لجريدة عمان:
2025-04-03@09:46:52 GMT

الفلسفة في حياتنا

تاريخ النشر: 2nd, September 2023 GMT

قامت الفلسفة بدور كبير في تأصيل أفكار العقل وعبقريته؛ فنجدها بارزة في حياة الإنسان ومذاهبه الفكرية المتعددة؛ حيث وجد الإنسان الفلسفة وسيلة لاستدراج أفكاره ومشاعره الدفينة والتعبير عنها وفق منهج عقلي متجانس مع المنطق البديهي -قدر المستطاع. ونجده يلجأ إلى الفلسفة ليواجه تحديات الحياة، ويجيب عن أسئلتها الكبرى، وأحد أشهر الكتب وأقدمها التي تناولت دور الفلسفة في الحياة هو كتاب «عزاء الفلسفة» للفيلسوف الروماني «بوئثيوس» الذي جاء كتابه بمنزلة عمل فلسفي عميق بقالب أدبي رفيع تناول الحياة الإنسانية بمحطاتها الكثيرة والمتقلبة بين السعادة والتعاسة، وبين الخير والشر؛ ليكون كتاب «عزاء الفلسفة» أحد أروع ما سطرته يد البشرية عبر التاريخ، وكان سلوانا وبلسمًا شافيا لفيلسوفنا «بوئثيوس» وهو قابع في سجنه ينتظر تنفيذ حكم الإعدام.

تذهب الفلسفة كذلك إلى مناح أخرى في الحياة؛ فتأخذ طابع المعين في فهم قضايا الحياة وأسئلتها المعرفية والفلسفية الكبرى مثل ما جاء في كتاب «مشكلات الفلسفة» للفيلسوف البريطاني «بيرتراند رَسِل» الذي فتح آفاقًا فلسفية كبرى أثبتَ بواسطتها قدرة الفلسفة في أن تكون حلًا لمشكلاتها الفلسفية المعرفية الكبرى مثل أصل المادة ووجودها، وقضايا نظرية المعرفة ومدارسها المتباينة مثل معرفة الجزئيات والكليات والمعرفة القبلية -التي تعكس فلسفة كانط في المعرفة- ومنهجية الاستقراء، وكذلك مناقشة مدارس الفلسفة ونقدها مثل الفلسفة المثالية التي أسقطها «رَسِل» من منطلقاته الفلسفية بعد فترة من الولاء لها.

لم تجد الفلسفة بدا -كذلك- أن تكون ركيزة صميمة في العلوم الطبيعية وأولها الفيزياء، ونأخذ -مثلا- منهجية «نيوتن» التي يمكن أن يتفق الأغلبية من العلماء أن قوانينها الفيزيائية مبنية على منطلقات فلسفية عميقة انبثقت بواسطتها قوانين الحركة؛ لتعيد تشكيل فهمنا للكون وحركته. تنطلق فيزياء نيوتن من منطلقات فلسفية تعكس أسئلة عقلية قديمة تشمل حركة الكون بما فيها الأرض والشمس وباقي الكواكب، والمنطلقات التي بنى بها نيوتن نموذجه الفيزيائي استندت إلى مخرجات أرسطية -نسبة إلى أرسطو- تعكس في مجملها قاعدة «الثابت الحتمي»، وجاءت نتيجة لهذه التفاعلات الفلسفية البنية الرياضية التي أخرج نيوتن بواسطتها القوانين الرياضية التي تترجم منهجه الفيزيائي. جاء -بعد ذلك- «إينشتاين» بأفكاره الفلسفية الخاصة بالحركة والكون التي بدأت تُظهر -في حينها- بنية مغايرة لقواعد الفيزياء الكلاسيكية، وتنسف أسس نيوتن العلمية؛ فتحيل أنظار العلم إلى مبدأ النسبية غير الحتمية بدلًا من مبدأ الحتمية الذي صعُبَ على كثير من العلماء -في وقتها- التخلي عنه دون وجود البرهان الرياضي؛ فخرج «إينشتاين» بأفكاره الفلسفية إلى نظرياته النسبية العامة والخاصة بعد صياغة المعادلات الرياضية المناسبة لهذه النظريات التي سمحت للعلم -شيئًا فشيئا- أن يختبرها ويقيسها وفق معايير التجربة العلمية؛ فتتغير مفهومات العلم، وتدخل مرحلتها العلمية الجديدة. ميكانيكا أو فيزياء الكوانتم هي الأخرى لها بنيتها الفلسفية الخاصة، وجاء البرهان الرياضي مترجمًا لهذه البنية الفلسفية، إلا أن دور الفلسفة في حقل الكوانتم لا يزال بارزًا لما يحويه هذا الحقل الفيزيائي من عجائب يُشكل العلم عبر أدواته الرياضية في كشف أسراره وحل ألغازه؛ فتكون الفلسفة عزاءها وملجأها في المحاولة لحل هذه المشكلات التي حيّرت العلم والعلماء.

يتبادر إلى أذهان البعض هذا السؤال: أفقدت الفلسفة جاذبيتها وفعاليتها في قضايا الحياة والعلوم؟ أم تعيش الفلسفة على أنقاض مجدها القديم، وتحاول أن تُخرِجَ جديدها بمساعدة العلم؟ للإجابة على هذه التساؤلات ينبغي أن نعود إلى ماهية الفلسفة وماهية العلم وأسس العلاقة بينهما؛ فالفلسفة أداة عقلية وفكرية جريئة تقتحم كل مجالات الحياة ومعارفها، ولا تقود -بالضرورة- إلى نتائج يقينية بل مقاربات عقلية تمهيدية يتولى العلم -بعد ذلك- فحصها عبر المنهج الرياضي -أو النظري بشكل عام- والتجريبي، وتحديد تفاصيلها المهمة ليفرز نتيجته اليقينية الحتمية حسب معايير العلم وقواعده (بشكل نسبي)، وحينها يتضح أن في أصل المنهج المعرفي تأتي الفلسفة أولا عبر طرح الأسئلة بكل أنواعها ومستوياتها، وثم يأتي العلم في مرحلة ثانية؛ كون العلم وفقا لمعاييره الصارمة لا يجرؤ اقتحام كل القضايا المعرفية، أو بمفهوم آخر لا يخرج إلا بنتائج أقرب إلى اليقين. تتضح هنا العلاقة بين الفلسفة والعلم؛ إذ الفلسفة أقرب لتكون أداة عقلية من أن تكون علما موضوعيا؛ فنجد الفلسفة في كل حقول الحياة ومعارفها؛ فهناك فلسفة للعلوم، وفلسفة للوجود، وفلسفة للجمال، وفلسفة للتاريخ. يتضح من هذا أن الفلسفة منذ نشأتها التأصيلية الأولى جاءت لتكون بمنزلة أداة عقلية (معرفية) تحل محلّ المناهج المعرفية -الزائفة- البدائية مثل السحر والأساطير والخرافة، والعلم يأتي بعد الفلسفة ليكون بمثابة أداة معرفية متقدمة تلتزم بمعايير علمية أكثر صرامة، وهذا ما يقودنا إلى تبنّي قاعدة -لبعض الحالات والظروف العلمية- مفادها أن عمل الفلسفة في قضايا علمية (معرفية) سبق للعلم حسم أمرها مجرد ترف معرفي لا يقود إلا إلى استبداد فلسفي قد يحطّ من نتائج العلم، ومن الممكن كذلك أن نجد العلم يضيق ذرعًا من سطوة الفلسفة وعدم يقين نتائجها كما حدث عند عالم الفلك «جاليليو جاليلي» الذي أعلن تمرده على الفلسفة الأرسطية السائدة وخرج بأفكاره العلمية التي نفضت يدها من غبار الفلسفة الأرسطية؛ ليعلن عن مرحلة ما بعد الفلسفة، ولكن في حالات علمية أخرى تبقى الفلسفة قادرة على استكمال دورها وبعث نشاطها ولو بعد مدة من الجمود الفلسفي، وهذا يحصل عند حالات يعجز العلم فيها عن بلوغ نتائجه النهائية (اليقينية) مثل الذي نراه في حقل فيزياء الكوانتم ونظريات نشأة الكون -وتفرعاته المستجدة- التي لم تنفض يدها من الفلسفة. نجد -في الوقت نفسه- أن بعض تفرعات الفلسفة وخصوصا الحديثة -في حالات أخرى- تنبثق من نظريات علمية مثل ما حدث للفلسفات المادية التي تأثرت بنظريات نيوتن في الفيزياء الكلاسيكية، وبعض المدارس الفلسفية التي جاءت نتيجة لنظرية التطور الداروينية. ستبقى علاقة الفلسفة والعلم علاقة موضوعية تبحث في قضايا الحياة ومعارفها حتى بلوغ المعرفة اليقينية، وستبقى الفلسفة أداة عقلية وفكرية يبرز عزاؤها في مراحل علمية معقدة وإنسانية صعبة -بشكل عام.

د. معمر بن علي التوبي كاتب وباحث عُماني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الفلسفة فی

إقرأ أيضاً:

عايشين الحياة.. موعد حفل هيثم شاكر في الإسكندرية

يستعد الفنان هيثم شاكر لإحياء أحدث حفلاته الغنائية غدا الجمعة بأحد النوادي بمدينة الإسكندرية ، ومن المقرر ان يقدم باقة من أغانيه المتنوعة .

أحدث أغاني هيثم شاكر

وفى وقت لاحق، أعرب النجم هيثم شاكر عن سعادته بردود الأفعال التي تلقاها على أحدث اغانيه الذى طرحها بعنوان "عايشين الحياة" مع بعض" احتفالا بذكري عيد الشرطة، وهي من كلمات محمد جميل وألحان عزيز الشافعى وتوزيع كريم عبد الوهاب .

وقال هيثم شاكر في تصريحات صحفية “الأغنية تعكس حبي لبلدى مصر العظيمة بأهلها وناسها العظيمة وتاريخها الملئ بالإنجازات في كافة المجالات”.

وأضاف: الشرطة والجيش ستظل إيد واحدة، وسيظل الأمان والسلام موجود في كل وقت، ومصر مصدر الاستقرار ودائما مساندة لكل البلاد العربية في كل الظروف.

وأهدت إدارة الشئون المعنوية بالقوات المسلحة أغنية "عايشين الحياة مع بعض" إلى وزارة الداخلية بمناسبة عيد الشرطة الثالث والسبعين الذي احتفلت به مصر في الخامس والعشرين من شهر يناير من كل عام.

وجاءت كلمات الأغنية كالآتي:

بلدي وغلاوتها عندي أهلي وناسي وعيلتي، أفديكي بعمري كله بس أنتي يا مصر ترضي، فيكي حكايتي وسيرتي من أبويا لجد جدي، أنا مهما قلت عنك ولا أي كلام يكفي، عايشين الحياة مع بعض، واقفين نحمي نفس الأرض، وقت الصعب وقت الجد، شعب وشرطة مع جيشنا، إخوات لينا نفس الأم، لوني وشبهي نفس الدم، عيلة وكل ليلة نتلم، نقسم ملحنا وعيشنا، بلدي ولينا مين غيرها، عايشين فيها من خيرها يوم ما تميل بنعدلها، وكل همومها بنشيلها، ناسها الطيبة في وشوشها تفرح لما بتشوفها، شايلة ضيوفها على كفوفها أصيلة والكل عارفها، عايشين الحياة مع بعض.. واقفين نحمي نفس الأرض، وقت الصعب وقت الجد شعب وشرطة مع جيشنا، إخوات لينا نفس الأم.. لوني وشبهي نفس الدم، عيلة وكل ليلة نتلم، نقسم ملحنا وعيشنا

مقالات مشابهة

  • عايشين الحياة.. موعد حفل هيثم شاكر في الإسكندرية
  • أبي رميا: حان الوقت أن نعيد تنظيم حياتنا العامة
  • شكشك: الزاوية الأسمرية إحدى أهم المؤسسات التعليمية في ليبيا والمنطقة
  • أعاصير مدمرة تضرب الجنوب الأميركي وتحذيرات من وضع يهدد الحياة
  • البابا تواضروس: أمنا العذراء لها دور مؤثر في حياتنا
  • البابا تواضروس: أمنا العذراء لها دور مؤثر في حياتنا كمصريين والأنبا باخوميوس صاحب بصمة في التاريخ الكنسي
  • الانقاض والنفايات تشوه الحياة الجامعية في ديالى.. صور
  • العلم السوري يقتحم «المنصات الرقمية العالمية»
  • كريمة تطلب الخلع: قعدة الصحاب أهم من حياتنا كلها
  • هل السفر عبر الزمن ممكن؟.. العلم يجيب!