الإنسانُ في التصوُّرِ القرآنيِّ ليس كائناً مغلوباً على أمرِه مسلوبَ الإرادةِ، إنَّما يأمرُه الله أن يكون حرَّ الإرادةِ وألا يخضعَ لأحدٍ من دونِ اللهِ، وتحقيقاً لهذا المعنى فإنَّ القرآنَ يبيِّن أنَّ الإنسان مسئولٌ عن كلِّ أفعالِه في الدنيا، بل إنَّ مسئوليَّة الإنسان تمتدُّ إلى أقدارِ المستقبلِ التي تظهر في حياتِه ويصفها الناس عادةً بأنَّها أقدارٌ طبيعيَّةٌ، لكنَّ القرآن يؤكِّد أنَّ تلك الأقدار ليست سوى استجابةٍ لنيَّةِ الإنسانِ ومقصدِه.



يبيِّن القرآن أنَّ زوال النعمة هو نتيجةٌ لتغيُّرٍ يحدثه الناس في أنفسِهم:

"ذَٰلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَىٰ قَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ" (الأنفال: 53).

تغيُّر النعمةِ في ظاهرِه هو قدرٌ خارج سيطرةِ الإنسانِ، لكنَّ القرآنَ يعزِّز سلطة الإنسان ويعطيه القدرة على تغييرِ أقدارِه حين يذكِّره بأن هذا التغيُّر في الواقعِ الخارجيِّ هو مرآةٌ عاكسةٌ لتغيُّرٍ أحدثه الإنسان داخلَ نفسِه، وهذا يعني أن الإنسان قادرٌ على تغييرِ أقدارِه إذا غيَّر ما في نفسِه من نيَّاتٍ ومقاصدَ وأحوالٍ.

هذا لا ينفي أنَّ هناك عواملَ خارجيَّةً تؤثِّرُ على الإنسانِ، والقرآنُ يقرُّ بأثرِ العاملِ الخارجيِّ، لكنَّه ينبِّه إلى أنَّ أثرَه يظلُّ محدوداً قابلاً للتطويقِ والتغلٌّبِ عليه، فالشيطان يكيدُ بالإنسانِ لكن:

- "إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً" (النِّساء: 76).

- "إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (آل عمران: 175).

والأعداء يتآمرون ويمكرون مكراً تزول منه الجبال، لكنَّ هذا المكر لا يبلغ درجة تعطيل قدرة الإنسان على مواجهته والتصدِّي له:

"وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ" (الأنفال: 120).

والإنسان يخشى تأثير السحر والحسد لكنَّ الإيمانَ يُحفِّز في الإنسان القوة التي تتغلب على كلِّ هذه الأخطار:

".. وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ" (البقرة).

يرفعُ القرآنُ الإنسانَ من موقعِ الشكوى والعجزِ إلى موقع المسئوليَّة، فالإنسان هو المسئول عن كلِّ ما يصيبه، أي إنَّ كلَّ ما يظهر في الواقعِ الخارجيِّ للإنسان فهو ثمرة كسبِه الذاتيِّ:

"وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ" (الشُّورى: 30).

والاستغفارُ هو تأكيدٌ على مسئوليَّة الإنسانِ والسلطانِ الذي أعطاه الله إيَّاه لإعادة تشكيلِ قدرِه ومصيرِه، فالاستغفار هو حالةُ ندمٍ على ذنوبِ الماضي ومفارقةٍ لتلك الأحوال وإعادة الولادة من جديدٍ وهو ما سيثمر تغيُّرَ واقعِ الإنسان الخارجيِّ:

"فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً (12)" (نوح).

إنَّ الطريقَ إلى إصلاحِ الواقعِ الخارجيِّ وفق التصوُّرِ القرآنيِّ يبدأُ بإصلاح حالة القلب الداخليَّةِ وهو ما يستطيع الإنسانُ فعله وبذلك يصير الإنسان مسئولاً وقادراً على استجلابِ الخير في حياتِه:

".. إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" (الأنفال: 70)

في الهدايةِ والضلالِ فإنّ القرآن يقرِّر أنَّ اللهَ " يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ" لكنَّ المشيئةَ الإلهيَّة لا تلغي الدورَ الإنسانيَّ، فالهداية والضلال قرارٌ يبدأ بمقصدِ الإنسانِ ونيَّتِه ثمَّ يمدُّه الله بما قصدَه قلبُه:

- "وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ" (محمد: 17).

- "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً" (الكهف: 13).

- "ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً" (مريم: 76).

- "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" (العنكبوت: 69).

وفي الجانب الآخر فإنَّ الذين يضلُّون لا يُغلبون على ضلالِهم كما يتعللون في القرآن: "لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا" إنَّما يمدُّهم الله تبعَاً لمقصدِهم:

- "فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ" (البقرة: 10).

- "وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ" (الأنفال: 23).

- "قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَداً" (مريم: 75).

هذه الآيات تظهر المدى البعيدَ الذي تبلغُه المسئوليَّة الإنسانيَّةُ، فالإنسان هو الذي يبدأ الخطوة الأولى بقصدِه القلبيِّ وتوجُّهِه ثم تتفتَّح له السبلُ في الحياةِ بما يوافقُ مقصده وحالةَ قلبِه، وهذا يعني مدى حساسيَّةِ الميزانِ الإلهيِّ الذي يبيِّنه القرآنُ فإنَّ مجرَّد النيَّةِ الكامنةِ في القلبِ والتي لا يراها الناسُ قد تصوغ حياةَ الإنسانِ كليَّاً بعد ذلك.

إنَّ النيَّة الخفيَّة الكامنة في القلبِ هي ذاتُ خطرٍ عظيمٍ، فالنيَّة تتحرَّك وتتفاعل وتخرج إلى حيِّز الوجودِ فتنشئ عالماً من الخيرِ والصلاحِ أو عالَماً من الشرِّ والإفسادِ، وواقع الناس عبر التاريخِ يصدِّق ذلك، فهل بدأت حركاتُ أعتى المجرمين مثل ستالين وهتلر إلا من نيَّةٍ خبيثةٍ في قلوبِهم ثمَّ نبتت فصارت شجرةً خبيثةً؟ وكذلك هل بدأت أعظم دعوات الخيرِ والإصلاحِ إلَّا من بذرةٍ طيِّبةٍ في قلوبِ الصَّالحين أثمرت شجرةً طيِّبةً من الخيرِ والعدلِ والإصلاح؟!

"يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ" (لقمان: 16).

لذلك فإنَّ موضع اهتمام القرآن هو القلبُ، فإذا صلح حال القلبِ أثمرَ صلاحاً خارجيَّاً وإذا فسدَ القلب لم يغن مع فساده صلاح ظاهرِ العملِ، فالقرآنُ يعتني بأمرِ النيَّةِ قبل ظاهرِ العملِ لأنَّ النيَّةَ هي التي تثمر العمل وهي التي تعيد تشكيل المصير.

تذكرُ سورةُ الليلِ فريقينِ متقابليْنِ من الناس؛ الذين ييسِّرهم الله لليسرى، والذين ييسِّرهم الله للعسرى:

"فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (10)" (اللَّيل).

مثل هذه الآياتِ تبطل مفهوم الحظِّ والنصيبِ بالمعنى الذي يتداوله الناسُ، فهي تبيِّن أنَّ تيسير الحياة وتفتُّح أبواب الخير يأتي ثمرةً لعطاء الإنسان وتقواه: "هل جزاء الإحسان إلا الإحسان"، وهناك من بخل واستغنى فيظهر أثر ذلك في حياته تعسيراً فتغلق أبواب الهداية والسداد أينما ولَّى وجهه.

ذنبُ القبولِ بالضَّعف!

ولأنَّ القرآنَ ينطلق في تعامله مع الإنسان بأنَّه كائنٌ مسئولٌ عن اختيارِه فإنَّه لا يرضى له أن يكون مسلوبَ الإرادةِ، ومن المعاني الثوريَّة التي يكرِّرها القرآنُ أنَّ المستضعفين الذين قبلوا بالخضوعِ للمستكبرين هم على نفسِ القدرِ من الظلمِ والمسئوليَّة مع المستكبرين، وسيحشرون معهم في النَّار.

"إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيراً" (النِّساء: 97).

هذه الآيةُ أثارت عجب فريقٍ من المسلمين، إذ إنَّها تتحدَّى الصورة النمطيَّة التي تتعاطفُ عادةً مع المستضعفين وتراهم مغلوبين على أمرهم يستحقون الشفقة بينما هذه الآية تتوعدهم بالنَّار!

لكنَّ العجبَ يزول إذا فهمنا رؤية القرآن في التعامل مع الإنسانِ، فالقرآنُ يبني الإنسان حرَّ الإرادةِ الذي لا يقبل بواقع الاتباعِ والاستعبادِ لغيرِ الله؛ لأنَّ الله خلقه حرَّاً وجعله قادراً ومسئولاً عن حريَّتِه، لذلك لا يوجدُ عذرٌ له بالتكيُّفِ والقبولِ بواقعِ القهرِ الخارجيِّ، حتى وإن كان ثمن ذلك مغادرة الوطنِ الذي يستعبده والهجرة منه، والاستثناء في ذلك لمن كان عاجزاً عجزاً حقيقيَّاً: "إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا".

هذا المعنى في القرآنِ يغلق الطريقَ على من يتعلَّلُ بالضعفِ لتخليصِ نفسِه من المسئوليَّةِ وتحميلِها إلى المستكبرين، وهو ما يشيعُ في تعبيراتٍ شعبيَّةٍ في مجتمعاتنا مثل "مغلوبٌ على أمرِه"، "جنديٌّ مأمورٌ"، لكنَّ التعلُّل بعجزِ الحيلةِ كثيراً ما يكون كذباً وخداعاً للنفسِ، والله يعلم من قدراتِ الإنسانِ ووسعِه ما يحاولُ الإنسان أن يعطِّله طلباً للراحةِ والاتكاليَّةِ، لذلك لم يرض الله بالضعفِ عذراً يعفي الإنسان من المسئوليَّة.

وهذا المعنى يتردَّد كثيراً في القرآنِ، وهو مساواة السادة المستكبرين والأتباعِ المستضعّفين في المسئولية والعذاب:

- "إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (البقرة: 166).

- "وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (67) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (68)" (الأحزاب).

- "وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ (غافر: 47).

- "وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (سبأ: 31).

وفي سورة القصص فإنَّ الله حين أهلك فرعون أهلك معه جندَه لأنَّ الجنديَّ الذي يتذرع بالضعف وقلة الحيلةِ هو اليد التي يظلم بها الطغاة ويثبِّت أركان دولتِه، ولو تحمَّل الجنود مسئوليَّاتِهم لما استطاع الفرعون أن يظلِم:

- "إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ" (القصص: 8).

- "فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ" (القصص: 40).

الحسابُ الفرديُّ تأكيدٌ للمسئوليَّة

في القرآن فإنَّ حساب الإنسان عند الله فرديٌّ ولن يغني عن الإنسان جمعه أو عشيرته أو حزبه:

- "وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ" (الأنعام 94).

- "وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً" (مريم 95).

- "وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ" (الرُّوم: 14).

- "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى.." (فاطر: 18).

- "كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ" (المدثر: 38).

الحسابُ الفرديُّ يقتضي بالضرورةِ المسئوليَّة الفرديَّة، فإذا كان الإنسان سيأتي ربَّه يوم القيامة فرداً وسيتخلى عنه شركاؤه في الدنيا بل سيفرُّ منه أخوه وصاحبته وأمَّه وأبوه، فإنَّ المقتضى العقليَّ لذلك أن يعلم أنَّه مسئولٌ عن اختياراتِه وقراراتِه في الحياة الدنيا، وأنَّه لا يسعه في هذه الحياة الاتكاليَّة والعجز والتعلُّل بالضعفِ، بل إنَّه مأمورٌ من اللهِ في هذه الحياة بالانتصارِ على كلِّ من يحاول أن يسلبَه إرادتَه.

twitter.com/aburtema

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات كاريكاتير بورتريه القرآن العجز القرآن المسؤولية الجبرية صحافة سياسة مقالات رياضة رياضة مقالات سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة ة الإنسان فی القرآن

إقرأ أيضاً:

هذا دورنا الذي يجب أن نفعله لمن حُرموا فرحة العيد

كانت أعياد جيلنا في الطفولة جميلة للغاية. ربما تسترجعون أنتم أيضًا ذكرياتكم قائلين: "أين تلك الفرحة؟"، وتشعرون بالحنين إلى تلك الأيام. قد يكون السبب أننا كنا ننظر إلى الأشياء بإيجابية في طفولتنا، ونفرح بأقل الأمور، ولهذا كانت تلك الأيام تبدو أجمل.

لكن مع تقدّمنا في العمر، بدأ طعم الأعياد يتلاشى؛ بسبب الحروب الكبرى، والاضطرابات، والمآسي التي تعصف ببلداننا، والعالم الإسلامي، ودول الجوار والعالم بأسره. ففي سوريا وحدها، على مدار أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية، قُتل الآلاف وهُجّر الملايين، وتحوَّلت الأعياد إلى كوابيس.

أما الفلسطينيون، فقد عانوا من القمع لعقود طويلة، حتى إن أحدًا لم يعد يحصي عدد الأعياد التي مرت عليهم وهم تحت الاحتلال والاضطهاد. كم من جيل أمضى العيد في المنفى، أو تحت القصف، أو بين جدران السجون! المجازر الأخيرة حصدت وحدها أرواح خمسين ألفًا، لم تتح لهم الفرصة ليفرحوا بالعيد.

هذا ليس سوى مثال واحد من عشرات الأمثلة.. ففي عشرات الدول، رحل آلاف الناس عن هذه الدنيا قبل أن يحظوا بفرحة العيد.

أتصدقون أن هذا المقال يتحدث عن العيد! كان يجدر بي أن أكتب شيئًا مفعمًا بالأمل والفرح والسعادة للشباب، لكنني أجد نفسي مرة أخرى أكتب عن الأحزان في يوم العيد.

إعلان

يتردد بين أبناء جيلي في تركيا مؤخرًا سؤال واحد: "في أي زمن نعيش؟"

إنه زمن مليء بالأزمات والصراعات والمآسي، حتى إننا لا نتوقف عن طرح هذا السؤال على أنفسنا. خلال السنوات الخمس الماضية، شهدنا كل أنواع المصائب، من الكوارث الطبيعية إلى الحروب الكبرى، ومن الأوبئة إلى موجات الهجرة الجماعية، ومن الأزمات الاقتصادية إلى الصراعات السياسية.

لقد استُنزفت فرحتنا بالحياة..

لكننا لم نفقد الأمل في الله، ولم يعد لدينا ملجأ سوى التضرع إليه. هو الباب الوحيد المفتوح أمامنا، فلنلجأ إليه قائلين: "اللهم كن لنا عونًا".

كثيرًا ما نشعر بالعجز، وربما في لحظات العجز هذه تحديدًا يكون اللجوء إلى الله والابتهال إليه هو الحل الوحيد.

عندما كنت أتجول في شوارع دمشق بعد الثورة، كنت أفكر: قبل عشرة أيام فقط، كانت هذه الشوارع تعيش تحت قمع نظام الأسد. أما الآن، فقد استعاد الشعب السوري حريته، وبدأ بإعادة بناء وطنه بأمل جديد. ومع كل يوم يمر، تثبت سوريا قدرتها على الوقوف على قدميها، مثل طفل صغير بدأ لتوّه بالمشي، وكنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أشاهد هذا التحول.

امتلأ قلبي بالأمل في دمشق.. فإذا كان نظام الأسد قد سقط بعد 61 عامًا، فلماذا لا يسقط الاستبداد الصهيوني أيضًا؟

ولماذا لا تنهار أنظمة الطغيان والقمع التي تحكم شعوبها بالحديد والنار؟

إن كان الله قد منح الشعب السوري النصر في غضون عشرة أيام، فلا شك أنه قادر على منح النصر لشعوب أخرى أيضًا.

لكنْ هناك شيئان أساسيان لا بد من التمسك بهما لتحقيق ذلك:

أولًا: الثقة بالله.

ثانيًا: العمل بجد للقضاء على الظلم.

أنا مؤمن بأن الله لا يخذل المؤمنين الذين يتمسكون به ويعملون بلا كلل لنصرة الحق.

ربما علينا أن نغرس هذا المفهوم في نفوس شبابنا: ثقوا بالله واعملوا جاهدين لتصبحوا أقوياء. ومهما كان المجال الذي تعملون فيه، فلتقدموا فيه أفضل ما لديكم، لأن كل جهد صادق يسهم في إنهاء الظلم.

إعلان

أما أن نبقى مكتوفي الأيدي، نذرف الدموع، ونتحسر على واقعنا، ونتحدث عن مآسينا دون أن نبذل جهدًا، فهذا لا معنى له. المسلم لا بد أن يكون صامدًا، مجتهدًا، متفائلًا.

في هذا العصر الذي يطغى فيه الظلم، علينا أن نكون أقوياء. علينا أن ننظر إلى أهل غزة الذين يواجهون آلة القتل الصهيونية بصدورهم العارية، ونستلهم منهم القوة لاستعادة توازننا. علينا أن ننهض، ونستعيد عزيمتنا على حماية أوطاننا، وشعوبنا، وأمتنا الإسلامية.

هذا النظام الإمبريالي سيجلب للعالم مزيدًا من الكوارث في المستقبل، لذا يجب أن نستعد منذ الآن للنضال من أجل عالم أفضل.

فلنفكر في أولئك الذين لم يشهدوا العيد. نحن وإن كنا نعاني، ما زلنا نشهد فرحة العيد، لكن إذا أردنا لأطفالنا أن يعيشوا أعيادًا جميلة كما عشناها في طفولتنا، فعلينا أن ننهض، ونجاهد، ونصبح أقوى.

دعنا نجدد تلك الآمال مرة أخرى بمناسبة هذا العيد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • حكم عمل ختمة قرآن ووهب ثوابها للميت.. الإفتاء توضح
  • حكم جعل القرآن الكريم أو الأذان نغمات للهاتف المحمول.. الإفتاء توضح
  • عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
  • لماذا نقرأ سورة الكهف يوم الجمعة؟ اعرف الأسباب .. وأفضل وقت لتلاوتها
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • القرآن الكريم.. مستويات خطابه النقدي واستراتيجية تحرير الإنسان
  • وقت قراءة سورة الكهف .. الإفتاء توضح
  • ذكرى رحيله.. «محمد أحمد شبيب» صوت النصر الذي أبكى المصريين
  • تكريم 200 طفل من حفظة القرآن الكريم بالوسطانى في دمياط
  • هذا دورنا الذي يجب أن نفعله لمن حُرموا فرحة العيد