عربة تنسي وليامز في السينما المصرية (2)
تاريخ النشر: 5th, September 2023 GMT
نستكمل في هذا المقال حديثنا عن ثلاثة أفلامٍ مصريّةٍ مستَوحاةٍ من هذا النّصّ المسرحي للكاتب الأمريكي تِنِسي وليامز (عربةٌ اسمُها الرَّغبة A Streetcar Named Desire). ويبدو أنّ لهذا النص سحرَه الخاصّ الذي تصعبُ مقاومتُه.
الموسيقى:
تلعبُ الموسيقى دورًا بالغَ الأهميةِ في بِناء النصّ المسرحيّ الأصليّ، إذ يمثّل تكرارُ موسيقى ﭬـارزوﭬـيانا "Varzouviana" مُعادِلًا موضوعيًّا لشخصيةِ بلانش المرتبِكة وتمزُّقِها بين الشعور بالذنب لتسبُّبها في انتحار آلان بدلًا من أن تساعدَه على تجاوُز ما هو فيه، والحنين إلى الماضي بما فيه من نعمةٍ ورغَدٍ في مزرعةِ أسرتِها "Belle Reve" التي تعني بالفرنسية (حُلمًا جميلا).
وعودة إلى النسخ المصرية الثلاث، نبدأ بـ(انحراف) حيث وضع موسيقاه المرحوم حسن أبو السعود وتولّى التوزيعَ يحيى الموجي. والحَقُّ أنّ أبا السعود قد وضع موسيقى المقدمة مُغرقةً في مصريتِها، تنطِق بلوعة التجربة الإنسانية التي تعانيها البطلةُ سميحة/ بلانش/ مديحة كامل، وتتخلّلُها جسورٌ من التأمُّل المُحايد. والمُعادل الموسيقي الذي اختارَه هو الابتداء بمقام صبا زمزمة على درجة ري تعرفُه الوتريات على إيقاع رباعي، في تتابُعٍ يبدأ من صول بيمول ويهبط إلى دو، ثمّ يتصدّر الناي المشهد اللحني بأن يعزف في المنطقة بين (صول بيمول – دو) من مقام صَبا على درجة ري، ثم تتسلم الوتريات من الناي لتعزف جسرًا قصيرًا في مقام نهاوند، وسرعان ما يتسلّم منها القانون ليعزف منفردًا من مقام صبا على درجة صول في المنطقة بين (سي – فا)، ثم تتسلم الوتريات مجدَّدًا لتعزف جسرًا أطول في النهاوند ويتكرر التتابُع نفسُه بقليلٍ من التنويع. والخلاصة أنّ أستاذنا أبا السعود أبدع هو الآخَر نصًّا موسيقيًّا قصيرًا بالغَ الرهافة موفَّقًا إلى أبعد مَدى. فإذا انتقلنا إلى موسيقاه التصويرية فسنجدُ مقطوعات الأكورديون التي يُرجَّح أنه عزفَها بنفسِه جديرةً بالبقاء مستقلّةً عن السياق الدراميّ، ومنها المقطوعة المصاحبة لوصول (سميحة) إلى المنطقة التي تسكنُها أختُها، وهي في مقام الكُرد على درجة دو، وفيها زخارف (أبي السعود) المميزة التي تنطِق بالإغواء.
أما في فلم (الفريسة) فقد صنع المرحوم حسين الإمام مقدمةً بالغَةَ القِصَر تقطعها مشاهد من الفِلم، وهي مقدمة تبدأ في مقام الكرد على درجة (فا) ثم تنتقل إلى مقام النهاوند الكُردي على درجة (لا)، تعزفُها الوتريات والپيانو والفلوت. لكنّ قَطع المقدمة يقلل فرص إفادتِها سياقَ الفِلم وتكريس جوّه العامّ، وإن كانت جملتُها الافتتاحية الشجية تتكرر في لحظات معينة فتخطو خطوة لا بأس بها نحو ربط الأحداث وخلق مُواجَدةٍ بيننا وبين الشخصيات. أمّا الموسيقى الروائية "Diegetic Music" – أي تلك التي تسمعها الشخصيات كما نسمعها – فلعلّ أهمّ أمثلتها هي المقطوعة التي يعزفها طارق (يوسف فوزي) على الپيانو وأحلام (سهير رمزي) جالسة بجواره قبل زواجهما، إذ يعزف "حبك نار" لعبد الحليم حافظ من لحن محمد الموجي. وفي تقديري أنّ هذه الموسيقى كان يمكن الاستفادة منها ومن موسيقى المقدمة بمقابلتهما معًا في لحظات معينة على مدار الفِلم، فأغنية عبد الحليم المرتبطة في أذهاننا بالعاطفية الشديدة تمثّل موضوعًا زائفًا هنا في علاقة أحلام وطارق، فيما كان يمكن أن تعبّر المقدمة عن حالة تأملية أعمق إزاء أحداث الفِلم.
وأخيرًا، فقد صنع عمر خيرت لفِلم (الرغبة) مقدّمةً بديعةً مبنيةً في الأساس على تتابع نغمي سريع الإيقاع في مقام الكرد على درجة فا (فا-صول بيمول-سي بيمول-صول بيمول-فا) أي أنه يقفز نغمتين بين (صول بيمول) و(سي بيمول)، باعثًا شعورًا بالإنذار والارتباك، يليه تتابع يحافظ على الإيقاع نفسِه في مقام الحجازكار على درجة صول (شدّ عُربان)، وهذان التتابعان يتسلّمان من بداية هادئة في مقام النهاوند تعزفها الوتريات والهارپ، ويعودان إليها. والمهم في هذا الترتيب أنه يخلُق إيحاءً بارتباك المشاعر وتضاربها، ويمهد السبيل أمام قصة الفِلم المفعمة بمثل هذه المشاعر. ويظهر هذان المكوِّنان من المقدمة (البداية في النهاوند – والتتابعان في الكرد والحجازكار) في لحظات مختلفة من الفِلم ليربطا مفاصل القصة شعوريّا.
ومن زاويةٍ شخصيةٍ، فإنني رغم تفضيلي مقدّمة (انحراف) التي أبدعها أبو السعود، إلا أنني أرى مقدمة (الرغبة) هي الأنجح في أداء دورها في سياق العمل، لاسيما أنّ الجوّ الحلُميّ الذي يسِم موسيقى عمر خيرت كان متناسبًا أيَّما تناسُبٍ مع تغييرات القصة التي أجراها رفيق الصبّان (خاصةً انتقالَه بها إلى عالَم المدينة الساحلية غير المعرَّفة، حيث البحر خلفيةٌ لكثيرٍ من المَشاهد) وانحيازات علي بدرخان الإخراجية التي واكبَت هذه التغييرات. أمّا الموسيقى الروائية فلعلّ أهمّ ما فيها أغنية "الحياة بمنظار وردي La Vie en Rose" إحدى أشهر أغاني إديث پياف، والتي اختارها بدرخان لتكون الأغنية التي يراقص (شادي) عليها (نعمت). فالأغنية الفرنسية المرتبطة بالحبّ الأرستقراطيّ الحلُميّ مثَّلَت معادلًا موسيقيًّا للماضي الضائع الذي ظلّت نعمت/ بلانش تحلُم به.
عن سحر النصّ المتجدد:
في تقديري أنّ مسرحيةَ وليامز وفِلم إليا كازان يمثّلان وجهًا آخَر لرثاء الجنوب الأمريكي الضائع، في مقابل الوجه الذي يمثّله فِلم "ذهب مع الريح Gone with the Wind"، ولعلّها ليست صدفةً أن يشترك الفِلمان في البطلة ﭬـيـﭭـيان لي، تلك الفنانة الإنـﮕـليزية التي يقطِّر حضورُها قِيَمَ الجَمال كما عرَفتها الأرستقراطيّة الإنـﮕـليزية وكما ورثَها الجنوب الأمريكيُّ حتى تبددَت مهابتُه مع الحرب الأهلية الأمريكية. وما أعنيه أنّ فِلم "ذهب مع الريح" الذي تعايش أحداثُه سقوطَ الجَنوب الثريّ القائم على المزارع العملاقة التي تستغلّ العَبيدَ السُّود يركِّز على حياة "سكارلِت أوهارا"، وهي نموذجٌ لما يسمَّى في أدبيات النقد السينمائي الأمريكي "الجميلة الجنوبية Southern Belle"، فيما يتعاملُ نصُّ وليامز وفِلم كازان مع العالَم المضطرب الذي تجد الجميلةُ الجنوبيةُ نفسَها مضطرّةً للانخراط فيه رغم أنفها بعد سقوط هذا الجنوب بزمنٍ طويل. وفي الحالَين لا يمكننا أن نخطئ جوَّ الحنين إلى الماضي الجنوبيّ الجميل بما كان يسِمُه من استقرارٍ ورغَد. لقد كان باختصارٍ عالَمًا زراعيًّا بالأساس، تحكمُه قِيَمُ المجتمعات الزراعية، وليس فيه إلا سادةٌ أنـﮕـلوسكسونيون وعَبيدٌ أفارقة، ولا مكان فيه لاضطراب الأعراق المختلِطة وتشوُّشِها وصخب حياة المصنع، السِّمَتَين اللتَين طَبَعَتا فيما بعدُ المجتمعَ الأمريكي، وهما سِمتان نراهما بوضوحٍ في بيت ستانلي كوﭬـالسكي المهاجِر الپولندي عامل المصنع في "عربة اسمها الرغبة".
وفي الوقت ذاتِه لدينا ما يُغرينا بأن نظُنّ أنّ شخصيةَ آلان الذي لا يظهرُ إلا في ذكريات بلانش قد تكون رمزًا في ذهن مُبدع المسرحية لذلك الجنوب الساقط كلِّه، فقد كان راقيًا رقيًّا لا سبيلَ لبلانش إلى أن تجدَ معادلًا له في عالَم كوﭬـالسكي، وربما لو كان قد حظي ببعض المساندةِ لتغلَّبَ على نزوعِه المثليِّ وأكمل حياتَه رجُلًا كما يحلو لبلانش. ربما يكون هذا قد خطرَ لوليامز، وربما لا بالطبع!
وعلى أية حالٍ، فما قُلناه عن نصّ وليامز الثريّ ليس إلا مقدمةً بسيطةً للعالَمِ المسرحي الفريد الذي خلقَه، والذي نسجَ على منوالِه إليا كازان، ثمّ مُخرجونا الثلاثة الذين سحرَهم هذا العالَم، ويبقى النصُّ الأصليُّ وتجسداتُه السينمائية منفتحةً على الدراسة والتأمل.
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي تقارير المسرحي المصرية مصر مسرح سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة على درجة فی مقام الف لم التی ی
إقرأ أيضاً:
آخرها «ولاد الشمس».. كيف عالجت السينما والدراما قضية الأيتام؟
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
تمثل قضية الأيتام أحد أبرز القضايا التي تهم المجتمع المصري، كونهم جزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، ولما تمثله القضية من تأثير على الحاضر والمستقبل، ولكن بالرغم من أهميتها، لم يتم معالجة قضايا الأيتام بالقدر الكافي على الشاشة، وربما كان مسلسل "ولاد الشمس"، الذي تم عرضه في موسم رمضان 2025، هو أبرز الأعمال الفنية التي تناولت قضية دور الرعاية وما يحدث داخلها، حيث كشف المسلسل عن الوجه الخفي لعالم الأيتام.
أعمال فنية تناول قضية الأيتاموهناك العديد من الأعمال الفنية التي تناولت قضية الأيتام قبل مسلسل "ولاد الشمس"، ومن أبرزها: مسلسل "ليه لأ 2"، حيث سلط المسلسل الضوء على قضية التبني، عندما تقرر بطلة المسلسل كفالة طفل يتيم، وفي السينما كان الأبرز فيلم "سعد اليتيم" للراحل أحمد زكي، والذي تناول قصة الشاب سعد الذي يبحث عن حق عائلته الضائع وسط عالم الفتوات، كما سلط فيلم "العذراء والشعر الأبيض" الضوء أيضًا على قضية تبني الأيتام، عندما تقرر امرأة تبني فتاة ثم تقع الفتاة في حب زوجها عندما تصل إلى سن المراهقة، كما تناول فيلم "دهب"، قضية الأيتام عندما يقرر والد الطفلة دهب التخلص منها خوفا من فضيحة أن والدتها الخادمة، لتعيش الفتاة يتيمة ويجدها رجل آخر ويتبناها، وتناول فيلم "اليتيمتين" الذي تم إنتاجه في عام 1948 قضية الأيتام، حيث يعثر رجل على فتاة يتيمة ويربيها مع ابنته ولكن عندما يتوفى الرجل تتفرق الفتاتان، وتقع الفتاة اليتيمة تحت قبضة امرأة متسلطة تقود عدد من الشحاذين والنشالين.
مسلسل «ولاد الشمس»وتحدث عدد من أبرز نقاد الفن، في تصريحات خاصة لـ«البوابة نيوز»، عن تناول السينما والدراما لقضية الأيتام، والتي كان آخرها مسلسل "ولاد الشمس".
وقالت الناقدة حنان شومان، إنه عادة كان يتم تناول قضية الأيتام في الدراما والسينما بطريقة تقليدية حيث تناولت تلك الأعمال قضية الأيتام بشكل هامشي من أجل التعاطف معهم، ولكن مسلسل "ولاد الشمس" الذي تم عرضه في موسم رمضان 2025، هو أول عمل فني يتناول قضيتهم بشكل مفصل حيث تناول دورهم في المجتمع، وكانت حبكة المسلسل رائعة، ليخرج العمل بشكل شديد الجودة والواقعية.
وأشارت حنان شومان خلال حديثها لـ«البوابة»، إلى أن مسلسل "ولاد الشمس"، تناول دور الأيتام في المجتمع، وهي فكرة رائعة، لأننا بحاجة إلى مثل هذه النوعية من الأعمال الفنية التي تسلط الضوء على قضايا مهمة في المجتمع، والأيتام جزء أصيل من نسيج المجتمع المصري ولا يمكننا تهميشهم والاقتصار فقط على زيارتهم في يوم اليتيم والاحتفال بهم، ونحن بحاجة إلى مثل هذه النوعية من الأعمال التي تسلط الضوء على قطاع منسي من الشعب.
نظرة الناس إلى الأيتاموقال الناقد أحمد سعد، "إننا دائما لا نعرف الكثير عن الأيتام، ولا نعرف الكثير عن دور رعاية الأيتام، حيث إننا فقط نتبرع لهم من أجل مساعدتهم والعطف عليهم، ولكننا لا نعرف الكثير عن تفاصيل حياتهم، ومسلسل "ولاد الشمس" الذي تم عرضه في موسم رمضان 2025 تناول قضية الأيتام بالشكل المناسب وتناول أبعاد جديدة عنهم".
كما أن المسلسل أظهر في الحلقة الأخيرة كيف اندمج الأيتام في المجتمع وأصبحوا عنصرا فعالا، وقبل هذا المسلسل كان يتم تناول قضية الأيتام بشكل سطحي، وكان يتم عرض دار الرعاية من الخارج فقط، ولم يكن يتم التعامل معها بالعمق المناسب.
وأضاف أحمد سعد، خلال حديثه لـ«البوابة»، أننا بحاجة إلى أعمال فنية تغير نظرة الناس إلى الأيتام، وكيفية التعامل معهم، حيث يواجه الأيتام العديد من المشاكل في حياتهم، فمثلا عندما يذهب شاب يتيم من أجل التقدم للزواج من فتاة، فأنه سوف يواجه مشكلة عندما يعرف أهل الفتاة أنه تربى في دار أيتام، لذلك لابد من وجود أعمال فنية تلفت النظر إلى تلك الشريحة من الناس المسكوت عنها والمهمشة في المجتمع، لأنهم شريحة من شرائح المجتمع لا يمكننا تهميشها.
قضية الأيتام في السينما والدراماوقالت الناقدة خيرية البشلاوي، إنه من الجيد أن يتم تناول قضية الأيتام سواء في السينما أو الدراما، نظرا لأنهم نسيج أصيل من المجتمع المصري ولا يمكننا تهميشهم.
وأشارت خيرية البشلاوي خلال حديثها لـ«البوابة»، إلى أنه لم تكن هناك أعمال فنية تناولت قضية بالشكل الذي يناسب قضية الأيتام، ومعظم الأعمال التي تناولت قضية الأيتام تناولت القضية بشكل بسيط وسطحي.