من تداعيات تغير المناخ ـ مشكلات نفسية واضطرابات ما بعد الصدمة
تاريخ النشر: 9th, September 2023 GMT
أجْلت السلطات الإسبانية سكان بلدتي أرفو وكانديلاريا شرقي جزيرة تينيريفي جراء حرائق الغابات
من المعتاد أن يعاني الجنود من اضطرابات ما بعد الصدمة عقب انتهاء مشاركتهم في مهام قتالية، بيد أن الأمر لم يعد يتوقف عليهم إذ يمكن أن يُصاب بذلك الاشخاص الذين يتعرضون لأعمال عنف أو أعمال تهجير وطرد أو حتى فرق الانقاذ الذين يعملون على إنقاذ المتضررين وانتشال الجثث في مناطق الكوارث.
وقد تكون ظواهر الطقس المتطرفة وراء هذه الكوارث إذ قد يضطر الناس إلى الانخراط في قتال من أجل البقاء أو من أجل الهروب من الفيضانات أو حرائق الغابات.
مختارات العراق على صفيح "الغليان العالمي".. هل من استراتيجية للمواجهة؟يشهد العراق وجواره موجة حر حارقة في آب (أغسطس) "اللهاب". ما التبعات الاقتصادية والاجتماعية لذلك؟ وما هي استراتيجية حكومة بغداد لمواجهة تلك التبعات والاستعداد لما لا يبدو أنه سيكون سحابة صيف عابرة؟
أكثر مما تسببه الحروب - أرقام قياسية في أعداد النازحين بسبب المناخارتفع عدد النازحين حول العالم إلى أكثر من 40 مليون شخص، جراء الصراعات والكوارث الطبيعية وتفاقم تداعيات ظاهرة التغير المناخي خاصة ارتفاع درجات حرارة الأرض في عام 2020، وسط تحذيرات من استمرار النزوح بسبب التغير المناخي.
مشروع أممي.. إنذار مبكر لإنقاذ البشر من ارتفاع الحرارة والأعاصير القاتلةبسبب التغيرات المناخية تأمل الأمم المتحدة في تغطية كل شخص في العالم بأنظمة الإنذار المبكر في غضون السنوات الخمس المقبلة. فما هي هذه الأنظمة وكيف تعمل على إنقاذ البشرية من غضب الطبيعة؟
ناقوس خطر .. ماذا لو فشلنا في التصدي للتغير المناخي؟يظن كثيرون أن ارتفاع درجة الاحترار بمقدار درجة أو درجتين لن يؤثر على حياة الناس! وفقا للتوقعات فإن الاحترار العالمي سيصل إلى 2.7 درجة مئوية ما سيكون له تداعيات خطيرة على الحياة على الأرض. في التقرير بعض الأمثلة.
ويقول الباحثون إنه إذا تعرض شخص ما لخطر شديد ومباشر بسبب ظواهر الطقس المتطرفة مما أسفر عن شعوره بالعجز فقد يكون أكثر عرضة للإصابة باضطرابات ما بعد الصدمة.
وفي ذلك، قال أندرياس ماير ليندنبرغ، رئيس الجمعية الألمانية للطب النفسي والعلاج النفسي علم النفس الجسدي، إنه جرى دراسة "تداعيات إعصار كاترينا وريتا عن كثب"، في إشارة إلى أسوأ كارثة طبيعية تضرب الولايات المتحدة حيث تسببت في مقتل أكثر من 1800 شخص.
وخلال الاعصار، عمل ليندنبرغ على إدارة الإسعافات الأولية النفسية في المدن الأمريكية التي اجتاحها الإعصار.
وقال ماير ليندنبرغ إنه من غير الضروري "أن كل شخص يتعرض لأحداث مناخية متطرفة سوف يعاني من مشاكل في الصحة العقلية، لكن هناك زيادة كبيرة في مشاكل الصحة العقلية والأمراض عقب الأحداث المناخية القاسية."
وأشار إلى أن قرابة نصف المتضررين من الدمار الذي خلفه إعصار كاترينا أصيبوا باضطرابات ما بعد الصدمة بما شمل الاكتئاب والقلق وحتى الإدمان، مؤكدا أن اضطرابات ما بعد الصدمة تعد النتيجة السببية المباشرة لما مروا به من أزمات جراء ظواهر الطقس المتطرفة.
الطقس المتطرف.. التداعيات النفسية
وسلط ماير ليندنبرغ على مفهوم اضطرابات ما بعد الصدمة، قائلا إنها تمثل الأعراض والأزمات النفسية التي يُصاب بها الشخص أو أي شخص قريب منه "عقب تعرضه لحادث كان مصدر تهديد كبير ليصبح لاحقا جوهر مشاكله".
وقال إن هذه الأعراض قد تشمل أن يصبح الشخص حبسيا لهذه الكارثة في شكل ذكريات الماضي فيما سيحاول الشخص تجنب أي شيء قد يستدعي داخله ذكريات الماضي مثل الأمطار بالنسبة لضحايا الفيضانات، مشيرا إلى أن هذه الاستراتيجية تشير إلى عدم قدرة الأشخاص على التغلب على اضطرابات ما بعد الصدمة دون علاج.
يشار إلى أن البيانات حيال تأثير الأحداث المناخية المتطرفة على الصحة العقلية للضحايا من البلدان النامية التي تعد الأكثر تضررا من حرائق الغابات والفيضانات، شحيحة.
وفي هذا السياق، قال ماير ليندنبرغ إن معظم الأبحاث ذات الصلة "جرت في أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا، لذا فإن هناك نقصا في البيانات الخاصة بالبلدان الأفريقية."
يأتي ذلك رغم أن بلدان الجنوب العالمي تواجه ظواهر مناخية متطرفة تزداد حدتها ويطول أمدها بسبب تفاقم تداعيات ظاهرة تغير المناخ مقارنة بدول الشمال.
وقال ماير ليندنبرغ "إذا امتلكت هذه البلدان خبرة جيدة في التعامل مع ظواهر الطقس القاسية بما يشمل مواجهة تداعياتها، فإن هذا يمكن بالطبع أن يخفف من التأثيرات النفسية المترتبة عليها".
وفي هذا الصدد، يقول الباحثون إن السدود لا توفر الحماية للمنازل وممتلكات البشر في حالة وقوع فيضانات فحسب وأنما تحمي أيضا صحتهم العقلية من خلال تعزيز الشعور بالأمان، لكن الأمر يتطلب إنفاقا ماليا كبيرا في البلدان الفقيرة.
أين يكمن الحل؟
وفي هذا السياق، يشدد ماير-ليندنبرغ على ضرورة توافر الموارد المالية من أجل تقديم الإسعافات الأولية النفسية في أعقاب وقوع الكوارث الطبيعية، منوها إلى خطة من خمس نقاط أساسية تعد ركيزة الاستقرار النفسي للناجين من هذه الكوارث.
إجلاء نحو 100 ألف شخص بعد فيضانات في شرق باكستان
وقال إن الأمر الأول يتمثل في الحاجة إلى توفير مكان للنوم ومواد غذائية ومياه شرب نظيفة، مضيفا "لا يمكن التفكير في أي شيء آخر حتى يتم التأكد من توافر مثل هذه الاحتياجات الضرورية".
وأشار إلى أن النقطة الثانية تتعلق بطمأنة الضحايا من خلال الاستماع إليهم، لكن دون إجبارهم على الحديث، مضيفا" النقطة الثالثة تكمن في تمكينهم من الاتصال بأقاربهم في أسرع وقت ممكن."
وفي هذا السياق، قال ماير-ليندنبرغ "من المهم للغاية بالنسبة للأطفال على وجه الخصوص أن يكونوا قادرين على التواجد مع شخص يعرفونه في أقرب وقت ممكن."
وأشار إلى أن النقطة الرابعة تتمحور حول قدرة الناس على التعامل مع الكوارث بشكل أفضل إذا تحلوا بقدر كبير من الكفاءة الذاتية وروح المبادرة، قائلا "مساعدة الناس هي إحدى طرق تحقيق ذلك".
وقال إن النقطة الخامسة تتمثل في رفع الروح المعنوية بين الناجين من الكوارث الطبيعية خاصة باتخاذ إجراءات تحفز داخلهم قدرتهم على "اجتياز هذه الفترة الصعبة من حياتهم".
علاج اضطرابات ما بعد الصدمة
ويقول المتخصصون إنه إذا ظهرت أعراض اضطرابات ما بعد الصدمة على شخص ما، فيمكن مساعدته عن طريق ما يُعرف ب "علاج التعرض" (Exposure Therapy) ما يعني تعرضه للصدمة مرة أخرى لخلق مساحة علاجية آمنة.
وفي ذلك، قال ماير-ليندنبرغ إن "علاج التعرض قد يساهم في التغلب على اضطرابات ما بعد الصدمة".
لكنه حذر من أن الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات ما بعد الصدمة بسبب ظواهر الطقس المتطرفة قد يتعرضون لصدمات نفسية إذا تعرضوا بشكل متكرر لهذه الظواهر، مضيفا "كلما تزايدت مرات شعور الشخص بالعجز، كلما تفاقمت التداعيات".
يوليا فيرجين / م. ع
المصدر: DW عربية
كلمات دلالية: تغير المناخ أمراض نفسية التغيرات المناخية الجفاف موجة الحر الفيضانات كوارث طبيعية تغير المناخ أمراض نفسية التغيرات المناخية الجفاف موجة الحر الفيضانات كوارث طبيعية وفی هذا إلى أن
إقرأ أيضاً:
الصين تصنع حاسوبا يعالج مشكلات تتطلب 6 مليارات سنة في ثوان
في تطور جديد يعزز من مكانة الحوسبة الكمومية الصينية على الساحة العلمية، أعلن فريق من الباحثين من جامعة العلوم والتكنولوجيا في الصين عن تطوير معالج كمومي جديد يُدعى “زوتشونجزي-3” يُعد طفرة في مجال التفوق الكمومي.
التغيير ــ وكالات
يتكون “زوتشونجزي-3” من 105 كيوبتات، وهذا يجعله أحد أكثر المعالجات الكمومية تقدما حتى الآن. يتميز بسرعته الفائقة التي تصل إلى كوادريليون (10¹⁵) مرة أسرع من أقوى الحواسيب الفائقة الحالية، وأسرع بمليون مرة من أحدث النتائج المنشورة لشركة غوغل.
ويأتي هذا التطوير استمرارا لسلسلة من النجاحات التي حققها الفريق الصيني في مجال الحوسبة الكمومية، بدءا من “زوتشونجزي-1″ و”زوتشونجزي-2” وصولا إلى هذا الإنجاز الجديد.
وتقول أسماء علي، الباحثة في قسم الفيزياء النظرية والمتخصصة في الحوسبة والمعلوماتية الكمومية بكلية العلوم في جامعة المنصورة المصرية، في تصريحات حصرية للجزيرة نت: “ما نحن أمامه ليس مجرد قفزة كبيرة في تقنية الحوسبة ولكنه تحول جذري في فهمنا لقدرات الطبيعة وتطويعها لإعادة تعريف الممكن في عالم المعلومات والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والحضارة البشرية”.
حوسبة خاصة جداولفهم الفكرة الخاصة بالحاسوب الكمي، تخيل أنه شخص يفكر، الحاسوب العادي يفكر باستخدام “بتات” وهي إما 0 أو 1، ما يعني أنه يجري العمليات بترتيب يتطلب فاصل زمني بينها، فيجرب كل الاحتمالات واحدة تلو الأخرى.
أما الحاسوب الكمي فيستخدم “البتات الكمية” أو الكيوبتات، وهي يمكن أن تكون 0 و1 في نفس الوقت، ما يعني أنه يتمكن من إجراء عدد كبير من العمليات في نفس الوقت، أي أنه يمكن أن يجرّب جميع الاحتمالات لحل مسألة ما في وقت واحد.
تخيّل أن البت التقليدي مثل مفتاح كهرباء: إمّا “مفتوح” أو “مغلق”، أما الكيوبت، فهو مثل مفتاح “سحري” يمكن أن يكون مفتوحا ومغلقا معا.
وتوضح أسماء علي: “هناك قيود جوهرية تمنع الأنظمة الكلاسيكية من مضاهاة الأداء الكمومي، الذي يعتمد على التراكب الكمومي، حيث يمكن للكيوبت تمثيل حالتين في آنٍ واحد، بينما البت الكلاسيكي يكون إما 0 أو 1 فقط”.
ليس التراكب فحسب بل يعتمد هذا النوع من الحواسيب على التشابك الكمومي أيضا، وهو ظاهرة كمومية تسمح للكيوبتات أن تكون مترابطة، إذا تغيّر واحد منها يتغير الآخر فورا، حتى لو كان بعيدا عنه، حيث تُنتج الحواسيب الكمومية تشابكات تتيح معالجة المعلومات بطريقة لا يمكن للحواسيب الكلاسيكية محاكاتها بكفاءة.
بالإضافة إلى ذلك، يظهر ما يسمى بالتداخل الكمومي، والذي يُمكّن الخوارزميات الكمومية من تعزيز الحسابات الصحيحة وإلغاء الحسابات الخاطئة بطريقة لا يمكن تحقيقها حسابيا بالحواسيب الكلاسيكية.
حرب كمومية باردةفي عام 2019، أعلنت غوغل عن تحقيق “التفوق الكمي” من خلال معالجها سيكامور الذي احتوى على 53 كيوبتا، حيث تمكن من تنفيذ عملية حسابية معقدة في 200 ثانية فقط، بينما كانت الحواسيب التقليدية تحتاج نحو 10 آلاف سنة لإتمامها.
كان هذا الإنجاز أحد أضخم الإنجازات إلى أن أتى الفريق الصيني، والذي حجز مقعده كمنافس شرس عبر الإصدارات الأولى والثانية لزوتشونجزي، فتمكنوا في الإصدار الثالث من تحدي غوغل عبر التفوق على أقوى معالجاتها.
وتشرح أسماء علي: “التفوق الكمي هو قدرة الحواسيب الكمومية على تنفيذ عمليات حسابية شديدة التعقيد قد تستغرق مع الحواسيب الكلاسيكية مئات وآلاف السنين بينما يحصل الحاسوب الكمي على نتائجها خلال ثوان”.
على سبيل المثال، اختبر الباحثون حاسوبهم الجديد مع الحواسيب الكلاسيكية لحل مشكلة ما وكشفوا أن أقوى الحواسيب الكلاسيكية، مثل فرونتير وسوميت، تحتاج إلى 6 مليارات سنة لحلها، في حين يستطيع زوتشونجزي-3 إنجازها في ثوانٍ، بحسب الدراسة التي نشرها الفريق في دورية “فيزكال ريفيو ليترز”.
عبقرية زوتشونجزي-3تشرح علي: “يتمثل التحدي الأكبر لأي معالج كمي في التغلب على الضوضاء والسيطرة عليها، نظرا لحساسية أي نظام كمي للبيئة المحيطة. وأي تفاعل أو تداخل قد يؤدي إلى انهيار النظام الكمي وفشل العملية الحسابية. لذلك يعتمد تصميم أي معالج على تجنب التأثيرات الخارجية وتحسين تقنيات قراءة الكيوبتات والتفاعل فيما بينها، وهذا يجعل المعالج أكثر كفاءة في إجراء العمليات الحسابية”.
ويتفوق زوتشونجزي-3 بفضل عدة تحسينات تقنية، منها استخدام مواد تقلل من تأثير الضوضاء. كما اعتمد التصميم على نهج هندسي متقدم يعزز من كفاءة الاتصال بين الكيوبتات ويسمح بإجراء عمليات حسابية موثوقة.
من العوامل الحاسمة في أداء زوتشونجزي-3 هو تحقيق زمن تماسك يبلغ 72 ميكروثانية، وهو ما يسمح للكيوبتات بالحفاظ على حالتها الكمومية لفترة أطول قبل الانهيار، وهذا يسهل إجراء عمليات حسابية أكثر تعقيدا. كما بلغت معدلات الدقة 99.9%، والتي تحدد مدى موثوقية تنفيذ العمليات الحسابية من دون أخطاء. وكلما ارتفعت هذه النسبة، قلت الحاجة إلى تطبيق تقنيات تصحيح الأخطاء الكمومية، وهذا يجعل النظام أكثر كفاءة واستقرارا.
وتشير أسماء علي إلى أهمية ذلك قائلة: “تتيح تلك العوامل إجراء محاكاة فيزيائية أكثر تعقيدا، وحل مسائل التحسين، وتقديم أداء متقدم في تطبيقات الذكاء الاصطناعي والتشفير. هذا التطور يعزز قدرة الحوسبة الكمومية على تجاوز حدود الحواسيب الكلاسيكية، ويجعلها أقرب إلى تحقيق تطبيقات عملية حقيقية”.
بين ماضٍ وحاضريهدف كل التطوير في الحوسبة الكمومية إلى إجراء العمليات الحسابية على الكيوبتات مع تقليل أي تأثيرات قد تخل بالحالة الكمومية.
ويعد زوتشونجزي، والذي سُمي الحاسوب على اسمه، أحد أبرز علماء الرياضيات في الصين القديمة، إذ قدم إسهامات مهمة في الحسابات الفلكية، مثل تقريب قيمة ط أو باي بدقة مذهلة لعصره.
وتعلق أسماء علي : “لو رأى زوتشونجزي الحوسبة الكمومية اليوم لذهل من قدرتها على إجراء حسابات معقدة تفوق أي حاسوب تقليدي مستغلة التراكب والتشابك الكمومي وسيفاجئه أن الحساب لم يعد قائما على قيم حتمية بل على احتمالات كمومية تتداخل لتحقق نتائج بزمن قياسي غير ممكن كلاسيكيا. فعالم الكم لم يعد مجرد مجال نظري بل أصبح قوة تعيد تشكيل حدود المعرفة البشرية وتفتح أبوابا لحلول لم يكن يتخيلها العقل البشري”.
وبعد تحقيق أقوى تفوق كمي حتى الآن، يعمل الفريق الصيني على تطوير تقنيات جديدة مثل تصحيح الأخطاء الكمومية، وتحسين التشابك الكمومي لتحسين أداء المعالجات الكمومية. ويبدو أننا على موعد مع تطبيقات كمية تفوق التوقعات وتشكل واقعا عالميا جديدا سنحتاج إلى الوقت لاستيعابه.
المصدر : الجزيرة