“إسرائيل”.. من الفكرةِ إلى الزوال
تاريخ النشر: 8th, September 2023 GMT
يمانيون – متابعات
“إسرائيلُ” مشروعٌ غربيُّ -فكرةً وتأسيساً وبقاءً-، جاءت في سِياقِ انبعاثِ القومياتِ في أُورُوبا، وحيثُ لا قوميةَ للجماعاتِ اليهوديةِ هناك؛ فقد جعلوا “اليهوديةَ” قوميةً تجمَعُ شتاتَها، وذلك بعد أن جعلوا من الحركةِ الصهيونيةِ ناطقاً باسمِ “اليهود”..
وهكذا نقل الصهيونيون الغربيون “الصهيونية المسيحية” عبءَ حَـلِّ المسألة اليهودية على عاتقِ الصهيونية اليهودية الذين غرسوا وطنَهم المُتخيَّل في قلب اليهودية؛ باعتبارهم الممثّلَ الحصريَّ لليهود، واستطاعوا بذلك تأميم خُلاصات التاريخ بأن جعلوا من فلسطين “أرضَ إسرائيل” مع احتفاظ الغرب الاستعماري بدورِ الراعي لهذا المشروع الوظيفي.
مع الاعتراف بأنّ شريحةً كبيرةً من اليهود في ذلك الوقت لم تنسجم مع هذا الطرح، وظلّت على موقفها المتوافق مع اليهودية الدينية من عدم شرعية “إسرائيل”، حَيثُ لا أَسَاسَ قانونيًّا أَو شرعيًّا وفقَ (العهد القديم) لهذا المشروع، في حين تحدّث البعض من أنّ “إسرائيل” مُجَـرّد (بلاد مَلاذٍ) ليس أكثر، وقد جاءت في سياق حَـلِّ المسألة اليهودية وهي القضية التي شغلت المجتمعات الأُورُوبية في حينه، والتي تزامنت مع ما عُرف بـ (المسألة الشرقية) المتعلّقة بالدولة العثمانية، فجاء حَـلّ المسألتين في سياق واحد.
واعتبارُ (الدين) قوميةً بدعةٌ ألبسها الصهاينة؛ كي يتمَّ اختراعُ شعبٍ اسمُه (الشعب اليهودي) علماً بأنّ الدين يصنع أُمَّـة ولا يصنع شعباً، ولكنها الصهيونية التي تأسست على مجموعة الأساطير والأكاذيب.
هذا المشروع الغربي لإنتاج الصهيونية ومن ثَمَّ قيام “إسرائيل” لم يأتِ من فراغ، وإنّما هو حصيلة أفكار وجهود بذلها الغرب الاستعماري منذ القرن السادس عشر الميلادي منذ محاولة مؤسِّس المذهبُ البروتستانتي (مارتن لوثر) في ألمانيا استيعاب اليهود وضمّهم إلى مشروعه في مواجهة الكنيسة الكاثوليكية، ومن ثمّ جاء البريطاني (أوليفر كرومويل) الذي أرَادَ استغلالَ اليهودَ في حروبِه التجاريةِ ضد البرتغال وهولندا وإسبانيا، وجاء اللورد شافتسبري كرومويل صاحب مقولة: “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وكانت دعوة نابليون اليهودَ للعودة والقتال معه.
وكانت أمريكا على الدوام هي النموذجَ الذي يُرادُ تكرارُه في (فلسطين)، حَيثُ كانت أمريكا في الوعي البروتستانتي بمثابة “صهيون الجديدة”، وكان الخروج من بريطانيا يمثّل بخروج الإسرائيليين من مصرَ؛ هرباً من فرعون الذي هو الملك هنري الثامن… إلخ..
ثم كان مؤتمر كامبل بانرمان في لندن (1905-1907) الذي وضع حجرَ الأَسَاس لوجود الكيان الصهيوني بعد أن أقرّ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا 1897 اعتماد فلسطين كوطن قومي لليهود، وجاء تقسيم سايكس بيكو 1916 وَ(وعد بلفور) 1917 ومن ثمّ الانتداب البريطاني على فلسطين كخطوات عملية وظّفت نتائج الحربَين العالميتَّين: الأولى والثانية لصالح إنجاز هذا المشروع..
علماً بأنّ بواكير الاستيطان اليهودي في فلسطين قد بدأت في منتصف القرن التاسع عشر، حين كانت فلسطين ولاية عثمانية، حَيثُ اشترى اللورد (مورس مونتيفيوري) مساحة خارج أسوار القدس وبنى حيّاً لليهود هناك، وسمّى هذا الحي باسمه، ولم يأتِ عام 1897 وهو العام الذي عُقد فيه أولُ مؤتمر صهيوني في مدينة (بازل) بسويسرا إلّا وقد صار عدد المستوطنات اليهودية في فلسطين /17/ مستوطنة مساحتها حوالي /140/ ألف دونم.
قراءةٌ في واقع الكيان ومعطيات زواله:
الحديثُ عن نهاية “إسرائيل” بات هاجساً ولربمّا كان كابوساً؛ وهو كان كذلك منذ بدايات نشأة هذه الدولة الطارئة، وبناءً على هذا الهاجس الوجودي صاغ (بن غوريون) نظرية الأمن القومي الإسرائيلي التي قامت على أربعة ركائزَ استراتيجية وأربعة ركائزَ عسكرية وأمنية.
الركائزُ الاستراتيجية:
أمّا الركائزُ الاستراتيجية لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي فهي:
التفوُّقُ على المحيط العربي والإسلامي.
محاكاةُ الرّدع النووي.
العلاقاتُ الدولية مع الدول العظمى، ولا سيّما الدول الراعية لإسرائيل وهي: (بريطانيا ثم أمريكا).
العلاقةُ مع (الشعب اليهودي) خارج فلسطين المحتلّة.
الركائزُ الأمنية العسكرية:
وأمّا الركائز الأمنية العسكرية لنظرية الأمن القومي الإسرائيلي فهي:
الأعمالُ القتاليةُ التي تعتمد على معادلة الردع والإنذار المبكّر والحسم.
جيشُ الشعب القائمُ على التجنيد الإلزامي والخِدمة الاحتياطية.
تبنِّي نظرية قتال هجومية، مع استبعاد الخطة الدفاعية أَو تحويلها إلى الهجومية؛ وذلكَ بسَببِ قيود الجغرافيا ومحدوديتها، ومحدودية الطاقة البشرية.
تبنّي الحرب الوقائية أَو الاستباقية.
ولذا فَــإنَّ (الدفاع عن كُـلّ شيء من أي شيء) في مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي مفهومٌ مطلَقٌ، حَيثُ أمن “إسرائيل” لا يزال مبهماً؛ لعدم اكتمال عناصر ومقوّمات الدولة -إنْ لجهة الدستور الذي يجسّد هُــوِيَّةَ الدولة وطبيعة نظامها السياسي وحقوق المواطَنة والجنسية، أَو لجهة الحدود والسيادة على الأرض-؛ ممّا يجعل أمن إسرائيل أقرب إلى أمن المشروع منه إلى أمن الدولة، وهو يرتكز على:
استمرار عملية التهويد والضمّ للأرض الفلسطينية.
تأمين المجال الحيوي على حساب أمن المنطقة.
استقطاب اليهود (عبر الهجرة).
ضمان استمرار التفوّق (البحثي والعلمي والعسكري والاقتصادي… إلخ).
استمرار علاقة التحالف مع الدولة الراعية (الولايات المتحدة).
إنهاك المحيط وتدمير الجيوش المركَزية العربية في مصر وسورية والعراق.
اختراق الأنظمة العربية وبناء علاقات معها (اتّفاقية إبراهام نموذجاً).
وعلى الرغم من حرص إسرائيل على الاحتفاظ بهذه الركائز وتفعيلها، إلّا أنّ عوامل التآكل في بِنيتها أخذت تفعَلُ فعلَها دونَ قُدرة الكيان على وقفها أَو الحد منها، فضلاً عن قدرته عن استعادتها، ومن هذه العوامل:
الكيانُ الصهيوني كيانٌ وظيفي أنشأته القوى الاستعماريةِ؛ للقيام بوظائف تخصّها، وعبر التاريخ فَــإنَّ الكيانات الوظيفية لا تعمّر طويلاً، وتظل رهينة لأداء الوظائف المناطة بها.
ومن علامات تراجع إسرائيل عن أداء وظيفتها أنّها لم تعد قادرة على حسم أية معركة مع أعدائها، ومنذ العام 2000 وحتى اليوم وعبر كُـلّ المعارك التي شنّتها “إسرائيل” فقد فشلت في معادلة الحسم، وكل يوم يمر تتراجع القدرات الإسرائيلية، ولا سيّما في نمط الحروب أَو المعارك الّلا متناظِرة مع قوى المقاوَمة.
سقوطُ الإجماع الصهيوني حول مقولة (فلسطين أرض بلا شعب) واكتشاف الخديعة الكبرى التي حملتها هذه المقولة، حَيثُ الوجود الفلسطيني المتجذِّر في أرضه والمستعد للتضحية في سبيل تحريرها؛ وهذه هي عُقدةُ الديموغرافيا التي تعيشُها إسرائيل.
فشلُ مشروع صهر مكوّنات المجتمع الإسرائيلي، حَيثُ كان الجيش الإسرائيلي هو الوعاءَ الذي أُعدَّ لعملية الصهر هذه، ولعلّه في مراحل انتصاراته كان قادراً على إنجاز هذه العملية المعقَّدة، أمّا وأنّه منذ أكثر من أربعة عقود لم يُسجّل لصالحه ولا انتصارٌ واحد، فَــإنَّه تراجع كَثيراً عن قدرته على مهمة صهر المجتمع وعلى قدر فقدانه القدرة على ذلك على قدر تفكك المجتمع الإسرائيلي.
الانقسام المجتمعي الإسرائيلي بين ما هو علماني وما هو ديني؛ بحيث بات هناك مجتمعان: مجتمع علماني يتطلّع إلى الحياة الغربية وفاقد لدوافع الولاء لإسرائيل، بعكس ما كانت عليه المجاميع العلمانية المؤسّسة، ومجتمع متديّن يرفض نمط حياة المجتمع الأول، ويتّهمه باللّا دينية، وبعدم قدرته على فرض الهيمنة الإسرائيلية على كامل فلسطين وبالأخص على مدينة القدس.
إسرائيل دولة استيطانية إحلالية تعتمد في ذك على أمرَين:
الأول: استمرار تدفق المهاجرين اليهود؛ لسد العجر في القدرة البشرية.
الثاني: الاستمرار في القدرة على شنّ الحروب وإلحاق الهزيمة بالعدوّ.
وما هو حاصل اليوم هو أن “إسرائيل” فقدت أَو على طريق فقدان هذَين الأمرَينِ؛ فالهجرة إليها تكادُ تكون متوقّفةً أَو مقتصرةً على بضع ألوف في السنة، بينما الهجرة المعاكسة في تصاعد مُستمرّ وتصل إلى عشرات الألوف؛ ذلك أنّ دوافع الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلّة لم تعد قائمة وفي هذا ما فيه من فشل عميق للعنوان الأهم في المشروع الصهيوني وهو إقامة دولة لكل اليهود ونقيّة من غيرهم.
وأمّا قدرة الجيش على الحرب والانتصار الحاسم فهنا بات من الأمور الممتنعة، وهنالك ما يشبه الإجماع في إسرائيل على تآكل قدرة الجيش وهيبته، ومن مظاهر ذلك رفض الخدمة الاحتياطية والتهرّب من الخدمة الإلزامية، وظاهرة الجيش المردوع التي يعيشُها قادة هذا الجيش وجنوده، وكذلك الغموض والضبابية في أهداف هذا الجيش من وراء كُـلّ معركة، وهي ضبابية متعمّدة؛ هروباً من النتائج وما يترتّب عليها من مساءلة، ومعلوم أنّه، حَيثُ لا تنتصر في معركة فَــإنَّك تكون إلى الهزيمة أقربَ، وحيث لا تنكسرُ فَــإنَّك تكونُ إلى الانتصار أقرب.
عدم اليقين في المستقبل: وحيثُ إن إسرائيل مجتمع مصنَّعٌ وطارئ فَــإنَّه مسكونٌ بالشعور بعدم الانتماء للأرض التي يقيم عليها، والحقيقة أنّ فلسطين بالنسبة لليهودي كما هي في صُلب عقيدته أرضُ غُربة، وبالتالي فَــإنَّ الشتات في هذه العقيدة هو قَدَرٌ مقدَّس، ومن هنا فَــإنَّ العلاقة النفسية التي تربط الإسرائيلي بفلسطين علاقة قلقة غير مستقرة، وكأنّها أرض ممر لا أرض مستقر، وهذا ما يُفسّر أنّ أكثرَ من /20 %/ من الإسرائيليين يحملون الجنسية المزدوجة، ينتظرون اللحظةَ التي يحزمون فيها حقائبَهم ويغادرون، وهذا آتٍ لا ريب، ونحن نسمعُ ما يُردّده الإسرائيليون عن الخروج الثاني، حَيثُ كان الخروج الأول من مصر زمنَ موسى (عليه السلام) وفرعون، وسيكون الخروج الثاني من إسرائيل نفسها في زماننا هذا.
خلاصـــات:
أَوَّلاً: “إسرائيل” كما تُصنّف من قبل (المجتمع الدولي) تُعدّ (دولة) وهذا التصنيف والتعريف إنّما فُرض فرضاً بالترغيب والترهيب حين اعتُرف بها في المنظمة الدولية على ثلاث مراحل: مرّةً من “عُصبة الأمم” حين أدرجت وعد بلفور في قرار الانتداب الذي مهّد لقيامِ إسرائيل، ومرّةً من منظمة “الأمم المتحدة” في قرار التقسيم 29/11/1947، وثالثة من “الأمم المتحدة” بعد في 11/05/1948 قبل إعلان (بن غوريون) قيام دولة إسرائيل في 15/05/1948 وقبل حرب 1948، وقبل هذه التواريخ لم تعرف المنطقة شيئاً اسمُه “إسرائيل” كدولةٍ أَو حتى كأرض.
ولذا فهي (دولةٌ) مستزرعةٌ قَسْراً في المنطقة ولا تمُتُّ لها بصلة، وبالتالي فهي جسم غريب مرفوض.
ثانياً: “إسرائيل” دولةُ مهاجرين يهود أَو (جَلَبْ).. جُلبوا إليها من أركان الأرض الأربعة وليس من رابطٍ يربطُهم بالأرض سوى أنّهم جزءٌ من المشروع الذي جاء بهم؛ لغرض وظيفي يخدم أصحاب المشروع، ولذا فَــإنَّ بقاءَها مرتهَنٌ لــــ:
استمرارها وقدرتها في أداء دورها الوظيفي دون أن يشكّلَ هذا عبئاً على أصحاب المشروع.
رضوخ محيطها وهو هنا العرب لها، وفقدان الممانَعة لوجودها.
استمرار دوافع إنشائها لدى المنشئين، سواءٌ أكانت دوافعَ استعمارية (اقتصادية وغيرها) أَو دوافعَ دينية أَو دوافعَ ذاتية غربية لها علاقة بحل المسألة اليهودية التي تعني التخلُّصَ أَو التخفُّفَ من الوجود اليهودي في الغرب؛ باعتباره وجوداً خطراً وسيِّءَ السُّمعة في الوعي والوجدان الغربي.
استمرار تدفق الهجرة اليهودية إليها: وهذا له علاقة بـ:
دوافع الهِجرة (الاقتصادية – الدينية).
العامل الأمني وتوفيره وقدرة “إسرائيل” على ذلك.
وهنا يأتي دور المقاومة في إسقاط هذا الشرط، وهذا ما نراه اليوم من هِجرةٍ عكسية من الكيان مقابلَ تراجُعٍ كبيرٍ في نسبة المهاجرين إلى “إسرائيل”.
ثالثاً: “إسرائيل” تعيشُ أزمةَ هُــوِيَّة: هُــوِيَّة الدولة – وهُــوِيَّة المجتمع.
ورغم قانونِ يهودية الدولة وإصرار إسرائيل على الاعتراف بها كدولة يهودية من قبل المجتمع الدولي إلّا أنها تعيش أزمةَ انقسام الهُــوِيَّة.
ويزيدُ الحديثُ عن العلمانية والدين من أزمة الهُــوِيَّة، حَيثُ أغلب المهاجرين من الغرب يرَون ضرورةَ فصل الدين عن الدولة، بينما تحاولُ الأرثوذكسية اليهودية تأكيدَ دور الدين كدورٍ أَسَاسيّ في حياة الفرد الخَاصَّة والعامة وفي مؤسّسات الدولة.
وقد فشلت الصهيونيةُ حتى الآن في تعريفِ من هو اليهودي، وهو إخفاقٌ يضرِبُ في صميم الشرعية الصهيونية والديباجة لاعتبار أنها تدّعي بأنّها دولةٌ يهوديةٌ أَو دولة اليهود.
أمرٌ آخرُ في أزمة الهُــوِيَّة اليهودية وهو فشلُ الدولة في تحرير الشخصية اليهودية من فكرة (الغيتو) وكل ما في الأمر هو الانتقالُ من غيتو صغير إلى غيتو أكبر، حَيثُ إسرائيل تحيط نفسَها بأسوار وجدران إسمنتية وحديدية.
“إسرائيل” هي “دولة” الأقلية اليهودية..، حَيثُ غالبية اليهود أَو أكثرُ من نصف يهود العالم يعيشون خارج إسرائيل، ونسبة 20 % ممن يقيمون في إسرائيل يملكون جنسيةً مزدوجة، طبعاً مع ملاحظة الهجرة المعاكسة الآخذة في التصاعد.
رابعاً: “إسرائيل” كيانٌ (تجمُّعي) وليس مجتمعيًّا.
بمعنى: أنّ الكيانَ الصهيوني هو ملجأٌ مكانيٌّ (أرض ملاذ) اختير له سُكَّانٌ (مستوطنون) وليس مكان له ذاكرة وعي جمعي عميقة، وأنّه لا يملك ذاكرة إسرائيلية عن حركة تاريخية، بل ذاكرة لجوء، وأنّ الثقافة في إسرائيل لا تزال ما دون الذاكرة الوطنية، بل إنّ ذاكرته لا تزالُ في المكان الذي هاجر منه (وهذه هي علاقةُ الاغتراب بين اليهودي والإسرائيلي) وهذه من أهم نقاط ضعف بِنيته المجتمعية.
خامساً: إسرائيل “تجمُّعٌ” يفتقدُ إلى قيادةٍ روحية سياسية جامعة، ويفتقد إلى مؤسّسة نموذجية يُقتدى بها كما كانت مؤسّسة الجيش في الأربعينيات والخمسينيات، وهذا الفراغ يشيرُ إلى شيخوخة هذا الكيان.
سادساً: إسرائيل تجد نفسَها أمام تحدِّي المواءمة بين شقَّي المشروع الصهيوني:
الشق اليهودي بحسب المنطلقات الصهيونية؛ وهو أنّ أرضَ فلسطين هي ملك الشعب اليهودي، والوجود الفلسطيني يمنعُ ذلك ويحولُ دون تحقيقه.
والشق الوظيفي، بما يعني قدرتها على لعب دور محوري في المنطقة يمكِّنُها من تأمين مصالح الغرب وفي مقدّمتهم الولايات المتحدة؛ لكي تظل قائمةً بدور الرعاية لهذا المشروع، وهذا الشّق لم يعد موجوداً.
سابعاً: المقاومة تمثّل التهديدَ الاستراتيجيَّ للكيان الصهيوني، من خلال امتلاكها أوراقَ قوّة نوعيّة ومتعدّدة لم تجد إسرائيل سبيلاً فعَّالاً لمواجهتها، وهي تعتمد على:
أيديولوجية متماسكة وقوية وعميقه ذات مرجعية إسلامية مبدئية ترتكز إلى القرآن وسيرة الرسول (صلى الله عليه وآله).
مقوّمات قوّة متنوعة وخَاصَّة في الحرب اللّا متناظِرة أَو اللّا متماثلة كما في فلسطين وحزب الله وكذلك في امتلاك الأسلحة الاستراتيجية، إضافة إلى الأسلحة التكتيكية.
العمل من داخل الأرض المحتلّة؛ وهي النقطةُ الأضعفُ في منظومة الأمن القومي الإسرائيلي.
حاضنة شعبيّة كبيرة ولائية مستعدةٌ للتضحية.
درجة عالية من التنسيق بين مكوّنات محور المقاومة وجبهتها العريضة.
إعلام مقاوم فعّال ومقتدر رغم فوارق الإمْكَانات مع إعلام العدوّ.
عمق استراتيجي وتحالفات دولية ترفُضُ مشاريعَ الهيمنة الأمريكية وتؤمنُ بحق الشعوب في الحرية والاستقلال والسيادة.
المسيرة – د. محمد اليحيصي
المصدر: يمانيون
كلمات دلالية: الأمن القومی الإسرائیلی هذا المشروع ة الیهودیة ف ــإن
إقرأ أيضاً:
“الغارديان” البريطانية تكشف جانبًا من جرائمِ القتلِ الوحشية التي ارتكبها العدوّ الإسرائيلي في غزةَ
يمانيون|
كشفتْ صحيفةُ “الغارديان” البريطانية جِانبًا من جرائمِ القتلِ المتوحِّشِ لكيان العدوّ الإسرائيلي في قطاعِ غزةَ، متطرِّقَةً إلى جريمة استهداف طواقم الإسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني في قطاع غزة قبلَ أَيَّـام.
وأشَارَت الصحيفة إلى أنه تم “العثورُ على جثث 15 مسعفًا وعاملَ إنقاذٍ فلسطينيًّا، قتلتهم قواتُ الاحتلال الإسرائيلي ودُفنوا في مقبرةٍ جماعية قبلَ نحو عشرة أَيَّـام في رفح أقصى جنوب قطاع غزة، وكانت أيديهم أَو أرجُلُهم مقيَّدةً وبها جروحٌ ناجمةٌ عن طلقاتٍ ناريةٍ في الرأس والصدر”.
وأكّـدت الصحيفة أن “روايات الشهود تضاف إلى مجموعة متراكمة من الأدلة التي تشير إلى جريمة حرب خطيرة محتملة وقعت في 23 مارس، عندما أرسلت طواقمُ سياراتِ الإسعافِ التابعةَ للهلال الأحمر الفلسطيني وعمال الإنقاذ التابعين للدفاع المدني إلى موقع غارةٍ جوية في الساعات الأولى من الصباح في منطقة الحشاشين في رفح.
ولم يُسمَحْ للفِرَقِ الإنسانية الدولية بالوصول إلى الموقع إلا في نهاية هذا الأسبوع. وتم انتشالُ جثةٍ واحدة يوم السبت، كما عُثِرَ على أربعَ عشرةَ جثةً أُخرى في مقبرة رملية بالموقع يوم الأحد، ونُقلت جثثُهم إلى مدينة خان يونس المجاورة للتشريح”.
وأفَاد الدكتور أحمد الفَــرَّا، كبيرُ الأطباء في مجمع ناصر الطبي في خانيونس، بوصول بعض الرفات.
وقال الفَــرَّا لصحيفة الغارديان: “رأيتُ ثلاثَ جثثٍ عند نقلهم إلى مستشفى ناصر. كانت مصابةً برصاصات في الصدر والرأس. أُعدِموا. كانت أيديهم مقيَّدةً، ربطوهم حتى عجزوا عن الحركة، ثم قتلوهم”.
وقدّم الفرا صورًا قال إنه التقطها لأحدِ الشهداء لدى وصوله إلى المستشفى. تُظهِرُ الصور يدًا في نهايةِ قميص أسود بأكمام طويلة، مع حبلٍ أسودَ مربوطٍ حول معصمِه.
وقال شاهد عيان آخر شارك في انتشال رفات من رفح الأحد، إنه رأى أدلةً تشير إلى إطلاق النار على أحد الشهداء بعد اعتقاله.
وذكر الشاهدُ، الذي طلب عدمَ ذكر اسمه؛ حفاظًا على سلامته، لصحيفة “الغارديان” في مقابلة هاتفية: “رأيتُ الجثثَ بأُمِّ عيني عندما وجدناها في المقبرة الجماعية. كانت عليها آثارُ طلقات نارية متعددة في الصدر. كان أحدُهم مقيَّدَ الساقَينِ، وآخرُ مصابًا بطلقٍ ناري في الرأس. لقد أُعِدموا”.
وتُضافُ هذه الرواياتُ إلى تأكيدات أطلقها مسؤول كبير في الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني الفلسطيني ووزارة الصحة في غزة بأن بعضَ الضحايا تعرَّضوا لإطلاق النار بعد أن اعتقلتهم قواتُ العدوّ الإسرائيلي وقيَّدتهم.
من جهته، قال الدكتور بشَّار مراد، مديرُ برامج الصحة في جمعية الهلال الأحمر بغزة: إن “إحدى الجثث التي تم انتشالُها للمسعفين على الأقل كان مقيدَ اليدين، وإن أحدَ المسعفين كان على اتصالٍ بمشرِف سيارات الإسعاف عندما وقع الهجوم”.
وذكر مراد أنه “خلال تلك المكالمة، كان من الممكن سماعُ طلقات نارية أطلقت من مسافة قريبة، فضلًا عن أصوات جنود إسرائيليين في مكان الحادث يتحدثون باللغة العبرية، وأمروا باعتقال بعضِ المسعفين على الأقل”.
وتابع “أُطِلقت طلقاتٌ ناريةٌ من مسافة قريبة. سُمِعت خلال الاتصال بينَ ضابط الإشارة والطواقم الطبية التي نجت واتصلت بمركَز الإسعاف طلبًا للمساعدة. كانت أصواتُ الجنود واضحةً باللغة العبرية وقريبةً جِـدًّا، بالإضافة إلى صوت إطلاق النار”.
“اجمعوهم عند الجدار وأحضِروا قيودًا لربطِهم”، كانت إحدى الجُمَلِ التي قال مراد: إن المرسل سمعها.
وقال المتحدِّثُ باسم الدفاع المدني الفلسطيني في غزةَ، محمود بصل: إنه “تم العثورُ على الجثث وفي كُـلٍّ منها نحوُ 20 طلقة نارية على الأقل، وأكّـد أن “أحدَهم على الأقل كانت ساقاه مقيَّدتَينِ”.
وفي بيانٍ لها، قالت وزارةُ الصحة في غزةَ: إن الضحايا “أُعدموا، بعضُهم مكبَّلُ الأيدي، مصابون بجروحٍ في الرأس والصدر. دُفنِوا في حفرة عميقة لمنع الكشف عن هُوياتهم”.
وصرَّحَ رئيسُ الهلال الأحمر الفلسطيني، الدكتور يونس الخطيب، بأن جيشَ الاحتلال أعَاقَ انتشالَ الجثث لعدة أَيَّـام. مُشيرًا إلى أن “عمليةَ انتشال الجثث تمت بصعوبة بالغة؛ لأَنَّها كانت مدفونةً في الرمال، وتبدو على بعضِها علاماتُ التحلُّل”.