تسعى الحكومة التركية من خلال اعتماد برنامج اقتصادي متوسط المدى، لرسم خارطة طريق جديدة تعزز التنمية والاستقرار الاقتصادي في البلاد.

ورغم ما يحمله البرنامج من أهداف تمثل تطلعات تركيا وجهودها المبذولة لمكافحة التضخم وتحقيق النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل جديدة، وجذب الاستثمارات وتحسين توزيع الدخل، لكن مسار تحقيق ذلك تعوقه كثير من التحديّات، بحسب خبراء اقتصاد.

وكان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قد كشف عن ملامح البرنامج الاقتصادي متوسط المدى الذي أعدته حكومته للفترة القادمة.

وقال أردوغان -في خطاب ألقاه بالمجمع الرئاسي بالعاصمة أنقرة في السادس من الشهر الجاري- "تماشيا مع هدفنا المتمثل بجعل تركيا أقوى وأكثر أمنا وازدهارا، فإننا نكشف عن خارطة طريقنا الأولى للاقتصاد من خلال البرنامج متوسط المدى".

وبين أن بلاده تهدف، خلال 3 سنوات، إلى تحقيق التوازن عبر نمو اقتصادي، تقوده استثمارات القطاع الخاص ذات القيمة المضافة العالية بنسبة 4.5% بالمتوسط، وأكد أن الصادرات من السلع والخدمات سترتفع إلى مستويات تاريخية.


أهداف البرنامج

ويهدف البرنامج الاقتصادي متوسط المدى إلى تحقيق جملة من الأهداف والسياسات الاقتصادية على مدى السنوات الـ3 القادمة. ويستهدف رفع النمو الاقتصادي من 4.4% هذا العام، ليصل إلى 5% مع نهاية عام 2026، وخفض التضخم من 65% متوقعة نهاية العام الجاري، إلى 8.5% عام 2026، وأن تتراجع نسبة عجز الموازنة إلى الناتج المحلي الإجمالي من 6.4% متوقعة في 2024 إلى 2.9% نهاية فترة البرنامج.

وحول ذلك يقول الكاتب والباحث التركي فراس رضوان أوغلو، إن أهداف هذا البرنامج تتمثل في تقليل التضخم واستقرار سعر العملة المحلية وجذب الاستثمارات الأجنبية ومواكبة الاقتصاد العالمي.

ويلفت رضوان أوغلو في حديثه للجزيرة نت، إلى أن "نجاح البرنامج مرتبط بسياسات الحكومة التركية". ويحذر الباحث التركي من أن هناك "خطورة" تتعلق باحتياطي النقد الأجنبي في تركيا كونه مرتبطا بالخارج، والذي يؤثر على الاقتصاد.

وينوّه إلى وجود عديد من المعوقات أبرزها أنّ الأداء في داخل تركيا لم يكن مهيّأ بشكل جيّد، كما أنّ زيادة الضرائب على بعض الأمور ليست بالأمر الجيّد، فضلا عن التضخم العالمي وتداعيات الحرب في أوكرانيا التي تؤثر بشكل أو بآخر.

ويعرب رضوان أوغلو عن مخاوفه من الخلاف التركي الأوروبي فيما يخص اليونان، وكذلك الصراع بين أذربيجان وأرمينيا، وقال إن تلك الخلافات مؤجلة حاليا بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا واحتياج أوروبا لتركيا،بحسب قوله.

تحقيق الاستقرار المالي

من جانبه يقول الخبير الاقتصادي الدكتور أحمد مصبح، إن الحكومة التركية تتبنى بشكل صريح سياسة اقتصادية متشددة وتعمل على سحب الأموال من السوق من خلال رفع الفائدة، وزيادات قياسية في الضرائب، وذلك بهدف زيادة الاحتياطات النقدية، وتقليل عجز الموازنة، وتقليل عجز الحساب الجاري وصولا إلى السيطرة التدريجية على التضخم.

ويعرب مصبح في حديثه للجزيرة نت عن اعتقاده بأن تكاليف تأخر تلك الإجراءات باهظة أكثر من تكاليف الإجراءات نفسها، خاصة وأن تلك الإجراءات كان من المفترض اتخاذها بشكل تدريجي قبل عامين.

ويرجّح بأن يتعرّض الاقتصاد التركي لمرحلة من الركود التضخمي (أي انكماش في معظم القطاعات مع استمرار التضخم) خلال الأشهر القليلة القادمة، لأن تشديد السياسة الاقتصادية (رفع أسعار الفائدة، وزيادة الضرائب وتقليل الإنفاق الحكومي) على المدى القصير سوف يزيد من الأسعار، بسبب زيادة الضرائب وتجنب الإنفاق وارتفاع الفوائد.

لكنّه يتوقّع أن استمرار هذه السياسة لأشهر قد يتسبب بانحسار موجات التضخم، بسبب حالة الركود وزيادة الاحتياطات النقدية والقدرة على العمل على أرضية أكثر صلابة، وفي المقابل يتوقع زيادة في معدلات البطالة.

ويؤكد خبير الاقتصاد أن من أهم محددات نجاح السياسة المالية للحصول على النتائج المرجوة، هو قدرة الحكومة على اتخاذ تلك الإجراءات في الوقت المناسب، فتأخر تطبيق السياسة المالية يعني عدم الحصول على النتائج المرجوة حتى لو طبقت بعد فترة.

وفي ظل هذه الظروف المعقدة، يشدد مصبح على ضرورة قيام الحكومة التركية باستثمار العلاقات الدبلوماسية لجذب الاستثمارات من الدول الصديقة في محاولة لتقليل تلك التكاليف وتقليل الفترة الزمنية لمرحلة العلاج والتداوي.

معضلات اقتصادية

بدوره، يؤكد الخبير الاقتصادي جلال بكار على أن الاقتصاد التركي اليوم أمامه معضلات اقتصادية وعجز وأزمات وكوارث طبيعية أبرزها زلازل فبراير/شباط الماضي، فضلا عن التقلبات السياسية التي رافقت الانتخابات التي جرت هذا العام وتأثيرها السلبي على الاقتصاد.

ويشير بكار في حديثه للجزيرة نت، إلى وجود تحديات كبيرة جدا تواجه الرؤية الاقتصادية متوسطة المدى، التي ستنفذ ما بين 2024 و2026، وتنص على تحقيق الاستقرار للاقتصاد التركي وأهم نقطة في هذا الاستقرار هو سعر صرف الليرة التركية التي دائما ما كانت عرضة للأزمات الاقتصادية وهي المتضرر الأول، لأنها تعتبر نقطة الضعف التي من خلالها يبدأ الاقتصاد التركي بالاهتزاز.

ويضيف الخبير الاقتصادي بأن البرنامج يهدف إلى تحسين النمو الاقتصادي وتوفير فرص عمل جديدة، وزيادة الصادرات، ودعم المناطق المتضررة من الزلزال وغير ذلك.

ويرى بكار أنّ الاستثمارات بعيدة المدى والاستثمارات غير المباشرة تعتبر الأهم الآن للاقتصاد التركي من الاستثمارات المباشرة، وخاصّة صناديق السيادة مثل صندوق الاستثمار السعودي الذي ضخّ 5 مليارات دولار، وصندوق الاستثمار الإماراتي الذي ضخ أكثر من 8 مليارات دولار، وهذه جميعها ستبدأ بالاستثمار في مشاريع إستراتيجية ونوعية، أهمّها صناعة الأسلحة والأمن الغذائي.

ويبيّن بأن موقع تركيا الجغرافي هو القيمة المضافة الأكبر الآن وهو العامل والمفتاح الأقوى في يد السلطة السياسية للوصول إلى مراحل اقتصادية من خلالها تتم التفاهمات السياسية والاقتصادية على المستوى الدولي.

وينوّه إلى أن تركيا دائما ما كانت معرّضة للعقوبات الدولية السياسية من خلال الاقتصاد، لكنها تتجه اليوم نحو بعض الاستقرار بسبب اقترابها من الغرب، لا سيما السياسات الاقتصادية الأخيرة فيما يخصّ رفع معدلات الفائدة.

منطقة ليفينت المالية والتجارية في إسطنبول حيث يوجد مقر العديد من البنوك والشركات الرائدة في تركيا (أسوشيتد برس) تشكيك

إلى ذلك، يستبعد المحلل السياسي التركي باكير أتاجان إمكانية نجاح البرنامج الذي جرى الإعلان عنه، مؤكدا على أنه "من الصعب تطبيقه على أرض الواقع".

ويرى أتجان في حديثه مع الجزيرة نت، أن المشكلة الأساسية تتعلق بالقروض التي وُعدت بها تركيا من صندوق النقد والبنك الدولي وبعض الدول، كونها ليست لمنفعة البلاد وإنما للتحكم في اقتصاد تركيا وسياستها.

وكان البنك الدولي أعلن عن دعم خطط الاستثمار التركية بحزمة تمويل قيمتها الإجمالية 35 مليار دولار، على مدى السنوات الـ3 المقبلة بالتزامن مع تطبيق البرنامج الاقتصادي التركي.

ويلفت أتجان إلى أن إستراتيجية تركيا الجديدة لجذب الاستثمارات المباشرة وتعزيز بيئة الأعمال، ممكن أن تكون مساندة للخطة الاقتصادية على المدى القصير، لكنّها لا تنفع على المدى الطويل.

ويذكر المحلل التركي أنّ عديدا من الاستثمارات كان من المتوقع أن تأتي إلى تركيا، خاصة في ظل المشاكل بين الغرب والصين، لكن يبدو أن تلك الاستثمارات لن تأتي إلى تركيا بل ستذهب معظمها إلى الهند، وبمعنى آخر باتت تركيا خارج اللعبة مرة أخرى، بحسب أتجان.

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الحکومة الترکیة متوسط المدى فی حدیثه من خلال

إقرأ أيضاً:

غدًا.. انطلاق النسخة الثانية من برنامج صناعة القيادات النسائية المشرقة بجامعة الأزهر

تنطلق غدًا الأحد التاسعة صباحًا في كلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين بجامعة الأزهر، أعمال النسخة الثانية من برنامج  صناعة القيادات النسائية المشرقة، الذي يقام برعاية فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف، وفضيلة الدكتور سلامة داود، رئيس جامعة الأزهر.

وصرحت الدكتورة نهلة الصعيدي، مستشارة شيخ الأزهر لشئون الوافدين عميدة كلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين مؤسسة البرنامج؛ أن البرنامج يستهدف تطوير الذات، وتقوية الشخصية، وتنمية القدرات، وصناعة المرأة القائدة، لافتة إلى أن هذه النسخة من البرنامج سيحاضر فيها نخبة من القادة والعلماء، ويشهد افتتاحها بعض من قيادات جامعة الأزهر وأعضاء المجلس القومي للمرأة.

كلية العلوم جامعة الأزهر بأسيوط تفتتح معمل الخلايا الشمسية ومتحف الجيولوجياخطيب الجامع الأزهر يوضح أهمية مواسم العبادات في توجيه المؤمنين

وأشارت الدكتورة نهلة الصعيدي إلى أن الدورة ستعقد بمدرج الإمام الطيب بكلية العلوم الإسلامية والعربية للطلاب الوافدين، مؤكدة أنها تقدم هذا البرنامج ليكون بمثابة رسالة إلى كل امرأةٍ تسعى لأن تترك أثرًا لا يُمحَى في حياة الأجيال القادمة، وكل امرأةٍ تؤمنُ بأن الرِّيادة تبدأ من الفكرة وتُصنَع بالإرادة، وإلى كل امرأةٍ تدرك أن القيادة ليست منصبًا، بل رسالة تُحمَل على عاتقها بكل فخر ومسئولية، وإلى كل مَن تَخطُو بثباتٍ نحو المستقبل مدركةً أن القيادة تتطلَّب شجاعةً وثقةً، وإلى مَن تؤمن بأن القِمَم ليست سوى بداياتٍ لرحلات جديدةٍ من العطاء والتأثير، وإلى كل مَن تُلهم الآخرين بعزيمتها وتُرشدهم برؤيتها المتفرِّدة، وإلى كل مَن تسعى لأن تكون قُدوةً في التميُّز وصانعةً للتغيير، وإلى مَن لا تكتفي بالأحلام، بل تعمل على تحويلها إلى واقع ملموس عبر الإصرار والرُّؤية، مبينة أن البرنامج رسالة إلى مَن تَعلم أن القيادةَ ليست لقبًا، بل مسئولية تتطلَّب عطاءً مستمرًّا.

وأضافت أن البرنامج ستجد فيه المرأةُ خارطةً متكاملةً نحو القيادة الحقيقية؛ حيث تَنبُعُ القيادةُ من الفكر المستنير، وتتبلور في رؤيةٍ بعيدةِ المدى ترتكز على الحكمة والشجاعة.. هنا تَكتشف المرأةُ أدوات الرِّيادة وأسرارَ النجاح، وتَتعرَّف على المبادئ التي تَرسم ملامح قائدة مؤثِّرة في عالَمٍ يتطلَّب أكثرَ مِن مجرَّد مهارة أو معرفة، بل يتطلَّب قيادة تُحْدِثُ الأثرَ وتُصنَعُ بالإصرار والوعي.

مقالات مشابهة

  • تركيا.. «حزب الشعب الجمهوري» يعيد انتخاب زعيمه
  • عودة برنامج الواقع المخصص للعرائس Say Yes to the Dress.. موعد ومكان العرض
  • قبل وداع برنامجه «صدى الملاعب».. آخر كلمات مصطفى الآغا!
  • حلول مرتقبة للتواجد التركي وأزمة المياه في زيارة السوداني لتركيا
  • حلول مرتقبة للتواجد التركي وأزمة المياه في زيارة السوداني لتركيا - عاجل
  • هل يشهد الحد الأدنى للأجور زيادة في يوليو؟.. الوزير العمل التركي يلمّح إلى “مراجعة محتملة”
  • مجموعة تداول تفتح التقديم في برنامج تدريب وتوظيف
  • غدًا.. انطلاق النسخة الثانية من برنامج صناعة القيادات النسائية المشرقة بجامعة الأزهر
  • ماكرون يدعو لتعليق نشاط الاستثمارات الفرنسية في أمريكا
  • تبدأ من 580 ألف جنيه .. أسعار برامج الحج السياحي 2025