إعداد: فرانس24 تابِع إعلان اقرأ المزيد

بُنيت آمال بوادر انفراج اقتصادي إثر عودة العلاقات مع الدول العربية وخاصة السعودية قبل نحو أربعة أشهر، إلا أن مراقبين اعتبروا أن الرئيس السوري بشار الأسد أغلق الباب أمام احتمالات إيجاد حلول للمشكلات السورية. ثم رفع الدعم عن الوقود، وبالرغم من أن زيادة في الرواتب مئة في المئة تبعت ذلك، إلا أن أصواتا غاضبة تعالت ومظاهرات في مناطق عديدة من سوريا اندلعت، أبرزها محافظتي درعا والسويداء الجنوبيتين.

نادى المتظاهرون منذ اليوم الأول قبل أكثر من أسبوعين، "بالحرية" ورددوا شعار "سوريا لينا وما هي لبيت الأسد"، ثم اتسعت رقعة الاحتجاج في القرى والبلدات المجاورة وتطورت المطالب إلى "تطبيق قرار الأمم المتحدة 2254" الذي يتضمن بنودا كثيرة أهمها إجراء انتخابات تحت إشراف أممي وإعادة صياغة الدستور وعودة اللاجئين. وما لبث المتظاهرون أن أغلقوا مقر حزب البعث في السويداء بالشمع الأحمر ومؤسسات أخرى للدولة.

إضافة إلى ذلك، برز تحد آخر أمام النظام منذ نحو أسبوع يرتبط باشتباكات تشهدها منطقة شرق وشمال شرق سوريا. ففي سابقة في عهد الرئيس بشار الأسد، أعلنت السبت واحدة من أكبر العشائر العربية في المنطقة، وهي العكيدات، النفير العام لمحاربة قوات سوريا الديمقراطية "قسد" وأعلنت عشائر أخرى كثيرة تضامنها معها، ولا تزال الاشتباكات جارية حتى الآن. واتهم عدد كبير من هذه العشائر النظام السوري وإيران وكذلك روسيا بمؤازرة "قسد" ودعمها على حسابهم هم أبناء المنطقة وبتبذير مواردها الغنية خصوصا بالنفط.

اقرأ أيضااحتجاجات اجتماعية بطابع سياسي في جنوب سوريا وبشار الأسد في مرمى الانتقادات

لفهم هذه الظروف وكيفية تفاعل النظام معها، لا بد من فهم الواقع الاقتصادي الأخير، وما سيتيحه هذا الواقع المتداعي من خيارات أمام النظام السوري لتهدئة الشارع وإسكات الأصوات الغاضبة المتزايدة.

اقتصاد الحرب في السنوات الأخيرة

فسر مدير النشرة الإلكترونية (the Syrian Report) "ذا سيريان ريبورت" والصحافي والمحلل الاقتصادي جهاد اليازجي هذا المفهوم وأعطى لمحة عامة عنه فيما يرتبط بالشأن السوري. منذ بدء احتجاجات 2011 ثم الانزلاق في الحرب، خسرت سوريا الكثير من مقدراتها. وعلى الرغم من استمرار عمليات اقتصادية طبيعية مرتبطة بفترة ما قبل الحرب من تجارات حرة وتواصل نشاط القطاع العام، إلا أنها خلقت واقعا جديدا. يتمثل هذا الواقع بهجرة الرساميل وانقسام البلد إلى مناطق سيطرة ونفوذ، ما زاد كلفة البضائع بسبب الحواجز، وبروز حاجات وأنشطة مرتبطة بالحرب مثل تجارة الأسلحة والمخدرات وتجارة المولدات جراء قطع الكهرباء، وتهريب القطع الأثرية وعمليات الخطف لطلب الفديات وتهريب مواد مختلفة بحكم العقوبات ومنع الاستيراد، وغيرها.

وهناك عوامل إضافية ضغطت على النظام اقتصاديا خارجة عن إرادته، إضافة إلى تشديد العقوبات الأمريكية إثر تبني قانون قيصر عام 2019، وهي انعكاس تدهور الوضع الاقتصادي في لبنان على الاقتصاد السوري بشكل كبير في الفترات الأخيرة، وظاهرة الجفاف التي امتدت أكثر في السنوات الأخيرة وأثرت على قطاع الزراعة.

أشار يازجي إلى عدة عوامل ساعدت على بقاء النظام في سوريا متماسكا نسبيا، خارج استخدامه المفرط للعنف، بالرغم مما تعرض له اقتصاده من انهيارات متتالية. هذه العوامل هي أربعة بشكل رئيسي:

دعم الحلفاء وخاصة الروسي والإيراني، إذ صدّرت إيران على مدى سنوات طويلة النفط لسوريا (منذ 2013) بدون مقابل نقدي أو "كاش" عبر اتفاقية خط ائتماني بقيمة 3,6 مليار دولار. ما ساعد بترميم الاقتصاد. وكان الدعم الروسي مباشرا عبر استعادة أراض خرجت عن سيطرته وتمكينه أكثر من المناورة على منصات التفاوض، في حين وضعت قوات لها في قاعدة حميميم شرق اللاذقية واستأجرت ميناء طرطوس لنصف قرن.

المساعدات الإنسانية عن طريق الأمم المتحدة لمؤسسات ومنظمات دولية تعمل في سوريا أو منظمات سورية. وهي مصدر نشاط اقتصادي يعيش منه موظفون وأصحاب شركات. وآخرها كان المرتبط بالزلزال الذي جلب أموالا خصوصا من الإمارات وليّن بعض المواقف السياسية من الدول العربية تجاه النظام.

نظام الحوالات، أي المبالغ المالية التي يحولها سوريون مقيمون في الخارج إلى أهاليهم ومعارفهم في الداخل وهي تدعم الاقتصاد كونها توفر العملات الأجنبية، وتدعم النظام بشكل غير مباشر كون الاستلام يتم بالليرة السورية.

تجارة الكبتاغون: كشفت تقارير كان آخرها لبي بي سي قبل نحو شهرين عن تورط رأس النظام السوري بعمليات تصنيع لمخدر الكبتاغون تستقدم مادته الأولية من آسيا وتصنع في سوريا، ثم تصدر إلى دول عدة أولها الأردن للوصول إلى السعودية، وحتى وصلت شحنات منها إلى أوروبا. وهذا يعد مصدر دخل مباشر للنظام ويفيد الاقتصاد أيضا كون عبر هذه التجارة تُصرف العملة الصعبة.

يضاف إلى هذه العوامل، أنه على الرغم من التماسك الشكلي في هيكلية القطاع العام إلا أنه يشهد اضطرابا كبيرا، فالكثير من الموظفين لا يذهبون إلى العمل إلا جزئيا، والكثير منهم يطلبون الاستقالة نظرا إلى أن قيمة الراتب الشهري الفعلية لم تعد تكفي لمعيشة يومين للعائلة الواحدة في المتوسط. وأفادت تقارير عدة بوصول نسبة 90 بالمئة من السوريين إلى خط الفقر.

ما المتاح أمام النظام نظرا لهذا الواقع؟

وصل النظام إلى حالة عجز، والحرب المدمرة في مرحلة من المفترض أنها قيد الانتهاء، إلا أنه لم يتم التوصل إلى أي حل سياسي ينهي هذه المرحلة ويبدأ بجذب مشاريع إعادة الإعمار. "النظام السوري عاجز عن تقديم حلول بشكل عام وليس لديه أي حل اقتصادي" أو أي مشروع يعيد الحياة للاقتصاد، حسب اليازجي. ولم يعد هناك أي حديث في وسائل الإعلام المحلية عن مشاريع إعادة الإعمار التي كانت بفترة سابقة متكررة وجرت محاولات للترويج لها عبر إظهار تعاف جزئي في قطاع السياحة.

وفيما يخص تجارة الكبتاغون، هناك حديث عن مشروع أمريكي لإغلاق الحدود مع العراق وقطع "طريق طهران بيروت"، وأحد أهدافه ضبط عمليات تهريب الكبتاغون. ومن المؤكد أن هذه المسألة تؤرق بعض الدول وعلى رأسها الأردن والسعودية، لكن ما من معطيات دقيقة حول هذا الشأن حتى الآن. وبكل الأحوال هذه ليست تجارة يمكن للنظام التعويل عليها بشكل مستدام.

أما بشأن المظاهرات التي اندلعت في مناطق عدة من سوريا، فإن "التظاهر لا يحدث فقط بسبب الوضع الاقتصادي، وإنما أيضا بسبب غياب أي أمل في المستقبل. وقد يكون أحد أسباب المظاهرات هو عدم ظهور أي نتيجة عملية من التقارب مع العرب"، حسبما قال اليازجي. إضافة إلى أن هناك "إحساس عميق بأن كلفة السكوت أصبحت أغلى من خطورة الخروج" للتظاهر.

وحول القمع واستخدام العنف المفرط على غرار عام 2011، فإن "كلفة القمع عالية" وستزيد النظام هشاشة، وأولويته هي حصر مظاهرات الجنوب في السويداء ودرعا، كونها مناطق أطراف وليست مركزية، واعتماد سياسة الترهيب في مناطق الساحل ودمشق ووسط البلاد عبر الاعتقالات وإسكات الأصوات المعارضة. ووثقت "الشبكة السورية لحقوق الإنسان" في تقرير صدر السبت 2 أيلول/سبتمبر اعتقال ما لا يقل عن 223 شخصا خلال شهر آب/أغسطس، بينهم 57 مدنيا شاركوا في الاحتجاجات. ويصعب اللعب على الوتر الطائفي من جديد في الجنوب، حيث إن السويداء محسوبة على الأقليات التي روج كثيرا النظام في السابق أنه يحميها من الأكثرية السنية. ومنطقة الشرق والشمال الشرقي هي أصلا تخضع بجزء كبير منها لنفوذ الأكراد المدعومين من التحالف الدولي والولايات المتحدة، وفيها أيضا تواجد للجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا.

والمشكلة الأكبر تبقى، حسب اليازجي، هي أن النظام "ينتظر، ولا يبادر، ويراهن على الوقت". وهذا يظهر بالعلاقة مع تركيا والعرب بشكل أساسي. هو "لا يقدم أي تنازلات وليس لديه أية مبادرة سياسية" مقابل الحصول على مكتسبات خارج حليفيه إيران وروسيا، إن كان من دول الخليج أو حتى من الأكراد الذين يسيطرون على منابع النفط في الشمال والشمال الشرقي. ويواصل الانتظار وكسب الوقت انطلاقا من معرفته أن حلفاءه سيستمرون بالوقوف خلفه على الرغم مما تشوب العلاقة معهم من خلافات. فكرة أخرى قد يعول عليها النظام هي أن بعض الدول الغربية لا ترى أن هناك من يمكنه أن يكون بديلا للأسد وأنه بأحسن الأحوال قد يكون البديل من قلب النظام نفسه وليس من خارجه، إضافة إلى أن سوريا ليست أولوية بالنسبة لهذه الدول. 

في النهاية، النظام "محشور اقتصاديا" وسوريا هبطت كثيرا في سلم الأولويات بالنسبة للغرب.

 

فرانس24

المصدر: فرانس24

كلمات دلالية: العراق الغابون النيجر ريبورتاج سوريا سوريا بشار الأسد مظاهرات اقتصاد للمزيد النظام السوری إضافة إلى إلا أن

إقرأ أيضاً:

الإعلان الدستوري السوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (2)

في هذه الحلقة الثانية من الدراسة التي كتبها خصيصًا لـ"عربي21"، يواصل الدكتور عبد العلي حامي الدين، أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس بالرباط، قراءته في الإعلان الدستوري الذي قدمته السلطات السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع لإدارة المرحلة الانتقالية. يتناول الباحث في هذه الحلقة نظام الحكم المؤقت، مشيرًا إلى أن المقتضيات الواردة في الباب الثالث من الإعلان تعكس تصورًا رئاسيًا واضحًا للسلطة التنفيذية.

ورغم وجاهة هذا التوجه في تحقيق السرعة والفعالية، إلا أنه يثير تساؤلات حول مخاطر تركيز السلطة وتأثيره على مبدأ الفصل بين السلطات، وهو ما يضع تحديات كبيرة أمام تحقيق توازن مؤسساتي حقيقي في سوريا الجديدة.

مبدأ الفصل بين السلطات بين التصور النظري والملاءمة الدستورية..

لقد جاء الباب الثالث من الإعلان الدستوري تحت عنوان نظام الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وتعكس المقتضيات الواردة في هذا الباب المنظور الذي يؤطر فلسفة السلطة في المرحلة الجديدة، كما يعكس بشكل استباقي الملامح الرئيسية للدستور الدائم، وهي ملامح تبدو مطبوعة بالتصور الرئاسي للسلطة التنفيذية، وهو أمر مفهوم في سياق البحث عن الأسلوب الملائم لتحقيق الفعالية والسرعة في إصدار القرارات، ولكنه محفوف بمخاطر تركيز السلطة وإفراغ مبدأ الفصل بين السلطات من وظائفه المعروفة كما تطورت في الممارسة العملية لأنظمة الحكم في العالم.

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات القاعدة الأساسية التي تقوم عليها الأنظمة الدستورية في الديموقراطيات العريقة، مع ضرورة الإشارة إلى اختلاف تنزيل هذا المبدأ تبعا لاختلاف مكونات وخصائص النظام الدستوري من دولة إلى أخرى، وذلك راجع إلى اختلاف السياقات الفكرية والسياسية للأنظمة الدستورية التي تختلف بحسب شخصية الأمة ودرجة تمدنها ومكوناتها الثقافية وموروثها الحضاري وتاريخها السياسي إلى جانب عوامل أخرى كثيرة.

لكن نشأة هذا المبدأ تظل مرتبطة بنشأة الفكر الدستوري الحديث الذي اهتم بإنتاج بعض المبادئ والمفاهيم التأسيسية التي يبقى لها دور حاسم في فهم طبيعة النظم السياسية.

بحيث استقرت آراء العديد من المفكرين على أن كل إنسان يتولى السلطة محمول على إساءة استعمالها، "ولكي لا نسيء استعمال السلطة يجب بحكم طبيعة الأشياء أن توقف السلطة’ السلطةَ" كما قال المفكر الفرنسي مونتيسكيو (1689/1755) في كتابه روح القوانين.

وبالتالي فإن فلسفة هذا المبدأ تتجاوز اعتماد الفصل الشكلاني بين وظائف الدولة، إلى محاربة كل نزعة استبدادية وإطلاقية في الحكم، وعليه فإن الحل يكمن في إيجاد "سلطات مضادة" تقف في وجه بعضها البعض، وذلك عن طريق إيجاد التقنيات المناسبة لكسر هيمنة السلطة ووحدتها ومن تم إضعافها لمنعها من التعدي على الحريات.

لقد كان لهذا المبدأ أثره الواضح في معالجة ظاهرة الاستبداد وصيانة الحريات وإرساء نوع من التوازن السياسي بالشكل الذي يجعل حدود كل واحدة واضحة ومعروفة ومحترمة.

الإعلان الدستوري يكرس سلطة تشريعية بدون أدوات رقابية..

لقد جرى تخصيص الباب الثاني لتنزيل مبدأ الفصل بين السلطات كما ورد في المادة الثانية من الإعلان الدستوري، وهي مادة من المفروض أن تؤطر جميع مواد الباب الثاني. وهكذا يمارس السلطة التشريعية مجلس الشعب، لكن السؤال يبقى مطروحا حول مصدر مشروعية هذا المجلس، ففي غياب انتخابات تشريعية لانتخاب أعضاء مجلس الشعب، جعل الإعلان الدستوري مبادرة تشكيل هذا المجلس بيد رئيس الجمهورية الذي يعين لجنة عليا لاختيار أعضاء مجلس الشعب وتقوم هذه اللجنة بالإشراف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، وتقوم تلك الهيئات بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب، بينما يعين رئيس الجمهورية ثلث أعضاء مجلس الشعب، الذي يستمر في عمله إلى حين اعتماد دستور دائم وإجراء انتخابات تشريعية جديدة وفقاً له، وتبقى مدة ولاية مجلس الشعب ثلاثون شهراً قابلة للتجديد، ويمارس المجلس اختصاصات تشريعية عادية كما يتوفر على بعض الصلاحيات الرقابية المنحصرة في الاستماع إلى الوزراء.

وهكذا يمكن أن نلاحظ بشكل سريع أن الاختصاصات الرقابية لمجلس الشعب تبقى محدودة ومنحصرة فقط فيما سمي بالاستماع إلى الوزراء الذي يستلزم المزيد من التدقيق في إجراءاته ومآلاته، وهو ما ينبغي أن يتضح أكثر في النظام الداخلي للمجلس الذي من المفترض أن يتم التعجيل بصياغته والمصادقة عليه، لكن مع ذلك، يمكن القول بأن الإعلان الدستوري لا يتيح لأعضاء مجلس الشعب الآليات الدستورية للقيام بالرقابة الضرورية على عمل السلطة التنفيذية، من قبيل غياب الآليات الدستورية التي تسمح للمجلس بتشكيل لجان لتقصي الحقائق أو عقد جلسات علنية لمساءلة الوزراء أو تنظيم زيارات استطلاعية للمؤسسات العمومية وغيرها وإعداد تقارير حولها ومناقشتها داخل المجلس، فضلا عن إمكانية سحب الثقة من الحكومة، وهو ما يجعل عملية التوازن بين السلطات تميل لفائدة السلطة التنفيذية.

أحادية السلطة التنفيذية تكريس للطابع الرئاسي للنظام خلال المرحلة الانتقالية..

تتولى السلطة التنفيذية حسب مقتضيات المادة 42 "تنفيذ القوانين والخطط والبرامج المعتمدة وإدارة شؤون الدولة وتنفيذ السياسات العامة ، وإعداد مشروعات القوانين لرئيس الجمهورية لاقتراحها على مجلس الشعب، وإعداد الخطط العامة للدولة، وإدارة الموارد العامة للدولة وإعادة بناء المؤسسات العامة وتعزيز سيادة القانون والحكم الرشيد، وبناء المؤسسة الأمنية وحماية حقوق المواطنين وحرياتهم، وبناء جيش وطني احترافي مهمته الدفاع عن حدود البلاد وسيادتها، وتعزيز العلاقات الدولية والتعاون مع المنظمات الدولية لتحقيق المصالح الوطنية".

أما الوزراء فيتم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية، وهو الذي يعفيهم من مناصبهم ويقبل استقالتهم، وللمزيد من فعالية السلطة التنفيذية، يصدر رئيس الجمهورية اللوائح التنفيذية والتنظيمية ولوائح الضبط والأوامر والقرارات الرئاسية وفقاً للقوانين.

وعلى غرار الأنظمة الدستورية في العالم، يمثل رئيس الجمهورية الدولة، ويتولى التوقيع النهائي على المعاهدات مع الدول والمنظمات الدولية، كما يقوم بتعيين رؤساء البعثات الدبلوماسية لدى الدول الأجنبية وإقالتهم، ويقبل اعتماد رؤساء البعثات الدبلوماسية الأجنبية لدى الجمهورية العربية السورية.

وبالإضافة إلى هذه الصلاحيات التنفيذية، فإن رئيس الجمهورية يتمتع أيضا بصلاحيات ذات طابع تشريعي، بحيث له حق اقتراح القوانين، كما يُصدر القوانين التي يقرها مجلس الشعب، وله الاعتراض عليها بقرار معلل خلال شهر من تاريخ ورودها من المجلس الذي يعيد النظر فيها، ولا تقر القوانين بعد الاعتراض إلا بموافقة ثلثي مجلس الشعب، وفي هذه الحالة يصدرها رئيس الجمهورية بالضرورة.

ولئن كانت صلاحيات الرئيس في المجال التنفيذي هي الأهم، فإن دائرة تدخله حينما امتدت لتشمل دائرة التشريع أيضا عن طريق اقتراح القوانين، فقد مثلت استثناء بالمقارنة مع باقي الأنظمة الرئاسية، حيث لا يسمح للرئيس بممارسة الاختصاصات ذات المنحى التشريعي إلا بشكل محدود جدا على غرار إثارة انتباه الكونغرس إلى بعض التدابير التشريعية اللازمة لسير البلاد بالنسبة للنموذج الأمريكي، ويتم ذلك في شكل توصيات تشريعية تتضمنها خطابات الرئيس الموجهة، من حين لآخر، إلى الكونغرس أو الخطاب السنوي للرئيس حول حالة الاتحاد، الذي أصبح تقليدا سائدا في هذا البلد، وفي ذلك نصت الفقرة الثالثة من المادة الثانية من الدستور الأمريكي على أنه "للرئيس من وقت لآخر أن يبلغ الكونغرس معلومات عن حالة الاتحاد ويوصيه بأن يبحث الإجراءات التي يراها ضرورية وناجحة". مع العلم أن هذه الرسائل لا تلقى دائما تجاوبا معها من طرف الكونغرس.

ومن جهة أخرى، يتمتع الرئيس السوري بصلاحيات استثنائية تتمثل في إعلان التعبئة العامة والحرب بعد موافقة مجلس الأمن القومي، كما يمكنه أن يعلن حالة الطوارئ جزئياً أو كلياً لمدة أقصاها ثلاثة أشهر بعد موافقة مجلس الأمن القومي واستشارة رئيس مجلس الشعب ورئيس المحكمة الدستورية، وذلك في حالة قيام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة واستقلال أرض الوطن أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهامها الدستورية، كما يعتبر رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، والمسؤول عن إدارة شؤون البلاد ووحدة أراضيها وسلامتها، ورعاية مصالح الشعب، ويقوم رئيس الجمهورية بتسمية نائب له أو أكثر ويحدد اختصاصاتهم ويعفيهم من مناصبهم ويقبل استقالتهم، وفي حال شغور منصب الرئاسة يتولى النائب الأول صلاحيات رئيس الجمهورية.

والخلاصة،

أننا أمام إعلان دستوري يكرس أحادية السلطة التنفيذية، وتعني أحادية السلطة التنفيذية ببساطة أن رئيس الدولة هو نفسه رئيس الحكومة، حيث لا يتطلب الأمر، كما هو الأمر في النظام البرلماني وشبه الرئاسي، وجود سلطة تنفيذية برأسين، وهذا الأمر يجعل من رئيس الدولة المالك الوحيد للسلطة التنفيذية، وبالتالي الرجل الأقوى في الدولة، حيث أراد واضعوا الإعلان الدستوري أن يكون قويا من خلال سلطاته واختصاصاته الدستورية خلال المرحلة الانتقالية، مما قد يثير مخاوف بشأن تركز السلطة، ناهيك عن "تعيين ثلث" أعضاء مجلس الشعب، ومع ذلك يمثل الإعلان الدستوري الجديد خطوة ضرورية نحو الديمقراطية رغم غياب حضور كلمة الديمقراطية في هذا الإعلان، ولكنه يحتاج إلى متابعة دقيقة لضمان تطبيقه بشكل كامل وعادل، وهو ما يستدعي يقظة المجتمع المدني وحضوره المسؤول في دعم مسار بناء مؤسسات سوريا الجديدة والخروج من حالة الاستبداد إلى حالة الاستقرار السياسي والمؤسساتي، مع مراقبة تنفيذ الإعلان الدستوري وإنشاء آليات لمراقبة وتقييم تنفيذ الإعلان الدستوري، مرفوقة بإعداد تقارير دورية حول التقدم المحرز ، وتقديم الدعم الفني للمؤسسات ورصد أي انتهاكات للحقوق والحريات. مع التركيز على المصالحة الوطنية في إطار تبني مقاربة مبتكرة للعدالة الانتقالية تتلاءم وطبيعة الانتهاكات الجسيمة التي عاشتها سوريا خلال المرحلة السابقة، وهو ما سيكون موضوع نقاشنا في الحلقة الثالثة.

*أستاذ القانون الدستوري بجامعة محمد الخامس 

إقرأ أيضا: الإعلان الدستوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (1)

مقالات مشابهة

  • وزير الاقتصاد السوري: نسعى لبناء سوريا جديدة تُلبي تطلعات الشعب
  • محامٍ يوضح ‏هل يحق لك تمنع شخص من الوقوف أمام سور منزلك.. فيديو
  • ‏عائلته قالت إنه تحت رعاية الرئيس الشرع.. نفي لبراءة مفتي النظام السوري السابق أحمد حسون
  • وزير الاقتصاد السوري: نحن أمام فرصة تاريخية لاختراع سوريا جديدة
  • كيف نقرأ سوريا الأسد عبر الدراما؟
  • 95 تريليون دينار محفوظة خارج النظام المصرفي.. ما تأثيرها على الاقتصاد؟
  • الحرب العالمية التجارية التي أعلنها ترمب لا تخصنا في الوقت الراهن
  • رغم الهزة التي ضربت الأسواق.. ترامب يؤكد: "التعريفات الجمركية تسير بشكل رائع"
  • الإعلان الدستوري السوري.. قراءة تحليلية لفلسفة السلطة في سوريا الجديدة (2)
  • السعودية تدين بشدة الغارات الإسرائيلية على سوريا وتدعو للوقوف بشكل جاد وحازم أمام هذه الانتهاكات