يقظة أفريقيا وصعود الجنوب العالميّ
تاريخ النشر: 4th, September 2023 GMT
يقظة أفريقيا وصعود "الجنوب العالميّ"
في العمق، ثمّة "علاقة سببيّة" بين التطورات الأفريقية المتسارعة من جهة، وصعود "الجنوب العالمي" من جهة ثانية.
تستيقظ أفريقيا، توازياً وتزامناً مع صعود "الجنوب العالمي" رغم أن "اللعبة" ما زالت في بواكيرها، ومآلاتها غير معروفة.
تحوّلات عميقة بـ"مزاج" الرأي العام العالمي، خاصة بالجنوب، الذي يقدّم التنمية والاستقرار والحوكمة، على "انفلاش ديمقراطي" لم يجلب تنمية ولا حرية.
تبدو الصين، نموذجاً ينتشر عالمياً، لا تستلهمه الأنظمة والحكومات كما بالسابق لتبرير أنماط حكمها السلطوية، بل يتسلل إلى رأي عام سئم الفوضى والفقر والتخلّف.
في العالم العربي وأفريقيا وآسيا الوسطى، يبدو التبشير بموجة ديمقراطية جديدة مهمة صعبة، سيما وأن الديمقراطية، تتعرّض لأكثر اختباراتها مصيرية في مواطنها الأصلية.
عالم جديد يطل برأسه، من جوهانسبرغ ودول الساحل والصحراء وغرب أفريقيا بعد أوكرانيا وحربها، أول مخاض الولادة الجديدة، ولا يستبعد أن تُستكمل على شواطئ تايوان وبحر الصين.
في أفريقيا وغيرها، ما زال الغرب يستحضر قواعد لعبته القديمة: استعمار يسلّم استعماراً، واستعمار يرث استعماراً، لا رحمة مع "الحلفاء" إن ظهرت عليهم إمارات الضعف كما في حالة فرنسا.
* * *
من حيث الشكل، لا توجد علاقة مباشرة ما بين مسلسل الانقلابات/الثورات في أفريقيا، والصعود غير المسبوق، لجماعة "بريكس"، بالذات بعد قمتها التاريخية في جوهانسبرغ، والتي تميّزت بـ"حجيج" لزعماء أكثر من أربعين دولة، ضاقت "بريكس" بمعظمها، واكتفت بالتوسّع بست منها فقط، أقلّه في هذه المرحلة... لكن في العمق، ثمّة "علاقة سببيّة" بين التطورات الأفريقية المتسارعة من جهة، وصعود "الجنوب العالمي" من جهة ثانية.
إذ لولا نجاح الدول الوازنة في "بريكس"، الصين وروسيا، في بسط نفوذها فوق مساحات واسعة من القارة السمراء، وتنامي قدراتها على تقديم بدائل اقتصادية وأمنية وعسكرية، بل وتوفير مظلة سياسية لقادة أفريقيا الجدد، لما شهدنا على هذا المسلسل متعدد الحلقات من الانقلابات العسكرية المدعومة شعبياً على نطاق واسع ولما كان بمقدور هؤلاء القادة إلقاء قفاز التحدّي في وجه الاستعمار القديم – الجديد، على النحو الذي شهدناه في بعض دول الساحل والصحراء على وجه الخصوص...
ما يجري في غرب أفريقيا وساحلها وصحرائها، هو حقل اختبار، ينجح للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب الباردة، ونشوء نظام القطب الواحد، في تظهير ملامح نظام عالمي جديد، متعدد الأقطاب.
لكلّ انقلاب من الانقلابات التي شهدتها القارة خلال السنوات الثلاث الفائتة، قصته وحكايته، ولكل منها سياقاته السياسية والأمنية، وهذا أمر طبيعي ومفهوم، على أن ذلك لا يقلّل أبداً من شأن "المشتركات" التي تجمعها، وأهمها أربعة:
أولها؛ أنها في معظمها ولّدت زخماً شعبياً هائلاً، هي لم تأتِ نتيجة "ثورة شعبية"، ولكنها كانت الشرارة التي أشعلت سهلاً من الغضب الشعبي العارم، موجّه بالأساس ضد القوى الاستعمارية الغربية، وبالأخص فرنسا، التي لم تكتفِ بنهب وسلب خيرات هذه البلاد، وبعضها كما في النيجر، لأكثر من قرنين من الزمان، بل وما زالت تحلم بتمديد آجال السيطرة والنهب والسلب، لسنوات وعقود مقبلة...
والحقيقة أن "انقلابات" أفريقيا الجديدة، ليست "نسيجاً وحدها"، فكم من انقلاب أفضى إلى ثورة سياسية واقتصادية واجتماعية شاملة (ثورة 23 يوليو 1952 المصرية مثالاً ناصعاً)، وكم من انقلاب جاء على أكتاف ثورة، وغالباً لإجهاضها.
وثانيها: أن الهياكل "الديمقراطية" التي بنيت في هذه البلدان بعد عقود من "الاستقلال"، كانت هشّة للغاية، وزائفة في معناها ومبناها، انخرطت فيها قوى محلية "مُتَغَرِبة"، نشأت في أحضان المستعمر، وغالباً لخدمة مصالحه واستراتيجياته، وتعطي الغابون بشكل خاص، مثالاً صارخاً على ما ذهبنا إليه، فـ"الديمقراطية الأداتية/الإجرائية" الزائفة شكلاً ومضموناً، هي الآلية التي مكّنت "آل بونغو، الأب والابن" من حكم البلاد لأكثر من نصف قرن، بقبضة من حديد وفساد، وتحت قشرة ديمقراطية، سرعان ما انكشف بؤسها وزيفها، ودائماً برضى وتصفيق و"هندسة" من المستعمر القديم، الذي ما زال جاثماً على صدر البلاد وشعبها وثرواتها.
وثالثها؛ إن بعض الأطر الإقليمية الأفريقية، المفترض بها تنظيم شؤون القارة أو أقاليم منها، خدمة للصالح العام، وفي مجالات الحياة والاقتصاد والمعيشة والأمن، وبالذات "الإيكواس"، ثبت أن لديها "ميولاً باريسية"، جعلت منها رأس حربة متقدّماً في حرب "رجل أوروبا المريض" للحفاظ على مستعمراته ومصادر ثراء شركاته ومفاعلاته النووية...
فضلاً عن كون هذه الأطر، أثبتت أنها أكثر هشاشة من أن تصمد في وجه رياح التغيير العاتية التي تهب على القارة، فالانقسام داخل "إيكواس" حول النيجر، بات ينذر بحرب إقليمية في قلب القارة، في حال أصرّ المجلس العسكري لدول المجموعة على "ركوب رأسه" والذهاب إلى حرب على النيجر، فلا يكفي أن تكون بعض الدول مؤيّدة لقرع طبول الحرب، فهناك دول أخرى، تنذر بقرع طبول حرب مضادة، فيما لو وقع المحظور.
ورابعها؛ إن الغرب يأبى أن يفارق عاداته القديمة – الجديدة، فمعاييره المزدوجة تفعل فعلها من جديد، فهناك انقلاب جيد، ويمكن العيش معه، ولا يلقى الإدانات المنبعثة من أعمق أعماق مشاعر الحرص على الديمقراطية وحقوق الانسان (؟!) كما في الغابون، وهناك انقلاب سيّئ، شرير، يستحق تجريد الجيوش وشن الحروب والعزل والمقاطعة ومختلف أشكال "الشيطنة" كما في النيجر...
نسي الغرب، ونسيت فرنسا، أن موقفهما "الناعم" من انقلاب الغابون، قد فرّغ موقفها الخشن في النيجر من أي معنى أو مضمون، وأن هذا السلوك المزدوج والمنافق، قد هبط برداً وسلاماً على جنرالات النيجر.
والغرب في أفريقيا، كما في أماكن أخرى، ما زال يستحضر عند كل منعطف، قواعد لعبته القديمة: استعمار يسلّم استعماراً، واستعمار يرث استعماراً، لا رحمة مع "الحلفاء" إن ظهرت عليهم إمارات الضعف، كما في حالة فرنسا اليوم.
حدث ذلك في منطقتنا في الخمسينيات والستينيات، عندما حلت واشنطن محل لندن وباريس في التحكّم برقاب أهل هذه البلاد، ويحدث اليوم، في المسعى الأميركي للحلول محل فرنسا في مستعمراتها القديمة، فيما الخلاف بين باريس وواشنطن (وبعض عواصم أوروبا) حول أفريقيا، يكاد يظهر للعلن، ويكاد السيد ماكرون أن يختنق بـ"الغصة" من تخاذل الحلفاء...
هنا نفتح قوسين لاستحضار تجربة أخرى في "التخلي"، ولكن في لبنان هذه المرة، حيث يكابد السيد لودريان للقفز من فوق متاريس حلفائه في "الخماسية"، من ضمنهم واشنطن، وربما بجهد أصعب وأكثر تعقيداً من ذاك الذي سيبذله مع أطراف الأزمة اللبنانيين المحليين.
في مطلق الأحوال، ليس لأفريقيا ما تخسره إن هي جرّبت شقّ عصا الطاعة في وجه مستعمريها القدامى والجدد، ولا في وجه أدواتهم "والنظم" التي تمت هندستها في باريس... فلا تنمية تحقّقت برغم مرور 5-6 عقود على الاستقلالات الوطنية، ولا أنظمة حكم ديمقراطية حقيقية، تلبّي تطلّعات شعوبها للحرية والكرامة... الظلام يخيّم على مدن البلاد الأفريقية المنتجة للنفط والغاز واليورانيوم، فيما الأضواء تجعل ليل مدن المستعمر نهاراً، ومن دون أن يرفّ لأحد جفناً.
لسنا من أنصار الانقلابات العسكرية، ولن نكون... ولسنا من أتباع نظريات تدخّل الجيوش في السياسة والاقتصاد، ولن نكون... لكن في دول فُرِّغت مجتمعاتها من عوامل التغيير وأدواته وحوامله، يبقى التغيير، مرتبطاً بسلوك القوة الوحيدة المنظمة: الجيش، سواء أكان هذا التغيير للأحسن أم للأسوأ.
كما وأننا لسنا من أنصار نظرية "المستبد العادل"، وما زلنا على قناعتنا بأن الديمقراطية وإن لم تكن نظاماً مثالياً، إلا أنها النظام الأمثل الذي اهتدت إليه البشرية حتى اليوم...
ولكننا برغم هذا وذاك وتلك، لا نغمض أعيننا عن المؤشرات التي تدل على تحوّلات عميقة في "مزاج" الرأي العام العالمي، بالذات في دول الجنوب، الذي بات يقدّم هدفي التنمية والاستقرار، مع مستوى معقول من الحوكمة، على تجارب "الانفلاش الديمقراطي" التي لم تجلب تنمية ولم تأتِ بالحرية، فكانت كمنبت، لا أرضاً قطعَ ولا ظهراً أبقى.
في هذا السياق، تبدو الصين، نموذجاً أخذاً في الانتشار عالمياً، لا تستلهمه الأنظمة والحكومات كما كان في السابق لتبرير أنماط حكمها السلطوية، بل بات يتسلل إلى الرأي العام الذي سئم الفوضى والفقر والتخلّف، والبقاء في ذيل قوائم التنمية البشرية، وغالباً من دون أن يظفر بالحرية والديمقراطية.
ولنا في عالمنا العربي وأفريقيا وآسيا الوسطى، نماذج دالّة على ذلك، تجعل التبشير بموجة ديمقراطية جديدة مهمة صعبة للغاية، سيما وأن الديمقراطية، تتعرّض لأكثر اختباراتها مصيرية في مواطنها الأصلية.
في هذه السياقات تستيقظ أفريقيا، توازياً وتزامناً مع صعود "الجنوب العالمي"...صحيح أن "اللعبة" ما زالت في بواكيرها، وأنّ مآلاتها غير معروفة حتى اليوم، لكن الصحيح كذلك، أن العالم الجديد أخذ يطل برأسه ثانية، من جوهانسبرغ ودول الساحل والصحراء والغرب الأفريقي هذه المرة، بعد أن كانت أوكرانيا والحرب فيها وعليها، أول الطَلْق للولادة الجديدة، التي من غير المستبعد أن تتم وتُستكمل على شواطئ تايوان وبحر الصين وبرّها.
*عريب الرنتاوي مدير مركز القدس للدراسات السياسية
المصدر | الميادين نتالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: أفريقيا النيجر ثورة إيكواس الديمقراطية الاستعمار بريكس الصين روسيا أمريكا فرنسا أوكرانيا الانقلابات العسكرية الجنوب العالمي الجنوب العالمی من جهة کما فی فی وجه
إقرأ أيضاً:
فال كيلمر.. نجم باتمان الذي رحل صامتا
جاء رحيله، كما لو كان كذبة أبريل/نيسان الشهيرة، فقد أعاد مشهد الموت الغامض والمفاجئ للمثل الأميركي فال كيلمر إلى الذاكرة صخب حياته، التي كانت أكثر غموضا، لممثل صعد بسرعة الصاروخ إلى قمة الشهرة والنجاح، ومن ثم انطفأ نجمه بالسرعة نفسها.
وقد عرف كيلمر كأحد أكثر شخصيات هوليود غموضًا وجاذبية، إذ كان ممثلا من الطراز الأرفع، وتمتع بمظهرٍ أنيق وروح متمردة، وسعيٍ دؤوبٍ نحو الأصالة. من بداياته المسرحية الواعدة إلى فترة ارتدائه زي باتمان، وصولا إلى التجارب الشخصية والمهنية العميقة التي أعادت صياغة حياته ومسيرته المهنية.
اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2بعيدا عن هوليود.. اكتشف متعة 6 مسلسلات قصيرة غير أميركيةlist 2 of 2هل تنتهي صيحة مسلسلات ضيوف الشرف قريبا؟end of listولد فال إدوارد كيلمر في 31 ديسمبر/كانون الأول عام 1959 في لوس أنجلوس بكاليفورنيا، وانجذب إلى عالم التمثيل منذ صغره، وساعده على ذلك نشأته في عائلة تقدر الإبداع، لكنها اتسمت أيضا بعدم الاستقرار. كان والده، يوجين كيلمر، موزعا لمعدات الطيران ومطورا عقاريا، بينما كانت والدته، غلاديس سوانيت، متدينة للغاية ومن أصل سويدي.
انفصل الزوجان عندما كان فال في التاسعة من عمره فقط – وهو حدثٌ شكّل حياته وترك أثرًا لا يُمحى، وشكّل العديد من الشخصيات الكئيبة والمحطمة عاطفيًا التي سيجسدها لاحقًا. كان لدى كيلمر شقيقان: ويسلي ومارك. توفي ويسلي في سن الخامسة عشرة بسبب مضاعفات الصرع، وهي خسارة أثرت بشدة على فال وعززت حساسيته تجاه هشاشة الحياة، وهو موضوعٌ يتجلى بوضوح في جميع عروضه.
إعلانالتحق فال بمدرسة هوليود الاحترافية قبل أن يصبح أصغر طالب يقبل في قسم الدراما بمدرسة جوليارد المرموقة في سن السابعة عشرة، حيث صقل موهبته بتفانٍ شديد، مُظهرًا موهبة مبكرة تبشر بمسيرة مهنية جادة في عالم المسرح. عكست أعماله الأولى هذا الطموح، إذ شارك في كتابة مسرحية "كيف بدأ كل شيء" (How It All Began)، وقام ببطولتها في المسرح، وشارك في إنتاجات خارج برودواي وأعمال تجريبية، ورغم خلفيته الكلاسيكية، لم يمضِ وقت طويل حتى تهافتت عليه هوليود.
ظهر كيلمر لأول مرة في السينما عام 1984 في الفيلم الكوميدي الساخر "سري للغاية!" (Top Secret!)، حيث فاجأ الجمهور بحسه الكوميدي ومواهبه الموسيقية. لكن فيلم "توب غان" (Top Gun) عام 1986 هو ما دفعه نحو النجومية. وعبر شخصية الطيار المقاتل "آيس مان" المتغطرس والبارد، أصبح كيلمر رمزًا للثقافة الشعبية، إذ لم تقل جاذبيته في كل لفته بالعمل عن النجم توم كروز.
وخلال السنوات التالية، أثبت كيلمر وجوده كواحدٍ من أكثر الممثلين تنوعًا في أدوارهم في التسعينيات. فمن تجسيده لشخصية جيم موريسون في فيلم "الأبواب" 1991 (The Doors) وهو دور استعد له بشغف شديد، ثم انتقل إلى تجسيد دور تاجر السلاح دوك هوليداي في فيلم "تومبستون" 1993 (Tombstone)، وأشاد النقاد بأدائه لدور موريسون وتصويره لشخصية هوليداي.
ومع بداية عام 1995 انتقل فال كيلمر إلى مرحلة جديدة تماما في حياته المهنية، حيث دخل كيلمر عالم الأبطال الخارقين، مرتديا العباءة والقلنسوة في فيلم "باتمان للأبد" (Batman Forever)، الذي أخرجه جويل شوماخر، وشكل انطلاقة من عالم الأبطال الخارقين المظلم الذي بناه تيم بيرتون مع مايكل كيتون. كان باتمان كيلمر كئيبًا ولكنه أنيق، معقد نفسيًا ولكنه رزين.
وجاء اختيار فال كيلمر لدور باتمان بمثابة انتصار ونقطة تحول في مسيرته الفنية، وخلفًا لمايكل كيتون، قدّم كيلمر أحد أشهر أدوار هوليوود في ذروة شهرته، بفكه المنحوت، وعينيه الحادتين، وحضوره الهادئ والغامض، بدا كيلمر مُناسبًا للدور، وأضفى على شخصية بروس واين تعقيدًا نفسيًا وهدوءا وتأملًا يفوق سابقيه.
اعتمد فيلم "باتمان للأبد" على المؤثرات البصرية والمشاهد المُصممة إلا أن كيلمر قدّم الدور برؤية جادة، تكاد تكون مأساوية، مُركزًا على الصراع الداخلي لرجل يعيش حياة مزدوجة. لم يكن بروس واين مجرد ملياردير لعوب، بل كان يتيمًا مُطاردًا لا يزال يصارع الحزن. كان باتمان أنيقا وصامدًا، يظهر القوة ويخفي ضعفًا عاطفيًا. درس كيلمر ازدواجية الشخصية بعمق حقيقي، مضيفا عليها دلالات دقيقة في الحوارات والصمت على حد سواء.
إعلانلكن على الرغم من النجاح التجاري للفيلم، وجد كيلمر التجربة مُحبطة. فبدلة باتمان، كما كشف لاحقًا، كانت تقيده، لدرجة أنها جعلت من الصعب عليه السماع أو التواصل مع زملائه الممثلين. يتذكر قائلًا: "لا تسمع، لا تتحرك. إنها مُنعزلة للغاية".
كان كيلمر يعتقد أن الدور يقيد قدرته على التفاعل العاطفي والأداء الحي، لذلك عندما عُرضت عليه فرصة العودة إلى باتمان وروبن، رفض، ليس رفضا للشخصية، بل رغبةً منه في التركيز على أدوار أكثر تعبيرًا وتحديًا، وكشف المخرج جويل شوماخر- في تصريحات صحفية- أنه وجد كيلمر صعبا في العمل، وهي سمعة بدأت تطارده في تلك الفترة.
ورغم استمراره في أداء أدوار بارزة في أفلام مثل "الحرارة" 1995(Heat)، مع آل باتشينو وروبرت دي نيرو، و"القديس" 1997(The Saint)، إلا أن أخبار سلوكياته الصعبة في موقع التصوير بدأت تطغى على مسيرته المهنية، وعرف بصعوبة أسلوبه، وصرامة قراراته، وعدم استعداده للتنازل عن قراراته الإبداعية، لذلك بدأ المخرجون والاستوديوهات ينظرون إليه على أنه مصدر خطر، مما أدى إلى تراجع عروض الأفلام الكبرى.
وتزامنت هذه الفترة أيضًا مع تراجع في ايرادات شباك التذاكر لبعض أعماله، ومنها فيلم "جزيرة الدكتور مورو" 1996(The Island of Dr. Moreau)، الذي عانى من فوضى إنتاجية، وقد تحولت خلافاته مع المخرج جون فرانكنهايمرحديث الصحافة، وانعكس الأمر على الصورة المحاطة بالشكوك لنجم صعب المراس.
في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، كاد كيلمر أن يختفي عن الأضواء، ولم يعلم محبوه إلا لاحقًا بمعركته مع سرطان الحنجرة، الذي أبقاه سرًا في البداية. تسبب المرض في تغيير صوته بشكل كبير نتيجة عملية ثقب القصبة الهوائية، وتأثرت قدرة فال كيلمر على الكلام، وظنّ الكثيرون أن مسيرته الفنية قد انتهت.
إعلان توب ما فريك.. الحنينخالف كيلمر كل التوقعات، وذلك حين أصدر الفيلم الوثائقي "فال" (Val) في عام 2021، والذي احتوى على لقطات منزلية صوّرها على مدار عقود طوال حياته ومسيرته الفنية. قدّم الفيلم صورة مؤثرة وحميمة لفنان عاش حياته بشروطه الخاصة، بعيوبه، وعبقرتيه، وعمق إنسانيته، فتأثر النقاد والجمهور على حد سواء بصدق الفيلم وهشاشته.
وكان الممثل الهوليودي قد رزق بطفلين، هما جاك ومرسيدس من الممثلة جوان والي، التي التقى بها في موقع تصوير فيلم "ويلو" 1988(Willow)، وطلقا عام 1996، لكن كيلمر ظلّ قريبا من أبنائه. في السنوات الأخيرة، انخرط كلاهما في مجالات إبداعية: جاك كممثل، ومرسيدس كممثلة وعارضة أزياء.
ولعب جاك ومرسيدس أدوارا محورية في الفيلم الوثائقي "فال"، حيث كانا سندا عاطفيا لوالدهما ضد وحش السرطان الذي التهم جسده وسعادته.
ثم جاء فيلم "توب غان: مافريك" 2022 (Top Gun: Maverick)، حيث أعاد كيلمر تمثيل دور "آيس مان" في مشهد مؤثر أمام توم كروز. ورغم قدرته المحدودة على الكلام، إلا أن الجاذبية العاطفية لحضوره جعلت المشاهدين يذرفون الدموع، حيث كان الفيلم تذكيرًا قويًا بفنان لم يكف عن النضال من أجل صوته، حتى عندما سُلب منه.
لم تكن رحلة فال كيلمر مجرد مشوار لنجم هوليودي، بل كانت نضالا لروح لا تعرف اليأس، وتسعى وراء الفن بشغف لا نظير له، ويمثل كيلمر اليوم رمزا للنجاح الخاطف، ودرسا عن الثمن الباهظ للهوس الإبداعي. ومع ذلك، ورغم المرض، ورفض الوسط الفني، والتحول الشخصي، بقي كما كان دائمًا، ممثلًا لا يخشى المخاطرة، ولا يهاب الحقيقة.