سودانايل:
2025-04-03@09:32:41 GMT

السير هارولد ماكمايكل (1882-1969): العبقري الشرير

تاريخ النشر: 11th, September 2023 GMT

(1)
أشتهر السير هارولد ماكمايكل في بوادي السودان بـ "مكميك، وهذا التحريف مرتبط بحادثة صدامية وقعت بينه وبين ناظر الكواهلة الشيخ عبد الله علي جاد الله، الذي كسر قلم السير ماكمايكل، عندما حاول هذا الأخير أن يمهر حكماً إدارياً يقضي بملكية عِدّ كجمر الواقع في شمال كردفان لصالح الكبابيش، وبذلك أضحى الناظر ود جاد الله يُعرف بـ "كسّار قلم مكميك"، كناية عن شجاعته وجُرأته السياسية.

وقد أتخذ الدكتور عبد الله علي إبراهيم هذا الحادث عنواناً رئيساً لسلسلة مقالات كتبها عن "هُوية الجعليين الكبرى"، أنتقد فيها أدبيات الموروث الإثنوغرافي الاستعماري-التبشيري، الذي أصَّل له ماكمايكل في كتابه عن "تاريخ العرب في السودان"، وأعطاه القس الأنجليكاني أسبنر ترمنقهام بُعداً دينياً في سفره المشهور بـ "الإسلام في السودان"، وبموجب ذلك وُصف إسلام أهل السودان بأنه "تأسلم"، وعروبة عربه بأنها "استعراب"، وبتلاقح هذين "الحظين المبخوسين" ولد مصطلح "الإسلاموعربية". ولا أود الخوض في غمار هذا المصطلح ومنعطفاته الفكرية، ولا في موقف الرأي والرأي الآخر منه، بل أود أن أعرض جوانب مهمة من شخصية السير هارولد ماكمايكل حسب اللوحة التي نُسجت لها في مخيلة العقلية السودانية، ومذكرات الإداريين البريطانيين، التي وصفته تارة بـ"الرجل الأبيض العظيم"، وتارة أخرى بـ "العبقري الشرير"، وبين هذه النعوت المتقابلة دلالات رمزية مرتبطة بتاريخ الرجل الإداري في السودان، وبعطائه المنبسط في بناء دولة الحكم الثنائي، وتوابعها من مؤسسات الإدارة الأهلية، التي بخس بعض الباحثين كفايتها الإدارية دون تدقيق وتمحيص، وطعنوا في ولائها الوطني، وعيَّرُوها بأنها صنيعة استعمارية.

(2)
تكمن عظمة هذا "الرجل الأبيض العظيم" في خلفيته الأسرية، وإعداده الأكاديمي في كلية ماجدولين بجامعة كمبردج ذائعة الصيت، وسِجل تأهيله الإداري المتفرد كسباً وعطاءً في السودان، وتنجانيقا (تنـزانيا)، وفلسطين، والملايو، ومالطة. ولد السير هارولد ماكمايكل في أكتوبر 1882م، في أسرة بريطانية عريقة الأصل، ومشهود لها بالكفاية السياسية، ونذكر من أعلامها البارزين خاله اللورد كيرزون، الذي تقلد مناصب عليا في الحكومات البريطانية المتعاقبة في الفترة بين 1885م و1924م، وشملت هذه المناصب السكرتارية الخاصة للورد سالزبري رئيس وزراء بريطانيا آنذاك، ووكالة وزارة شؤون الهند، ووزارة الخارجية البريطانية، وحكمدارية الهند العامة. فلا عجب أن هذا الواقع الأسري المتجذر في عمق العهد الفيكتوري قد مكَّن ماكمايكل من الدراسة في كلية ماجدولين، حيث حصل على درجة الشرف الأولى في التاريخ، ثم أصبح زميل شرف في جامعة كمبردج. وبعد تخرجه من كمبردج بدأ حياته العملية في خدمة السودان السياسية عام 1905م، حيث ترقى في مراتب العمل الإداري إلى أن شغل منصب السكرتير الإداري لحكومة السودان (1926-1934م)، وتنقل بين مديريات السودان المختلفة، حيث عمل في كردفان، ودارفور، والبحر الأحمر، والنيل الأزرق، وأخيراً استقر به المقام في الحاضرة الخرطوم. وبعد أن تقاعد عن خدمة حكومة السودان عام 1934م، عين حاكماً عاماً لتنجانيقا، ثم مندوباً سامياً لفلسطين والأردن، ثم مندوباً خاصاً للحكومة البريطانية في إقليم الملايو، وأخيراً أختتم هذا السجل الإداري الحافل بمفوضية الشؤون الدستورية في مالطة عام 1946م، وبعدها آثر الجلوس على كرسي الحياة المعاشية الآثر، إلى أن توفي عام 1969م.

(3)
وفوق هذا كله اهتماماته الأدبية بتاريخ السودان وتراثه الثقافي، حيث ألف جملة من الكتب المهمة، ونذكر منها: "قبائل شمال ووسط كردفان" (1912م)، و"وسوم الجمال التي تستعملها القبائل الكبرى في كردفان" (1913م)، و"تاريخ العرب في السودان" (1922م)، و"السودان الإنجليزي-المصري" (1934م)، و"السودان" (1945م). ويُعدُّ "تاريخ العرب في السودان" من أكثر كتب المترجم له التي وجدت رواجاً في السودان، لأن مُجلَّده الأول قام على فرضيَّة مفادها أن عرب شمال السودان خليط من العرب والنوبة، والثاني حوى جملة من مخطوطات النسَّابة السودانيين التي تعارض مفردات الفرضيَّة التي ذهب المؤلف نفسه إليها. ونلحظ أن هذه الفرضيَّة قد تبناها بعض الباحثين السودانيين أمثال: البروفسير يوسف فضل حسن، والبروفسير سيد حامد حريز، والدكتور حيدر إبراهيم؛ بيد أن الدكتور عبد الله علي إبراهيم قد شكَّك في صدقيتها، ووصفها بأنها فرضيَّة باخسة لنسب المجموعة الجعلية الكبرى، لأنها تقدح في شرعية أصلها العربي وانتمائها القرشي. إلا أن هذا الموقف الرافض لفرضيَّة السير هارولد ماكمايكل قد صُنِّف في دائرة خطاب الهُوية الأيديولوجي، ولم يحظ بتأييد نفر من دعاة الغابة والصحراء، ومن بينهم الأستاذ كمال الجزولي، الذي يتفق مع ما ذهب إليه ماكمايكل والذين تواضعوا على فرضيَّته في "حقيقة الهجنة العربية النوبية" في شمال السودان، التي يصفها بأنها حقيقة "ماثلة للعيان بقوة لا تحتمل المغالطة".

(4)
أما الجانب الآخر من شخصية السير هارولد ماكمايكل فيرتبط ببعض السياسات الإدارية التي صاغها أو اشترك في صياغتها عندما كان نافذاً في خدمة حكومة السودان، فلا عجب أن هذه السياسات كانت موطن قدْحٍ بالنسبة لبعض الإداريين البريطانيين والموظفين السودانيين، الذين نعتوه بـ "العبقري الشرير". وتأتي في مقدمة هذه السياسات مذكرته الشهيرة لعام 1930م، التي برر فيها قرار حكومة السودان القاضي بإنشاء مناطق مقفولة في الجنوب، "يكون قوام النظام فيها مرتكزاً على العادات المحلية، والتقاليد، والمعتقدات، بقدر ما تسمح به ظروف العدالة المحلية والحكم الصالح". وكانت هذه السياسة الانفصالية بلا شك واحدة من أمات الكبائر، التي عمَّقت جذور الفرقة وفقدان الثقة بين جنوب السودان وشماله. والخطيئة الثانية الكبرى، حسب وجهة نظر معارضيه، تتجسد في مناصرته الثابتة لسياسة الحكم غير المباشر (الإدارة الأهلية)، وتنفيذها على صعيد الواقع، فلا جدال في أن هذه السياسة كانت تهدف في المقام الأول إلى خلق ترياق معادٍ أو غدة واقية ضد "جرثومة الوطنية"، التي بدأت تنتشر في أوساط الطبقة المتعلمة من السودانيين. وقد مهد لتنفيذ هذه السياسة، بتآمره الحاذق والمدروس ضد السير جفري آشر، حاكم عام السودان (1926م)، الذي تم رفعه واستبداله بالسير جون مافي (1926-1934م)، وبذلك تحققت طموحات السير هارولد ماكمايكل وتطلعات تجاه تأسيس إدارة أهلية فاعلة، سُداها زعماء العشائر، وقوامها قلة الكُلفة المالية، وغايتها تحجيم نفوذ القيادات الوطنية المتعلمة من بث "سمومها الوطنية" في ربوع السودان الإنجليزي-المصري، لأن تلك القيادات الوطنية كانت تحمل قيماً معارضة لأجندة حكومة السودان وأتباعها في القيادات التقليدية.

ahmedabushouk62@hotmail.com  

المصدر: سودانايل

كلمات دلالية: حکومة السودان فی السودان

إقرأ أيضاً:

انتشار عناصر شرطة المرور في شوارع حلب لتنظيم حركة السير في أول أيام عيد الفطر المبارك

انتشار عناصر شرطة المرور في شوارع حلب لتنظيم حركة السير في أول أيام عيد الفطر المبارك 2025-03-31SAMERسابق كلمة رئيس الجمهورية السيد أحمد الشرع خلال تهنئة عيد الفطر في قصر الشعب بدمشقآخر الأخبار 2025-03-31السوريون يؤدون صلاة عيد الفطر المبارك في الجوامع والساحات احتفالاً ‏بأول عيد بعد التحرير 2025-03-31المغتربون السوريون يحتفلون بعيد الفطر مع أهاليهم بعد سنوات من البُعد 2025-03-31إسبانيا ترحب بإعلان تشكيل الحكومة السورية 2025-03-31قوات الأمن العام تجول في أحياء اللاذقية وتقدم التهاني للأهالي بمناسبة عيد الفطر المبارك 2025-03-31صلاة عيد الفطر المبارك في بلدة جسرين بريف دمشق 2025-03-31أداء صلاة عيد الفطر المبارك في مدينة قطنا بريف دمشق 2025-03-31السيد الرئيس أحمد الشرع يؤدي صلاة عيد الفطر المبارك في مصلى قصر الشعب بدمشق بحضورٍ شعبيٍّ واسعٍ 2025-03-31صلاة عيد الفطر المبارك في ساحة الزيتونة بمدينة معضمية الشام في ريف دمشق 2025-03-31صلاة عيد الفطر المبارك في مدينة داريا بمحافظة ريف دمشق 2025-03-31بولندا ترحّب بتشكيل الحكومة السوريّة الجديدة

صور من سورية منوعات أول دراسة سريرية بالعالم… زراعة الخلايا الجذعية تحسن الوظائف الحركية لمرضى الشلل 2025-03-26 جامعة ناغازاكي تطور “مرضى افتراضيين” لتدريب طلاب كلية الطب 2025-03-24فرص عمل وزارة التجارة الداخلية تنظم مسابقة لاختيار مشرفي مخابز في اللاذقية 2025-02-12 جامعة حلب تعلن عن حاجتها لمحاضرين من حملة الإجازات الجامعية بأنواعها كافة 2025-01-23
مواقع صديقة أسعار العملات رسائل سانا هيئة التحرير اتصل بنا للإعلان على موقعنا
Powered by sana | Designed by team to develop the softwarethemetf © Copyright 2025, All Rights Reserved

مقالات مشابهة

  • غرامة 5000 جنيه.. مخالفة السير عكس الاتجاه بالسيارة في قانون المرور
  • الاسئلة التي جائتني حول نشرة الكاهن (المشبوهة) التي يصدرها شبح يخفي اسمه
  • مناوي يكشف عن رؤيته للقوات التي تقاتل مع الجيش بعد انتهاء الحرب
  • انتشار عناصر شرطة المرور في شوارع مدينة حمص لتنظيم حركة السير خلال عطلة عيد الفطر المبارك
  • ارتفاع حوادث السير في ديالى خلال العيد.. ضحايا ومعاناة وسط ضغط الطوارئ
  • المغرب يسجل حصيلة ثقيلة لضحايا حوادث السير خلال آخر أسبوع من رمضان
  • حصيلة أسبوعية ثقيلة لحوادث السير: 19 قتيلاً و3002 جريح في المناطق الحضرية
  • الفاتيكان: البابا يخصص وقتاً يومياً للعمل الإداري
  • أنشيلوتي: بإمكان مبابي السير على خطى رونالدو
  • انتشار عناصر شرطة المرور في شوارع حلب لتنظيم حركة السير في أول أيام عيد الفطر المبارك