريمة تزوير وتنفيذ 16 ألفاً 854 عملية ضبط واستعادة مسروقات وضبط 461 عملية جريمة قطع الطريق.
وبحسب التقرير فقد بلغ عدد العصابات الإجرامية المنظمة التي تم ضبطها خلال الثمانية أعوام 587 عصابة، تنوع نشاطها ما بين السرقة والسطو، والسرقة بالإكراه والتزوير والحرابة وغيرها من الجرائم.
وعملت وزارة الداخلية على مكافحة تهريب وإدخال المواد الغذائية والأدوية الفاسدة والمنتهية الصلاحية إلى المحافظات والمناطق الحرة التي يديرها المجلس السياسي الأعلى، حيث تم تنفيذ 288 عملية ضبط أدوية منتهية الصلاحية، و458 عملية ضبط مواد غذائية منتهية الصلاحية.
بالإضافة إلى تنفيذ 25 ألفاً و492 عملية إحباط تهريب بضائع مختلفة، وتنفيذ 4 آلاف و497 عملية ضبط مخالفة جمركية.
كما تم إحباط 347 مخططا تخريبيا «إرهابيا» كان العدوان قد حرك عملاءه وخلاياه الإجرامية لتنفيذها في جميع المحافظات الحرة، وتم تفكيك 2700 عبوة ناسفة كانت قد زرعتها العناصر الإجرامية التابعة للعدوان لاستهداف المواطنين، وفقا لإحصائيات رسمية لوزارة الداخلية.
ولم يقتصر الإنجاز الأمني على صعيد مواجهة «الإرهاب» والتصدي لأدوات العدوان، بل شمل مختلف المجالات، إذ تم ضبط 148 ألفاً و770 جريمة جنائية مختلفة، وبنسبة ضبط بلغت 94%، كما نفذ رجال الأمن منذ بداية العدوان 16 ألفاً و36 عملية ضبط واستعادة مسروقات وتسليمها لأصحابها، وضبطت وزارة الداخلية 565 خلية منظمة، كما تم تنفيذ 11 ألف و396 عملية ضبط لجرائم تهريب وترويج للمخدرات، وإحباط 317 عملية تهريب آثار يمنية، وتنفيذ أكثر من 11 ألفاً و914 مهمة لتأمين فعاليات رسمية وشعبية بالإضافة إلى آلاف الإنجازات.

عظمة الثورة
كما أن الإنجازات في المجال الأمني مستمرة بصورة يومية يتم ضبط مرتكبي الجرائم علاوة على إفشال أغلب الجرائم في مهدها، وهذا ما يؤكد عظمة هذه الثورة وأهميتها وتراكم إنجازاتها رغم العدوان والحصار المُستمرّ، وفي مقابل ذلك، نجد الفوضى الأمنية والاغتيالات والتفجيرات شبه اليومية في المحافظات الواقعة تحت سيطرة الغزو والاحتلال، وانتشار الجماعات الإرهابية والعصابات التكفيرية وسيطرتها على مساحات شاسعة تحت مرأى ومسمع ورعاية الغزاة.

عسكريا
سعت الأنظمة السابقة وفق توجيهات السفير الأمريكي إلى تفكيك الجيش اليمني وهيكلته وإضعافه وسلب هويته اليمنية الإيمانية واستبعاد كل العناصر الوطنية واستبدالهم بعناصر طائفية وعنصرية، بالإضافة إلى بروز عامل الاستهداف المنظم للجيش من قبل ما يسمى تنظيم القاعدة بطريقة منظمة ومدروسة هدفها تدمير معنويات الجيش وتصفيته وإفقاده الثقة في نفسه وبالتالي ثقة الشعب فيه بمقابل إفساح المجال أمام القاعدة وتضخيمها وإظهار قوتها وبشاعتها.

تدمير القوة الدفاعية
عملت الولايات المتحدة الأمريكية – بالتنسيق مع النظام السابق – على تدمير القوات الدفاعية اليمنية بشكل عام، من خلال تدمير منظومات صواريخ الدفاع الجوي، وتسريح ألوية حماية الحدود وقوات الدفاع البحري العسكرية، واستبدالها بـ ”وحدات أمنية رمزية”، حسب نص التوجيه الذي أصدره السفير الأمريكي.

بناء جيش وفق أسس صحيحة
وبفضل الله وعونه حققت ثورة الـ21 من سبتمبر إنجازات هائلة، لعل أهمها، كما أوضح قائد الثورة في كلمة له بهذه الذكرى، أن أهم الإنجازات العمل على إعادة بناء الجيش والأمن على أسس صحيحة وعقيدة قتالية سليمة في خدمة شعبه والدفاع عن وطنه وعدم الارتهان للخارج، مؤكدا أن هناك برنامجاً لتطوير أداء الجانب الأمني والعسكري بشكل مستمر.

التصنيع العسكري
إلى ذلك فإن من أهم منجزات ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر تنامي وتطور القدرات العسكرية في مجال التصنيع العسكري، كما يشير السيد القائد (يحفظه الله) «هو الإنجاز الكبير في التصنيع العسكري.. هذا الإنجاز يفتخر به الوطن وأبناء هذا البلد.. الإنجاز في التصنيع العسكري ليس إنجازاً عادياً، هو إنجاز عظيم في مختلف الصناعات العسكرية»، لافتا إلى أن “اليوم بلدنا تصنع مختلف أنواع الأسلحة، من أسلحة المشاة إلى الأسلحة المتوسطة إلى الأسلحة بعيدة المدى، بدءا من المسدس والكلاشنكوف والمدفع إلى الصواريخ البالستية والطائرات المسيرة بمختلف مدياتها», وأضاف «إن النهوض بالتصنيع العسكري جرى في ظل العدوان والحصار وكتب الله التوفيق العجيب للإخوة في هذا المجال»، مشيراً إلى أن «مستقبل التصنيع في بلدنا عسكرياً ومدنياً مستقبل واعد، واليوم نصنع ما تعجز الكثير من الدول عن تصنيعه، ومن المتاح أمامنا تحقيق نهضة في الصناعة المدنية، فالتقدم بالتصنيع العسكري أصعب بكثير من المدني».

المصدر: الثورة نت

إقرأ أيضاً:

ثورة في علم الفيزياء.. هل كل ما نعرفه عن الزمن الكوني خاطئ؟!

مقدمة للترجمة

يفترض فريق من علماء الكونيات أن الكون لا يتميز ببنية مكانية فحسب (حيث تتوزع المجرات في خيوط تفصل بينها فراغات*)، بل يتمتع أيضًا ببنية زمنية، حيث لا يتدفق الزمن بالوتيرة ذاتها في كل مكان، بل يختلف من مكان لآخر. تُعَد هذه الفكرة خروجًا جذريًّا عن المألوف، بل إن وصفها بالخروج عن المألوف سيكون تقليلًا من شأنها. فلطالما اعتقدنا أن الزمن يسير بالوتيرة ذاتها في جميع أنحاء الكون على المقاييس الكبيرة. ولكن وفقًا لهذا النموذج المعروف باسم "علم الكونيات الزمني"، توجد مناطق شاسعة في الكون تشهد على تدفق الزمن بمعدل أسرع مما نفترض، وهو ما يعني أن تلك المناطق شهدت مليارات السنين الإضافية مقارنة بما افترضناه سابقًا.

نص الترجمة

تخيّل أن أمامك الآن منظرًا خلابًا حيث تُلقي الشمس بظلالها على قمم جبال مُغطاة بالثلوج في الأفق البعيد، بينما يتعرج نهرٌ عبر تلالٍ متدحرجة. ثمة ما هو رائع في تأمل تضاريس هذا المشهد الطبيعي البديع الذي يُثير في نفوسنا شعورا بالجلال والروعة.

قد لا يبدو ذلك واضحًا عندما ترنو إلى السماء ليلًا، إلا أن للكون مشهدًا خاصا به حيث تتشكل خيوط من المجرات تفصل بينها فراغات شاسعة تكاد تكون خالية تمامًا. وهذه حقيقة توصل إليها العلماء منذ زمن بعيد.

إعلان

ونتيجة لذلك، قرر فريق من علماء الكونيات سبر أغوار هذه الحقيقة بدرجة أعمق مفترِضين أن الكون لا يتميز ببنية مكانية فحسب (حيث تتوزع المجرات في خيوط تفصل بينها فراغات*)، بل يتمتع أيضًا ببنية زمنية، حيث لا يتدفق الزمن بالوتيرة ذاتها في كل مكان، بل يختلف من مكان لآخر.

تُعَد هذه الفكرة خروجًا جذريًّا عن المألوف، بل إن وصفها بالخروج عن المألوف سيكون تقليلًا من شأنها. فلطالما اعتقدنا أن الزمن يسير بالوتيرة ذاتها في جميع أنحاء الكون على المقاييس الكبيرة. ولكن وفقًا لهذا النموذج المعروف باسم "علم الكونيات الزمني"، توجد مناطق شاسعة في الكون تشهد على تدفق الزمن بمعدل أسرع مما نفترض، وهو ما يعني أن تلك المناطق شهدت مليارات السنين الإضافية مقارنة بما افترضناه سابقًا.

قد يبدو الأمر غريبًا، لكن ما يجذب بعض الفيزيائيين إليه هو أن جمال هذه النظرية يكمن في بساطتها، فهي لا تتطلب أي فيزياء غريبة، بل تنبع تلقائيًّا من نظرية معروفة، يقول عنها مبتكرها ديفيد ويلتشير من جامعة كانتربري بنيوزيلندا: "إنها جزء من بنية النسبية العامة، لكنها ببساطة لم تكن جزءًا من الأفكار التي طرأت على أذهان الناس سابقًا".

قد يكون هذا الافتراض مفتاحًا لحل أحد أكبر الألغاز في الفيزياء، بل وقد يُفضي إلى تغيير جذري في الطريقة التي يعتمدها الفلكيون لوصف هيكلة الكون. والآن، مع تدفق البيانات الجديدة من عمليات المسح الفلكي، بدأت تظهر إشارات توحي بأن هذه الفكرة قد يعتريها شيء من الصحة.

يقدر العلماء عمر الكون بنحو 13.8 مليار سنة (غيتي) "لامدا- سي دي إم"

منذ ما يقرب من قرن من الزمان، توصل علماء الفلك إلى أن الفضاء يتمدد. فأيّ شيء لا يرتبط بالجاذبية مع غيره يبتعد عن كل الأشياء الأخرى. وهذا أمر متوقع باعتبار أن الكون بدأ بانفجار عظيم أدى إلى انطلاق عملية من التوسع. لكن في منتصف التسعينيات، توصلت مجموعتان بحثيتان مستقلتان إلى اكتشاف أساسي ومفاجئ للغاية، لدرجة أنهما فازتا بجائزة نوبل بسببه.

إعلان

توصلت المجموعتان إلى أن الكون لا يتمدد فحسب، بل إن معدل تمدده يتزايد بمرور الوقت. ونظرًا إلى عدم وجود تفسير واضح لهذا الأمر، افترض علماء الكونيات أن الفضاء زاخر بـ"طاقة مظلمة" غامضة تدفع الكون إلى التوسع بوتيرة أسرع فأسرع.

غير أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود تفسير طبيعي واضح لماهية هذه الطاقة المظلمة رغم العقود الطويلة التي بُذلت في سبيل البحث والتفكير فيها. ومع غياب أي بديل أفضل، أصبحت الطاقة المظلمة ركيزة أساسية في علم الكونيات.

ينطبق هذا الأمر أيضًا على فرضية تُعرف باسم "المبدأ الكوني" قدّمها عالم الفيزياء الفلكية البريطاني إدوارد آرثر ميلن عام 1933. وينص المبدأ على أن الكون متجانس، أي أنه يبدو متشابهًا في كل مكان، ولا يوجد مكان مميز عن غيره. بمعنى آخر، إذا كنت في مجرة بعيدة بدلًا من الأرض، فسترى الكون بالطريقة التي نراه بها نحن على الأرض.

لنأخذ على سبيل المثال عمر الكون الذي يُقدِّره علماء الفلك بنحو 13.8 مليار سنة، وذلك بناءً على قياسات أُجريت من الأرض. لكن وفقًا للمبدأ الكوني، لو أجرينا الحسابات ذاتها من أي نقطة عشوائية في الفضاء، لحصلنا على النتيجة نفسها.

ويرجع ذلك إلى أن الكون -على المقاييس الكبيرة – يتمتع بخاصيتين أساسيتين، وهما التجانس، بمعنى أن خصائصه متشابهة في كل مكان، والتناظر، أي أنه يبدو متماثلًا في جميع الاتجاهات. وتأكيدًا على ذلك، يقول جوشوا فريمان، عالم الكونيات من جامعة شيكاغو: "عندما أنظر إلى توزيع المجرات على نطاق واسع، أرى تقريبًا نفس العدد من المجرات بغض النظر عما إذا نظرت شمالًا، أو جنوبًا، أو شرقًا أو غربًا".

وبتطبيق هذا المبدأ الكوني إلى جانب نظرية النسبية العامة لأينشتاين -التي تُفسِّر كيف تؤثر الجاذبية في الزمان والمكان- سنحصل على نموذج كوني يحتاج إلى عناصر إضافية لتفسير الكون كما نراه اليوم، وهي المادة المظلمة والطاقة المظلمة.

إعلان

يفترض النموذج القياسي لعلم الكونيات أن المادة المظلمة تتكون من جسيمات ثقيلة وبطيئة تُعرف باسم المادة المظلمة الباردة (CDM)، في حين تُعتبر الطاقة المظلمة مجال طاقة ثابتًا يُرمز إليه بالحرف الإغريقي λ (لامدا). ومن هنا جاء اسم النموذج الكوني "لامدا- سي دي إم"، وهو الإطار الذي يعتمد عليه معظم علماء الفلك والكونيات في دراسة الكون. ويوضح فريمان ذلك قائلا: "يوفر لنا هذا النموذج إطارًا لفهم كيفية تشكل وتطور البنية الكونية، وهو ما يتوافق مع عمليات الرصد الفلكية".

تكمن مشكلة المبدأ الكوني في أن الكون يبدو متجانسًا فقط على المقاييس الكبيرة، أي على مسافات تبلغ نحو 400 مليون سنة ضوئية أو أكثر. أما عند المقاييس الأصغر، فتختلف الأمور اختلافًا كبيرًا من مكان لآخر. فعلى هذه المقاييس، نجد تجمعات ضخمة من المجرات تضم كميات هائلة من المادة؛ مما يجعلها مترابطة بفعل الجاذبية ولا تتأثر بتمدد الكون.

وفي المقابل، توجد فراغات كونية شاسعة تكاد تخلو من المادة، لذلك يستمر التمدد فيها بوتيرته الطبيعية (بخلاف المناطق التي تحتوي على تجمعات مجرية ضخمة*). يشبه هذا الأمر شكل الأرض من الفضاء، حيث تبدو كأنها كرة مثالية، لكن عند الاقتراب، تكشف التفاصيل عن جبال ووديان تُخِلّ بتوازن هذا الشكل المنتظم.

وتيرة أسرع مما افترضنا

في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لفتت انتباه ويلتشير تلك الأبحاث التي أجراها توماس بوخارت في مختبر فيزياء الجسيمات "سيرن" بالقرب من جنيف في سويسرا.

أدرك بوخارت أن عدم تجانس الكون يمثل مشكلة كبيرة، خاصة مع افتراض أن الفراغات الكونية تشكل ما يصل إلى 95% من حجم الكون. لذلك، بدأ في تطوير طريقة أفضل للتعامل معها. فبدلًا من الاكتفاء بافتراض صحة المبدأ الكوني، تبنى ويلتشير أساليب بوخارت وطبقها على نظرية النسبية العامة، ليولد في عام 2007 نموذج "المشهد الزمني"، الذي يُعيد النظر في كيفية تدفق الزمن في مختلف مناطق الكون.

إعلان

تعتمد فكرة نموذج المشهد الزمني على ظاهرة غريبة تُعرف باسم "تمدد الزمن الجذبوي". وفقًا لهذه الظاهرة، فإن الجاذبية القوية للأجسام الضخمة تعمل على تشويه الزمكان، وهو ما يُفضي إلى بطء مرور الزمن بالقرب من هذه الأجسام مقارنة بالمناطق الأبعد عنها. وكلما زادت شدة الحقل الجذبوي، زاد بطء الزمن.

صحيح أن هذا المفهوم لا يُعتبر جديدًا، إلا أن علماء الكونيات افترضوا عمومًا أن هذه التأثيرات تتلاشى على المقاييس الكبيرة، لأن المبدأ الكوني ينص على أن المادة موزعة بالتساوي تقريبًا في جميع أنحاء الكون.

بمعنى آخر، على الرغم من وجود مناطق ذات جاذبية قوية حيث يمر الزمن أبطأ (مثل المجرات)، ومناطق ذات جاذبية ضعيفة حيث يمر الزمن أسرع (مثل الفراغات الكونية)، فإن هذه الفروق تتوازن عند النظر إلى الكون على نطاق واسع، بحيث لا يكون لها تأثير كبير في التوسع الكوني أو عمر الكون المحسوب. لكن نموذج المشهد الزمني يرى أن هذا الافتراض قد يكون خاطئًا، وأن هذه التأثيرات لا تتلاشى كليًّا، بل قد تؤثر في طريقة فهمنا لتمدد الكون وعمره.

إذا تخلّينا عن المبدأ الكوني كما يقترح ويلتشير وزملاؤه، فلن يعود بإمكانكَ افتراض أن تأثيرات تمدد الزمن الجذبوي تتلاشى على المقاييس الكبيرة. وبدلًا من ذلك، يصبح من الضروري بناء نموذج كوني جديد يأخذ هذه الفروق الزمنية في الحسبان.

ولتحقيق ذلك، لابد من الخوض في التفاصيل الدقيقة لمعادلات أينشتاين، التي تربط بين خصائص الزمكان وكمية المادة والطاقة الموجودة داخله. تحدد هذه الخصائص ما إذا كانت منطقة معينة من الكون تتمدد، وإذا كان الأمر كذلك، فبأي معدل يحدث هذا التمدد، وبأي سرعة يمر الزمن في تلك المنطقة مقارنة بغيرها.

ونظرًا إلى وجود كمية ضئيلة جدًّا من المادة داخل الفراغات الكونية، فإن مرور الزمن يختلف تمامًا هناك. وكما يوضح ريان ريدن-هاربر، أحد أعضاء الفريق بجامعة كانتربري بنيوزلندا: "قد يكون عمر الفراغات الكونية أقدم من عمر التجمعات المجرية بما يصل إلى 4 مليارات سنة".

إعلان

بمعنى آخر، سيكون الزمن قد مرّ -منذ الانفجار العظيم- بوتيرة أسرع في المناطق الفارغة مقارنةً بالمناطق ذات الكثافة العالية، مثل مجرة درب التبانة؛ مما سيؤدي إلى نتيجة غير متوقعة، وهي أن عمر الكون ليس ثابتًا، بل يختلف اعتمادًا على الموقع الذي نقيس منه داخل الكون. وبالتالي، لا يمكن اعتبار أن للكون عمرًا واحدًا مطلقًا يشمل جميع أجزائه.

هذا يعني أيضًا أن الفضاء داخل الفراغات الكونية يتمدد لمدة تصل إلى أربعة مليارات سنة أكثر مما كنا نفترض لو اعتمدنا فقط على عمر الكون المحسوب من داخل مجرة درب التبانة. لكن عند تصحيح هذا الاختلاف الزمني بين المواقع المختلفة باستخدام نموذج الزمن المتغير، يدّعي الباحثون أن الحاجة إلى افتراض وجود الطاقة المظلمة تختفي تمامًا. (بمعنى آخر، قد لا يكون هناك طاقة مظلمة تدفع الكون إلى التوسع المتسارع، بل يكون التفسير ببساطة أن الزمن يمر بمعدلات مختلفة عبر مناطق الكون المختلفة*).

منذ طرحها لأول مرة، واجهت هذه الفكرة صعوبة في إقناع المجتمع العلمي، ولم يكن ذلك مقتصرًا على مجموعة ويلتشير فقط، بل ظهرتْ محاولات سابقة ومناهج مختلفة لمعالجة عدم التجانس الواضح في بنية الكون. ومع ذلك، لم تنجح هذه الفكرة أيضًا في تغيير الرأي السائد في الأوساط العلمية.

لا يتدفق الزمن بالوتيرة ذاتها في كل مكان في الكون (ناسا) الفراغات المتمددة

ما زال بعض العلماء غير مقتنعين بهذه الفكرة ومن بينهم فريمان الذي يقول معلِّقًا على ذلك: "توجد أبحاث كثيرة حول نظريات الكون غير المتجانسة. وعند أخذ هذه البُنى الكونية الضخمة في الاعتبار، هل يُمكن أن تُؤثّر فعليًّا في توسّع الكون بطريقةٍ تُحاكي تأثيرات الطاقة المظلمة؟ من وجهة نظري، تُشير غالبية الأبحاث إلى أن هذا ليس هو الحال، مما يعني أن تأثير عدم التجانس في بنية الكون لا يبدو كافيًا لاستبدال فكرة الطاقة المظلمة".

إعلان

كما أن فريمان ليس الوحيد الذي يشكك في هذه الفكرة، إذ يرى ويلتشير أيضًا أن المحاولات السابقة لبناء نماذج كونية غير متجانسة لم تكن كاملة، لأن الباحثين استمروا في افتراض أن للكون عمرًا ثابتًا في كل مكان.

ويؤكد ويلتشير أن ما لم يُدركه الكثيرون هو أن نموذج المشهد الزمني يختلف عن تلك النماذج السابقة، لأنه يأخذ في الاعتبار تفاوت عمر الكون من مكان لآخر. وهذا ما يجعل الفكرة أكثر منطقية، وذلك لسماحها بتمدد الفراغات الكونية لمليارات السنين أكثر مما كنا نتوقع عند الاعتماد على الحسابات المحلية. ويضيف ويلتشير: "عندما تجتمع هذه التأثيرات على مدى مليارات السنين، تصبح الفروق هائلة".

قد تكون لدى ويلتشير الآن فرصة جديدة لإقناع زملائه بوجهة نظره، وذلك بفضل مجموعة بيانات جديدة تُعرف باسم "بانثيون+". تحتوي هذه البيانات على ملاحظات خاصة بـ1535 مستعرًا أعظم (سوبرنوفا) من نوع خاص يُعرف باسم المستعر الأعظم من "النوع 1 إيه". وتتميز هذه النجوم المتفجرة بأنها تُطلق نفس كمية الطاقة تقريبا، لذا فإن أي اختلاف في سطوعها هو نتيجة بعدها عن الأرض. وبفضل هذه الخاصية، تُعد هذه المستعرات العظمى أداة دقيقة جدًّا لقياس تمدد الكون.

وتكمن القيمة الحقيقية لمجموعة بيانات ويلتشير في أن جميع عمليات الرصد قد فُحصت بدقة لإزالة أي أخطاء محتملة ناتجة عن تسجيل المستعرات العظمى باستخدام تلسكوبات مختلفة. وبفضل هذا الحجم الكبير والدقة العالية للبيانات، أصبح من الممكن إجراء مقارنة حقيقية بين نموذج المشهد الزمني، والنموذج الكوني القياسي (مما قد يساعد في تقييم مدى صحة الفرضية التي تقترح عدم الحاجة إلى الطاقة المظلمة*).

وفي يناير/كانون الثاني 2025، نشر ويلتشير وزملاؤه أحدث تحليل لهم استخدموا خلاله بيانات المستعرات العظمى من "بانثيون+" لمقارنة مدى توافق النموذج الكوني القياسي مع البيانات، مقابل نموذج المشهد الزمني.

إعلان

ويؤكد الباحثون أن التحليل الإحصائي الذي أجروه يُقدّم "أدلة قوية جدًّا لصالح نموذج المشهد الزمني مقارنة بالنموذج القياسي"؛ مما قد يشير إلى إمكانية الاستغناء عن فرضية الطاقة المظلمة إذا كان هذا النموذج صحيحًا.

ومع ذلك، فإن هذا التطور الأخير لا يزال غير كافٍ لإقناع فريمان، الذي يشغل منصب مدير مشروع التحليل الطيفي للطاقة المظلمة، وهو مشروع تعاوني يضم أكثر من 400 عالم من مختلف أنحاء العالم. تكمن المفارقة في أن بيانات مشروع التحليل الطيفي للطاقة المظلمة الخاصة بالمستعرات العظمى، التي جُمعت بين 2013 و2019، أظهرتْ تفضيلًا لنموذج الزمن المتغير على حساب النموذج القياسي، تمامًا مثل نتائج ويلتشير.

غير أن السبب وراء استمرار شكوك فريمان، يكمن في قياسات ظاهرة كونية أخرى تُعرف باسم تذبذبات باريون الصوتية. فقد أجرى مشروع التحليل الطيفي للطاقة المظلمة أيضًا قياسات لهذه التذبذبات، وعندما دُمجت مع بيانات المستعرات العظمى، جاءت النتائج معاكسة تمامًا، حيث فضلّت النموذج القياسي على نموذج المشهد الزمني.

يمكن التفكير في تذبذبات باريون الصوتية على أنها تموجات في البنية الكونية واسعة النطاق. وهي مرتبطة بالموجات الصوتية التي انتشرت في البلازما البدائية، وهي الحوض الكوني الساخن الذي احتوى على جسيمات شديدة الحرارة ملأت الكون في مراحله الأولى، قبل أن تبرد تدريجيًّا وتندمج لتشكل المجرات التي نراها اليوم.

وقد تركت هذه الموجات اختلافات في الكثافة؛ مما أدى إلى تشكيل أنماط مميزة في توزيع تجمعات المادة والفراغات الكونية. وسرعان ما أصبحت هذه التفاوتات في الكثافة هي المخطط الأساسي الذي يُحدد الشكل العام لبنية الكون، بما في ذلك أماكن تكتل المجرات والفراغات الواسعة التي نراها اليوم.

عندما استخرج رايان كاميليري من جامعة كوينزلاند بأستراليا وزملاؤه بيانات تذبذبات باريون الصوتية من ملاحظات مشروع التحليل الطيفي للطاقة المظلمة، وقارنوا هذه البيانات بتوقعات كل من النموذج الكوني القياسي، ونموذج المشهد الزمني، توصلوا إلى أن النموذج القياسي تفوق بوضوح. ومع ذلك، لا يزال فريق ويلتشير غير مقتنع تمامًا بهذه النتيجة، ويرغب في التحقق منها بدرجة أعمق.

إعلان

وعن ذلك، يقول رايان ريدن-هاربر، أحد أعضاء الفريق: "أهم ما يمكننا فعله حاليًّا هو إعادة النظر في مسألة تذبذبات باريون الصوتية، والتحقق مما إذا كان صحيحًا أن النموذج القياسي لعلم الكونيات يتفوق بطبيعته على هذا النموذج الجديد".

ترتبط الموجات التي تركت هذه البصمة الكونية بسرعة الصوت في البلازما البدائية، التي حُسبتْ بدقة شديدة ضمن النموذج القياسي، لكنها لم تُحسب بعد لنموذج المشهد الزمني. لهذا يعمل ويلتشير وفريقه حاليًّا على هذه الحسابات لمحاولة اختبار مدى دقة نموذجهم في تفسير البيانات.

إن الوصول إلى الإجابة الصحيحة أمر في غاية الأهمية، لأن هناك الكثير مما يمكن أن يتأثر بناءً على هذه النتيجة. يُعتبر النموذج القياسي لعلم الكونيات الأساس الذي نبني عليه فهمنا للكون، ورغم أنه حقق نجاحات كبيرة بلا شك، فإنه مع ذلك يواجه عدة تحديات ظهرت من أبحاث علم الكونيات الحديثة، ولا تقتصر هذه التحديات على نموذج المشهد الزمني فحسب.

مستقبل علم الكونيات

الخلاصة هي أن النموذج القياسي لعلم الكونيات لم يعد يتوافق مع جميع ملاحظاتنا الكونية. ففي عام 2005، بدأ آدم ريس من جامعة جونز هوبكنز في ماريلاند -وهو أحد العلماء الذين حصلوا على جائزة نوبل لاكتشاف الطاقة المظلمة- تسليط الضوء على لغز علمي يُعرف باسم "توتر هابل".

يشير هذا اللغز إلى أن الطريقتين الرئيسيتين لحساب معدل التمدد الحالي للكون، المعروف باسم "ثابت هابل" لا تعطيان النتيجة ذاتها. فمثلًا تُعطي الطريقة الأولى، التي تعتمد على ملاحظات المستعرات العظمى في الكون القريب نسبيًّا، قيمة تبلغ حوالي 73 كيلومترًا في الثانية لكل ميغا فرسخ فلكي (وهو وحدة قياس المسافات الكبيرة في الفضاء ويساوي 3.26 سنوات ضوئية*).

أما الطريقة الأخرى لحساب ثابت هابل فتعتمد على رصد إشعاع الخلفية الكونية الميكروي، وهو الإشعاع الخافت الباقي من الانفجار العظيم، ومن ثم استخدام النموذج القياسي لتتبع تطور الكون على مدى 13 مليار سنة وصولًا إلى قيمته الحالية.

إعلان

وفقًا لهذه الطريقة، ينبغي أن يكون ثابت هابل اليوم 67.7 كيلومترًا في الثانية لكل ميغا فرسخ فلكي. لكن التباين بين هذه النتيجة والنتيجة التي نحصل عليها من ملاحظات المستعرات العظمى يمثل مشكلة كبيرة. ويرى ريس أن هذا الاختلاف قد يكون "إشارة إلى وجود خلل ما في النموذج الكوني القياسي".

يعتقد ويلتشير أن نموذج المشهد الزمني قد يكون الحل لمشكلة "توتر هابل". فعندما انبعث إشعاع الخلفية الكونية الميكروي بعد حوالي 380,000 سنة من الانفجار العظيم، كانت البلازما البدائية التي ملأت الكون متجانسة تقريبًا. ولكن مع مرور الوقت، أدت الجاذبية إلى تجمع المادة؛ مما خلق بنية غير متجانسة تتألف من عناقيد مجرية وفراغات كونية.

إضافة إلى أن ما يميز نموذج المشهد الزمني هو أنه يأخذ هذا التطور في الحسبان، في حين أن النموذج الكوني القياسي لا يفعل ذلك بدرجة كافية. والنتيجة هي أن النموذج الجديد يتوقع ثابت هابل أعلى مما يتوقعه النموذج القياسي، لأن الفراغات الكونية قد توسعت أكثر مما يفترضه النموذج القياسي.

إن الوقت الحاسم لنموذج المشهد الزمني يقترب بسرعة. فخلال السنوات الخمس القادمة، ستتوفر بيانات أدق وأفضل لعلماء الكونيات. في السياق ذاته، يقول ويلتشير إن هذه البيانات ستكون قادرة على حسم الجدل نهائيًّا بين هذا النموذج الجديد والنموذج القياسي. وتشمل هذه البيانات المنتظرة نتائج من أداة التحليل الطيفي للطاقة المظلمة في أريزونا، التي تعمل على إنشاء خريطة للكون من المتوقع اكتمالها بحلول عام 2026. كما أننا في انتظار بيانات جديدة من تلسكوب "إقليدس" الفضائي التابع لوكالة الفضاء الأوروبية، وكذلك من التلسكوب العملاق "فيرا روبين" في تشيلي.

أما تلسكوب روبين الذي سيعمل على اكتشاف المستعرات العظمى، فمن المفترض أن يبدأ مسحه السماوي الواسع هذا العام. وعن ذلك، تقول إيموجين ويتام من جامعة أكسفورد، التي تبحث في تطور المجرات: "هذان المسباران سيُحدثان نقلة نوعية في مجال مسوحات المجرات الكونية، وسيمثلان نقلة نوعية في هذا المجال".

إعلان

تتمحور وظيفة تلسكوب إقليدس حول رسم خريطة ثلاثية الأبعاد لبنية المجرات؛ مما سيوفر معلومات أكثر تفصيلًا حول تذبذبات باريون الصوتية BAO (وهي آثار لموجات الصوت البدائية التي ساعدت في تشكيل بنية الكون*).

أما تلسكوب روبين، الذي سيبدأ مسحه الشامل للسماء هذا العام، فسيكون بمثابة آلة لاكتشاف المستعرات العظمى (السوبرنوفا). وعن ذلك، تقول إيموجين ويتهام، الباحثة في جامعة أكسفورد والمتخصصة في تطور المجرات: "هذان التلسكوبان سيغيران قواعد اللعبة، فهما يمثلان قفزة نوعية كبيرة في هذا المجال".

كل هذا يعني أن مستقبل علم الكونيات لا يزال غير محسوم. لكن ويلتشير لا يمانع في الانتظار، فقد قضى ما يقرب من عشرين عامًا في تطوير فرضية "المشهد الزمني"، وهو على استعداد للانتظار بضع سنوات أخرى لمعرفة ما إذا كان قد اكتشف سرًّا من أسرار الكون التي تجاهلها الآخرون. وفي النهاية يختتم حديثه قائلًا: "بحلول نهاية هذا العقد، سنعرف حتمًا الإجابات".

____________
* إضافة المترجم

هذه المادة مترجمة عن نيوساينتست ولا تعبر بالضرورة عن الجزيرة نت

مقالات مشابهة

  • زيارة أبنائهم الراحلين.. من طقوس العيد التي استعادتها أسر شهداء الثورة
  • بنسبة 94%.. دواء «واعد» يحدث ثورة بعلاج «أمراض القلب»
  • منتخب الناشئين تميُّز إقليمي وتألق عالمي في البطولات الآسيوية
  • كيف تم التآمر على ثورة ديسمبر بعد موكب ٦ ابريل؟
  • وفاة الحاجة زبيدة عبد العال أيقونة محو الأمية في مصر
  • أيقونة محو الأمية.. وفاة الحاجة زبيدة في ثالث أيام عيد الفطر
  • 2 أبريل 2025 يوم التحرر الأميركي.. ماذا يقصد ترامب؟
  • ثورة في علم الفيزياء.. هل كل ما نعرفه عن الزمن الكوني خاطئ؟!
  • تصدر 66 ألف طن من النباتات الطبية والعطرية خلال الفترة من سبتمبر وحتي يناير الماضي
  • زيارة الجرحى في مستشفى الثورة العام ومركزي ٢٦ سبتمبر والمجد