ثورة ديسمبر السودانية و شعارها و ليبرالية علي الوردي
تاريخ النشر: 15th, September 2023 GMT
كل يوم يمر يؤكد بأن الشعب السوداني قد كان خبير و أن شعار ثورة ديسمبر الليبرالي حرية سلام و عدالة كان نتاج وعي شعب متقدم على نخبه و لذلك كان شعار الثورة حرية سلام و عدالة يمثل روح الشعب السوداني الذي ينشد الديمقراطية الليبرالية. و غيرها لا يحل أي خطاب سواء كان خطاب أحزاب الطائفية الغائصة في وحل الفكر الديني أو فكر اليسار السوداني الرث الذي ما زال يتوهم في مسألة إضطراد العقل و التاريخ متناسيا الظاهرة الاجتماعية و إفتراض أن الفرد بالضرورة عقلاني و أخلاقي.
هناك مفارقة عجيبة شعب سوداني متقدم على نخبه الفاشلة ينادي بالتحول الديمقراطي و نخب فاشلة تفشل في خلق نموذج لممارسة سياسية عبرها تحقق نظريات النمو الاقتصادي وفقا للنشاط الاقتصادي في النظم الليبرالية التي تؤدي الى توسيع الطبقة الوسطى التي تخدم الطبقات الفقيرة و بالتالي تفضح اليساري السوداني الرث المنتظر لنهاية الصراع الطبقي.
و هنا نريد أن نتحدث عن نظريات النمو الاقتصادي في الفكر الليبرالي التي تؤدي لإتساع الطبقة الوسطى و حينها يقل الفقر في المجتمع الذي يراهن عليه الشيوعي السوداني بأنه قداحة لشعلة ثورة البروليتاريا و إنتصارها الذي لم يحصل منذ أن قدم توكفيل فكره الليبرالي المناهض لماركسية ماركس و قد جاء به ريموند أرون بعد قرن من الزمن ليوضح به فشل ماركسية ماركس التي لا تجذب غير المثقف المنخدع.
و نحن نتحدث عن وهم الماركسي السوداني نحاول كسر الطوق و الشب عنه و أقصد الحلقة المفرغة و محكمة الإغلاق التي تحبس الشيوعي السوداني و أصدقاء الحزب الشيوعي السوداني و أغلبية النخب السودانية غير القادرة على قفزها عن حائط اليسار السوداني الرث الآيل للسقوط في أوهامه عن نهاية الصراع الطبقي و نظرية فائض القيمة متناسيا نظريات النمو الاقتصادي التي تفتح في المجتمعات الحديثة على إتساع الطبقة الوسطة و بالتالي يقل الفقر و تفتح على التقارب الطبقي و التصالح و التضامن و كله بفضل الفعل السياسي الذي يتعامى عنه الشيوعي السوداني بسبب الحتمية.
و عندما نقول أن الفكر الليبرالي أعطى الأفضلية للفكر السياسي هنا ينام سر كساد النخب السودانية التي تجهل تطور الفكر الليبرالي و كيف أن علم إجتماع ماكس فيبر قد أعطى الفكر السياسي الأفضلية على علم الاجتماع و بالتالي يصبح ماركس و أوجست كونت و دوركهايم خارج النموذج. و هنا يتضح لنا لماذا يجهل أغلب النخب السياسية أهمية نظريات النمو الاقتصادي و دورها في خلق طبقة وسطى واسعة تخدم الطبقات الفقيرة في مجتمع ليبرالي سقفه الحرية السياسية و المساواة أمام القانون؟
في فكرة الاقتصاد و المجتمع و عقلانية الرأسمالية في فكر ماكس فيبر تكمن روح الاقتصاد الحر و هذا هو البعد الذي يتعامى عنه الشيوعي السوداني بسبب جهله بمسالة أن الديمقراطية الليبرالية تخلق مجتمع حديث قاعدته المساواة في الحقوق و المساواة أمام القانون و لكن قد نجح الشيوعي السوداني في جعل أغلب النخب السودانية تتجاهل فكرة المساواة أمام القانون و الحق في الحقوق و يمكن تحقيقها في ظل اقتصاد السوق حيث تسود المنافسة الكاملة مع فكرة التدخل الحكومي الذي يضمن مستوى الحد الادنى للدخل بعيدا عن بشاعة النظم الشمولية التي ينادي بها الشيوعي السوداني.
و لهذا نجد أغلب أتباع أحزاب الطائفية و خطابهم الديني بثقافة نتاج خطاب ديني لا يؤمن بالمساواة لأنه ما زال لا يؤمن بالمساواة بين الرجل و المرأة في الميراث و مثل هذه الأفكار تكون كأنساق ثقافية مضمرة تجعله لا يؤمن بالمساواة امام القانون و لا المساواة في الحقوق بين من يظن أنه أغلبية مسلمة و المساكنيين كما يصفهم الصادق المهدي للأقليات و هنا توضح لك أن حديث المثقف السوداني عن عبء الرجل الأبيض و أن الثقافة الغربية ثقافة لا تؤمن بأن الثقافت الأخرى متساوية معها حديث بلا معنى لأن المثقف السوداني الذي يتحدث عن عبء الرجل الأبيض نجده عاجز عن تقديم تفكير نقدي ينتقد عبء الرجل المسلم الذي يمثله الصادق المهدي و يصف الآخريين بأنهم مساكنيين و سيتكرم عليهم بأعطاءهم حقوقهم.
لذلك نجد الصادق المهدي امام الأنصار يقول أن السودان ذو ثقافة إسلامية للأغلبية و بالتالي تتساكن معنا أقليات و لكننا نفكر في إعطاءها حقوقها و غيره كثر بين أتباع الختم و أتباع المرشد فكيف تجلب مثل هذا الأحزاب تحول ديمقراطي لذلك نجدهم يتحدثون عن دولة مدنية و علمانية محابية للأديان و هنا يتورط الشيوعي السوداني في مساندته لمحمد ابراهيم نقد في جبنه و غياب شجاعته لنقد الخطاب الديني.
و ما محاباة محمد ابراهيم نقد للعلمانية المحابية للأديان إلا لأنه يجهل كما يجهل الصادق المهدي أن الحضارات متساوية و ليست هناك شعوب بدائية و بالتالي لا يحق لأتباع الدعوة الإسلامية ممارسة الدعوة في جبال النوبة و تكسير ثقافاتهم و لغاتهم و معتقداتهم لأنه لا أفضلية للكاروري الكوز على الكجور لأن الثقافات متساوية و لا فرق بين الإسلام و الكجور.
و هذا لا يكون بدون الوصول لمستوى فهم يتجاوز الخطاب الديني حيث تصبح الديمقراطية الليبرالية بديلا للفكر للدين و يوم يصل السياسي السوداني لفكرة أن الثقافات متساوية و لا فرق بين الكجور و الاسلام حينها يمكننا أن نحقق تحول ديمقراطي يفتح على ديمقراطية ليبرالية تكون فيها الريادات الوطنية مدركة لأهمية تغيير الثقافت التقليدية و الايمان التقليدي كما هو سائد وسط النخب السودانية و بعدها يطمحل طموح رجل الدين أي الكوز في أن يكون له دور يمكن أن يلعبه في ساحة سياسية إتصفت بعقلانية الفكر الذي يفتح على علمنة المجتمع بلا خوف و لا وجل.
و لهذا نقول لا يمكن أن يكون هناك تحول ديمقراطي إلا يوم تدرك النخب السودانية أن الديمقراطية هي بديلا للفكر الديني أي أن الدين شأن فردي في المجتمعات الحديثة علاقة بين الفرد و ربه أما علاقة الفرد في المجتمع فهي علاقة مباشرة بين الفرد و الدولة لا إعتبار فيها للدين أو العرق او الجهة و هذا الكلام يردده أغلب النخب السودانية و لكنهم في التطبيق يعجزون عن عقلنة الفكر و علمنة المجتمع.
و لا يمكن تجاوز عجز النخب السودانية إلا بحدوث نقلات هائلة تحدث تحول في الفهم يؤدي لإدخال ثقافة مغايرة لثقافة المجتمع السوداني التقليدي و تنعكس في تحوله نحو ثقافة ترفع من مستوى أنتاجيته على كل الصعد و هذا لا يحدث بغير إرتفاع وعي النخب السياسية و إدخالها لفكر نظريات النمو الاقتصادي التي تحدث تحول هائل في المجتمع كما حدث في المجتمعات الغربية في الفترة ما بين 1850 الى عام 1950 كما يقول روستو في نظريته عن النمو الاقتصادي و هو يؤكد بأن حدوث تغيير في المجتمعات التقليدية لا محالة آتي و المسألة مسالة زمن سيأتي مثلما حدث التغير الهائل في المجتمعات الغربية بعد خمسين سنة من الثورة الصناعية.
كانت النتيجة مسألة التحول في المفاهيم و كانت قمتها رسوخ فكرة المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد بسبب الثورة الصناعية و تتجسد في عالمنا اليوم في فكرة الضمان الاجتماعي الذي يفترض فكرة الحد الأدنى للدخل في حفظه لكرامة الانسان و الغريب لا نجد في طرح الأحزاب السودانية من أقصى يسارها الرث الى أقصى يمينها الغارق في وحل الفكر الديني أي طرح يؤسس لفكرة المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد مع إحترامها لمعادلة الحرية و العدالة التي تبعد الخطاب الديني و تفتح على ثقافة سياسية تؤدي الى ترسيخ الإستقرار السياسي و الاقتصادي و بالتالي يضمن إستمرارية النظام الليبرالي الديمقراطي و لهذا قلنا يجب أن تكون مسألة نظريات النمو الاقتصادي كحقنة منشطة لوعي النخب السودانية يمكنها أن تفعل ما فعلته الثورة الصناعية في التحولات الهائلة في المفاهيم في المجتمعات الغربية.
بسبب غياب مفهوم الدين التاريخي من أفق النخب السوداني و هذا هو إيمانهم التقليدي الذي يجعلهم يفشلون في التحول الديمقراطي لأن التحول الديمقراطي هو يعني أن الديمقراطية قد أصبحت بديلا للفكر الديني و أعرف أن مفهوم الدولة كمفهوم حديث غائب عن أفق النخب السودانية الفاشلة مثل غياب نظريات النمو الاقتصادي التي تستطيع نقل المجتمع من حيز المجتمعات التقليدية بسبب نقل التجارب الصناعية التي تؤدي لتوسيع الطبقة الوسطى التي تخدم بقية الطبقات الفقيرة و بالتالي تكون إستمرارية الفكر الليبراليى الذي ينطلق من المساواة امام القانون و الحق في الحقوق.
و بالمناسبة هذا الكلام قالوا توكفيل قبل قرنيين أي عام 1830 في نقده للكاثوليك و حينها كانوا يتوهمون كما يتوهم نخب الطائفية و الكيزان بأن الخطاب الديني يمكنه جلب ديمقراطية في السودان و هيهات و نقول اليوم و نعرف أن مسألة فهمه من قبل النخب السياسية الفاشلة في السودان تقارب المستحيل و لكننا نعرف أن ما نقوله سوف يحدث بعد ثلاثة عقود و هي مدى زمني فيها يتبدى التحول في المفاهيم في ظل أجيال لا تتحير في أن الفكر الليبرالي هو الطريق الى تحقيق المساواة أمام القانون و الحق في الحقوق.
و بقى أن نقارن المفارقة العجيبة و هي أن علي الوردي و عكسية علاقته مع النخب السودانية و طردية علاقته مع الشعب السوداني أي أن علي الوردي كان يؤمن بأن الليبرالية هي الحل الوحيد لشعوب تعاني من هشاشة الهياكل و التركيبات الاجتماعية كحال شعوب العالم العربي و الاسلامي و قال للنخب أن تفويت الفرصة لممارسة الديمقراطية الليبرالية سوف يكلفنا إنتظار طويل حتى تحين فرصة أخرى و قد كان قوله في محله.
علي الوردي عندما يتحدث عن الليبرالية يتحدث عن التحول الديمقراطي الذي يهابه المثقف السوداني الذي ما زال تابع للمرشد و الامام و الختم و الاستاذ الشيوعي و هنا تكمن طردية علاقة علي الوردي مع شعار الشعب السوداني أي حرية سلام و عدالة الليبرالي الذي يتطابق مع الليبرالية التي قد دعى لتطبيقها علي الوردي و عكسية العلاقة بين علي الوردي و النخب السودانية التي تدعو للمؤالفة بين العلمانية و الدين أو الذين يدعون لمساومة تاريخية بين يسار سوداني رث و يمين سوداني غارق في وحل الفكر الديني.
و قد قالها علي الوردي في حديثه عن البداوة و تجذرها في نخب العالم العربي و الاسلامي التقليدي أنها تنتج مثقف يعاني من النشاز الاجتماعي و إزدواج الشخصية و إلا لما ساد عندنا في ساحتنا السودانية سيطرة أحزاب أتباع المرشد و الختم و الامام و الاستاذ الشيوعي و المثقف التقليدي الذي يحاول المؤالفة بين العلمانية و الدين.
بقى أن نعيد أن فكرة كتابة هذا المقال الهدف منها إدخال فكرة و هي دور نظريات النمو الاقتصادي و دورها في توسيع الطبقة الوسطى الخادمة للطبقات الفقيرة في ظل نظام ليبرالي يحترم المنافسة كما هي في السوق الحر مع إمكانية التدخل الحكومي لكي تضمن تحقيق الضمان الاجتماعي و هي فكرة نحاول عبرها مقاومة فكرة الصراع الطبقي التي ينتظر نهايتها الشيوعي السوداني في زمن قد صدر فيه الحكم النهائي في إنتصار الديمقراطية اليبرالية على الشيوعية كما يقول ريموند أرون عن إنتصار الليبرالية على الشيوعية أنه حكم نهائي لا يمكن إستئنافه من قبل الشيوعية.
الشئ الوحيد الذي ننبه له القارئ أن الذي نكتبه الآن يحتاج لزمن طويل ربما يحتاج لثلاثة عقود حتى تظهر نتائجه مع ظهور نخب سودانية تؤمن بمسألة المساواة أمام القانون و الحق في الحقوق و بعدها يمكن أن تتحقق قيم الجمهورية و حينها يكون السياسي السوداني لا يمكنه الوقوع في خطاء الشراكة مع العسكر أو مهادنة رجال الدين من كل شاكلة و لون و يبقى الأهم أن ثقافة الشعب السوداني التقليدية سوف تختفي و تظهر ثقافة تنتصر للعقل و الفرد و الحرية مع إهتمامه بتحقيق إنتاجية عالية تغيير من واقعه المتدني على أفق مستوى المعيشة و ترفع مستوى وعيه بفكرة المسؤولية الاجتماعية نحو الفرد التي لا تحقق إلا عبر ترسيخ فكرة مفهوم الدولة الحديثة و ممارسة السلطة في المجتمعات الحديثة و لا يكون ذلك باليسير بغير إدخال فكرة نظريات النمو الاقتصادي لكي تكون رافعة تخرج الشعب السوداني من هيمنة فكرة الصراع الطبقي التي يروج لها الشيوعي السوداني.
taheromer86@yahoo.com
المصدر: سودانايل
كلمات دلالية: التحول الدیمقراطی النمو الاقتصادی الشیوعی السودانی الشعب السودانی الطبقة الوسطى الخطاب الدینی الصادق المهدی فی المجتمعات فی المجتمع علی الوردی لا یمکن
إقرأ أيضاً:
منتدى السياسات السودانية
منتدى السياسات السودانية مظلة فكرية ووجدانية تجمع تحتها مجموعة من المفكرين والدارسين والباحثين والنشطاء المهتمين بالشأن السوداني من الذين يرغبون في الخروج بالوطن من حالة الجمود التي تلحق الشلل بأطرافه، وتعيق إنسانه من الوصول إلى إنهاء الحروب، والقضاء على مسبباتها، لضمان قيام سلام عادل ومستدام. ويطمح منتدى السياسات السودانية (SPF) Sudan Policy Forum في إتاحة الفرصة للوطن وأهله للمضي قدما بوعي وجسارة للانعتاق من قبضة الاستقطاب الخانق الذي يسود المشهد السياسي والاجتماعي.
ولكي يعبر عن نفسه بطريقة شاملة ومتماسكة سيحرص المنتدى على إضفاء الطابع المؤسسي في سعيه لتقديم رؤية استراتيجية متميزة، وسيعمل على أن تخضع عضويته قراراتها وتوصياتها في القضايا المتعلقة بالحكم للتبصر والدراسة للحيلولة دون التلاعب بقضايا المواطنين، والحرص على حمايتهم من التغول العسكري والطائفي والعرقي بجميع أشكاله ومختلف أطيافه. كما سيحرص المنتدى على أن تضم صفوفه خبراء من الجنسين يتمتعون بالقدرة على التعامل معقضايا معقدة وملحة مثل العدالة الانتقالية، والفيدرالية، والتنمية الريفية، والرعاية الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، وما إلى ذلك من القضايا الحيوية. كما سيولي اهتماما خاصا لاجتذاب أولئك الذين يؤكدون على قيم السلام والعدالة والمساواة،والجادين في السعي إلى تأسيس ديمقراطية راسخة.
والأمل معقود على أن يساعد تأسيس المنتدى على طرح السياسات التي تقنع الشعب السوداني بجدواها وبالتالي تبنيها لتحقيق تقدم يحرج البلاد من حال الجمود السياسي المترتب عن الخمول الفكري. وسيتم ذلك عبر توفير الرؤى الملهمة وتقديم القيادات القادرة على الانتقال بالسودان إلى رحاب المستقبل. وسيعمل المنتدى من خلال تنظيم حلقات دراسية في مجال صنع السياسات والقضايا المتعلقة بالحوكمة، المساهمة في إشراك المواطنين، داخليا وفي دول الشتات على حد سواء، بطريقة مبدئية وموضوعية. ومن بعدها سيعمل على تعبئة الأغلبية الصامتة، وكذلك إطلاق العنان لإمكانات الشبابالذين يمثلون ما يقارب 70٪ من السودانيين.
ومن منطلق قناعة المنتدى بضرورة إعادة تشكيل الخطوط الاجتماعية الحالية وتعيين القدرات السياسية والاستحقاقات التاريخية، كأسلوب أساسي لرسم دوائر النفوذ والتأثير، سينادي المنتدى بالنظر إليها كأليات لا يمكن تجاهلها لصنع السلام، يمكن للمنتدى أن يبدأ تدريجيا في بناء نوى التغيير في المناطق المختلفة.
ويدرك القائمون على أمر المنتدى التحولات التي تنتظم المجال العام باعتباره مجالا للتعبير عن هموم واهتمامات المجتمع. كما أنهم على علم بتحوله من مجال يرتكز بشكل صارم على المؤسسات المؤطرة، إلى فضاء اتصال متعدد الوسائط يتشكل ويتمحور حول نظم إعلامية مرنة وخلاقة. ويشمل المجال، بالإضافة إلى الإذاعة والتلفزيون والصحافة المطبوعة، مجموعة متنوعة من أنظمة الوسائط المتعددة والمتفاعلة. ولهذا فإن هنالك ضرورة لأن يوفر منتدى السياسات السودانية SPF المنصة التي يمكن للمجتمع المدني من خلالها التفاعل والانتقال بالنقاش السياسي إلى صدارة اهتمامات وسائط الاتصال الاجتماعي. ووضعا في الإعتبار أن الجماعات الجادة فشلت في استقطاب وتوظيف قوى الرأي العام من خلال شبكاتها، إما بسبب نقص في الإبداع أو ضمور في الرغبة، مما تسبب في إلحاق الضرر بقدرة المجتمع المدني عامة، وبخاصة مجتمعات الفكر والثقافة والبحث على النهوض بمسئوليات تعزيز المعرفة،وترسيخ واجبات الدعم، وتقديم المشورة في وضع استراتيجيات تنمية وطنية شاملة ومستدامة.
وبصفته وكالة ذات تراث مؤسسي وثقافي غني، فإن المجتمع المدني السوداني قادر على تجديد روحه من خلال وضع سياسات تسترشد برأي المواطنين وتقودهم في ذات الوقت فيما يتعلق بقضايا التعليم والثقافة والصحة والبيئة والتنمية والمساواة، ما إلى ذلك. وبالتالي فإن المنتدى مطالب بالمساهمة في دفع مسيرة السلام والتكامل الإقليمي، والسعي لتعويض أي تأثير سلبي قد أفرزته الطغم الحاكمة التي فرضت نقسها على السودان والسودانيين كمجتمع ودولة. ولأجل المساهمة في تحقيق نظام إقليمي وعالمي مستدام من خلال بذل الجهود لتأسيس نظام حكم توافقي في السودان، سيسعى المنتدى إلى تفعيل الحوار بين مختلف المجتمعات والإثنيات، وتوظيف الوعي والإدراك، وترشيد تبادلية الاحترام بين الجماعات والاعتراف بثقافاتها.
ستكون من ضمن مشاغل هذا المشروع تفعيل وتأطير التدخلات المطلوبة لتحقيق الغايات الوطنية بمل في ذلك البحث والفحص والتدريب وتنظيم الحملات واستشراف الرؤى والإحتفاء بالتحقيق والإنجاز. وستساعد هذه المكونات مجتمعةوكلاء المجتمع المدني على فهم المسئوليات، واستجلاء الواجبات، واستيعاب التبعات، ومتابعة الآثار العملية المهمة لمعطيات الحوكمة ومتطلبات الديمقراطية بدلا عن الإكتفاء بمحاولة رصد قائمة متطلبات "الحكم الرشيد" بلا هدف قابل للتحقيق. ونتوقع أن تتسع مساحات المنتدى لتضم برامجه نطاقات سياسية فاعلة، وإسهامات فكرية قادرة على إلهام واستلهام طاقات المشاركين لتشمل دور وسائل الإعلام في الترشيد والتنوير. كما ستتناول مداولات المنتدى سبل ترقية العيش، وإدارة الطاقة والموارد، والتداخل البيئي، والإصلاح الدستوري، وقضايا المرأة والأسرة، والتنمية المؤسسية، وغير ذلك من مقومات إعادة بناء الأمة السودانية على أسس المواطنة.
وعند هذا المنعطف التاريخي لوطن مثخن بالجراح، وفي هذا السياق لأمة مثقلة بالألام، يطمح منتدى السياسات السودانية إلى تنشيط مكونات التعبئة للمجتمع المدني في السودان لكي يكون مؤهلا وقادرا على تجاوز الاختلافات العرقية والقبلية والمناطقية لصالح ضمان سلام دائم، وتنمية مستدامة، وتقدم متكامل، وتصالح لوطن مع نفسه ومع الآخرين. ولذلك ستبذل الجهود لأن يكون المنتدى إطارا جامعا بعيدا عن الانتقائية والحصرية. كما سنسعى لأن يكون بين عضوية المنتدى علماء بارزون، ونشطاء مجتهدون، وسياسيون حقيقيون، وقادة مجتمع مشهود لهم باستعدادهم للبذل والعطاء. كما أننا ندرك أن القائمين على أمر الشعب السوداني بحاجة إلى العودة إلى لوحة الرسم والتخطيط حتى يتمكنوا من وضع وتقديم توصيات تحدد معالم الطريق إلى الأمام. ويتضمن هذا إعمال الفكر، وشحذ الهمم، وتشجيع التفكير النقدي، وإتاحة إمكانية المساندة للشركاء الإقليميين والدوليين. ولهذا ستكون من ضمن واجبات المنتدى تيسير مقومات الاعتراف بالقواسم المشتركة عبر الحدود، وبالتالي تأمين فهم أفضل لدور المجتمع المدني داخليا وخارجيا. والأمل معقود على أن ينجح المنتدى فيفتح نافذة تطل الجماهير عبرها لرؤية الحياة بشكل مختلف.
والجدير بالذكر أنه على الرغم من التضحيات الكبيرة التي قدمت، باءت محاولات بناء الأمة بالفشل. وكل المؤشرات تشير إلى أن غياب الرؤية، وضعف الإرادة، وسوء التخطيط ستحول الجهود الخجولة لترشيد الراهن المتعثر إلى إخفاق ذريع بالغ التكلفة وشديد التعقيد. وفي جميع مداخلاته سيتجنب المنتدى اللجوء إلى الخطاب الذي من شأنه إعاقة قدرات الجماعات السودانية المعنية بالسلام والحرية والعدالة والديمقراطية. وسيسعى المنتدى بفضل عضويته لأن ينأى بالجماعات الطامحة إلى الأفضل من الوقوع في فخاخ الديكتاتورية وحبائل العرقية التي إن تمكنت ستطيل أمد بؤس الجماهير. وفي هذا السياق سيولي المنتدى اهتماما خاصا بقضية دارفور معترضا على بعض الشعارات المستخدمة من كل المجموعات "الحداثية" و "التقليدية" بنية التخلص من الهويات القبلية والدينية، والتي قادت إلى مزيد من الترسيخ ونقلت تلك المجموعات، باستخدام مصطلحات العالم غوران هايدن، من نطاق "الاختيار الملزم" إلى دائرة "التبعية العمياء". مما أدى إلى تعزيز الانتماء الزنجي أو العربي الذي ساعد تجار الدعاوى العرقية، وقاد إلى زيادة استغلال الانقسامات، والمناداة بنموذج اقتصادي ليبرالي يجمع بين أشكال حكم غير ليبرالية والتركيز المفرط على الإصلاح المرتبط بالنمو، مما تسبب في إنتاج الفقر والبطالة وعدم المساواة.
وتتمثل الأهداف الاستراتيجية الرئيسية للمنتدى العمل على الحد من التشظي السياسي، وتطويق الجماعات التي تحدث الانقسامات، وتعزيز السلام من خلال الدعوة لتنفيذ إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية، وإقامة صلة قوية بين بناء الدولة وتمكين المرأة وضمان شاركتها الفاعلة والمؤثرة، وتنمية الطاقات الشبابية القادرة على إحداث التغيير، وإشراك الكوادر المؤهلة في إدارة شئون البلاد، والحد من الإنفاق الحكومي غير المقنن، وكبح جماح الفساد المستشري. كما أننا نرى أهمية أن يعمل المنتدى كحفاز لإحداث إصلاح أساسي عريض وعميقفي بنية الدولة السودانية لمواجهة المظالم التاريخية، والعمل على إزالة الغبن الاجتماعي. وستكون من بين الأهداف الوسيطة للمنتدى الحد من سلطة وسطوة الجماعات التي تسبب الانقسامات، ومناهضة استمرار الملكية غير العادلة للأراضي. وسينادي المنتدى بتطبيق نظام مناسب للتملك يهدف إلى تطبيق العدالة وتعزيز السلام. وسيسعى من خلال برامجه وأطروحاته إلى إعادة هيكلة البنيات الاقتصادية وتطويق ما تفرزه من اختلالات اجتماعية، والعمل على خلق الظروف المناسبة لبناء الأمة، وصياغة هويتها القومية الجامعة إلى جانب هوياتها الثقافية المتعددة وغير المتنافرة. غني عن القول أن هذا البيان لم يقصد منه الإحاطة بكل شيئ، ولكنه غيض من فيض لأجل فتح كوات تدخل منها أنوار التنوير والتغيير.
دكتور / الوليد آدم مادبو
خبير الحكمانية ومستشار التنمية الدولية
Www.hikmaniya.com