في ذكرى أوسلو الـ30.. هل أصبح المؤقّت دائماً؟!
تاريخ النشر: 11th, September 2023 GMT
مرت أكثر من ثلاثة عقود على تبني منظمة التحرير الفلسطينية برنامجاً سياسياً يهدف إلى إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967م، استناداً إلى قرارات الأمم المتحدة والشرعية الدولية. وقد وقف المجتمع الدولي خلف هذا القرار، وتبنّى ما بات يُعرف بحلّ الدولتين، وهو ما حظي أيضاً بإجماع عربي أقرته جامعة الدول العربية أكثر من مرة.
فقد نص اتفاق أوسلو الموقع في أيلول/ سبتمبر 1993، بين منظمة التحرير الفلسطينية والحكومة الإسرائيلية، على "أن هدف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية ضمن إطار عملية السلام الشرق أوسطية هو، وإلى جانب أمور أخرى، تشكيل سلطة فلسطينية انتقالية ذاتية في الضفة الغربية وقطاع غزة لمرحلة انتقالية لا تتعدى الخمس سنوات، وتؤدي إلى تسوية نهائية مبنية على أساس قراري مجلس الأمن 242 و338"، الأمر الذي لم يحدث حتى يومنا هذا.
شهدت مرحلة أوسلو، الممتدة من عام 1993 إلى يومنا هذا، بناءً وترسيخاً لجملة من الوقائع والتحولات على الأرض، جعلت من إمكانية تغييرها أو التنازل عنها أمراً صعباً للغاية على الطرفين، وثمن التخلي عنها أو تجاوزها باهظ جداً، وكان من أبرزها:
شهدت مرحلة أوسلو، الممتدة من عام 1993 إلى يومنا هذا، بناءً وترسيخاً لجملة من الوقائع والتحولات على الأرض، جعلت من إمكانية تغييرها أو التنازل عنها أمراً صعباً للغاية على الطرفين، وثمن التخلي عنها أو تجاوزها باهظ جداً
1- تكثيف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية، حيث يوجد اليوم حوالي 160 مستوطنة صهيونية و300 بؤرة استيطانية.
2- ما يزيد عن 750 ألف مستوطن صهيوني يقيمون في الضفة الغربية، رغم أن عددهم كان في بداية أوسلو حوالي 230 ألفا.
3- سيطرة اليمين الصهيوني المتطرف على الحكم في إسرائيل، وتلاشي وجود وتأثير ما كان يعرف بمعسكر اليسار أو السلام.
4- سلطة فلسطينية تمتلك مؤسسات دولة كاملة من وزارات، ووزراء، ووكلاء، وأجهزة، وقضاء، وسلك دبلوماسي، وسفارات، ومجالس.. الخ، وقرابة 200 ألف موظف، في الضفة وغزة، مرتبطين بالبنية البيروقراطية لهذه السلطة.
5- الانقسام الفلسطيني وما فرضه من وقائع متباينة بشكل كبير على الأرض، في الضفة الغربية وقطاع غزة، يجعل من فرصة بناء سلطة فلسطينية منسجمة ومتناغمة أمراً عسيراً؛ خاصة في ظل اعتقاد كل طرف بضرورة الحفاظ على ما يعتقد أنه منجز نوعي لا يمكن التفريط به، يرافق ذلك انقسام عميق في الرؤى والتوجهات.
6- انعزال من قبل قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية عن الشعب الفلسطيني في الشتات وفي الأراضي المحتلة عام 1948، وانسلاخ عن همومه، وتهميش لدوره ولدور المنظمة.
تزامن مع ذلك العديد من التطورات والأحداث السياسية والأمنية على المستوى المحلي الفلسطيني (انتفاضات وهبات شعبية وحروب)، أظهر فيها الشعب الفلسطيني كعادته صموداً وبطولة منقطعة النظير. وكعادتها، أظهرت القيادة السياسية عجزاً مخيفاً في القدرة على استثمار الصمود والفعل الشعبي والمقاوم لصالح إنجاز حقوقه السياسية والوطنية، بل إن التراجع السياسي والوطني كان سيد الموقف على مدى العقود الثلاثة المنصرمة. كذلك، فإن الكثير من الأحداث الإقليمية حدثت في ذات الفترة، وأثرت بشكل كبير على موازين القوى الإقليمية، وعلى توجهات واهتمام الدول في الإقليم، لا سيما العربية منها، ونشأة عدة قضايا سياسية ووطنية إقليمية جديدة مست بشكل جوهري بمكانة القضية الفلسطينية، وموقعها على سلم أولويات الشعوب والأنظمة.
قادت هذه المعطيات والتطورات، بالإضافة الى الوقائع والتحولات السابقة، بشكل غريب وغير منطقي، إلى استقرار في العلاقة بين السلطة والاحتلال، فالمتابع لعلاقة السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي منذ تولي السيد محمود عباس رئاسة السلطة، يلمح أن السمة الأساسية لهذه العلاقة هي الاستقرار، وغياب التوتر أو المواجهة الميدانية، وحصرها إذا ما وجدت في ساحات العمل أو الاشتباك السياسي والقانوني والإعلامي
قادت هذه المعطيات والتطورات، بالإضافة الى الوقائع والتحولات السابقة، بشكل غريب وغير منطقي، إلى استقرار في العلاقة بين السلطة والاحتلال، فالمتابع لعلاقة السلطة الفلسطينية مع الاحتلال الإسرائيلي منذ تولي السيد محمود عباس رئاسة السلطة، يلمح أن السمة الأساسية لهذه العلاقة هي الاستقرار، وغياب التوتر أو المواجهة الميدانية، وحصرها إذا ما وجدت في ساحات العمل أو الاشتباك السياسي والقانوني والإعلامي. يعود ذلك، بالإضافة للوقائع الثقيلة المذكورة أعلاه، والتي ترسخت على الأرض، إلى وجود مساحة من التوافق والمشتركات بين الطرفين، تجعل من كل التوترات الميدانية عوامل هامشية غير قادرة على إحداث إزاحة أو تغيير في الواقع القائم. ولعل أبرز هذه التوافقات:
1- الحفاظ على الهدوء والاستقرار في الضفة الغربية والحيلولة دون اندلاع أية مواجهة أو انتفاضة.
2- الحفاظ على وجود السلطة الفلسطينية بمعزل عن دورها وماهيته.
3- منع أي عمل مقاوم بغض النظر عن شكله، سواء عسكرياً أم شعبياً، باعتبار أي عمل شعبي يمكن أن يتحول إلى عمل عسكري إذا ما تطورت المواجهة، والاستمرار في التشكيك في جدوى المقاومة وقدرتها على تحقيق إنجازات للشعب الفلسطيني.
4- الحيلولة دون عودة حركة حماس، وقوى المقاومة الأخرى، إلى الفعل الميداني في الضفة الغربية، وإبقاء الحركة تحت الضغط والاستنزاف المستمر، باعتبارها تشكل خطراً على الطرفين.
5- الحفاظ على وجود نموذجين للحياة لدى الفلسطينيين، نموذج غزة "المقاوم المحاصر الفقير" والضفة "الهادئ الرغيد"، مما يعني ويتطلب الإبقاء على حالة الانقسام بين الضفة وغزة.
بعد أن استُنفدت فكرة "التسوية السياسية" يدور الحديث اليوم عن خطة "حسم الصراع" التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، لتعمل إلى جانب "السلام الاقتصادي"، والتي تقوم على تسهيل حياة وحركة المواطنين في الضفة دون الاحتكاك مع المستوطنين أو الجيش؛ لتعزيز شعور متوهم بأنهم لا يعيشون تحت الاحتلال، وبالتالي تحول دون اندلاع مواجهة شاملة
إدارة مختلفة للصراع قد تقود إلى مقاربة جديدة للحل: "المؤقّت يصبح دائماً". وللحفاظ على هذه الحالة وضمان استمرارها تعمل حكومة الاحتلال، بتنسيق أو بدون، مع قيادة السلطة بين الحين والآخر على بلورة سياسات محددة تخدم هذا التوافق، متجاوزين فكرة إنجاز تغيير سياسي، أو الوصول إلى صيغة سياسية نهائية للتسوية، وفق الرؤية التي استندت إليها ما عُرفت بالمسيرة السياسية أو مسيرة التسوية، مستندين إلى توافق ضمني على العمل المشترك؛ لإبقاء الحال على ما هو عليه، والحيلولة دون انفجار الأوضاع الميدانية وحدوث مواجهة عنيفة بين الاحتلال والشعب الفلسطيني، على أمل حدوث تغيير على المستوى الإقليمي والدولي؛ قد يوصل كل طرف لما يُعتبر أهدافاً نهائية من وجهة نظره.
فبعد أن استُنفدت فكرة "التسوية السياسية" يدور الحديث اليوم عن خطة "حسم الصراع" التي تتبناها الحكومة الإسرائيلية الحالية، لتعمل إلى جانب "السلام الاقتصادي"، والتي تقوم على تسهيل حياة وحركة المواطنين في الضفة دون الاحتكاك مع المستوطنين أو الجيش؛ لتعزيز شعور متوهم بأنهم لا يعيشون تحت الاحتلال، وبالتالي تحول دون اندلاع مواجهة شاملة بموازاة تكثيف غير مسبوق للبناء الاستيطاني وزيادة عدد المستوطنين.
بغض النظر عن مدى واقعية هذا المسار، فإن الأكيد أنّ حكومة الاحتلال تعمل ضمن رؤية قائمة على تحويل ما يُعتقد أنّه مؤقت في الحالة الفلسطينية إلى دائم. فقطاع غزة يبقى كياناً معزولاً بوضع إداري وسياسي خاص، والضفة الغربية تعيش حالة أقرب ما تكون لحكم ذاتي فلسطيني محدود تحت الاحتلال، يتمتع بكل أنواع السلطة على السكان دون أي شكل من أشكال السيادة على الأرض. وهو أمر يبدو أن قيادة السلطة قد تبنته أيضاً، ومستمرة في التعايش معه، لأن البدائل عنه غير محتملة بالنسبة لها. وقد نجحت القيادة منذ زمن في بناء رأي عام داخل بنية السلطة، وبالذات لدى الأجهزة الأمنية وقطاعات كبيرة من حركة فتح، مؤيد لهذا التوجه، مستغلة تجربة "الحسم العسكري" في غزة، التي حدثت عام 2007، وما نتج عنها من انقسام، في إثارة جملة من المخاوف لدى جمهور السلطة وحركة فتح.
وعليه، فالمقاربة المتبناة اليوم قائمة على أن "الحفاظ على "الهدوء" في الضفة الغربية، حتى وإن ألحق الضرر بالمشروع الوطني وقاد إلى تحويل المؤقت إلى دائم، يعني الحفاظ على الذات وضمان البقاء، وهو مقدم على ما سواه من أهداف".
ومما يساهم أيضاً في الوصول إلى هذا الواقع، ويجعل من استمراره ممكناً، واقع وسلوك الفصائل والتجمعات والنخب الفلسطينية الأخرى، التي تُظهر عجزاً كبيراً في بلورة رؤية أو مقاربة مختلفة قادرة على العمل، وتصلح لتوحيد الفلسطينيين أينما كانوا للنضال سوية في مواجهة المشروع الصهيوني، الذي يزداد وجهه قبحاً بمرور الوقت، وبالذات بعد تصنيفه من جهات عدة كنظام فصل عنصري (أبارتايد)، مما يشجع أيضا قيادة السلطة على المضي قدماً في خيارتها وسياساتها، غير آبهة بمعارضة خجولة هنا أو تصريح إعلامي هناك.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه الفلسطينية الإسرائيلية الاحتلال محمود عباس إسرائيل فلسطين محمود عباس الاحتلال اتفاقية أوسلو مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة صحافة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة السلطة الفلسطینیة فی الضفة الغربیة منظمة التحریر الحفاظ على على الأرض
إقرأ أيضاً:
كيف استطاعت السلطة الفلسطينية تحويل مسيرة حركة فتح النضالية؟
يمكن القول إن حركة فتح كانت أول جسم تنظيمي متماسك وفاعل يمارس النضال السياسي والعسكري في تاريخ القضية الفلسطينية، رغم أنه سبق حركة فتح كثير من المحاولات المسلحة في تاريخ النضال الفلسطيني، من ثورة البراق إلى حركة المناضل السوري الشهيد عز الدين القسام، لكن ميزة حركة فتح أنها استطاعت إقامة تنظيم بجناح سياسي أخذ شرعية التمثيل الفلسطيني من خلال منظمة التحرير الفلسطيني، وجناح عسكري لمقاومة الاحتلال الصهيوني قدم محاولات تحرر كثيرة، ورسم مشروع تحرر عسكري وسياسي. لكن كيف استطاعت السلطة الفلسطينية أن تحدث تحولا كبيرا في مسيرة حركة فتح، وتنقل كثيرا من منتسبيها ممن التحق بالسلطة من حركة تحرير وطني إلى حارس لأمن الاحتلال وصمام أمان لوجوده واستمراره؟
(1) فتح: حركة تحرر ونضال وطني
لا يمكن لأي متابع لنضال الشعب الفلسطيني أن يتجاوز حركة فتح في مسيرة النضال الفلسطيني، إذ قامت حركة فتح في الأول من كانون الثاني/ يناير 1965 كأول عمل تنظيمي يسعى إلى التحرر من الاحتلال الصهيوني، نتحدث عن حركة فتح كتنظيم فلسطيني تم تأسيسه بخليط من الشخصيات الفلسطينية ذات المرجعيات الفكرية المختلفة، وإن كان يغلب على أعضاء التأسيس الفكر القومي الذي كان يشهد حالة مد كبير في ستينيات القرن الماضي. كما كان من أوائل من شارك في تأسيسها خليل الوزير ذو الخلفية الإخوانية، بعد تأخر جماعة الإخوان المسلمين الفلسطينية عن الدخول في حركة النضال المسلح ضد الاحتلال.
بدأت تحولات حركة فتح في النضال الفلسطيني عندما قاد الراحل ياسر عرفات حركة فتح إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993، وتحولت حركة فتح من العمل العسكري إلى العمل السياسي
لم يقتصر نشاط فتح على العمل السياسي، بل إن العمل العسكري كان لديها يسبق العمل السياسي، فأسست حركة فتح مجموعة من التنظيمات العسكرية المسلحة، كان أول تلك التنظيمات التي قادت الكفاح المسلح "قوات العاصفة" التي قادها ياسر عرفات وأسست بعد ذلك بعض التنظيمات بأسماء أخرى إلى أن وصلنا إلى كتائب شهداء الأقصى في بداية الانتفاضة الثانية.
تطلق حركة فتح على نفسها شعار "أصحاب الرصاصة الأولى"، وإن كان النضال العسكري ضد الاحتلال الإسرائيلي سبق تأسيس حركة فتح بكثير كما أسلفنا، لكن نضال حركة فتح في تاريخ القضية الفلسطينية لا يمكن تجاوزه حتى وقت قريب، إذ تشير بعض الدراسات إلى أن كتائب شهداء الأقصى التابعة لحركة فتح قدمت حوالي 22 في المئة من الشهداء من مجمل شهداء الانتفاضة الثانية، إذ قدمت فتح 1437 شهيدا من أصل 6598 شهيدا، كما كان لها عدد كبير من الأسرى وبعضهم كان مقربا من الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، قضوا في الأسر حوالي 20 عاما، يمكن أن يفرج عنهم في صفقات التبادل الجارية حاليا بين إسرائيل وحماس.
(2) تحولات حركة فتح
بدأت تحولات حركة فتح في النضال الفلسطيني عندما قاد الراحل ياسر عرفات حركة فتح إلى اتفاقية أوسلو في عام 1993، وتحولت حركة فتح من العمل العسكري إلى العمل السياسي، قبل أن تجدد نضالها العسكري في الانتفاضة الثانية، إذ تحولت حركة فتح إلى حزب سلطة في الحكم الذاتي بعد اتفاقية أوسلو الذي سيطرت فيه السلطة الفلسطينية على المناطق "أ" و"ب" والتي تشكل 39 في المئة من مساحة الضفة الغربية.
المنعطف الآخر كان عندما وافق ياسر عرفات على التنسيق الأمني ما بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال لمدة 4 سنوات منذ عام 1994، على أن تقام دولة فلسطينية على 90 في المئة من مساحة الضفة الغربية بالإضافة إلى غزة خلال 3 سنوات.
التحول الأكبر في مسيرة حركة فتح في النضال الفلسطيني كان بعد رحيل ياسر عرفات وقدوم القيادة الفلسطينية الجديدة، وتعيين "كيث دايتون" خبير الأمن الأمريكي ليقوم بالتنسيق الأمني ما بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية، ليحقق أمن إسرائيل وأمن السلطة من أجل تهيئة البيئة السياسية لاستمرار إسرائيل في عملية التفاوض وإتمام عملية السلام وحل القضية الفلسطينية. من أجل هذه المهمة، تم تشكيل مجموعة من القوات الفلسطينية التي أشرف على تدريبها لتجريد المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وغزة من سلاحها، وملاحقة المقاومين، وتدمير البنية التحتية للإرهاب كما تعرفه أمريكا وإسرائيل، مقابل تقديم الدعم المالي والدعم بالسلاح لهذه القوة لكي تتمكن من إتمام مهامها الموكلة إليها.
تضخمت قوات دايتون واستمر عملها، وخاصة بعد انتخابات 2006 التي فازت بها حماس، وبعد الحسم العسكري في غزة 2007، بينما عملية التفاوض وإتمام عملية السلام وحل القضية الفلسطينية التي جاءت قوات دايتون من أجل توفير البيئة المناسبة لها قد انتهت ولم تعد موجودة. فاستمر التنسيق الأمني، وانتهى حلم إقامة الدولة الفلسطينية بقدوم اليمين الإسرائيلي المتشدد الذي يريد التهام الضفة الغربية بكاملها وضمها إلى إسرائيل، وإنهاء حلم إقامة دولة فلسطينية.
تضخمت قوات دايتون لتحول جميع أجهزة السلطة الفلسطينية العاملة في المناطق "أ" و"ب" من الضفة الغربية إلى قوات تحمل فكرة وعقيدة قوات دايتون في حفظ الأمن الإسرائيلي، فأصبح التنسيق الأمني وعلى لسان قادة السلطة الفلسطينية عملا مقدسا.
حركة فتح مرت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى صيغتها الحالية كحزب سلطة، تحولت من العمل العسكري إلى العمل السياسي واتفاقية السلام، ثم تحولت من العمل السياسي إلى التنسيق الأمني ليصل بها الحال إلى ما هي عليه حاليا من غرق في التنسيق الأمني، والتحول إلى حراس لأمن إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية
حركة فتح مرت بمراحل متعددة حتى وصلت إلى صيغتها الحالية كحزب سلطة، تحولت من العمل العسكري إلى العمل السياسي واتفاقية السلام، ثم تحولت من العمل السياسي إلى التنسيق الأمني ليصل بها الحال إلى ما هي عليه حاليا من غرق في التنسيق الأمني، والتحول إلى حراس لأمن إسرائيل في مواجهة المقاومة الفلسطينية.
(3) فتح تسير بعكس فكرة التأسيس
ذات المشهد في تلك التحولات التي حدثت مع حركة فتح حصل مع معظم الدول التي تعرضت للاحتلال، لكن هذه التحولات كانت دائما تقود أصحابها في النهاية إلى حيث لا يرغبون، حتى وصل بهم الأمر إلى أنهم كانوا يرفضون أن يخرج المحتل عندما تتعاظم خسارته من المقاومة الوطنية المسلحة.
التاريخ الحديث يقول لنا إن ما وصل إليه أتباع حركة فتح ممن التحق بالسلطة وقع فيه كثير من حركات التحرر ومقاومة الاحتلال في التاريخ الحديث، وانتهى بها المطاف إلى جزء من قوات الاحتلال وخادم له. قد يكون قريب مما حصل مع حركة فتح ما حصل في الجزائر مع ما يطلق عليه قوات الحركي الجزائري، وهو مصطلح يطلق على الجزائريين الذين قاتلوا مع القوات الفرنسية ضد أبناء جلدتهم في حرب التحرير بين عام 1954 إلى 1962. وتشير التقديرات إلى أن عددهم وصل إلى أكثر من 90 ألف مقاتل، عاشوا في ظروف غير لائقة بعد فرارهم من الجزائر خشية الانتقام منهم نتيجة لتعاونهم الأمني ضد حركة التحرر في الجزائر، وقد أعلن الرئيس الفرنسي الحالي عن قانون من أجل تعويضهم عما تعرضوا له من سوء معاملة في فرنسا بعد خروجهم من الجزائر.
كما تكرر المشهد مع جيش لحد في الجنوب اللبناني، والذي نشأ في البداية في مواجهة الفصائل الفلسطينية في الحرب الأهلية اللبنانية، ثم تحول إلى منفذ للعمليات العسكرية نيابة عن القوات الإسرائيلية، ليصبح ذراع إسرائيل في لبنان. وقد بلغ عديده حوالي 6 آلاف مقاتل، معظمهم من الطائفة المسيحية وبعضهم مسلمون، كانت لديهم إشكالية مع فصائل المقاومة الفلسطينية. وعندما انسحب الجيش الإسرائيلي من جنوب لبنان، هربوا إلى إسرائيل، وبعضهم غادر إلى أوروبا، وبعضهم تم القبض عليه وتقديمه للقضاء اللبناني، وتم الاستيلاء على أسلحتهم من قبل حزب الله.
كانت فكرة إقامة سلطة فلسطينية قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية فكرة صهيونية عبقرية، فهي الفكرة الوحيدة التي استطاعت أن تجر حركة فتح لتحولها من حركة نضال إلى حزب سلطة يغرق بالمكتسبات، ويتحول المنخرطون منهم في عمل السلطة بعد ذلك إلى حراس لأمن إسرائيل
بعد أن قامت حماس بالحسم العسكري في غزة كانت تراهن إسرائيل على أنه سيكون لحماس مكتسبات سياسية وعمرانية وسلطة أمر واقع، فيمكن لهذه المكتسبات أن تنقل حماس إلى ذات المربع الذي انتقلت إليه حركة فتح بوقف النضال العسكري أو التخفيف منه، فالمكتسبات وحدها هي التي تجعل العسكري يتراجع عن إقدامه من أجل المحافظة على مكتسباته. لكن الأمر كان مختلفا في حماس لعدة أسباب، أهمها أن حماس حركة أيديولوجية محكومة بتصورات دينية عن النضال والشهادة والاستشهاد. كما أن حركة حماس حركة مؤسسية يتخذ القرار فيها بموجب عمل مؤسسي، على عكس حركة فتح التي كان القرار فيها قرار الفرد الواحد، والجميع يلتف حوله لينال من مكتسبات القائد بمقدار ما يعلن ولاءه وعدم معارضته لتلك القرارات.
الكثير يتحدث عن إصلاح حركة فتح ومنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية وإعادتها إلى حضن النضال الفلسطيني، لكن الواقع يقول إن كل تلك المراهنات سوف تذروها الرياح، ويؤكد بأن المكتسبات التي قدمتها السلطة حولت حركة فتح من حركة نضال إلى حزب سلطة له مكتسباته التي يصعب التخلي عنها.
كانت فكرة إقامة سلطة فلسطينية قبل الاعتراف بالدولة الفلسطينية فكرة صهيونية عبقرية، فهي الفكرة الوحيدة التي استطاعت أن تجر حركة فتح لتحولها من حركة نضال إلى حزب سلطة يغرق بالمكتسبات، ويتحول المنخرطون منهم في عمل السلطة بعد ذلك إلى حراس لأمن إسرائيل وضامنين لاستمرار وجوده، وخنجر في ظهر المقاومة بكافة أشكالها المقاومة السلمية والمسلحة وشبه المسلحة، وبذلك أصبحت فتح معادية لفكرة تأسيسها والغاية التي قامت من أجلها، فلا نجحت في إقامة دولة فلسطينية ولا حافظت على شرف النضال ضد المحتل.