فيتنام وأمريكا.. من الحرب إلى الشراكة
تاريخ النشر: 15th, September 2023 GMT
رفعت فيتنام درجة علاقتها مع الولايات المتحدة إلى أعلى مستوى على الإطلاق، لمطابقة علاقاتها مع الصين، مع تقريب الدولة الشيوعية والعدو السابق إلى فلك واشنطن في مواجهة تأثير بكين المتزايد في المنطقة.
وقعت الولايات المتحدة «شراكة استراتيجية شاملة» مع فيتنام، الدولة الواقعة في جنوب شرق آسيا، بعد وصول الرئيس جو بايدن إلى هانوي قادماً من نيودلهي، حيث حضر قمة مجموعة العشرين.
إن التسمية الرمزية والمهمة للشراكة، والتي تأتي بعد سنوات من الضغط من قبل واشنطن، ترفع الولايات المتحدة بمستويين إلى المركز الأول في التسلسل الهرمي للعلاقات الثنائية في فيتنام، لتبدأ فصلاً تاريخياً جديداً في العلاقات بين البلدين.
وقال الرئيس الفيتنامي، نغوين فو ترونغ «إن شراكته مع الولايات المتحدة نمت بصورة كبيرة»، بينما قال بايدن «إن فيتنام قوة حاسمة في العالم ورائدة في هذه المنطقة الحيوية».
وأوضح جون فاينر، نائب مستشار الأمن القومي الأمريكي، الذي أعلن عن الشراكة الاستراتيجية بينما كان بايدن في طريقه إلى هانوي، إن الخطوة «أكثر من مجرد عبارات»، مضيفاً أنها تمثل عمق التعاون والتوافق بين البلدين.
ووصل بايدن إلى فيتنام بعد قمة مجموعة العشرين، حيث اضطرت الولايات المتحدة وحلفاء غربيون آخرون، إلى تقديم تنازلات بشأن إدانتهم لروسيا في البيان المشترك للكتلة، كجزء من جهود واشنطن المتزايدة لإيجاد أرضية مشتركة أكثر مع الدول النامية.
مواجهة طموح الصين ومنحت الولايات المتحدة الأولوية للتواصل مع ما يسمى ب«الجنوب العالمي»، للمساعدة في تشكيل إجماع عالمي ضد الحرب في أوكرانيا، وكجزء من التنافس الدولي المتزايد مع بكين، الشريك الأجنبي الأكثر أهمية لموسكو.
وعلى نحو مماثل، تنظر الولايات المتحدة إلى البلدان النامية في آسيا باعتبارها بلداناً حاسمة في مواجهة طموحات الصين المتنامية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وتعتبر فيتنام دولة على خط المواجهة مع طموحات الصين المتزايدة في بحر الصين الجنوبي، حيث قدمت بكين مطالبات دولية للحصول على السيادة الكاملة على بحر الصين الجنوبي، الأمر الذي أثار قلق العديد من جيرانها.
وتشكل شبكة الشراكات الأمريكية المتزايدة الترابط في المنطقة مجرد جانب واحد من الاستراتيجية الدبلوماسية الأمريكية في التعامل مع الصين. وعلى مسار منفصل، سعت إدارة بايدن أيضاً، إلى علاقات أكثر استقراراً وتحسين الاتصالات مع بكين، خلال العام الماضي، حيث قام عدد من كبار وزراء مجلس الوزراء برحلة إلى العاصمة الصينية في الأشهر القليلة الماضية.
سنوات من انعدام الثقة وتغيّب بايدن عن قمتي رابطة دول جنوب شرق آسيا وشرق آسيا في جاكرتا قبل اجتماع مجموعة العشرين، لمصلحة رحلة إلى فيتنام، في محاولة لإظهار الأهمية التي توليها أمريكا لعلاقتها مع هانوي.
ويأتي تحسّن العلاقات بين الولايات المتحدة وفيتنام بعد ما يقرب من نصف قرن من انتهاء حرب فيتنام، والتي أعقبتها سنوات من انعدام الثقة المتبادلة. وبعد انتصار الحزب الشيوعي في عام 1975، فرضت واشنطن حظراً تجارياً على فيتنام واستمر حتى عام 1994.
وقد دفعت حملة الضغط التي تمارسها بكين، الفلبين بالفعل إلى الاقتراب من الولايات المتحدة، حيث سمحت مانيلا لأمريكا بالوصول إلى أربع قواعد عسكرية أخرى في البلاد، في وقت سابق من هذا العام.
ومن المرجح أن تثير خطوة فيتنام قلقاً في بكين. وقد أرسلت الصين مسؤولاً كبيراً إلى هانوي في وقت سابق هذا الشهر، قبل زيارة بايدن المقررة. والتقى رئيس القسم الدولي للحزب الشيوعي الصيني، ليو جيانشاو، بالرئيس ترونغ، واتفقا على «تعزيز الثقة السياسية المتبادلة»، خلال الزيارة.
وقال سايمون تاي، رئيس معهد سنغافورة للشؤون الدولية: «إن هذه خطوة حاسمة في الفلك الأمريكي». وأضاف أنه على الرغم من القلق بشأن الصين، فإن فيتنام ستسعى إلى البقاء على الحياد بين القوتين العظميين، وستقوم بتوطيد علاقاتها مع الدول الأخرى، وليس الولايات المتحدة فقط. وأشارت هانوي مؤخراً، إلى أنها ستعزز أيضاً علاقاتها مع أستراليا وسنغافورة وإندونيسيا واليابان.
وفضلاً عن الآثار الأمنية المترتبة على ذلك، مثل التعاون الدفاعي المحتمل، فإن الوضع الأمريكي الجديد له أيضاً أهمية اقتصادية. فهو يسمح لكلا البلدين بالعمل على زيادة تعزيز فرص التجارة والسوق، خاصة في الصناعات الحيوية مثل أشباه الموصلات.
النموذج الرأسمالي ومنذ تسعينات القرن العشرين، تحوّل اقتصاد فيتنام من اقتصاد مركزي خاضع للرقابة إلى نموذج أكثر انفتاحاً ورأسمالية، وتعد الولايات المتحدة أكبر سوق لصادراتها. وكان الاقتصاد الفيتنامي الأسرع نمواً في آسيا، العام الماضي.
وتراجع النمو الاقتصادي في فيتنام خلال الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2023. وواجه مصدّروها تكاليف أعلى وضعف الطلب، حيث أضر ارتفاع التضخم في جميع أنحاء العالم بسوق السلع الاستهلاكية.
ومع ذلك، تضاعفت واردات الولايات المتحدة من السلع الفيتنامية تقريباً منذ عام 2019 لتصل إلى 127 مليار دولار سنوياً، وفقاً لمكتب الإحصاء الأمريكي. ومن غير المرجح أن تتمكن فيتنام، التي يبلغ عدد سكانها 100 مليون نسمة، من مجاراة حجم التصنيع الصيني. وفي عام 2022، صدّرت الصين، التي يبلغ عدد سكانها 1.4 مليار نسمة، أربعة أضعاف ما فعلته فيتنام من السلع إلى الولايات المتحدة.
دور اقتصادي مركزي وهناك أيضاً أدلة على أن الصين لا تزال تلعب دوراً مركزياً في اقتصادات العديد من دول منطقة المحيطين، الهندي والهادئ.
وخلص تحليل جديد أجراه معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي إلى أن صادرات الصين شكلت 30% من واردات البلدان الأعضاء في مبادرة الإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين، الهندي والهادئ، في حين أرسلت هذه الدول ما يقرب من 20% من صادراتها إلى الصين. وقد زاد هذا الاعتماد بشكل حاد منذ عام 2010. ورأى مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، جيك سوليفان، فرصة لتوسيع العلاقات الأمريكية مع فيتنام عندما قام أحد كبار مسؤوليها، لي هواي ترونغ، بزيارة واشنطن في 29 يونيو/ حزيران الماضي. وبعد التحدث مع ترونغ، عاد سوليفان إلى مكتبه وقرر،بعد التشاور مع فريقه، إصدار رسالة إلى الحكومة الفيتنامية يقترح فيها أن يقوم البلدان بالارتقاء بعلاقاتهما التجارية والدبلوماسية إلى أعلى مستوى ممكن، وفقاً لأحد المسؤولين في الإدارة الأمريكية.
المصدر: صحيفة الأيام البحرينية
كلمات دلالية: فيروس كورونا فيروس كورونا فيروس كورونا الولایات المتحدة
إقرأ أيضاً:
التفاهمات السرية بين إيران وأمريكا: صفقة في الظل أم صراع بقاء
إلى أين يمكن أن تقودنا التفاهمات السرية بين الولايات المتحدة وإيران؟ هل هي مجرد تمثيلية لتخفيف التوترات أم أن هناك لعبة أكبر تُدار في الخفاء؟ هل يمكن للوساطة السويسرية أن تكون المنفذ الذي يعيد ترتيب القوى الكبرى في الشرق الأوسط؟ وكيف ستنعكس هذه التفاهمات على فصائل مثل حماس، التي قد تصبح محورية في معادلة إقليمية جديدة؟
ما لا يدركه الكثيرون هو أن هذه التفاهمات، مهما بدت سطحية في ظاهرها، هي تجسيد لصراع أكبر، صراع حول الهيمنة والاستمرارية، وليس مجرد محاولات لتسوية مؤقتة.
منذ أن أُسقطت الطائرات في الحادي عشر من سبتمبر، ومنذ أن بدأت الحرب على الإرهاب، وأمريكا لم تتوقف عن صناعة الفوضى في المنطقة، حتى أصبحت الحدود بين الأعداء والأصدقاء ضبابية للغاية. إيران، التي كانت تنظر إليها في البداية مصدراً للتهديد، أصبحت الآن شريكًا في فصول أكبر من اللعبة السياسية في الشرق الأوسط.
لكن دعونا نكن أكثر صراحة، ليست إيران هي من تسعى إلى الفوضى، بل هناك من يعمل وراء الستار لخلق تحولات إستراتيجية غير مرئية للعيان، حيث لا تكون المواجهة العسكرية هي الحل، بل التفاوض في الخفاء والابتزاز الدبلوماسي. وعندما يدخل اللاعبون مثل سويسرا للوساطة، نعلم أن اللعبة أكبر من مجرد صفقة تجارية.
إيران تتقاطع مع الولايات المتحدة في نقاط إستراتيجية عدة؛ منها النفوذ في المنطقة النفطية، السيطرة على طرق التجارة البحرية، والتأثير على الأنظمة التي أصبحت تترنح تحت ضغط التغييرات الجيوسياسية. لذا، التفاهمات بينهما ليست محض “هدنة”، بل هي محاولة لخلق مستقبل مقسم غير قابل للتوقع.
هل تقوم أمريكا بحيلة لإبقاء إيران في منطقة "الاحتواء الذكي" دون تصعيد يؤدي إلى حرب شاملة؟ في الحقيقة، الولايات المتحدة لم تعد تستطيع تحمل عبء حروب جديدة. ما يحدث اليوم هو “إدارة التوترات”، وهو مفهوم حديث يعكس التوازن الدقيق الذي تسعى أميركا لتحقيقه بين تحجيم إيران والحفاظ على مصالحها في الخليج والعراق.
ولكن، هنا يكمن السؤال، إذا كانت الولايات المتحدة ترغب في احتواء إيران، فلماذا تكون سويسرا هي الوسيط؟ الإجابة تكمن في أنَّ الولايات المتحدة تدرك تماماً أن أي تصعيد إضافي سيؤدي إلى إشعال الصراع العالمي. بالتالي، يُمكن القول إنَّ أمريكا تسعى لإدارة هذا النزاع بطريقة تبدو أقل كلفة، بما يضمن إبقاء النفوذ الإيراني في حدود قابلة للسيطرة دون أن يؤدي ذلك إلى انهيار النظام العالمي القائم.
إيران، بتركيبتها السياسية المعقدة، لا تبحث عن حرب. هي تحتاج إلى استقرار داخلي، هذا الاستقرار الذي يزداد هشاشة مع كل يوم من العقوبات الدولية والاحتجاجات الشعبية. لا يمكن لإيران أن تبقى على هذا المنوال من التحديات الاقتصادية والاجتماعية. لذا، كانت في حاجة إلى تغيير إستراتيجيتها الخارجية بشكل غير مباشر.
إن الخوض في التفاهمات مع الولايات المتحدة هو محاولة لتأمين قدرة إيران على البقاء داخلياً، حتى لو كان ذلك يعني القبول بنوع من التهدئة. ولكن هل تستطيع إيران الحفاظ على صورتها كـ”قوة إقليمية مقاومة” دون التضحية بشيء من سياستها الخارجية؟ هذا هو التحدي الذي ستواجهه طهران في الأشهر القادمة.
حماس، الفصيل الذي يبدو في الظاهر المستفيد الرئيسي من الدعم الإيراني، يجد نفسه الآن في مفترق طرق. إيران، التي قدمت له الدعم العسكري والتقني لسنوات، قد تجد نفسها مضطرة لتقليص هذا الدعم إذا ما تواصلت التفاهمات مع الولايات المتحدة.
هنا تكمن المفارقة، هل ستظل حماس أداة في يد إيران أم أنها ستنجح في تحجيم تأثير إيران عليها وتبحث عن بدائل؟ حماس ليست مجرد “ورقة إيرانية” في لعبة القوى الكبرى؛ إنها تدرك أن وجودها طويل الأمد يتطلب إعادة التفكير في إستراتيجياتها، وإن كانت ستجد توازناً بين قوتها العسكرية والبحث عن حلول أكثر استقلالية.
لكن ماذا لو لعبت حماس لعبتها الخاصة؟ ماذا لو اتخذت قراراتها بمعزل عن طهران، في محاولة للبحث عن دور جديد في ظل التحولات الإقليمية؟ قد يكون هذا هو السيناريو الأكثر إثارة للقلق بالنسبة إلى إيران، لأنه يعني أن جزءاً من سياستها الإقليمية قد يصبح غير قابل للتنبؤ.
إن التفاهمات الأمريكية الإيرانية، بالرغم من تعقيداتها، قد تكون بداية لمرحلة جديدة في الشرق الأوسط. ليس الأمر مجرد محاولة لتحديد مسار الأزمة النووية، بل هو إعادة هيكلة لكيفية إدارة النزاعات والتهديدات في المنطقة.
يبدو أن ما يحدث في الخلفية هو إعادة توزيع السلطة بين القوى الإقليمية الكبرى، إيران، السعودية، إسرائيل، وحركات المقاومة. فالتفاهمات قد تؤدي إلى تغييرات دراماتيكية في شكل التوازنات العسكرية والاقتصادية، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن الصراع سينتهي. بل قد يكون بداية للمرحلة التالية، التي ستكون أكثر تعقيداً، حيث ستندمج المصالح الأميركية مع تلك الإيرانية بشكل خفي.
كلما حاولنا فهم هذه التفاهمات، كلما ازدادت الصورة ضبابية. الصراع في الشرق الأوسط لم يعد يُدار بالطريقة التقليدية؛ بل أصبح عملية معقدة من التنسيق غير المعلن، حيث يتغير كل شيء في لحظة. قد تكون هذه التفاهمات بداية لتغيير عميق في ديناميكيات المنطقة، حيث تُصبح إيران وأميركا على حافة “السلام البارد”، وحيث تلعب القوى الإقليمية الأخرى دورًا أكبر في رسم ملامح المستقبل.
لكن السؤال الأخير يبقى، هل ما نراه الآن مجرد بداية لسلام غير تقليدي، أم أن المنطقة ستغرق أكثر في الفوضى؟ الإجابة، ربما، ستكون في يد حماس، وقراراتها المستقبلية.