لفت الرئيس فؤاد السنيورة في حديث تلفزيوني، الى ان "دعوة رئيس مجلس النواب نبيه بري للحوار شهدنا مثلها مبادرات مماثلة في الماضي. إلاّ أنّه لم يتم الالتزام بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه في تلك الحوارات السابقة. الأمر الأول، في هذا الصدد وفي المبدأ، انّ ليس هناك شيء أسمى من أن يتحاور اللبنانيون مع بعضهم بعضاً للتوصل إلى حلّ لمشكلاتهم.
ولكن لدينا الآن استحقاق دستوري لا أولوية لشيء آخر قبله على الإطلاق. وبالتالي يجب أن يتم الانتخاب الرئاسي في أسرع وقت ممكن، وذلك كما ينص عليه الدستور. الامر الثاني، نحن نعلم أن الحوار يكتسب صدقيته عندما يصار الى تنفيذ ما يتم التوافق عليه. الحقيقة انّه، وفي جميع مسلسلات الحوار السابقة، ومنذ العام 2006، وبالرغم من أنه قد تمَّ التوافق في حينها على عدد من الأمور. ولكن – وللأسف - جرى النكول بها. ولذلك ليس هناك من ثقة على الإطلاق أن يصار إلى البدء بحوار جديد الآن لا نعرف كيف يبدأ ومن سيترأسه وما هي المواضيع التي سيجري بحثها ولا كيف ينتهي الحوار ولا ماذا سيحصل بعده". اضاف: "المسألة الأساس الآن والتي لها الأولوية على أي أمر آخر، تكون بالعودة إلى الالتزام بأحكام الدستور، وذلك لعقد جلسة للانتخاب وفي دورات متلاحقة. وعلى الرئيس بري أن يفتح المجلس، وأن يدعو لانعقاد جلسة للانتخاب وبدورات متتالية. وليس إلى أن يصار إلى إغلاق محضر جلسة المجلس بعد انتهاء الدورة الأولى. هذا الأمر يؤدي إلى التعطيل ولا يأخذ البلاد إلى أي نتيجة. أعتقد أن الأمر الذي ينبغي أن تكون له الأولوية الآن هو في الدعوة لجلسة الانتخاب وبدورات متلاحقة والابتعاد عن اختلاق أعراف جديدة تبدأ بعقد جلسات حوار قبل جلسة الانتخاب، والذي هو مخالف للدستور ويتسبب بإشكالات مستقبلية عدة". ورأى أن "انتخاب الرئيس الجديد يشكّل المفتاح الذي يمكن من خلاله البدء في معالجة جملة من الأمور التي يعاني منها لبنان، وبالتالي يكون انتخاب الرئيس المدخل للبدء باتخاذ القرارات والإجراءات من أجل إنقاذ الوطن من هذا الأتون الذي أصبح في داخله". وسئل: "لماذا الرئيس بري يقول انه سيفتح المجلس في جلسات متتالية لانتخاب الرئيس، لكن قبل ذلك يريد أن يدعو إلى جلسات حوار ولا يحدد الوقت. هل فعلاً كما يخشى البعض أنه يدعو إلى ذلك خوفاً من سيف العقوبات التي هددت بها باريس وواشنطن أيضاً؟ وماذا عن الأطراف الداخلية التي حتى الآن تقول انها لا تقبل بهذا الحوار؟ هل سيبقوا على موقفهم حتى النهاية ام أن ما تخشاه هذه الأطراف هو أنه يمكن أن تتبدل الظروف ويضطروا إلى القبول بهذه الدعوة للحوار؟". اجاب: "بدون شك أن هناك تخوفاً من قبل البعض من السياسيين من سيف العقوبات لا أدري من هم، ولكن وكما يبدو، فإنّ هؤلاء المتخوفين من موضوع العقوبات ومازالوا يماطلون أو يمنعون انعقاد جلسة الانتخاب. الكلام الذي قاله الرئيس بري حول عقد جلسات متتالية - وعلى الأرجح - فإنه يعني بذلك أنه سيعود إلى اعتماد ذات الأسلوب السابق أي أنه يفتح الجلسة، وبعد ذلك وحين يُفقدُ النصاب يعمد رئيس المجلس إلى إقفال الجلسة. وبالتالي يعود المجلس من جديد إلى ضرورة أن يكون هناك نصاب الثلثين من عدد أعضاء المجلس متوفراً بشكل مستمر في كل جلسة انتخاب يُصار إلى الدعوة إليها. هذا الأمر يجب أن ينتهي ويجب أن تعود الأمور إلى الالتزام بنصّ الدستور، وذلك بأن يفتح الرئيس الجلسة وتستمر الدورات مستمرة ومتلاحقة بذات الجلسة حتى وإن امتدت الجلسة إلى عدة أيام أو حتى عدة أسابيع. بالتالي، فإنّه يجب على الرئيس بري أن يفتح الجلسة وبالتالي أن لا يقفلها إلا عندما يتم انتخاب الرئيس. احترام هذا المبدأ الدستوري لم يكن واضحاً في كلام الرئيس بري. لذلك، فإنّي أعتقد ان عملية الطرح الذي تقدم به الرئيس بري من أجل أن يصار إلى عقد جلسات حوار هو مضيعة للوقت وحرفاً للانتباه". وقال: "يجب أن يكون واضحاً أن الحوار الأساس عقده اللبنانيون، وهو الذي جرى في الطائف وانبثق عنه اتفاق الطائف الذي أصبح وفي عدد من بنوده جزءاً من الدستور اللبناني. أما الأمور الأخرى التي ربما تكون بحاجة إلى أن يصار إلى التداول بشأنها فيجب أن يتم التداول فيها في مجلس النواب، ولكن بعد انتخاب الرئيس الجديد. وإذا كان الأمر في غاية الأهمية فإن هذا الحوار يجب أن يترأسه رئيس الجمهورية بكونه رئيس الدولة ورمز وحدة الوطن والجامع لكل اللبنانيين. ولذلك لا يمكن أن يصار الآن إلى إجراء حوار يترأسه الرئيس بري، ولاسيما وأنه طرف في هذه المعادلة، ولا يمكن له أن يكون طرفاً وحكماً في ذات الوقت. وكما يقول الشاعر: "فيك الخصام وانت الخصم والحكم". وردا على سؤال عن امكانية ان يتخلى "حزب الله" عن مرشحه سليمان فرنجية، قال السنيورة: "حتى هذه اللحظة لا أرى بوادر على أن "حزب الله" على استعداد للتخلي عن مرشحه. للأسف، هو يقول للنواب المعارضين لطروحاته وممارساته تعالوا إلى الحوار حتى اقنعكم بمرشحي ولا يقول تعالوا إلى الحوار حتى نتفاوض بشأن ما ينبغي القيام به من أجل إنجاز العملية الانتخابية، وبالتالي ليس هناك من حاجة للحوار طالما كان ذلك من أجل أن يرضخ ويذعن النواب لمطالب الحزب". واشار الى ان "انعقاد جلسة الانتخاب للرئيس الجديد وانتخابه هو سيف الفصل بهذا الأمر. أما ان يصار إلى اشغال اللبنانيين بسلسلة من الحوارات التي لا نعرف على ماذا، فإنها ستكون كمن يفتح باباً لإشكالات جديدة اللبنانيون بغنىً عنها. هناك – وللأسف - مواضيع عدة لدى كل فريق من الفرقاء المعنيين في لبنان، وكل يريد أن يقدم أمراً ويطرح وجهة نظره. هناك من يطرح اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة والصندوق السيادي. وهناك من يريد طرح موضوع الفدرالية. وهناك من يقول إنه يريد التقسيم. وهناك من يقول نحن لا نستطيع أن نعيش سوية. كل هذه الطروحات تفتح أبواباً للشرور لا يمكن إغلاقها بعد ذلك، وبالتالي ليس من المصلحة أن يصار إلى الدعوة إلى الحوار الآن". وعن الزيارات المكوكية لوزير الخارجية الإيراني حسن امير عبد اللهيان والموفد الاميركي آموس هوكستين والمرتقبة للمبعوث الفرنسي جان ايف لودريان للبنان، قال: "كما ترين أن هذه الزيارات يقوم بها أشخاص يأتون كمندوبين عن دولهم ولكل من هذه الدول مصالح معينة وأهداف معينة في لبنان والمنطقة. اعتقد أنّ مجيء الوزير الإيراني إلى لبنان كان لبحث مسألة تهم إيران الآن. وهي كيف يمكن لإيران أن تحتفظ وتفرض سلطتها على الملف الفلسطيني. وبالتالي هو قد اجتمع مع ممثلي بعض الفصائل الفلسطينية المناوئة لحركة فتح، وغرضه من ذلك من أجل أن يعبئ ويضمن انخراط هذه المنظمات في المخطط الذي ترسمه إيران من أجل الإمساك بالقضية الفلسطينية بما يخدم مصالحها في المنطقة العربية. أما الأمر الآخر الذي دفع الوزير الإيراني بالمجيء إلى لبنان، فربما ناتج عن القلق الذي يساور إيران حول ما يجري في سوريا وبالتالي يريد أن يجتمع بـ"حزب الله" من أجل أن يرى هل يمكن للحزب أن يدخل من جديد في الحرب الدائرة في سوريا الآن وماذا يمكن أن يكون له من دور في ذلك، لاسيما في ضوء المتغيرات الجارية هناك". اضاف: "أما بالنسبة لمجيء هوكستين، فمن الطبيعي أن الأميركيين مهتمون بموضوع النفط والغاز، وبالتالي قاموا بعمل في هذا الخصوص عندما جرى تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان في المياه اللبنانية، وبالتالي ربما هو يسعى إذا كان هناك من إمكانية لحلّ بعض المسائل المتعلقة بعدد من النقاط على الحدود البرية التي تفصل ما بين لبنان وفلسطين المحتلة". وعما قاله حاكم مصرف لبنان المركزي بالإنابة وسيم منصوري عن أنّ المصرف المركزي لن يمول الدولة اللبنانية لا بالليرة اللبنانية ولا بالدولار، قال السنيورة: "في الحقيقة أود أن أقول إنَّ هذا الكلام كان ينبغي أن نسمعه من مصرف لبنان المركزي وحاكميته منذ سنين عدة، وذلك بدلاً من ذلك التورط الكبير الذي مارسه المصرف المركزي وعمد بموجبه إلى إقراض الدولة اللبنانية بهذا القدر من التسليفات والتي هي بالفعل من أموال المودعين". اضاف: "في الحقيقة يجب أن يكون واضحاً، أنَّ قانون النقد والتسليف الذي يعمل مصرف لبنان بموجبه، يحدّد شروطاً قاسية جداً لا يمكن أن تلجأ بموجبه الحكومة اللبنانية أو وزارة المالية إلى الاقتراض من مصرف لبنان ما لم تلتزم بها. هذا الأمر كان ينبغي على الحاكم آنذاك أن يكون واضحاً وقاسياً وشديداً مع السلطتين التنفيذية والتشريعية من أجل ألا يمالئهما وينصاع إلى ضغوطهما. ما جرى أنه كان يسهل لهما ويمنحهما ما يريدانه من إنفاق متفلت دون أن يتحملا المسؤولية في القيام بهذا الإنفاق المتفلت. لقد كان على الحكومات والمجالس النيابية المتعاقبة أن تبادر إلى القيام قبل اللجوء إلى مصرف لبنان إلى اعتماد واستنفاد السياسات والقوانين الصحيحة واتخاذ الإجراءات اللازمة من أجل ترشيد الإنفاق وخفضه وثانياً تأمين المصادر المالية اللازمة من إيرادات الدولة لتغطية هذا الانفاق الكبير الذي كانت تقوم به الدولة". وتابع: "المشكلة تتعلّق بالسلطتين التنفيذية والتشريعية، وكذلك بالحاكم السابق الذي لم يقم بما يمليه عليه قانون النقد والتسليف ويمليه عليه التصرف السليم للعمل المصرفي المركزي، وكذلك المالي الرصين، في الامتناع عن تسليف وزارة المالية بما كانت تطلبه من تمويل من المصرف المركزي. في الحقيقة، فإنّ الحاكم السابق ذهب- وذهب بعيداً جداً- في ممالأة السلطتين التنفيذية والتشريعية وكلاهما مسؤولان عما جرى. وهو قد شاركهما هذه المسؤولية بتساهله وعدم تبصره. هذا علماً أن قانون النقد والتسليف يعطي حاكم البنك المركزي قدراً كبيراً من الصلاحية والحصانة التي تمكنه من أن يقول لا وكلا للسلطة التنفيذية والتشريعية. المؤسف أنّ السلطة التشريعية كانت تقر قوانين وكلها قوانين ينتج عنها، وبالتالي تلزم الخزينة اللبنانية بإنفاق إضافي كبير لم تكن له أولوية وبالتالي القيام بإنفاق لم تكن له أي تغطية مالية. ذلك ما كان يدفع بالحكومة ويضطرها إلى المزيد من الاقتراض من المصرف المركزي". وعما ستؤول إليه الأمور بعد هذا القرار، قال: "نعم لأكون واضحاً جداً ليس هناك من دولة تفلس. هناك إدارة سيئة وفاشلة تفلس. هذا الوضع الخطير الذي أمسينا عليه في لبنان يمكن الخروج منه، وذلك لأنّ هناك إمكانية للدولة عندما تتولى إدارة أمورها السياسية والإدارية والمالية بالشكل الصحيح، فإنها يمكن عندها أن تخلق قيما اقتصادية جديدة، ويمكن لها بنتيجة ذلك أن تستعيد ثقة اللبنانيين وثقة أشقائهم وأصدقائهم بمستقبل لبنان واقتصاده وبماليته العامة. وبالتالي أن ترسم المسار الصحيح الذي يمكن بموجبه أن يستعيد اللبنانيين بنظامهم المصرفي وبإمكانية استرجاع قسم جيد من ودائعهم. ولكن، لاسترجاع الثقة، فإنّ الأمر يقتضي اعتماد مجموعة كبيرة ومتناسقة من السياسات والإجراءات والنجاح في ذلك. كما أنّ الأمر يقتضي أيضاً مصارحة المواطنين بحقيقة الوضع وكيفية الخروج من هذا المأزق الكبير، وذلك من خلال خطة واضحة المعالم يطمئن إليها المواطنون وتوصل الجميع إلى بر الأمان. الآن ما الذي ينبغي أن يصار إلى اتخاذه، وهذا ضروري بالنسبة لمصرف لبنان، وذلك في أن يمتنع عن إقراض الدولة، بل على الدولة أن تقوم بداية بضبط الانفاق لديها من أجل لجم التضخم الذي سينتج عن الانفاق المتفلت، وبالتالي المسارعة إلى جباية مستحقاتها الكثيرة في الجمارك والدوائر العقارية ودوائر الميكانيك كبداية، وهي التي لم تجبيها بسبب التقاعس عن القيام بواجباتها، وبسبب التعطيل الذي يمارسه البعض في بعض الوزارات والإدارات". وتابع: "لكن الأمور لا تقتصر فقط على ذلك، إذْ أنّ هناك أيضاً سلسلة من السياسات والإجراءات التي ينبغي على الدولة أن تتخذها من ناحية القيم بالمبادرة الشجاعة والسريعة إلى إجراء الإصلاحات المالية والنقدية والإدارية لأنه بذلك - وبذلك فقط - تستطيع الدولة أن تصوب بوصلتها الوطنية والسياسية والإدارية والمالية نحو التقدم على مسارات الطريق الصحيح للتقدم على مسارات التعافي. وبالتالي، فإنّ هذه الإصلاحات المطلوبة، التي طال أمد التقاعس والاستعصاء عن القيام بها لوقت طويل، والأمر أصبح الآن شديد الإلحاح وهو أمر ضروري على قاعدة: "إنَّ الله لا يغير ما بقوم من حتى يغيروا ما بأنفسهم". هناك امورا كثيرة كان ينبغي أن يصار إلى إصلاحها على مدى السنوات الماضية ولكن كان هناك تقاعس وبالتالي كانت هناك خلافات سياسية وممارسات شعبوية أدّت إلى هذا الانجراف نحو الإنفاق المتفلت دون حدود، وهو ما ادّى إلى عجوزات كبيرة في الخزينة اللبنانية، والتي تحوّلت إلى دين عام كبير. وهو ما أدّى إلى حصول هذه الانهيارات الكبيرة التي أصبح يعاني ويئن منها اللبنانيون، وهو الذي ادى إلى هذا التفريط في أموال المودعين وبالاقتصاد اللبناني. الآن أعتقد هناك إمكانية للخروج من هذا المأزق. ولكن الأمر بحاجة إلى رؤية واضحة وإرادة قوية وقيادية فاعلة لدى المسؤولين لمباشرة عملية الإنقاذ".
المصدر: لبنان ٢٤
إقرأ أيضاً:
الست من شوال.. احذر صيامها متتالية أو متفرقة في هذه الحالة
لعل كثرة نصوص السُنة النبوية الشريفة الواردة في فضل صيام الست من شوال العظيم، هو ما ينبهنا حتى لا تفوتنا الست من شوال وتكون الخسارة فادحة بالقدر الذي لا يمكن تعويضها، وحيث انقضى يوم العيد - يوم الفطر- فإنه حان موعد صيام الست من شوال ، من هنا ينبغي الوقوف على أحكام صيام الست من شوال باعتبارها تلك النافلة التي أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالحرص عليها واغتنام فضل صيام ستة أيام من شوال ، سواء من حكم صيام الست من شوال متفرقة، وأيهما أولًا قضاء رمضان أم الست من شوال ؟، وهل يجوز صيامهما بنية واحدة، واستفهامات عدة أخرى تدور في فلك صيام الست من شوال وتنبع من فضله العظيم.

هل العمل في أيام العيد حرام أم جائز؟.. 10 حقائق ينبغي معرفتها

دعاء للميت في العيد.. بـ12 كلمة تعايده الملائكة وتجعل عيده في الجنة أجمل

من لم يصل صلاة العيد أول يوم.. 9 حقائق قد تجعلك تندم

ماذا يفعل من نسي زكاة الفطر؟.. علي جمعة: بـ3 أعمال تكفر هذا الإثم

هل يجوز صيام الست من شوال ثاني أيام العيد؟.. له ثواب شهرينالست من شوال
ورد أن صيام ستة أيام من شوال هو شكل من أشكال المسارعة إلى الخير، وإن حصلت الفضيلة بغيره، فإن فرَّقها أو أخَّرها جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه.
ورد في فضل بما روي عن أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» رواه مسلم في "صحيحه" فيسن للمسلم صيام ستة أيام من شوال بعد رمضان، تحصيلًا لهذا الأجر العظيم.
قالت دار الإفتاء، إن من أفطر في رمضان لِعُذْرٍ؛ فيستحب له قضاء ما فاته أوَّلا، ثم يصوم ما شاء من النوافل ومنها الست من شوال، ففي إجابتها عن سؤال: «ما حكم صيام الست من شوال قبل قضاء رمضان؟»، أنه كره جماعة من أهل العلم لِمَنْ عليه قضاء رمضان بعذرٍ أن يتطوع بصومٍ قبل القضاء، أما من تعدَّى بفطره –أيْ: أفطر بلا عذر- فيلزمه وجوبًا القضاء فورًا.
وأفادت بأنه لابد من التفرقة بين حالتين: الحالة الأولى: إمكان الجمع بين قضاء رمضان وصيام الست من شوال لأن قضاء رمضان وإن كان على التراخي عند كثير من الفقهاء، وأن صيام الست من شوال واجب موسع طوال الشهر فيمكن الجمع بقضاء الفائت من رمضان ، ثم صيام الست من شوال ، وذلك لأن الواجب مقدم على النفل .
وتابعت: الحالة الثانية: عدم إمكان الجمع بأن ضاق شوال وبقي منه ستة أيام لا تكفي لقضاء رمضان والستة من شوال ، والمختار هنا تقديم صوم الست من شوال لأن الزمان صار مضيقا بالنسبة لصوم الست من شوال بينما موسع لقضاء رمضان، مستدلة على ذلك بما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إن كان ليكون على الصيام من رمضان، فما أستطيع أن أصومه حتى يأتي شعبان» صحيح ابن خزيمة (2/ 984).
حكم صيام الست من شوال
اختلف الفقهاء في حكم صيام ستة أيام من شوال، وذهبوا في إلى قولين، القول الأول: رأى جمهور العلماء من الشافعية، والحنابلة، والبعض من المالكيّة، والحنفيّة بأن صيام الست من شوّال مُستحَب، واستدلوا على ذلك بحديث بما رُوي عن ثوبان مولى الرسول عن الرسول -عليه الصلاة والسلام- أنّه قال: «صيامُ شهرِ رمضانَ بعشرةِ أشهرٍ، وصيامُ ستةِ أيامٍ بعدَهُ بشهرينِ، فذلكَ صيامُ السنةِ» ممّا يُؤكّد فضيلة صيام ستّة أيّامٍ من شهر شوّال.
واستدلوا أيضًا بقول الله تعالى: «مَن جاءَ بِالحَسَنَةِ فَلَهُ عَشرُ أَمثالِها وَمَن جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجزى إِلّا مِثلَها وَهُم لا يُظلَمونَ»، فالآية عامّة تدل على أنّ أجر كلّ العبادات مُضاعَفٌ إلى عشرة أمثالٍ، إلّا الصيام الذي استُثنِي بقول الرسول -عليه الصلاة والسلام- عن الله -عزّ وجلّ-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ له إلَّا الصَّوْمَ، فإنَّه لي وأنا أجْزِي به، ولَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ».
والقول الثاني: وردت عن بعض فقهاء المذهب الحنفي، والمالكي كراهة صيام ستّة أيّامٍ من شهر شوّال؛ فقد ورد عن الإمام يحيى بن يحيى؛ وهو فقيهٌ في المذهب المالكيّ، عدم ورود أيّ نصٍّ عن أهل العلم والفقه والسَّلَف يشير إلى أنهّم كانوا يصومون ستّة أيّام من شوّال بعد رمضان؛ خوفًا من وقوع الناس في البِدعة؛ بظنّهم وجوب الصيام.
ورد أنه لا يلزم المسلم أن يصوم الست من شوال بعد عيد الفطر مباشرة، بل يجوز أن يبدأ صومها بعد العيد بيوم أو أيام، وأن يصومها متتالية أو متفرقة في شهر شوال حسب ما يتيسر له، والأمر في ذلك واسع، وليست فريضة بل هي سنة يثاب فاعلها ولا يعاقب تاركها.
موعد صيام الست من شوال
حث الرسول -صلى الله عليه وسلم- الأمة الإسلامية على صيام الست من شوال، ورغب في صيامه فقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ»، ويبدأ صيام 6 أيام من شوال من ثاني أيام شهر شوال، لأنّه يحرم صيام أول يوم في العيد.
بينت دار الإفتاء المصرية ، بأن صيام الست من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم سلفًا وخلفًا، ويبدأ بعد يوم العيد مباشرة؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ»، فإن صامها المسلم متتابعة من اليوم الثاني من شوال فقد أتى بالأفضل، وإن صامها مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتيًا بأصل السنة ولا حرج عليه وله ثوابها.
وأوضحت بأنه قد ورد في الحديث كما في "نيل الأوطار" عن أبي أيوبٍ رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ» رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي، ورواه أحمد من حديث جابرٍ رضي الله عنه، وعن ثوبان رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «مَنْ صَامَ رمضان وسِتَّةَ أَيَّامٍ بَعْدَ الْفِطْرِ كَانَ تَمَامَ السَّنَةِ، مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا» رواه ابن ماجه.
واستطردت: في بيانه جاء أن الحسنة بعشر أمثالها؛ فصيام رمضان بعشرة أشهر وصيام الست بستين يومًا، وهذا تمام السَّنة، فإذا استمر الصائم على ذلك فكأنه صام دهره كله، وفي الحديثين دليلٌ على استحباب صوم الست بعد اليوم الذي يفطر فيه الصائم وجوبًا وهو يوم عيد الإفطار، والمتبادر في الإتْباع أن يكون صومُها بلا فاصلٍ بينه وبين صوم رمضان سوى هذا اليوم الذي يحرم فيه الصوم، وإن كان اللفظ يحتمل أن يكون الست من أيام شوال والفاصل أكثر من ذلك، كما أن المتبادر أن تكون الست متتابعة، وإن كان يجوز أن تكون متفرقة في شوال، فإذا صامها متتابعة من اليوم الثاني منه إلى آخر السابع فقد أتى بالأفضل، وإذا صامها مجتمعة أو متفرقة في شوال في غير هذه المدة كان آتيًا بأصل السنة.
ولفتت إلى أن ممن ذهب إلى استحباب صوم الست: الشافعية وأحمد والظاهرية؛ ففي "المجموع" للنووي: [ويستحب صوم الست من شوال؛ لما رواه مسلم وأبو داود واللفظ لمسلم: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ، فَذَاكَ صِيَامُ الدَّهْرِ»، ويستحب أن يصومها متتابعة في أول شوال، أي: بعد اليوم الأول منه -الذي يحرم فيه الصوم- فإن فرقها أو أخرها عن أول شوال جاز، وكان فاعلًا لأصل هذه السنة؛ لعموم الحديث وإطلاقه. وهذا لا خلاف فيه عندنا، وبه قال أحمد وداود] اهـ ملخصًا، وفي "المغني" لابن قدامة: [أن صوم الست من شوال مستحب عند كثير من أهل العلم، وبه قال الشافعي، واستدل أحمد بحديثي أبي أيوب وثوبان] اهـ ملخصًا.
فضل صيام ستة أيام من شوال
أولا: الحصول على الأجر العظيم من الله -سبحانه-، كما رُوي في الصحيح من قول النبيّ -عليه الصلاة والسلام-: «مَن صامَ رَمَضانَ ثُمَّ أتْبَعَهُ سِتًّا مِن شَوَّالٍ، كانَ كَصِيامِ الدَّهْرِ».
ثانيًا: جَبر النقص الذي قد يطرأ على الفريضة وإتمامه، ويُستدَلّ على ذلك بِما رُوي عن تميم الداريّ -رضي الله عنه-، أنّ النبيّ -عليه الصلاة والسلام- قال: «أوَّلُ ما يحاسَبُ بهِ العبدُ يومَ القيامةِ صلاتُهُ فإن أكملَها كُتِبَت لَه نافلةً فإن لم يَكن أكمَلَها قالَ اللَّهُ سبحانَهُ لملائكتِهِ انظُروا هل تجِدونَ لعبدي مِن تطَوُّعٍ فأكمِلوا بِها ما ضَيَّعَ مِن فريضتِهِ ثمَّ تؤخَذُ الأعمالُ علَى حَسْبِ ذلِكَ».
ثالثًا: زيادة قُرْب العبد من ربّه، وكَسْب رضاه ومَحبّته، قال النبيّ -عليه السلام- فيما يرويه عن ربّه -عزّ وجلّ-: «ما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها».
رابعًا: أن الصوم لله عز وجل وهو يجزي به، كما ثبت في البخاري (1894)، ومسلم ( 1151 ) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».
خامسًا: إن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك، كما ثبت في البخاري (1894) ومسلم ( 1151 ) من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفس محمد بيده لخلوف فم الصائم أطيب عند الله عز وجل يوم القيامة من ريح المسك».
سادسًا: إن الله أعد لأهل الصيام بابا في الجنة لا يدخل منه سواهم، كما ثبت في البخاري (1896)، ومسلم (1152) من حديث سهل بن سعد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الجَنَّة بَابًا يُقَالُ لَهُ: الرَّيَّانُ، يدْخُلُ مِنْهُ الصَّائمونَ يومَ القِيامةِ، لاَ يدخلُ مِنْه أَحدٌ غَيرهُم، يقالُ: أَينَ الصَّائمُونَ؟ فَيقومونَ لاَ يدخلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، فإِذا دَخَلوا أُغلِقَ فَلَم يدخلْ مِنْهُ أَحَدٌ».
سابعًا: إن من صام يومًا واحدًا في سبيل الله أبعد الله وجهه عن النار سبعين عامًا، كما ثبت في البخاري (2840)؛ ومسلم (1153) من حديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما مِنْ عبدٍ يصومُ يوْمًا في سبِيلِ اللَّهِ إلاَّ بَاعَدَ اللَّه بِذلكَ اليَوْمِ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سبْعِين خريفًا».
ثامنًا: إن الصوم جُنة «أي وقاية» من النار، ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الصيام جُنة»، وروى أحمد (4/22) ، والنسائي (2231) من حديث عثمان بن أبي العاص قال : سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «الصيام جُنة من النار، كجُنة أحدكم من القتال».
تاسعًا: إن الصوم يكفر الخطايا، كما جاء في حديث حذيفة عند البخاري (525)، ومسلم ( 144 ) أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصِّيَامُ وَالصَّدَقَةُ والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
عاشرًا: إن الصوم يشفع لصاحبه يوم القيامة، كما روى الإمام أحمد (6589) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الصِّيَامُ وَالْقُرْآنُ يَشْفَعَانِ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يَقُولُ الصِّيَامُ : أَيْ رَبِّ مَنَعْتُهُ الطَّعَامَ وَالشَّهَوَاتِ بِالنَّهَارِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. وَيَقُولُ الْقُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النَّوْمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قَالَ: فَيُشَفَّعَانِ».