الضفة الفلسطينية تكسر القيد وتشب عن الطوق
تاريخ النشر: 6th, September 2023 GMT
#الضفة #الفلسطينية تكسر القيد وتشب عن الطوق
بقلم د. مصطفى يوسف #اللداوي
لم تعد مهمة سلطات #الاحتلال الإسرائيلي في مدن وقرى القدس والضفة الغربية سهلة، رغم كثافة وجوده وقوة سلاحه وتطرف حكومته، ولم يعد باستطاعة جيشهم الذي يدعي القوة والتفوق أن يدخل إليها ويخرج منها متى يشاء، وهي التي اعتاد اقتحامها في الليل والنهار بسهولةٍ ويسرٍ، وبعددٍ قليلٍ من الجنود والعربات العسكرية، ودون قوات تعززه وطائرات تتابعه وأجهزة توجه، وبلا عرباتٍ مصفحةٍ وأخرى كاسحةٍ للألغام، دون أن يتوقع خطراً أو يتهيب من المواجهة أو يخاف من المقاومة، الأمر الذي جعل دخوله إلى المناطق الفلسطينية مهمة سهلة ووظيفة مأمونة وعملاً اعتيادياً، بل كان بعض جنوده يلتقطون الصور التذكارية لأنفسهم، ويرسلونها إلى أسرهم وعشيقاتهم وكأنهم في رحلةٍ أو نزهةٍ وليسوا في مهمة قتالية وعملية عسكرية.
لكن الحال اليوم قد تغير وتبدل، ولم تعد الأوضاع كما كانت، وأصبحت مهام جيش الاحتلال التي كانت اعتيادية وطبيعية مهاماً صعبة وخطرة، وفيها مغامرة ومقامرة، ويتطلب القيام بها تدريباً وتأهيلاً، واستعداداً وتجهيزاً، وتحشيداً للقوى وتسخيراً للطاقات والإمكانيات، وزجاً بالطائرات الحربية والطوافة والمسيرة، واستخداماً للصواريخ الموجهة والقذائف المدمرة، وغير ذلك من الأسلحة والمعدات التي لم يكن جيش الاحتلال يستخدمها أو يلجأ إليها، ولم يعد جنوده يظنون أنهم في نزهة وجولة، وأنهم بعد ساعاتٍ سيعودون إلى بيوتهم وأسرهم، دون ضررٍ يصيبهم أو قتلٍ يطالهم.
مقالات ذات صلة مخطط الحدود العازلة بين الأردن وإسرائيل 2023/09/06الاعتقالات والاجتياحات والمداهمات والدوريات التي كانت تتم بهدوءٍ وسهولةٍ، وبصحبة عددٍ قليل من ضباط المخابرات والجنود والآليات، بات يتطلب تنفيذها قوات كبيرة، واستعداداتٍ كثيرة، ويلزمها قرارات مسؤولة وحسابات دقيقة، فما من مهمةٍ أصبحوا يقومون بها إلا وجدوا دونها مقاومةً فلسطينية كبيرة، وتأهباً وجاهزية عالية من كل القوى والفصائل، التي باتت تترقب دخول الجيش واقتحامه، وأصبحت تراقبه وتتابعه، وتعرف الأوقات التي يدخل فيها والطرق التي يسلكها، وتنسق فيما بينها وتتقاسم الأدوار فيما بين قواها المنتشرة وعناصرها المجهزة، الذين يعرفون جيداً المسالك والطرق، والمعابر والمداخل والحواجز والكمائن.
أهلنا الأبطال في القدس والضفة الغربية قرروا أن يدفعوا سلطات الاحتلال ثمن عدوانه، وأن يجرعوه مرارة جرائمه، وأن يزيدوا من كلفة سياساته، وأن يعلموه دروساً بليغةً في المقاومة والصمود، والتصدي والمواجهة، وأن يقولوا له أننا لن نسلم لك رقابنا بسهولة، ولن نمكنك من اعتقال أبنائنا ببساطة، ولن نسمح لك باغتيال رجالنا وقتل أبطالنا والتنزه في شوارعنا دون أن تدفع الثمن غالياً وكبيراً من دماء جنودك وأمن مستوطناتك، وفشل جيشك وإحباط قيادتك، ولن يكون باستطاعة مجموعاتك المستعربة وفرق النخبة التي تفخر بها وتتيه، الدخول إلى مناطقنا وتنفيذ مهامها والانسحاب بسلامٍ وأمانٍ.
بات أهلنا في القدس والضفة الغربية يقظين منتبهين، حذرين واعين، يراقبون ويرابطون، ويتابعون ويستقصون، ويحرسون ويتناوبون، ويحتاطون دائماً لئلا يؤخذوا من عدوهم ليلاً أو نهاراً على حين غرة، فكمنوا له في الشوارع والطرقات، وفي الزوايا والمنعطفات، وفوق الأسطح والبنايات العالية، وجهزوا أنفسهم ببنادق حديثة وذخيرة كافية، ومن قبل بعزمٍ وإرادةٍ صلبةٍ، وقنصوا جنوده وضباطه، وزرعوا الأرض عبواتٍ ناسفةً، وأعدوا له الكثير من المتفجرات والمفاجئات، وعما قريب قد يكون لديهم ما لدى قطاع غزة وجنوب لبنان، وهو ما يخشاه العدو ويخاف منه، وقد حذر كبار قادته ومسؤولوه العسكريون من خطورة امتلاك المقاومة في القدس والضفة الغربية لمثل هذه الأنواع من الأسلحة الفتاكة.
لم يعد أهلنا يستسلمون للعدو بسهولة، ويخضعون لأوامره وينفذون تعاليمه، فيسلمون أنفسهم للاعتقال دون مقاومة، ويرضون بالقيد والأسر والاقتياد إلى مراكز التحقيق بسهولة، بل باتوا يرفضون ويقاومون، ويعصون ويخالفون، وأصبح المطلوبون منهم مطاردين، يحملون سلاحهم ويلاحقون العدو ويتربصون به قبل أن يتربص بهم وينال منهم، وكثيرٌ منهم خاض ضد جنوده معارك شديدة، ورفضوا الاستسلام له قبل أن تنفذ ذخيرتهم أو يستشهدوا، وغدت قصص بطولتهم ومشاهد صمودهم ملاحم يرويها أهلهم ويقتدي بها شبابهم، ويخشى من تكرارها والعمل على مناولها عدوهم.
إنها فلسطين الأبية ورجالها الشم الأباة، الأبطال الكماة، أبناء جنين القسام ونابلس جبل النار، وقدس الثوار، وخليل الرجال، وبيت لحم مهد المقاومة، ورام الله الأبية، وقباطية السارية وطولكرم العصية، وطوباس رافعة العلم شديدة المراس، التي طغى فيها العدو وبغى، وظن أنه باقٍ فيها مخلداً، وما علم أن فلسطين إنما هي لأهلها وشعبها، وأصحابها وسكانها، الذين رووا ترابها بدمائهم، وسكن في ثراها آباؤهم وأجدادهم، وضحى في سبيلها أبناؤها ورجالها، وأنه قد كسرت قيدها وشبت عن طوقها واستنسرت، فلا نظن أنها ستكون بعد اليوم للعدو زبدةً طريةً يقطعها بسكينة، ولا أرضاً رخوةً يجتازها بسهولةٍ، ولا لقمةً سائغةً يستمتع بابتلاعها، بل ستكون عليه لعنةً وله قبراً وفي حلقه شوكة، وسينجو منهم من حكم عقله وآثر الرحيل، فهذه الأرض تلفظ الغرباء وتطرد الدخلاء وتستأصل من الجذور كل المستوطنين والغازين، وتمحق كل الأعداء والمتآمرين.
بيروت في 10/8/2023
moustafa.leddawi@gmail.com —
المصدر: سواليف
كلمات دلالية: الضفة الفلسطينية الاحتلال
إقرأ أيضاً:
هل باتت القدس أبعد؟
– مع كل احتفال سنوي لإحياء يوم القدس كنا نقيس المدى الذي يفصلنا عن القدس ونقول إنها باتت أقرب، ونحن نشهد تنامي قوة المقاومة في لبنان وفلسطين، خصوصاً بعد ظهور محور المقاومة إلى حيّز الوجود، وتحوله إلى محور حقيقي، ظهرت ملامح تبلوره كجبهة مقاتلة موحّدة بعد طوفان الأقصى. وها نحن اليوم مع الإحياء السنوي ليوم القدس نجد السؤال يطرق أبوابنا، وقد حوصرت المقاومة في العراق حتى أقفلت الإسناد واضطرت للبحث عن كيفية حماية حضورها من الحصار، بينما المقاومة في لبنان قد أصيبت بجراحات بالغة خسرت معها كثيراً من كبار قادتها، وعلى رأسهم قائد محور المقاومة السيد حسن نصرالله، الذي أتاح اغتياله لرئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو أن يقول إن المحور انتهى باغتيال السيد نصرالله، وصولاً إلى سقوط سورية من موقعها في محور المقاومة وخياراتها، وإقفالها كقاعدة لقوى المقاومة وإغلاق مسارات الإمداد التي كانت تمثلها لهذه القوى، فهل يجب أن نستنتج أن القدس باتت أبعد ونحن نرى غزة تواجه حرب الإبادة منفردة، لولا يمن عزيز بقي وحيداً يساندها.
– بالعودة إلى عناصر قرب القدس وبُعدها ثمة معياران يشكل اجتماعهما مصدر الجواب، الأول هو درجة حضورها كقضية ساخنة تُلهب المشاعر وتستنهض الهمم في وجدان شعوب الأمتين العربية والإسلامية، والثاني هو درجة تأثير كل عناصر القوة التي تمثلها المقاومة في بنية كيان الاحتلال وجيشه وجبهته الداخليّة، ودرجة بلوغ هذا التأثير الحد الذي يجعل المأزق الوجودي أشدّ عمقاً وحضوراً. وكي نستطيع فهم المشهد بعقل بارد، لأن المشاعر الحارة تفسد هنا القدرة على الملاحظة والاستنتاج، بحجم الخسائر التي لحقت بقوى المقاومة ودرجة حرارتها الحارقة للقلوب والمشاعر، لأن هذه الحرب بما تمثل من تصادم وارتطام كبير لقوّتين متعاكستي الاتجاه بكل القوة والسرعة، تركت خراباً على ضفتي التصادم، وإذا كنا نلاحظ ونستشعر ما حلّ بالضفة التي نقف عليها، فما يهمّ هو رؤية ما لحق بالضفة المقابلة؟
– إذا كانت القدس ترمز في ما ترمز للقضية الفلسطينية، فإن الأعداء أنفسهم لا ينكرون أن ما جرى خلال عام ونصف نقل القضية الفلسطينية إلى مرتبة ومكانة ما كانتا لها في يوم من الأيام، وقد صارت استحقاقاً سياسياً وأخلاقياً ودبلوماسياً واستراتيجياً لا مفرّ منه بالنسبة لكل دول العالم وشعوبه وحكومات المنطقة وشعوبها. وبالتوازي فإن شعور شعوب العرب والمسلمين بالتقصير والخزي بسببه مع فقدان الثقة بأن تفعل الحكومات شيئاً زاد من تطلّع الشعوب نحو قوى المقاومة، ولعل أبرز مثال على ذلك هو مقارنة مكانة اليمن في عيون العرب قبل الطوفان وجبهات الإسناد وبعدهما، وقد صار اليمن قدوة الجميع في الحديث عن الشرف والنخوة والشهامة ومقياس العروبة والتقيّد بأحكام الإسلام. وفي الجواب على السؤال من هذه الزاوية، فإن القدس باتت أقرب بكثير مما كانت عليه من قبل، وأن يوم القدس صاحب أفضل في مراكمة الوعي وشحن الذاكرة لإبقاء القدس حاضرة عصيّة على النسيان.
– في حال كيان الاحتلال، رغم صخب الحرب ومظاهر القوة التي يُبديها قادة الكيان إلى حد التوحّش، ومن خلفهم كل القدرات الأميركية العسكرية والسياسية والمالية والدبلوماسية، فإن النظر إلى المشهد داخل الكيان، ومتابعة خطابات قادته، يكشف لنا بوضوح أن الحديث يجري عن كيفية تفادي خطر الحرب الأهلية، وعن وجود أكثر من “إسرائيل” يجب أن تضمحل إحداهما كي تبقى الأخرى على قيد الحياة، وأن الفشل في التخلص من حركات المقاومة، يجعل المأزق الوجودي حاضراً بقوة، بدليل رفض نازحي مستوطنات الشمال والجنوب العودة إلى مستوطناتهم، بينما رفض الانضمام إلى الخدمة العسكرية يتسع بصورة تصيب القادة بالذهول، والهجرة المعاكسة من الكيان بلغت أرقاماً قياسية مع التحفظ على العودة، ولا أحد يجرؤ من القادة العسكريين على التحدث عن كفاءة القوات البرّية للفوز في جبهات لبنان وغزة، ولا عن كفاءة القبّة الحديدية أمام صواريخ اليمن وطائراته المسيّرة، وأمام أي احتمال للعودة إلى المنازلة مع المقاومة في لبنان، وفرضيّة الحرب مع إيران.
– تستمرّ الحرب أساساً لأن إقفالها يعني تكريس الفشل الاستراتيجي لمشروع اسمه “إسرائيل”، ولذلك يجهد قادة الكيان ومن خلفهم الغرب كله كي تنتهي بصورة تتيح للكيان الاحتفال بصورة نصر يتفادى بها كتعويذة بقاء خطر التفكك، لكن الحرب لم تنته بعد ولا يبدو في الأفق أن الكيان يستطيع الحصول على التعويذة المنشودة لإنهائها، وعندما يضطر لإنهاء الحرب بغير شروط تتيح الحصول على تعويذة البقاء بمزاعم النصر، سوف نكتشف كم جعلتنا هذه المتغيّرات، رغم الجراحات وآلامها، أقرب إلى القدس.
* رئيس تحرير صحيفة البناء اللبنانية