ممر بايدن يؤثر يهدد قناة السويس.. لماذا يلتزم السيسي الصمت؟
تاريخ النشر: 11th, September 2023 GMT
في ظل تنافس أمريكي صيني على كعكة وطرق ومنافذ التجارة العالمية، تتجه الولايات المتحدة والهند والسعودية والإمارات والأردن وكذلك إسرائيل نحو تدشين خط تجارة دولي جديد منافس لمشروع "الحزام والطريق" الصيني،ويربط نيودلهي والجزيرة العربية وتل أبيب مع قارة أوروبا، وفق بيان للبيت الأبيض.
وجرى الإعلان عن المشروع العملاق الذي بدأ الإعلام يطلق عليه "ممر بايدن"، على هامش قمة "مجموعة العشرين"، بالعاصمة الهندية السبت، بحضور الرئيس الأمريكي جو بايدن، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، ورئيس الإمارات محمد بن زايد، وولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
المشروع،الذي وصفه بايدن،بأنه اتفاق "تاريخي" و"سيغيّر قواعد اللعبة"، يتضمن إنشاء خطوط سكك حديدية ونقل بحري عبر موانئ عدة من الهند إلى أوروبا عبر الجزيرة العربية، مرورا بدولة الاحتلال عبر "مضيق تيران" الذي أصبح ممرا دوليا بعد تنازل مصر عن جزيرتي "تيران" و"صنافير" للسعودية عام 2016.
المشروع الذي نال اهتمام الصحافة العالمية، أثار ضجة حول العقبات التي قد تواجهه، ومدى تعارضه مع ممرات دولية وطرق تجارة قائمة وأخرى يتم تدشينها، وكذلك تفاصيله ووسائل تمويله والمدى الزمني المقرر لتنفيذه.
ويتألف المشروع من ممرين منفصلين؛ الأول شرقي يربط الهند والخليج العربي،والثاني شمالي لربط الخليج بأوروبا، وكلاهما يهدف لتقليص أوقات وتكاليف الشحن واستهلاك الوقود، بجانب تعزيز التجارة العالمية، ونقل موارد الطاقة، وتطوير الاتصال الرقمي.
تقارير صحفية دولية عديدة، قالت إن دعم واشنطن للمشروع يأتي لمواجهة المبادرة الصينية "الحزام والطريق"، فيما قال نائب مستشار الأمن القومي الأميركي جون فاينر: "الاتفاق سيعود بالنفع على دول المنطقة، ويتيح للشرق الأوسط الاضطلاع بدور حاسم بالتجارة العالمية".
المثير في الإعلان عن هذا المشروع غياب مصر عنه، كما أنه يأتي بعد أيام من توقيع الاحتلال الإسرائيلي وقبرص واليونان اتفاقية شراكة بمجال الطاقة لتصدير الغاز من الأراضي الفلسطينية المحتلة إلى أوروبا، في غياب مثير أيضا لمصر الشريك التجاري والاقتصادي والاستراتيجي والأمني للأطراف الثلاثة.
"أكبر المستفيدين"
ولكن الحديث عن ضم دولة الاحتلال للمشروع يثير علامات استفهام حول ما يستوجبه ذلك الأمر من تغييرات سياسية بإقليم الشرق الأوسط، وخاصة من تطبيع لازم تدفع نحوه واشنطن، خاصة بين تل أبيب والرياض كونهما شريكين رئيسيين بالمشروع.
حيث أنه من المقرر أن تأتي جميع البضائع من الشرق إلى ميناء حيفا بفلسطين المحتلة، ومن حيفا ستبحر لأوروبا، وفق تقرير لصحيفة" يديعوت أحرونوت"،التي قالت إن المشروع سيجعل إسرائيل"في قلب تقاطع مركزي لهذا الممر الاقتصادي".
الصحيفة العبرية،تحدثت كذلك عن مد كابلات الاتصالات الضوئية، ومدخطوط الكهرباء، وغيرها من البنى التحتية،موضحة أن دولة الاحتلال ستسخر جميع قدراتها، وكل خبراتها بكل زخم لتحقيق مشروع تعاون هو الأكبر في تاريخ المنطقة.
"رصيد قناة السويس"
وحذر مراقبون ومتحدثون لـ"عربي21"، من أن المشروع العملاق الذي جرى الإعلان عنه في حضور رئيس النظام المصري عبدالفتاح السيسي، بقمة العشرين، سيأكل بشدة من رصيد قناة السويس وحظوظها من التجارة العالمية بين الشرق والغرب.
الخبير الاقتصادي والأكاديمي المصري محمود وهبة، قال لـ"عربي21"، إن هذا المشروع "خطر على قناة السويس"، مشيرا إلى أنه "أصبح ممكنا تنفيذه عندما باع السيسي جزيرتي (تيران وصنافير) للسعودية".
وكان وهبة، قد قال عبر صفحته بمنصة "إكس"، (تويتر سابقا)، إنه "يوم رهيب"، مضيفا: "أشعر بالغضب والقلق على مصر"، موضحا أنه "في هذا اليوم، ظهرت نتائج أعمال السيسي، في أمرين لا يمكن تقدير خطورتهما".
وأشار إلى إعلان إثيوبيا إتمام الملء الرابع لحوض سد النهضة، والإعلان عن طرق قطارات برية وبحرية تربط الهند بالخليج وأوروبا، وشبكات إنترنت من تيران وصنافير بالبحر الأحمر للأراضي الفلسطينية المحتلة.
وأكد أن المشروع الأخير "يقتل قناه السويس أو يقلل أهميتها"، لافتا إلى حضور السيسي "تدشين هذه الخطة"، متسائلا: "إلى متى سيستمر هذا التخريب الذي سيصعب تجاوزه".
يوم رهيب
اشعر بالغضب والقلق علي مصر ففي هذا اليوم ظهرت نتائج أعمال السيسي في امرين لا يمكن تقدير خطورتهم
١- اعلن اليوم ان إثيوبيا حجزت المياه تماما من العبور من سد الخراب
اعلن ذلك د محمد حافظ وغيره بعد ان قال شكري وزير الخارجيه ان 60% من مياه النيل أثيوبيا حجزت خلف السد (…
"أحلام إسرائيل"
وفي رؤيته لحجم خطورة مثل هذا المشروع على مستقبل قناة السويس وهل يزيحها من خريطة التجارة العالمية، قال الخبير في القانون الدولي والعلاقات الدولية الدكتور السيد أبو الخير، إن "هدف الانقلاب الذي جرى في مصر منتصف عام 2013، هو إنهاء وجود مصر كدولة واحدة وموحدة".
وأوضح في حديثه لـ"عربي21"، أن ذلك يجري "عن طريق التفريط فى موارد مصر السيادية تباعا لصالح الإمارات والسعودية اللتان تحلمان بأخذ دور مصر".
الأكاديمي المصري، أشار إلى أن قناة السويس إحدى حلقات التفريط تلك، متوقعا أن "تضم دول الخليج قناة السويس إليها رويدا رويدا، ثم تختفي أدوارها لاحقا".
وفي إجابته على التساؤل: "كيف يضع هذا الطريق إسرائيل على خريطة التجارة الدولية على حساب مصر؟ وكيف كان تنازل السيسي عن جزيرتي "تيران" و"صنافير"، خطوة لتنفيذ المشروع؟".
قال أبو الخير إن "الكيان الصهيونى يحلم بأن يكون مركزا للتجارة الدولية، وهمزة الوصل بين الشرق والغرب، وكذلك ريادة منطقة الشرق الأوسط، بل ويكون دولة مركزية بديلا عن مصر".
"تظل الأهم"
ومن جانبه، قال الخبير الاقتصادي المصري عبد الحافظ الصاوي، في حديثه لـ"عربي21" إن "قناة السويس تمثل الموقع الاستراتيجي الأهم للتجارة الدولة ويمر بها ما نسبته 12 بالمئة منها، وتظل هي الأفضل للنقل البحري من حيث الوقت".
وأضاف: "تظل أهميتها قائمة، ولكن لا يعني هذا الاكتفاء بما هي عليه الآن، من أنها مجرد منطقة مرور للسفن العابرة من الشرق والخليج إلى أوروبا والعكس؛ وعلى القائمين على أمرها تفعيل مشروع تطوير محور قناة السويس".
وأكد الكاتب والباحث الاقتصادي، على ضرورة "تحويل منطقة القناة من المرور والعبور إلى منطقة لوجستيات ومناطق صناعية حرة تستفيد منها الاستثمارات الأجنبية المباشرة".
ولفت إلى أنه"في إطار هذا التطوير يمكن إيجاد فرص عمل كثيرة، وتحقيق قيمة مضافة في الاقتصاد المصري بشكل عام وللقناة بشكل خاص".
وأوضح الصاوي، أن "هذا ليس هذا المشروع الأول الذي يُطرح باعتباره منافسا لقناة السويس،فالكيان الصهيوني طرح أكثر من بديل،كما عملت الإمارات مع إيران على خلق بعض المسارات البرية عبر إيران ثم تركيا وإلى روسيا وغيرها من البلدان لتفادي المرور بقناة السويس".
وختم بالقول: "لكن تظل قناة السويس الممر المفضل للتجارة الدولية؛ ولكن هذه الأفضلية لابد من الحفاظ عليها وتطويرها حتى لا تفقد الميزة التنافسية الخاصة بها".
"ليس البديل"
وعلى الجانب الآخر،قللت الأكاديمية المصرية الدكتورة علياء المهدي، من كفاءة طريق التجارة المزمع من الهند عبر الإمارات والسعودية والأردن وصولا لإسرائيل ومنها لأوربا، نافية أن تكون بديلا أفضل من قناة السويس.
وعبر صفحتها بـ"فيسبوك"، رأت أن الطريق البحري عبر قناة السويس أرخص وبدون عوائق جغرافية، داعية الحكومة المصرية لتسويق القناة عبر خدمات السفن والنقل والتأمين والشحن بأفضل أسعار نقل تنافسية حتى تستمر الشريان الرئيسي للتجارة.
أيضا، قلل الأستاذ في جامعة بني سويف والخبير في مجال النقل عبد الله أبو خضرة من المشروع في حديثه لموقع "روسيا اليوم"، ووصفه بأنه "مجرد كلام مكرر وأوراق ضغط على مصر"، مؤكدا أنه "لا يمكن حدوث مثل هذه المشروعات بدون المرور بمصر نظرا لتفرد موقعها وقلة تكلفة ووقت النقل".
"أزمات وتفريط"
وبعيدا عن تفاصيل المشروع العالمي ومدى نجاحه من عدمه برغم الدعم الأمريكي والحماس الإسرائيلي والرغبة الخليجية، إلا أنه وبرغم تحقيق قناة السويس أرباحا بلغت في حزيران/ يونيو الماضي، 9.4 مليار دولار في السنة المالية (2023/2022)، إلا أن الممر الدولي الهام يعاني من أزمات متلاحقة.
ممر القناة الذي جرى افتتاحه أمام التجارة العالمية في 17 تشرين الثاني/ نوفمبر 1869، يواجه حوادث متكررة مع جنوح السفن وتوقف محركاتها، ما يعطل الملاحة الدولية، كما حدث إثر جنوح السفينة "إيفرجيفن" 23 آذار/ مارس 2021 وغلق القناة 6 أيام، الأمر الذي تكرر بالعام الحالي 6 مرات.
وبرغم إنفاق السيسي، نحو 8 مليارات دولار على حفر تفريعة قناة السويس وافتتاحها عام 2015، إلا أن مشروع السيسي، لم يحقق التطوير المطلوب، ولم تحقق القناة الإيرادات التي تم الإعلان عنها وقت الحفر والتي قيل إنها ستصل نحو 100 مليار دولار سنويا.
وفي السياق،أعرب معارضون عن مخاوفهم من تفريط حكومة السيسي بقناة السويس، استيفاءا لديون خارجية بلغت نحو 165 مليار دولار ، وذلك عقب إنشاء شركة "قناة السويس القابضة الصناعات البحرية والاستثمار" في حزيران/ يونيو الماضي، ومهمتها طرح بعض شركات القناة للبيع.
وكذلك وسط دعوات خبراء للحكومة المصرية لطرح سندات دولية بضمان إيرادات القناة السويس لتوفير 60 مليار دولار، تزعمها الخبير الاقتصادي الدكتور هاني توفيق، في كانون الثاني/ يناير الماضي.
وحذر الفنان المعارض عمرو واكد، الأربعاء الماضي، من أن "سيادة مصر على قناة السويس أصبحت في خطر داهم، ولن يعترض على التنازل عنها أي من الخونة"، مطالبا الشعب بحمايتها.
تحذير!
ان سيادة مصر على قناة السويس اصبحت في خطر داهم. ولن يعترض على التنازل عنها اي من الخونة. يجب على الشعب حمايتها.
اللهم اني بلغت.
وقناة السويس أهم القنوات والمضائق حول العالم، باعتبارها أقصر طرق الشحن بين أوروبا وآسيا، وتؤمن عبور من 10 إلى 12 بالمئة من حركة التجارة البحرية العالمية، ومع أهميتها العالمية فهي إحدى أهم مصادر الدخل والعملات الأجنبية لمصر.
"مشروعات منافسة"
وفي مقابل هذا الجدل حول مشروع النقل الأمريكي الهندي الخليجي الإسرائيلي، يثار نوع آخر من المخاوف على مستقبل قناة السويس، بإطلاق العديد من المشروعات الاقتصادية الأخرى المنافسة للقناة وتآكل من رصيدها في التجارة العالمية.
وإلى جانب مشروع "مبادرة الحزام والطريق" الصينية، تواصل دول عدة التعاون فيما بينها لتقديم مشروعات نقل ملاحية وبرية تنافس قناة السويس، وتأكل من حصتها المستقبلية من التجارة العالمية.
وفي تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، جرى تدشين "ممرالشارقة – مرسين"، بين الإمارات وإيران وتركيا لنقل البضائع إلى أوروبا، وهو طريق التجارة الذي يحرم قناة السويس من شحنات نفط وغاز وغيرها من البضائع.
وفي أيار/ مايو الماضي، تم الإعلان عن تدشين "طريق التنمية"أو"القناةالجافة"بين العراق وتركيا لنقل التجارة بين الخليج العربي جنوبا وأوروبا شمالا،من ميناء "الفاو الكبير" بالعراق عبر خط سكك حديد فائقة السرعة إلى تركيا.
ومن تلك المشاريع، اتفاق روسي إيراني في 17 أيار/ مايو الماضي، لإنشاء خط سكة حديد على طول ساحل بحر قزوين، يربط البلدين بريا، ويسهل التجارة بينهما، ويعد معبرا لنقل السلع من شرق آسيا إلى شمال وغرب أوروبا، عبر إيران وروسيا.
وحينها قال الجانب الروسي إن الخط الجديد يمكن أن ينافس قناة "السويس" بصفتها طريقا تجاريا عالميا رئيسا، بحسب وكالة "رويترز".
كما تقود روسيا مشروع إنشاء ممر تجاري بالقطب الشمالي هو الأقصر بين شمال شرق آسيا وغرب أوروبا.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة مقابلات سياسة دولية مجموعة العشرين مصر قناة السويس مصر قناة السويس مجموعة العشرين سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة التجارة العالمیة ملیار دولار قناة السویس هذا المشروع الإعلان عن إلى أوروبا
إقرأ أيضاً:
هل يطلق ترامب ثورة في التجارة العالمية؟
رأى أندرو لايثام، أستاذ العلاقات الدولية في كلية ماكاليستر، أن الجولة الأخيرة من الرسوم الجمركية التي فرضتها إدارة ترامب ستلحق ضرراً باقتصاد الولايات المتحدة، وتزعزع استقرار النظام الاقتصادي العالمي على المدى القصير.
ما قد تحدثه هذه الرسوم، بشكل غير مقصود، هو إيقاظ العالم
هذا أمر مؤكد، كما كتب في موقع "1945"، مضيفاً أن هذه الرسوم الجمركية التي تستهدف السيارات الكهربائية الصينية والصلب الأوروبي ومجموعة من مكونات التكنولوجيا النظيفة ستؤدي إلى رفع التكاليف بشكل عام، وستجعل المدخلات أكثر كلفة على المصنعين الأمريكيين وتجعل سلاسل التوريد المرهقة أصلاً أكثر سوءاً وترفع الأسعار على المستهلكين، في الوقت الذي تبدأ فيه الضغوط التضخمية بالانحسار. وفكرة أن الرسوم الجمركية بطريقة ما ستدر أموالاً على الولايات المتحدة تسيء فهم آلية عمل تلك التعريفات، وليس الأجانب هم من يدفعونها، بل المستوردون والمصنعون والمستهلكون.
Liberation Day is a bicameral Actual & Narrative deployment whose net effects are operating on multiple layers of the mindscape, reality and even time simultaneously.
Let me take a crack at explaining how:
First, from an Actual perspective, Trump’s Tariffs are set to visit… pic.twitter.com/p52GPvekhg
بالرغم من آثارها المدمرة على المدى القصير، قد تطلق رسوم ترامب الجمركية، عن غير قصد، عملية إعادة تقييم لنظام التجارة العالمي، وهو نظام بقي لأكثر من عقد منحرفاً عن مساره. تجبر تعريفاته الجمركية على طرح سؤال لم يرغب أحد في واشنطن بطرحه: إذا لم يعد النظام التجاري القديم يخدم الاستقرار الاستراتيجي، فماذا بعد؟
حقبة جديدة
ليس لأن لدى ترامب رؤية – هو لا يملكها – ولكن لأن حمائيته التجارية الفظة تجبر الآخرين على الاعتراف بالفراغ. من المحتمل، عبر استجابتها لغرائزه في الحرب التجارية، أن يجبر ترامب شركاء أمريكا الاقتصاديين على الدفاع عما كانوا يعتبرونه أمراً مسلماً به في السابق: القيمة الاستراتيجية والاقتصادية للأسواق المفتوحة القائمة على القواعد – ليس بصفتها ضرورات أخلاقية، بل ضرورات وظيفية في عالم متصدع ومتعدد الأقطاب.
لا يعني هذا العودة إلى نموذج منظمة التجارة العالمية أو التظاهر بأن التسعينات لم تنته قط. لقد ولت تلك الحقبة وللأفضل. لكن أسس التجارة المفتوحة – المعاملة بالمثل والشفافية والقدرة على التنبؤ – لا تزال مهمة. بدونها، يصبح الاقتصاد العالمي لعبة تحوط وإكراه مستمرين. والمفارقة هي أن تعريفات ترامب الجمركية، بجعلها ذلك العالم أكثر وضوحاً، قد تحفز الآخرين على بناء شيء أفضل.
بدأت تظهر البوادر
تسرع اليابان والاتحاد الأوروبي جهودهما لتقليل الاعتماد على المواد الخام الصينية. واتفاقيات التجارة الثنائية والإقليمية الجديدة التي تركز على مرونة سلاسل التوريد بدلاً من النقاء الآيديولوجي تكتسب زخماً. لم تعد فكرة أن الحلفاء يجب أن يتاجروا مع بعضهم البعض في المقام الأول، حتى لو مع بعض الأكلاف، مجرد رأي متخصص. بل أصبحت رأياً ممأسساً.
Prices on imported goods are likely to surge, a recession is possible, and far-reaching ripples in international economics and diplomacy are a certainty.
Trump, in disregarding those recommendations, touched the hot stove, knowing he risks getting burned. https://t.co/ukOXl5xt6p
لا شيء من هذا يحدث لأن ترامب كان مصيباً. بل يحدث لأنه أخطأ خطأ فادحاً إلى درجة أن الآخرين مجبرون على التفكير بشكل أكثر وضوحاً. مع ذلك، لا شيء من هذا يعفي من التكلفة الاقتصادية. ستضر هذه الرسوم الجمركية بالعمال الأمريكيين أكثر مما تفيدهم. وستلحق الضرر بصدقية الولايات المتحدة كشريك اقتصادي مستقر وقابل للتنبؤ بسلوكه.
وهذا مهم، ليس لأن واشنطن هي الوصي على نظام تجاري أخلاقي ما، لكن لأن الثقة والاستقرار في العالم الحقيقي أصلان استراتيجيان. وإذا ما أضعفا أكثر من اللازم، فسيبدأ الحلفاء في التحوط وستتغير سلاسل التوريد ويجف الاستثمار.
بعد آخر
ثمة أيضاً بعد أمني هنا يتجاهله معظم الخبراء. ليست التجارة عرضاً جانبياً للاستراتيجية، بل هي استراتيجية بحد ذاتها. الوصول إلى الأسواق والسيطرة على طرق الإمداد وهيمنة المعايير والتقنيات هي روافع القوة الجيوسياسية في القرن الحادي والعشرين. تدرك الصين هذا.
ولذلك، تنشئ بكين بدائل للمؤسسات التي يقودها الغرب وتصدر معاييرها الرقمية والصناعية الخاصة من خلال مشاريع تشبه مبادرة الحزام والطريق. على النقيض من ذلك، أمضت الولايات المتحدة العقد الماضي في محاولة فصل التجارة عن الاستراتيجية – أولاً بالإهمال، والآن بالإفراط في التصحيح.
ما ينقص بحسب الكاتب هو سياسة تجارية جادة قائمة على الواقعية الاقتصادية والانضباط الجيوسياسي. يمكن أن تكون التعريفات الجمركية أدوات إذا استخدمت بشكل انتقائي وتكتيكي وبالتنسيق مع الحلفاء. لكن نهج ترامب ليس أياً من هذه الأشياء. إنه بمثابة كرة هدم موجهة إلى منزل يحترق أساساً.
نهضة غريبة؟
مع ذلك، بتدمير ما تبقى من القديم، قد يسرع ترامب عن غير قصد بناء الجديد. ليس لأنه ينوي ذلك. ليس لأنه يُدرك المخاطر. لكن لأن حمائيته تجعل تكاليف التقاعس واضحة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها.
من هذا المنطلق، قد لا تشير رسوم هذا الأسبوع إلى نهاية التجارة العالمية، بل إلى نهضتها الغريبة – نهضة أكثر صرامة وضيقاً وإقليمية، لكنها ترتكز على شيء يتجاوز مجرد ليبرالية ساذجة. وسواء أكان ذلك بصيص أمل، أم مجرد مفارقة أخرى لعالم ينحرف عن مساره، فهذا أمر لا يعلمه أحد.
رأى لايثام أخيراً أن ما قد تحدثه هذه الرسوم، بشكل غير مقصود، هو إيقاظ العالم. إذا سارت الأمور على ما يرام في المدى البعيد، فقد يستحق الأمر كل هذا العناء على المدى القصير.