من تنس الطاولة مرورا بالباندا إلى الزلزال.. 50 عاما من الدبلوماسيات غير التقليدية
تاريخ النشر: 11th, September 2023 GMT
لتحقيق اختراقات عجزت عن إنجازها الدبلوماسية التقليدية، لجأت دول عديدة إلى مبادرات غير اعتيادية لإزالة التوترات وتحسين علاقاتها مع دول أخرى، وأحيانا لتوطيد روابط الصداقة، بحسب رصد لـ"الخليج الجديد" حتى عام 1971.
أحدث هذه المبادرات ما أطلق عليه مراقبون "دبلوماسية الزلزال"، على خلفية الزلزال المدمر الذي ضرب المغرب بقوة 7 درجات على مقياس ريختر، مساء 8 سبتمبر/ أيلول الجاري؛ ما أودى بحياة 2122 شخصا وأصاب 2421 آخرين، إلى جانب دمار مادي هائل، وفقا لأحدث حصيلة حتى الإثنين.
فغداة الزلزال، أعربت الجزائر عن "خالص التعازي وصادق المواساة لأسر الضحايا والشعب المغربي الشقيق مع خالص التمنيات بالشفاء العاجل للمصابين"، وأعلنت فتح المجال الجوي للبلاد أمام الرحلات لنقل المساعدات الإنسانية والمصابين في زلزال جارها المغرب.
وتغلق الجزائر منذ سبتمبر/أيلول 2021 مجالها الجوي أمام الطائرات المغربية؛ على خلفية توترات سياسية بين البلدين، أبرزها دعم الجزائر لجبهة "البوليساريو" التي تنازع الرباط منذ عقود السيادة على إقليم الصحراء.
وفي اليوم التالي الأحد، نقل التلفزيون الجزائري الرسمي عن وزارة الخارجية قولها إن "الجزائر تعرض مخطط مساعدات لوجستية ومادية طارئة على المملكة المغربية في حال قبول الرباط بها".
وتلك المساعدات تتمثل في "فريق تدخل للحماية المدنية مكون من 80 عونا متخصصا، يضم عناصر مدربة في عمليات البحث تحت الأنقاض، وأخرى للبحث والإغاثة وفريق طبي، إلى جانب مساعدات إنسانية للإسعافات الأولية وخيما وأفرشة"، وفقا للمصدر نفسه.
وحتى الساعة 07:00 بتوقيت جرينتش لم يصدر تعقيب رسمي مغربي على العرض الجزائري. لتحقيق اختراقات عجزت عن إنجازها الدبلوماسية التقليدية، لجأت دول عديدة إلى مبادرات غير اعتيادية لإزالة التوترات وتحسين علاقاتها مع دول أخرى، وأحيانا لتوطيد روابط الصداقة، بحسب مواقف رصدها لـ"الخليج الجديد".
اقرأ أيضاً
الجزائر تعرض مخطط مساعدات لوجستية ومادية للمغرب
تركيا واليونان
ما يحدث بين المغرب والجزائر، حدث قبل أشهر بين تركيا ودول عديدة، أبرزها اليونان ومصر والسويد، لكن بوتيرة أوسع وأكثر تطورا؛ إثر زلزال مدمر ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا بقوة 7.8 درجات في 6 فبراير/ شباط الجاري؛ وأودى بحياة أكثر من 50 ألف شخص في البلدين، بجانب أضرار مادية ضخمة.
عناق بين وزيري الخارجية التركي واليوناني في ولاية أضنة
وبين اليونان وتركيا ملفات خلافية عديدة، أبرزها التنقيب عن النفط والغاز في منطقة شرق البحر المتوسط، لكن في السياسة لا تدوم الخلافات ولا التحالفات إلى الأبد، فالتغيير هو الثابت الوحيد.
ما لم تحققه الدبلوماسية التقليدية بين البلدين حققته "دبلوماسية الزلزال"، ففي 12 فبراير/ شباط الماضي، هبطت طائرة وزير الخارجية اليوناني حينها نيكوس ديندياس في أضنة جنوبي تركيا، إحدى الولايات المتضررة من الزلزال، وكان في استقباله نظيره التركي آنذاك مولود جاويش أوغلو.
Today I am visiting Turkey, where, accompanied by my Turkish counterpart, @MevlutCavusoglu, I will meet with members of the Greek Aid Mission, which is operating in the areas devastated by the recent earthquakes. pic.twitter.com/6MHUrJFHsG
— Nikos Dendias (@NikosDendias) February 12, 2023وعقب الزلزال، سارع ديندياس إلى الإعراب عن تعازيه لجاويش أوغلو، وأكد استعداد اليونان لدعم جهود البحث والإنقاذ والاستجابة للأضرار جراء الزلزال.
Σε συνέχεια καταστροφικού σεισμού στη νότια Τουρκία, επικοινώνησα με τον ???????? ομόλογό μου, Mevlüt Çavuşoğlu, και μετέφερα τα συλλυπητήριά μου στις οικογένειες των θυμάτων. Εξέφρασα την ετοιμότητα της ???????? να παράσχει άμεσα συνδρομή στις έρευνες διάσωσης & στην αντιμετώπιση των ζημιών
— Nikos Dendias (@NikosDendias) February 6, 2023وفي تصريحات مشتركة، قال جاويش أوغلو إن اليونان "من أوائل الدول التي سارعت لعرض المساعدة.. أرسلوا على الفور فرق البحث والإنقاذ وجلبوا مساعداتهم الإنسانية إلى تركيا عبر طائرات عديدة".
وواصفا ديندياس بـ"الصديق"، أعرب جاويش أوغلو عن شكره لليونان حكومة وشعبا على تضامنهما مع تركيا في هذه الأيام العصيبة.
ومضى قائلا: "يجب تطبيع العلاقات مع اليونان.. الجار الجيد يظهر وقت الضيق.. سنطبع علاقاتنا مع اليونان رغم وجود تباين في وجهات النظر بين البلدين".
اقرأ أيضاً الاتحاد الأوروبي والديناميكيات الإقليمية.. لماذا قررت تركيا واليونان التقارب الآن؟
مصر وتركيا
حين وقع زلزال تركيا، كانت أنقرة والقاهرة تجريان منذ نحو عامين مباحثات لتطبيع العلاقات بينهما بعد سنوات من التوترات منذ الإطاحة بالرئيس المصري الراحل محمد مرسي بعد عام واحد في الرئاسة (2012-2013).
وحينها، حرك الزلزال مياه الدبلوماسية بين البلدين، فارتفع مستوى التواصل إلى مكالمة هاتفية بين الرئيسين المصري عبد الفتاح السيسي والتركي رجب طيب أردوغان، بالتزامن مع إرسال القاهرة مساعدات إنسانية وفنية إلى تركيا.
الرئيس عبد الفتاح السيسي يجري اتصالًا هاتفيًا مع الرئيس التركيhttps://t.co/fRE63by7mS#السيد_الرئيس_عبدالفتاح_السيسي#الجمهورية_الجديدة#موقع_الرئاسة
— رئاسة جمهورية مصر العربية (@EGPresidency_AR) February 7, 2023وبعد قطيعة دبلوماسية استمرت لـ10 سنوات، أعلنت مصر وتركيا، في 4 يوليو/ تموز الماضي، إعادة العلاقات بينهما إلى مستوى السفراء، ورشح كل منهما سفيرا له لدى البلد الآخر.
اقرأ أيضاً ضوء تركيا الأخضر لعضوية السويد بالناتو.. ماذا يعني؟
السويد وتركيا
لمدة شهور قبل الزلزال، خيم التوتر على علاقات تركيا مع السويد؛ بسبب رفض أنقرة التصويت لصالح طلب انضمام ستوكهولم إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما لم توقف أنشطة حزب العمال الكردستاني على أراضيها والذي تعتبره تركيا معاديا لها.
وزاد من الأزمة بين البلدين، إحراق سياسي دنماركي متطرف لنسخة من المصحف الشريف قرب السفارة التركية في ستوكهولم من دون أن توقفه السلطات، وأخيرا إحرق دمية لأردوغان من دون تدخل السلطات.
لكن عقب الزلزال، سارعت ستكهولم إلى تقديم التعازي إلى أنقرة وعرضت المساعدات ووصفت السويد بأنها "شريك لتركيا".
Saddened about the loss of lives in Türkiye and Syria following the major earthquake. Our thoughts go to the victims and their loved ones. I have sent my deepest condolences to @RTErdogan. As partner of Türkiye and holder of the EU presidency, we stand ready to offer our support.
— SwedishPM (@SwedishPM) February 6, 2023وبعد نحو عام من الامتناع والجدل والضغوط الغربية، وافق أردوغان، في 10 يوليو/ تموز الماضي، على إحالة طلب انضمام السويد لـ"الناتو" إلى البرلمان التركي للمصادقة عليه، وهي خطوة شبه محسومة نظريا مع امتلاك حزب العدالة والتنمية التركي الحاكم أغلبية برلمانية.
ومقابل هذه الخطوة، حصلت أنقرة على وعود ومكاسب من كل من السويد والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في ملفات عديدة متنوعة منها مكافحة الإرهاب وتعزيز الروابط التجارية والحصول على أسلحة متطورة.
وضمن "دبلوماسية الزلزال" أيضا، قدمت دول عديدة تعازيها لتركيا وأرسلت مساعدات، سواء بهدف ترسيخ علاقات تم تطبيعها مؤخرا كما في حالة إسرائيل، أو إنهاء خلافات وتحسين العلاقات كما فعلت فرنسا والهند.
İsrail Devleti mümkün olan her yolla yardım göndermeye her zaman hazır durumdadır. Kalplerimiz bu acı dolu zamanda yas tutan ailelerin ve Türk halkının yanında.
— יצחק הרצוג Isaac Herzog (@Isaac_Herzog) February 6, 2023كأس العالم جمع أردوغان والسيسي في قطر
كرة القدم
على هامش افتتاح بطولة كأس العالم لكرة القدم بالدوحة، في 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، عُقد لقاء نادر بين الرئيسين المصري والتركي، بحضور أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
وتصافح الرئيسان وكانت هذه أول مرة يتحدث فيها أردوغان إلى السيسي" الذي يتولى الرئاسة منذ عام 2014.
هذه المصافحة اعتبرها مراقبون نتيجة لـ"دبلوماسية كرة القدم"، وتعني ذوبان الجليد بين تركيا ومصر.
وجرى خلال اللقاء، وفقا للرئاسة المصرية، "التركيز المتبادل على عمق العلاقات التاريخية التي تربط بين البلدين والشعبين المصري والتركي، والاتفاق على أن تكون هذه بداية لتطوير العلاقات الثنائية بين الجانبين".
فيما قال أردوغان إن المصافحة مع السيسى كانت خطوة أولى نحو مزيد من التطبيع فى العلاقات بين البلدين، وإن تحركات أخرى ستليها لتطبيع العلاقات، مؤكدا رغبة أنقرة في رفع مستوى الاجتماعات مع القاهرة.
اقرأ أيضاً
تبادل مصر وتركيا للسفراء.. ماذا يعني؟
لقاحات كورونا
تسابقت دول وتكتلات عديدة، بينها الولايات المتحدة الأمريكية والصين والاتحاد الأوروبي وتركيا، على تزويد دول أخرى بملايين الجرعات من اللقاحات المضادة لوباء "كورونا" الذي أُبلغ عنه للأول مرة من مدينة ووهان الصينية في 31 ديسمبر/ كانون الأول 2019.
وتباينت دوافع المانحين للقاحات بين تعزيز النفوذ والحفاظ على المصالح أو إذابة جليد خلافات أو تحسين علاقات أو حتى منع منافسين آخرين من التواجد في مناطق النفوذ.
وضمن تنافس صيني أمريكي، حققت بكين ما اعتبره مراقبون انتصارا دبلوماسيا ناعما في الفناء الخلفي للولايات المتحدة، عبر تقديمها ملايين الجرعات من اللقاحات إلى دول في أمريكا اللاتينية.
لاعب كرة السلة الصيني الشهير "ياو مينغ" (يسار)
كرة السلة
لعب عملاق كرة السلة الصيني الشهير ياو مينغ دورا مميزا في تعزيز العلاقات بين واشنطن وبكين من خلال لعبه في دوري كرة السلة الأمريكي للمحترفين حتى اعتزاله عام 2011.
ومينغ (2.3 متر)، المولود في شنجهاي، بدأ حياته لاعبا في نادي شنغهاي شاركس، ثم ضمه نادي هيوستون روكيتس الأمريكي في 2002، ووصف حينها بأول لاعب آسيوي في ناد أمريكي كبير لكرة السلة.
اقرأ أيضاً
تركيا بعد الزلزال.. هل تخمد "دبلوماسية التضامن" الخلافات الإقليمية؟
الكريكت
عام 1987 قرر الرئيس الباكستاني آنذاك الجنرال ضياء الحق حضور مباراة كريكيت بين الهند وبلاده في مدينة جايبو الهندية في ظل توترات بين الجارتين.
ورافقه في هذه الزيارة 68 مسؤولا حكوميا وأفراد عائلته، وبالفعل أدّت إلى تهدئة التوترات بين الدولتين.
وضمن دبلوماسية اللعبة الشهيرة في شبه القارة الهندية، دعا رئيس وزراء الهند في 2011 مانموهان سينغ نظيره الباكستاني يوسف رضا جيلاني لحضور مباراة نصف نهائي كأس العالم للكريكيت بين منتخبي البلدين في مدينة موهالي الهندية.
وقبل المباراة نزل الزعيمان إلى أرض الملعب وصافحا لاعبي الفريقين، وهو ما اعتبره البعض حلقة جديدة من دبلوماسية الكريكيت أعادت إلى الأذهان خطوة "ضياء الحق".
دبلوماسية الباندا تقليد تاريخي لدى الصين
الباندا
منذ خمسينيات القرن الماضي تستخدم الصين "دبلوماسية الباندا" العملاقة كتقليد تاريخي لتعزيز علاقاتها الخارجية وكسب صداقة الدول.
وأهدت الصين، أواخر 2008، تايوان البندا "توان توان" ورفيقته في التكاثر "يوان يوان" لتعزيز العلاقات الودية آنذاك بين بكين وتايبيه.
وتعتبر الصين تايوان جزءا من أراضيها، وتعهدت سابقا باسخدام القوة إذا لزم الأمر لإعادة الجزيرة المتمتعة بحكم ذاتي إلى سيادتها، وفي إشارة إلى هذا الهدف، فإنّ اسمَي حيواني الباندا يعنيان "لم الشمل" أو "الوحدة".
بزيارة تاريخية إلى بكين في 21 فبراير/ شباط 1972، عزز الرئيس الأمريكي حينها ريتشارد نيكسون العلاقات مع الصين، لتبادر الأخيرة إلى إرسال حيوان "باندا" كهدية دبلوماسية إثباتا لحسن نواياها.
ويوجد نحو 1800 باندا عملاقة بالبرية في الصين، معظمها في مقاطعة سيتشوان، وحوالي 600 تعيش في حدائق الحيوان ومراكز التكاثر حول العالم.
نيكسون والزعيم الصيني ماو تسي تونغ خلال لقائهما التاريخي في بكين
تنس الطاولة
قبل 52 عاما، كان المنتخب الصيني لكرة الطاولة يستقل حافلة في بطولة العالم باليابان عام 1971.
وبينما كان اللاعبون يتحدثون ويضحكون، استقل اللاعب الأمريكي غلين كوان الحافلة بالخطأ في وقت كانت فيه بكين وواشنطن على خلاف عميق.
بعد لحظات من الصمت، قرر بطل العالم الصيني ثلاث مرات تشونغ زيدونغ كسر الجليد، عندما قدّم لكوان قطعة حريرية مطرزة كتذكار من الصين.
التقط مصورون لحظة التصافح والابتسام بين زيدونغ وكوان في حدث شكّل لاحقا منعطفا تاريخيا، وأطلقت ما باتت تُعرف بـ"دبلوماسية البينج بونج" (تنس الطاولة).
بعد أيام، وتحديدا في 10 أبريل/ نيسان 1971، أصبح لاعبو الفريق الأمريكي لتنس الطاولة أول أمريكيين تطأ أقدامهم أرض الصين بعد نحو ربع قرن من القطيعة، عندما تمت دعوتهم للعب مباريات ودية.
وأدت زيارة نيكسون للصين، في 1972، إلى ذوبان الجليد بين البلدين، وزار فريق صيني لكرة الطاولة الولايات المتحدة، ثم أُقيمت علاقات رسمية بين البلدين في 1979.
اقرأ أيضاً
تركيا بعد الزلزال.. هل تخمد "دبلوماسية التضامن" الخلافات الإقليمية؟
المصدر | الخليج الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: دبلوماسية الزلزال الباندا تنس الطاولة كرة القدم كورونا العلاقات بین بین البلدین دول عدیدة اقرأ أیضا کرة السلة
إقرأ أيضاً:
معهد واشنطن يستشرف العلاقات بين تركيا وسوريا الجديدة
نشر معهد واشنطن للدراسات، قراءة استشرافية حول مستقبل العلاقات بين تركيا والإدارة السورية الجديدة، وكيف تنظر لها الولايات المتحدة.
وقال المعهد إنه "يتعيّنُ على أنقرة وواشنطن تقديمُ حوافزَ للقيادةِ الجديدةِ في دمشقَ لتعزيز عملية الحكم الشامل وتحقيق النجاح في سوريا".
وأضاف أنه رغم استمرار الولايات المتحدة وتركيا في تصنيف "هيئة تحرير الشام" كمنظمة إرهابية رسمياً، يبدو أن تركيا اتخذت قراراً صعباً يتعلق بإعادة بناء الدولة في سوريا المجاورة. وتقوم بذلك عبر الحكومة الانتقالية التي تقودها "هيئة تحرير الشام".
كما أن لإدارة دونالد ترامب مصلحة كبيرة في رسم ملامح سوريا الجديدة في مرحلة ما بعد الأسد، وذلك انسجاماً مع الأهداف المعلنة للولايات المتحدة والمتمثلة في تقليص النفوذ الإيراني بالمنطقة، ومحاربة الإرهاب، والانسحاب النهائي للقوات الأمريكية من سوريا.
وأشارت إلى أنه "لتحقيق هذه الأهداف يتعين على واشنطن فهم طبيعة العلاقة بين الحكومة السورية الجديدة وتركيا، الحليف في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والاستفادة منها بشكل أمثل".
وقال المعهد إن الاجتماع الذي عُقد في الرابع من شباط/فبراير في أنقرة بين الرئيس السوري الجديد أحمد الشرع والرئيس التركي رجب طيب أردوغان - وهي الزيارة الثانية التي يقوم بها الشرع إلى الخارج منذ توليه منصبه-، دللت على تحول ملحوظ في ديناميكيات القوة بين الطرفين في صياغة مستقبل سوريا.
خلال السنوات الأخيرة، سعت تركيا الى تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، الذي كانت ترفضه سابقاً، في حين كانت "هيئة تحرير الشام" التابعة للشرع تدير دويلة في شمال غرب سوريا، المتاخمة لتركيا، فيما يشبه حالة من الصراع المجمد.
كما تشير الأحداث الأخيرة إلى أن العلاقة بين أنقرة ودمشق أصبحت الآن أكثر متانة، بعد أن قطعت شوطاً طويلاً منذ عام 2012، حين تولى الشرع قيادة "جبهة النصرة"، التي تحولت لاحقاً إلى "هيئة تحرير الشام"، بحسب المعهد.
وتاليا ملخص لرؤية المعهد لمستقبل العلاقات بين البلدين:
مع مرور السنين، أصبح محور انتقاد الشرع للسياسة التركية بشكل عام ولأنقرة بشكل خاص أكثر وضوحاً. في البداية، كان الصراع ذا طابع أيديولوجي بحت، إلا أنه تحول فيما بعد ليأخذ طابعاً قائماً على الجغرافيا السياسية والمصالح. فعلى سبيل المثال، انتقد الشرع في أول رسالة دعائية له بصفته زعيماً لـ "جبهة النصرة" في كانون الثاني/يناير 2012 تركيا لدورها كحليف للولايات المتحدة و"ادعاءاتها الزائفة بخدمة الأمة الإسلامية بأكملها." ويعكس هذا التصريح الأيديولوجي الجهادي التقليدي رؤية مفادها أن قادة تركيا ليسوا إسلاميين في الواقع، بل ينفذون أوامر واشنطن ولا يخدمون مصالح المسلمين في العالم.
يكشف هذا عن تناقض جلي مع تصريحات الشرع في عام 2023، عندما وجّه انتقاداته للدول التي بدأت بتطبيع علاقاتها مع نظام الأسد، مشيراً إلى أن تركيا بدّلت استراتيجيتها من "دعم الثورة حتى إسقاط النظام" إلى محاولة تحقيق هدفين أساسيين هما، "إعادة اللاجئين إلى سوريا ومنع تحول حزب العمال الكردستاني إلى دولة على الحدود التركية."
تعتبر تركيا الجماعات الكردية المسيطرة على شمال شرق سوريا امتداداً لحزب العمال الكردستاني، الخصم المحلي لأنقرة. ومن هذا المنطلق، اعتقد الشرع أنه من الضروري أن تتخذ "هيئة تحرير الشام" خطوات حاسمة لإسقاط النظام بدلاً من الاعتماد على تحركات خارجية، مع تأكيده على أن التغيير في السياسات التركية كان مرتبطاً بمصالحها الوطنية، حتى وإن اختلف معها.
تجدر الإشارة إلى أن تركيا كانت قد صنّفت "جبهة النصرة" و"هيئة تحرير الشام" ضمن قائمة المنظمات الإرهابية، وذلك وفقاً لقائمة الأمم المتحدة للتصنيفات. وأضف إلى ذلك أن المسؤولين الأتراك كانوا يمتنعون عن إقامة أي علاقة مع "هيئة تحرير الشام" أو "جبهة النصرة"، وذلك على المستويين
السياسي والدبلوماسي على أقل تقدير.
غير أنه في السنوات التي تلت اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم بوساطة روسية-تركية في آذار/مارس 2020، بدا أن جهاز الاستخبارات الوطنية التركي - الذي انخرط في الحرب الأهلية السورية منذ ما يقرب من عقد - قد أظهر مؤشرات على تغيير موقفه وإقامة علاقات أوثق مع "هيئة تحرير الشام"، وفقا للمعهد.
انخراط أنقرة في مرحلة ما بعد الأسد
منذ سقوط النظام في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، برزت تركيا كأكثر الدول انخراطاً مع الحكومة الانتقالية في دمشق وذلك في إطار مواجهتها لمهمة شاقة تتمثل في بناء الدولة المجاورة ، وعلى رأسها تعزيز الاستقرار. فإذا انزلقت سوريا مجدداً إلى الفوضى، ستواجه تركيا أكبر مخاوفها المتمثلة في عودة حالة الاضطراب، وموجات لجوء جديدة، وزيادة الهجمات الإرهابية.
ونتيجةً لذلك، عقدت المؤسسات الحكومية التركية والمنظمات غير الحكومية - بمختلف توجهاتها السياسية والدبلوماسية والتجارية والإنسانية - ثلاثة وتسعين اجتماعاً مع الحكومة الجديدة حتى لحظة كتابة هذه السطور.
وفي المقابل، عقدت السعودية، التي تأتي في المرتبة الثانية من حيث النشاط، أربعة وثلاثين اجتماعاً مماثلاً.
وفي حين ركزت معظم الدول على العاصمة، كان المسؤولون الأتراك يجوبون مختلف المناطق السورية مثل حلب وداريا ودير الزور وحماة وحمص وإدلب واللاذقية - للقاء المسؤولين المحليين والوقوف على متطلبات مساعدة سوريا وإعادة إعمارها. ويبدو جلياً أن أنقرة مصممة على اتخاذ كافة التدابير اللازمة لضمان نجاح سوريا الجديدة.
ستمثل الشركات التركية ذات الخبرة الراسخة مصدر قوة لهذا الجهد، فبجانب تنوع اقتصادها وشركاتها، أثبتت تلك الشركات قدرتها على الازدهار في الدول التي تعاني من الضعف أو الفشل، مثل العراق في ذروة صراعه الطائفي الداخلي وفى جنوب السودان. وفي الوقت الحالي، تتمتع الشركات التركية بموقع متميز لتقديم السلع والخدمات إلى سوريا، وهو ما سيكون عاملاً حاسماً في نجاح الحكومة الجديدة.
توصيات سياسية
توفر العلاقة الناشئة بين دمشق تركيا نفوذاً كبيراً للحكومة الجديدة، إلا أن السؤال يكمن في كيفية تعامل قادة سوريا الجدد مع هذا النفوذ مع مرور الوقت. فرغم أن دمشق ليست خاضعة لتركيا، إلا أنها ستستمع إلى نصائح أنقرة - ولا سيما إذا كانت مصحوبة بحوافز مثل توفير الكهرباء من الشبكة التركية أو الضغط على واشنطن والاتحاد الأوروبي لإلغاء العقوبات المفروضة على دمشق.
وتدرك القيادة الجديدة أنه إذا لم تبدأ عملية إعادة الإعمار بصورة عاجلة، وإذا أخفقت في توفير الخدمات الأساسية في المستقبل القريب، فإنها ستواجه معارضة من العناصر المتشددة في الداخل، بما فيها "تنظيم القاعدة" وتنظيم "الدولة الإسلامية". وعليه، سيتجاوب الشرع مع نصيحة أنقرة إذا ما اقترنت بدعم دولي وأموال لإعادة الإعمار.
وعلى نحو مماثل، لدى إدارة ترامب مصالح كبيرة في ضمان نجاح سوريا، بدءاً من منع تدفق المزيد من اللاجئين وصولاً إلى الحد من النفوذ الإيراني. غير أنها تفضل تجنب تخصيص موارد أمريكية كبيرة لتحقيق ذلك. ولتحقيق التوازن بين هذه الأهداف، ينبغي على واشنطن الاستفادة من العلاقة الجديدة بين تركيا وسوريا. فمن خلال العمل المشترك، يمكن لكل من أنقرة وواشنطن تقديم الحوافز اللازمة لإحداث تغيير في دمشق وتحقيق الاستقرار في سوريا ووضع حد للتهديدات المنطلقة من هناك.
وستكتسب ثلاث محفزات أهمية خاصة:
إلغاء العقوبات المتعلقة بأجهزة الدولة في عهد الأسد، لا سيما في قطاعات مثل الكهرباء والمصارف، مما قد يوفر إغاثةً أوليةً للسكان.
توفير الموارد اللازمة لإعادة الإعمار، لا سيما من الدول الأوروبية التي تقلق من تدفقات اللاجئين ودول الخليج الغنية التي تخشى من احتمال عدم الاستقرار الإقليمي وفقدان النفوذ.
دعم الاعتراف الدولي بالحكومة الانتقالية التي تقودها "هيئة تحرير الشام" ، طالما أنها تُظهر علامات أكبر على الشمولية.
وفي المقابل، على الرئيس ترامب والرئيس أردوغان أن يطالبا دمشق بما يلي:
وضع نهج شامل حقيقي تجاه صياغة الدستور الجديد والحكم.
مواصلة منع الجهاديين من استخدام الأراضي السورية للتخطيط لهجمات خارجية.
مواصلة ملاحقة فلول نظام الأسد وحزب الله والشبكات الإيرانية المتورطة في تهريب الكبتاغون والأسلحة.
العمل مع منظمة حظر الأسلحة الكيميائية لتدمير ما تبقى من البنية التحتية للأسلحة الكيميائية لنظام الأسد.