الحقوق المائية المصرية.. ثوابت تاريخية وأسس قانونية
تاريخ النشر: 15th, September 2023 GMT
أزمة مياة النيل ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومى المصرى
السياسة الخارجية وضعت قضية مياة النيل على رأس مرتكزات الدبلوماسية المصرية
الموقف القانونى المصرى راسخ يتسق وقواعد ومبادئ وأعراف القانون الدولى
أعلنت إثيوبيا انتهاء الملء الرابع من سد النهضة، فى المقابل ردت الخارجية المصرية تعقيباً على الإعلان الإثيوبى أن هذه الخطوة تُعد إمعاناً من الجانب الإثيوبى فى خرق التزاماته بمقتضى واستمراراً من جانبها فى انتهاك إعلان المبادئ الموقع بين القاهرة أديس أبابا والخرطوم عام 2015، والذى ينص على ضرورة اتفاق الدول الثلاث على قواعد ملء وتشغيل السد الإثيوبى قبل البدء فى عملية الملء».
هذه التصرفات الأحادية من الجانب الإثيوبى تثير التساؤلات حول مدى قانونية تلك التوجهات من جانب، ومدى تأثيرها على الطبيعة القانونية والتاريخية للحصص المائية الثابتة لكل من مصر والسودان، والمعترف بها دوليا فى ضوء الاتفاقيات والمعاهدات الدولية الحاكمة لمجارى الأنهار الدولية من جانب أخر.
التوصيف القانونى لواقع نهر النيل.
نهر النيل هو نهر دولى بالمحددات القانونية والجغرافية والفنية، ولكونه نهر دولي؛ فهو خاضع لأحكام وقواعد ومبادئ القانون الدولى الناظمة لاستخدام المجارى المائية الدولية للأغراض غير الملاحية، هذه المبادئ الرئيسة تتمثل فى:
هذه المبادئ هى نتاج للقواعد العرفية الدولية الخاصة باستخدامات الأنهار الدولية لغير الأغراض الملاحية، والتى أقرتها فيما بعد عديد الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة؛ وقد مرّ القانون الدولى عبر تطوّره التاريخى الطويل بمرحلتين مهمتين. فقد انبثق أصلاً من قاعدة ترسيخ حرية الملاحة النهرية فى المجارى المائية القابلة للملاحة، ثم انتقل فيما بعد إلى الاهتمام على نحو رئيسى بموضوع تنظيم استخدامات المجارى المائية الدولية لغايات أخرى غير الملاحة (زراعة، صناعة، توليد طاقة كهربائية…). وفيما بعد تمَّ استخراج ما استقرّ عليه التعامل الدولى بهذا الصدد من قواعد ومبادئ عامة، مثل مؤتمر فيينا لعام 1815، واتفاقية برشلونة 1921، كذلك أقرتها قواعد هلسنكى لعام 1966 حول الاستخدام المشترك للموارد المائية والتى تعد بمثابة نظام قانونى كامل للقواعد التى تحكم استخدام الأنهار الدولية فى الأغراض غير الملاحية مثل انتاج الطاقة الكهرومائية. كما أن هذه القواعد هى الأساس الذى قامت عليه اتفاقية الأمم المتحدة والمعروفة باتفاقية نيويورك لعام 1997 لاستخدام مياه الأنهار الدولية فى الأغراض غير الملاحية.
لذلك فالمحددات القانونية لمياه النيل تتعلق بالالتزامات الواجبة على الطرف الإثيوبى فيما يتعلق باستخدامات مياه النيل فى ضوء المبادئ السابقة، وآثار ذلك الاستخدام على دولتى المصب مصر والسودان.
الإشكالية القانونية هنا أنه لا يوجد حتى الان إطار قانونى حاكم وناظم ومتفق عليه لحوض نهر، وفى المقابل توجد مجموعة من الاتفاقيات التى وقعت منذ تسعينيات القرن التاسع عشر وحتى عام 1959، وهى الاتفاقيات التى تستند إليها كل من مصر والسودان، فى حين ترفضها دول المنابع بقيادة إثيوبيا وتتنصل منها تماماً.
غير أن الأساس الرئيسى للموقف القانونى المصرى يتركز بالأساس فى اتفاقيات 1902، ومذكرات 1925، واتفاقية 1929، ثم اتفاقية الانتفاع الكامل بمياه حوض النيل بين مصر والسودان فى عام 1959، وهذه الاتفاقية مكملة لاتفاقية 1929، حيث أقرت هذه الاتفاقيات وعملت على تقنين الحقوق الأساسية للموقف المائى المصرى. فى المقابل عمدت دول المنابع ـبعد استقلالهاـ خاصة إثيوبيا إلى الرفض الكامل لتلك الاتفاقيات والمعاهدات وتحديداً اتفاقيتى 1929 و 1959 بزعم أن هاتين الاتفاقيتين تمنحان مصر سيطرة فعلية على النهر ومنابعه، واستندت دول المنابع إلى ما يعرف بــ«مبدأ نيريرى» عام 1964 أو ما سماه بالصفحة البيضاء، والذى ذهب إلى أن الدولة المستقلة غير ملزمة بالمعاهدات والاتفاقيات التى وقعت فى حقبة الاستعمار، وقد انضمت كل من: تنزانيا، أوغندا، وكينيا إلى «مبدأ نيريرى»، وتبعهم كل من رواندا وبوروندى عقب توقيعهم على اتفاقية نهر كاجيرا عام 1977، وبالطبع كانت ولا تزال إثيوبيا أشد الدول تأييداً لذلك المبدأ وتستند إليه فى رفض اتفاقيات 1929 و 1959 منذ عهد هيلا سيلاسى وحتى الآن.
كذلك يستند الموقف الإثيوبى إلى ما يعرف بنظرية «السيادة المطلقة» أو «مبدأ هارمون» الصادر عام 1895، ووفقاً لهذا المبدأ يكون لكل دولة الحق فى الاستغلال الكامل والسيادة المطلقة للدول فى الجزء من النهر المار بأراضيها، دون اعتبار ما قد يحدثه من أضرار على الدول الأخرى، كما لا تعترف بوجود قواعد قانونية لاستخدام الأنهار الدولية.
تفنيد الادعاءات الإثيوبية والرد عليها
يجب التأكيد على أنه ليس لدول المنابع أية أسانيد قانونية فى مسعاها لتقليل حصص المياه المتدفقة إلى كل من مصر والسودان أو التأثير عليها، فى ضوء ما يلى:
أولاً: فى ضوء قواعد القانون الدولى لا يمكن لدول المنابع رفض الاتفاقيات السابقة، حتى لو كانت موقعة مع الدول المستعمرة نيابة عن الدولة الأصلية، ذلك استناداً إلى كل من؛ نصوص المادتين 11، 12 من اتفاقية فيينا لعام 1978 والخاصة بتوارث الدول بشأن المعاهدات الخاصة بالحدود والأوضاع الإقليمية، حيث المعاهدات الخاصة بالحدود لا تتأثر بالتوارث بين الدول، وتسرى على الدولة الوارثة، لذك فاتفاقيات مياه النيل تسرى على دول المنابع خاصة إثيوبيا؛ لأنها اتفاقيات نظمت الحدود بين الدول وترتب عليها أوضاع إقليمية، لذك لا يجوز التنصل منها لأنها تقوض الأساس القانونى لتلك الدول. كما أن إثيوبيا من الدول التى وقعت على اتفاقية فيينا لعام 1978 وصدقت عليها فى 23 أغسطس 1978 بلا أى تحفظات وبالتالى تسرى كل قواعدها تجاهها، كما لا يجوز تعديلها وفقا لاتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969. كذلك لا يجوز الاستناد إلى مبدأ التغيير الجوهرى فى الظروف التى تدعى به إثيوبيا كسبب لإنهاء المعاهدات والانسحاب منها إذا ما كانت تلك المعاهدة منشئة للحدود، وهو ما يعد من قبيل المخالفة لقاعدة أولية من قواعد القانون الدولى على النحو الذى يفضى إلى الفوضى وإثارة المنازعات الدولية وبالتالى تهديد السلم والأمن الدوليين. وعلى العكس تماماً مصر هى صاحبة الحق الأصيل فى الاستناد إلى مبدأ التغيير الجوهرى فى الظروف فى ضوء الزيادة السكانية الكبيرة فى مصر واعتماد مصر بنسبة 97% على مياه النيل لتدبير احتياجاتها المائية على عكس باقى دول الحوض.
ثانياً: إنه عند توقيع اتفاقية 1902 لم تكن إثيوبيا مستعمرة آنذاك، ووقعها الإمبراطور الإمبراطور منليك الثانى ملك ملوك أثيوبيا والذى تعهد فى المادة الثالثة من هذه المعاهدة بألا ينشئ أو يسمح بإقامة أى عمل على نهر النيل الأزرق أو بحيرة تانا أو نهر السوباط، من شأنه تعطيل سريان المياه إلى نهر النيل إلا بالاتفاق مع الحكومة البريطانية وحكومة السودان. كما أن إثيوبيا التى ترفض تلك المعاهدة هى نفسها اعترفت بصحتها واستخدمتها لدعم موقفها فى النزاع الحدودى مع السودان، وذلك بموجب مذكرات متبادلة بين الطرفين فى مايو 1972، وكذلك استخدمت إثيوبيا تلك المعاهدة فى النزاع الحدودى مع إريتريا وتنظيم الحدود بين إثيوبيا وإريتريا والسودان عام 2002.
ثالثاً: أن معاهدة 1902، والاتفاق المبرم بين بريطانيا وإثيوبيا فى ديسمبر 1906، وكذلك بروتوكول 1891، أكدوا على ضرورة «موافقة» مصر والسودان مجتمعين، وهو ما يعنى أن تلك الموافقة الأصل فيها أن تكون صريحة لا تكفى فيها الموافقة الضمنية، وأن مجرد التشاور لا يكفى للشروع فى أية أعمال من قبل دول المنابع على مجرى النهر.
رابعاً: أن الحقوق والحصص المائية لكل من مصر والسودان محفوظة ومصانة مسبقاً ما قبل اتفاقية 1959 بين مصر والسودان، وذلك بموجب المذكرات المتبادلة بين بريطانيا وإيطاليا فى ديسمبر 1925، والتى اعترفت فيها إيطاليا «بالحقوق الهيدروليكية» التى اكتسبتها مصر والسودان سابقاً، بما يعنى النص صراحة على «الحقوق المكتسبة» لمصر والسودان، وبمعنى أخر فإن تلك الحقوق المائية كانت متواجدة قبل عام 1925 بآلاف السنين وأن اتفاق 1925 ما هو إلا كاشف وحافظ لها.
خامساً: اتفاقية 1929 بين كل من مصر وبريطانيا العظمى نيابة عن (السودان – كينيا – تنزانيا – أوغندا) أكدت مبدأ عدم التسبب بأضرار ملموسة وذات شأن بدول المجرى المائى الدولى فيما يتعلق بنهر النيل وكذلك مبدأ الإخطار المسبق؛ حيث نصت على إقرار دول الحوض بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وإن لمصر الحق فى الاعتراض (فيتو) فى حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده. وأن لا تقام بغير اتفاق سابق مع الحكومة المصرية أعمال رى أو توليد قوى أو أى اجراءات على النيل وفروعه أو على البحيرات التى تنبع سواءً من السودان أو البلاد الواقعة تحت الإدارة البريطانية من شأنها إنقاص مقدار المياه الذى يصل لمصر أو تعديل تاريخ وصوله أو تخفيض منسوبه على أى وجه يلحق ضرراً بمصالح مصر.
سادساً: إن الاتفاق المبرم فى 23/11/1934 قد نص وأكد أيضاً شرط ومبدأ الإخطار المسبق؛ إذ ألزم الدولة التى ترغب فى استخدام مياه النهر لأغراض الرى بإخطار الأطراف الأخرى المتعاقدة ستة أشهر مسبقاً للسماح بمعرفة أى اعتراضات ودراستها.
سابعاً: اتفاقية 1959 نظمت الحقوق المكتسبة لكل من مصر والسودان، ومشروعات ضبط مياه النهر، وكيفية استغلال الفواقد، ومن ثم فأحكام الاتفاقية أكدت على نحواً قاطع على عدم المساس بحصة مصر المكتسبة من مياه النيل والمقدرة بنحو 48 مليار متر مكعب، وكذلك الحصة المائية للسودان، وكذلك توزيع المنافع الناجمة عن انشاء السد العالى بالتساوى بين كل من مصر والسودان.
ثامناً: إن التذرع الإثيوبى بمبدأ السيادة لهارمون؛ هى حجة قد تنطبق على الأنهار الداخلية غير الدولية، أى التى تقع فقط داخل إقليم الدولة الواحدة، اما الأنهار الدولية ـــ التى تمر بدولتين أو أكثر كما هو الحال فى نهر النيل ـــ فلا يمكن أن تطبق عليها نظرية السيادة المطلقة؛ حيث مبدأ هارمون الذى أصبح من التاريخ، كما أن قواعد هلسنكى 1966، واتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997، قد رفضا على نحو قاطع منطق السيادة المطلقة على المجارى المائية الدولية، اتفق فى ذلك قرارات المحكمة الدائمة للعدل الدولى ولجنة القانون الدولى.
تاسعاً: من الناحية القانونية لا تعد اللجنة الثلاثية التى شكلت من خبراء من كل من مصر والسودان وإثيوبيا تطبيق لمبدأ الإخطار المسبق؛ لكنها جاءت فى إطار قواعد المجاملات الدولية، حيث يلزم التطبيق الفعلى للإخطار المسبق أن تقوم الدولة صاحبة المشروع بعدم البدء الفعلى فى إجراءات البناء والتشغيل قبل اخطار دول الحوض والموافقة عليها، وهو ما لا ينطبق على حالة سد النهضة فى ضوء الإجراءات احادية الجانب والتصرفات المنفردة من جانب إثيوبيا.
إن الأزمة الحالية لمياه النيل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالأمن القومى، ومن ثم وضعت السياسة الخارجية المصرية فى أعقاب 30 يونيو قضية مياه النيل على رأس مرتكزات الدبلوماسية المصرية، فى إطار نهج قائم على التعاون المشترك، يدعم ليس فقط حقوق الدولة الإثيوبية، ولكن جميع دول حوض النيل فى التنمية، لكن دون الإضرار بحقوق مصر المائية خاصة وأن النيل يمد مصر بأكثر من 90% مما تحتاجه من المياه للرى والشرب وتوليد الكهرباء، بينما الميزان المائى لدول حوض النيل مجتمعة لا يستند بنسب كبيرة على مياه النيل للزراعة والتنمية بل على مياه الأمطار. لذلك؛ بيان الخارجية المصرية يفضح الممارسات الأحادية الإثيوبية، ويؤكد النهج المصرى القائم على عدم ممانعة مصر فى تنمية شعوب دول حوض النيل شريطة الالتزام بالاتفاقيات الدولية وعدم الإضرار بالدول الأخرى المشاركة فى النهر. وليس أدل على التزام مصر بنهج التعاون من المشاركة المصرية الكبيرة فى بناء سد جوليوس نيريرى لتوليد الطاقة الكهرومائية بدولة تنزانيا.
لذلك فى ضوء ما سبق؛ فإن الموقف القانونى المصرى هو موقفُ راسخ؛ يتسق وقواعد ومبادئ وأعراف القانون الدولى، وأنه لا يجوز بأى حال من الأحوال لأى دولة من الدول المشاطئة فى مجرى نهر النيل، أن تتجه منفردة إلى القيام بأى عمل أو تصرف من شأنه التأثير على الحقوق والمصالح المكتسبة لدول الحوض الأخرى خاصة دولتى المصب. كما أن عدم وجود إطار قانونى، أو اتفاق جامع لا يعنى أن سيادة الدولة على الجزء من النهر الذى يمر بإقليمها مطلقة، إذ لا يجوز التعسف فى استعمال الحق، وهناك مسئولية على جميع الدول منابع ومصب بعدم إحداث ضرر من شأنه التأثير سلبياً ومباشرةً على الاحتياجات المائية لمصر من مياه النيل.
المصدر: بوابة الوفد
كلمات دلالية: الأمن القومي المصرى السياسة الخارجية اثيوبيا الخارجية المصرية سد النهضة المجارى المائیة میاه النیل حوض النیل دول الحوض نهر النیل لا یجوز کما أن
إقرأ أيضاً:
الصلح خير.. لكن بأي ثمن؟!
صالح بن سعيد الحمداني
لطالما سمعنا عبارة "الصلح خير"، وهي بلا شك دعوة نبيلة تحمل في جوهرها قيم التسامح والتعايش. لكن في كثير من الأحيان، يتم إساءة استخدامها بطريقة تُفضي إلى ضياع الحقوق بدلاً من تحقيق العدالة. يُصبح الصلح، الذي يفترض أن يكون وسيلة لإنهاء النزاعات، أداة تُستخدم للضغط على المظلوم للتنازل عن حقه، بينما يُفلت الظالم من المحاسبة، بل وربما يخرج وكأنه لم يرتكب أي خطأ.
الصلح بين التوازن والانحياز عند وقوع خلاف بين طرفين، سواء كان ذلك بين أفراد أو جماعات، يُسارع المجتمع إلى دفع الطرفين للمصالحة. لكن المُشكلة تكمن في أنَّ هذا الضغط لا يكون متساويًا على الطرفين، بل يتركز غالبًا على الطرف الأضعف أو المظلوم، في حين يتم التساهل مع الطرف القوي أو الظالم.
والنتيجة؟ تصالح زائف لا يُعيد الحقوق ولا يُحقق العدل، بل يكرس الظلم ويشجع على تكراره.
في مثل هذه الحالات، يصبح "الصلح" وسيلة لإسكات المظلوم بدلاً من منحه حقه. يتم تجاهل مبدأ أساسي في العدالة، وهو أن الصلح لا يجب أن يكون بديلاً عن رد الحقوق. لا يُمكننا أن نضع الظالم والمظلوم في كفتي ميزان متساويتين ونطالب الطرفين بالتسامح بنفس القدر، بينما أحدهما هو الجاني والآخر هو الضحية.
"المخاجلة" و"المعانقة": أدوات لدفن الحقائق من أكثر الممارسات الشائعة في مجتمعاتنا هي محاولة حل النزاعات عن طريق "المخاجلة" أو "المعانقة". تأتي شخصيات اجتماعية أو وجهاء لحل النزاع، فيُطلب من المظلوم التنازل عن حقه "حفاظًا على العلاقات" أو "لأجل المصلحة العامة"، بينما يُطلب من الظالم تقديم اعتذار شكلي لا يلزمه بشيء فعلي.
هذا النوع من الحلول ليس سوى مُسكن مُؤقت يُخفي الجرح دون أن يعالجه. بل قد يُفاقم المشكلة لأنَّه يرسل رسالة واضحة إلى الجميع يمكنك أن تظلم الآخرين، فحتى لو تم كشف ظلمك، فإن أقصى ما ستواجهه هو جلسة صلح وانتهى الأمر!
الصلح الحقيقي رد الحقوق أولًا، الصلح ليس عملية عشوائية يتم فيها تجاوز الحقوق من أجل السلام الظاهري. الصلح الحقيقي يجب أن يقوم على مبادئ واضحة، أهمها في المقام الأول إقرار الظالم بظلمه لا يمكن أن يكون هناك صلح حقيقي دون اعتراف صريح من الجاني بخطئه.
ومن ثم يلي ذلك رد الحقوق إلى أصحابها، إذ لا يمكن اعتبار النزاع منتهيًا قبل أن يحصل المظلوم على حقه كاملًا، وبعد هذه الخطوة يأتي ضمان عدم تكرار الظلم، إذ يجب أن تتضمن أي مصالحة آليات لمنع تكرار الظلم، سواء من خلال تعويض مناسب أو عقوبة رادعة.
إذا لم تتحقق هذه الشروط، فإن "الصلح" لا يكون سوى خدعة تهدف إلى تهدئة الأمور على السطح، بينما يظل الجمر مشتعلًا تحت الرماد.
لماذا يجب أن نرفض الصلح الزائف؟
هناك عدة أسباب تجعلنا نعيد النظر في مفهوم "الصلح" عندما يكون على حساب العدالة ومن ببن هذه الأسباب إعطاء الشرعية للظلم عندما يتم الضغط على المظلوم ليتنازل عن حقه، فإننا نكرس فكرة أن الظلم يمكن أن يمر بلا عقاب.
وهذا يساهم في إضعاف المجتمع عندما يرى الناس أن الحقوق تُهدر باسم الصلح، فإنهم يفقدون الثقة في العدالة، مما يؤدي إلى تفاقم الشعور بالإحباط واليأس.
وأيضا هذا يجعل تكرار المظالم عندما لا يُحاسب الظالم، فإنه يشعر بأنه يستطيع تكرار فعلته دون عواقب، مما يؤدي إلى تفشي الظلم في المجتمع.
لكن ماذا لو جعلنا العدل أولًا، ثم الصلح؟
إذا كنَّا نريد أن يكون الصلح فعلًا وسيلة لإنهاء النزاعات بطريقة عادلة، فيجب أن يكون العدل مُقدمًا على المصالحة، لا يمكن أن نطلب من المظلوم الصفح قبل أن يُنصف، ولا يمكن أن نقبل بمساواة الظالم بالمظلوم بدعوى تحقيق السلام.
يجب أن نتذكر دائمًا أن السلام الحقيقي لا يأتي من دفن المشاكل تحت السجاد، بل من مُعالجتها بإنصاف، الصلح ليس مجرد اتفاق شكلي ينهي النزاع، بل هو آلية لإعادة التوازن إلى العلاقات الإنسانية، ولا يمكن أن يكون كذلك إلا إذا بُني على أسس العدل والإنصاف.
الصلح خير عندما يكون مبنيًا على رد الحقوق وتحقيق العدالة، لكنه يصبح ظلمًا آخر إذا استُخدم لإجبار المظلوم على التنازل عن حقه تحت الضغط المجتمعي. علينا أن نُعيد تعريف مفهوم الصلح في مجتمعاتنا، بحيث لا يكون وسيلة لتغطية الظلم، بل أداة لإنهاء النزاعات بطريقة تحفظ كرامة الجميع وتضمن تحقيق العدالة للجميع.