لجريدة عمان:
2025-04-05@03:18:32 GMT

أنماط التغير الاجتماعي في مجتمعات الخليج العربي

تاريخ النشر: 9th, September 2023 GMT

لعقود كانت النقطة المرجعية لقياس حالة التغير الاجتماعي في مجتمعات الخليج العربي هي ظهور النفط، وما أفرزه من انتقال في التركيبة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. وظلت أدبيات التغير الاجتماعي تحاول قياس شكل وتركيب هذه المجتمعات بناء على ما قبل تلك اللحظة التاريخية وما بعدها. إلا أننا اليوم في حاجة إلى عدة نقاط مرجعية مجددة للقياس، وقد تحدثت في مقالة سابقة عبر هذه المساحة أن «الرؤى التنموية» التي تنخرط في تبنيها دول الخليج العربي قد تشكل نقطة مرجعية؛ تنتقل فيها هذه المجتمعات من مرحلة التنمية المستدامة ومستويات التنمية البشرية المرتفعة نسبيًا إلى حالة أكثر حداثة للمجتمع، قوامها المجتمع الذي تقوده القيادات الملهمة، والاقتصاد الذي يعظم الفرص لكافة الساكنين، والتنافسية التي تحرك عبر أدواتها ومحكاتها هذه المجتمعات بتركيبتها الثقافية والاجتماعية لانخراط أكبر في مشهد العولمة المتجدد في نسيجه وآفاقه.

لكن لنحاول تضييق مسافة القياس قليلًا؛ بالبحث والسؤال عن أهم العوامل التي تساهم في حالة التغير الاجتماعي في مجتمعات الخليج العربي خلال العقدين الماضيين. في الواقع فإن رصد حركة التغير الاجتماعي في هذه المجتمعات يحمل عوامل مشتبكة، بعضها له خصوصيته على مستوى المجتمع ذاته؛ إلا أن هناك عوامل عامة ومشتركة تجعل هذه المجتمعات على محك تغير سريع ومتواتر. نعتقد أن هذه العوامل هي أربعة: أولها (توسع نطاق ونوعية برامج الابتعاث الخارجي وربط مخرجاتها بحركة التنمية الوطنية)، وثانيها (شروع الرؤى التنموية في تحقيق التغيير الاجتماعي عبر القيادة بالنماذج)، أما ثالثها فهو (حراك التنافسية العالمية ودفع دول الخليج مجتمعاتها لمشهد التنافسية)، وأما رابعها فهو (انتشار أنماط الاستقلالية الاقتصادية لشرائح معينة من فئات المجتمع الخليجي).

في الواقع فإنه ليس من باب المبالغة القول: إن «الابتعاث الخارجي» - في مختلف مستوياته - أحد أهم مشاريع الدولة التي أسهمت في حالة التغير الاجتماعي في الخليج، ذلك أنه دفع بشرائح واسعة من الطبقة المتفاعلة ثقافيًا للاندماج في ثقافات أخرى، وأسهم في تقصير الآجال الزمنية للاستثمار في المورد البشري، وفي بعض الدول أسهم في إدماج العائلات (التي كانت ترافق المبتعثين) في أنماط وتفاعلات ثقافية مختلفة، كما أنه أعطى أدوارًا جديدة للمرأة المبتعثة في سوق العمل وفي مشهد التنمية الوطنية على وجه العموم. يمكن القول: إن الابتعاث بالنسبة لجموع الفئات المستهدفة به والمستفيدة منه على مستوى مجتمعات الخليج أعطى لهذه المجتمعات صورة كاشفة عن حالتها الثقافية، وعن عناصرها المعرفية، وعن منطلقات القوة الكامنة فيها. وعن آفاق التطوير والتلاقح الثقافي الممكنة مع الدول التي تستهدفها برامج الابتعاث. لا شك اليوم في بعض دول الخليج أن من يقود مشاريع التحول الاقتصادي والتنموي في الغالب هي الفئة التي استفادت من برامج الابتعاث في نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة. وهذا مكتسب مهم لمجتمعات الخليج في استثمارها في موردها البشري. إلى جانب ذلك تعضد الرؤى التنموية التي تتبناها الدول الخليجية على حد سواء حالة التغير الاجتماعي في الخليج؛ ذلك أنها تنطوي على إحداث تغييرات سلوكية ومفاهيمية في المقام الأول؛ سواء فيما يتصل بعلاقة المواطنين بالدولة، والقيم المهنية، والمفاهيم المتصلة بالوظيفة العامة، وعلاقة الأفراد عمومًا بسياقهم الإيكولوجي وحالة تجويد وترشيد الاستهلاك والاهتمام بجودة الحياة العامة، ونشوء مفاهيم العمل الحر والمستقل، والتركيز على «القيادة بالنماذج»؛ من خلال إيجاد نماذج قاطرة سواء من الأفراد (القادة) محركي التغيير، أو من المشاريع القومية التي تدفع بالوجدان الاجتماعي للالتفات حولها وتشكل رمزية طموح التغيير في هذه المجتمعات. تدفع هذه الرؤى كذلك باتجاه حشد الشعور الجمعي أن هذه المنطقة قادرة على التأثير العالمي، وأنها تجاوزت كونها مجرد مجتمعات متمحورة حول سلعة «الطاقة» إلى قدرتها على التأثير في سياق صنع القرار العالمي وشبكاته، وهذا يعطي بعدًا جديدا للشخصية الخليجية، قد يدفعها إلى تغيير مفاهيمها إزاء طبيعة الانخراط في الشبكات العالمية، وحدود طموحاتها في التعليم والعمل والإنتاجية الاقتصادية، وفي إقبالها على قيادة الرأي العالمي المتحول.

دفعت دول الخليج كذلك خلال السنوات الماضية باتجاه تعميم وتشجيع تحول مواطنيها وخاصة فئة الشباب نحو «ريادة الأعمال»، و«الأعمال الحرة» وسخرت الموارد المؤسسية والتنظيمات اللازمة لتعميم هذه الثقافة، وقد أصبح اليوم هذا العامل أحد محركات التفكير في الاستقلالية الاقتصادية عن الدولة بالنسبة لشرائح معينة من الأفراد في مجتمعات الخليج العربي. إن الدفع في هذا الاتجاه هو أيضًا محرك للتغير الاجتماعي، ذلك أنه ينبئ عن نشوء قيم جديدة ترتبط بفكرة الدخل الحر، ومساحة العمل الحر، والانتقال من حالة الموظف إلى رب العمل، والانعتاق من القيود الاجتماعية التقليدية للوظيفة، مما يشكل أدوارًا جديدة للرجل أو المرأة على حد سواء في سياق النسيج الاجتماعي. تتداخل فكرة العمل الحر مع تصورات جديدة للأدوار في الأسر والأوقات مع الأسر، وللعطل والإجازات والمناسبات الاجتماعية، كما أنها من شأنها تكوين معايير جديدة للمقارنة الاجتماعية والطبقة الاجتماعية في الخليج. هناك فئات شابة اختصرت مسارات تكوين الثروة وهو معطى اقتصادي – اجتماعي مهم للنظر في القيم التي يولدها. كما أن هذا الاتجاه ساعد كثير من الأفراد في التنقل عبر الحدود بمشاريعهم وتأثيرهم الاقتصادي والفكري والابتكاري. وفي العموم فإن حالة التغير الاجتماعي في الخليج في تقديرنا تسمها ثلاث سمات رئيسية: أولها أنه تغير تقوده الدولة؛ سواء كان عبر رؤاها وخططها طويلة الأمد، أو عبر أشكال التنظيم التشريعي المستحدثة في هذه الدولة والتي تشيء بالتحول إلى عقد اجتماعي جديد بين الدولة والمجتمع. أما ثاني السمات؛ ففي كونه تغير يصعب توقع مستوى سرعته ووتيرته، هناك مجتمعات خليجية كانت سرعة التغير الجزئي فيها غير متوقعة ومحسوبة، وهناك مجتمعات تأخذ دورة التغير فيها سياقًا أبطأ بكثير من غيرها. أما ثالث سمات التغير الاجتماعي في مجتمعات الخليج فهي الدور التظافري للعوامل التي تؤدي إليه، لم يُحدث الإعلام (بشكله التقليدي) ذلك الأثر في تغيير المجتمعات الخليجية، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي وحدها أداة التغيير، وإنما تظافرت عوامل سياسية / ثقافية / اقتصادية دفعت نحو ذلك التغيير في مرجعيته وحدوده وسرعته. وعلى أية حال ما زالت دراسات التغير والتغيير الاجتماعي في الخليج (محدودة جدًا). وكمختصين في العلوم الاجتماعية ما زلنا نعول على أدبيات كتبت قبل الألفية لفهم هذه الحالة. نعتقد اليوم بضرورة تبني مرصدًا للتغير الاجتماعي في الخليج، يمكن أن يكون موقعه الأمثل في الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، ويجمع باحثين جديرين، قادرين على تطوير أدوات منهجية محكمة لرصد حالات التغير الاجتماعي في الخليج، والأهم تقديم رؤى مستنيرة للسياسات والبرامج القاطرة لاحتواء هذا التغير. وتوظيفه لخدمة أغراض الاستقرار الاجتماعي والازدهار المجتمعي.

مبارك الحمداني مهتم بقضايا علم الاجتماع والتحولات المجتمعية في سلطنة عمان

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: هذه المجتمعات دول الخلیج

إقرأ أيضاً:

حمدان بن محمد يطلق منصة «مجتمعات دبي» (فيديو)

قال سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء، وزير الدفاع، عبر منصة «إكس»: «تزامنا مع عام المجتمع، أطلقنا اليوم منصة «مجتمعات دبي»، بوابة رقمية مبتكرة تتيح للمواطنين والمقيمين والزوار فرصة استكشاف الحياة المجتمعية في دبي، والانضمام إلى مجتمعات يتشاركون معها الاهتمامات والشغف في مختلف المجالات».
وأضاف سموه: «دبي اليوم برؤية محمد بن راشد وتوجيهاته، تواصل مسيرتها لتكون المدينة الأفضل في العالم للعيش والعمل وجودة الحياة تماشياً مع مستهدفات أجندة دبي الاجتماعية 33... و»مجتمعات دبي«منصة تجمع الناس، وتعزز الروابط، وتفتح الأبواب أمام فرص جديدة للتفاعل المجتمعي وتعزيز التعاون والتجارب المشتركة».
وتابع سموه: «ندعو الجميع ليكونوا جزءاً من هذه المنظومة المجتمعية التفاعلية التي تندرج تحت مبادرة #MyDubai، للمساهمة في جهود ترسيخ قيم التلاحم والتعاون، بما يعكس روح دبي وهويتها الفريدة».
https://mydubaicommunities.com

مقالات مشابهة

  • مليشيا آل دقلو الدرب راح ليهم فی أَلْمِی !!
  • مضر يحقق فوزًا ثمينًا على الخليج في قمة الجولة 24 من ممتاز اليد
  • “المساحة الجيولوجية” ترصد هزة أرضية في الخليج العربي فجر اليوم
  • وزير الإسكان يصدر حزمة توجيهات لمسئولي هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة
  • وزير الإسكان يتابع ملفات العمل بـ"المجتمعات العمرانية الجديدة".. ويصدر حزمة من التوجيهات
  • حمدان بن محمد يطلق منصة مجتمعات دبي
  • حمدان بن محمد يطلق منصة «مجتمعات دبي» (فيديو)
  • حمدان بن محمد بن راشد يطلق منصة «مجتمعات دبي»
  • صابري يترأس أشغال مؤتمر نقابة المحامين الدولية ويدعو إلى اعتماد أنماط العمل الجديدة بالمغرب
  • الرئيس عون: الاتصالات مستمرة لتذليل العقبات أمام التصدير لدول الخليج