موقع 24:
2025-04-06@02:05:10 GMT
دومينو الانقلابات في أفريقيا وجهود مكافحة الإرهاب
تاريخ النشر: 2nd, September 2023 GMT
استبداد بعض الأنظمة السياسية في أفريقيا سيساعد على مزيد من الانقلابات العسكرية
لا شك في أن الانقلابات العسكرية التي شهدتها أفريقيا خلال آخر 4 سنوات، ستؤثر مباشرةً في جهود مكافحة الإرهاب في القارة السمراء التي شهدت تنامياً لكل جماعات العنف والتطرف، بسبب الاضطرابات السياسية التي أعقبت هذه الانقلابات.الانقلاب الأخير في الغابون هو الانقلاب الثامن في منطقة وسط أفريقيا وغربها خلال هذه السنوات، حتى قوّض حزام الانقلاب ما تبقى من جهود محلية وإقليمية ودولية في مواجهة الجماعات المتطرفة التي بات تهديدها يتعدى الأمن الأفريقي إلى ما سواها من قارات العالم.
انتقل الصراع الدولي إلى أفريقيا، حيث صراع النفوذ داخل القارة الفقيرة في كل شيء؛ صراع الأقوياء انتقل إلى بلاد الفقراء، حتى باتت أفريقيا الغنية بثرواتها مباحة أمام النفوذ الأميركي والروسي والأوروبي وولاءات هذه الدول في الشرق والغرب، وهنا وجد الإرهاب ضالته في دول تحولت ثرواتها إلى مصدر للفقر والإرهاب.
فقد شهدت قارة أفريقيا قرابة 207 انقلاباً خلال الستين عاماً الأخيرة، بما يعني عدم الاستقرار، فرسمت هذه الاضطرابات انتشاراً مطرداً للإرهاب في هذه القارة، وها هما انقلابا النيجر والغابون يُعيدان رسم هذه التنظيمات وتخطيطها وتوطينها بما يُهدد أمن العالم بأكمله.
لقد انعكست الحرب الروسية في أوكرانيا والصراع الدائر في شرق أوروبا على غرب قارة أفريقيا ووسطها، وتسأل الدول الكبرى ذات النفوذ الكبير في أفريقيا عما يحدث داخل هذه القارة، وبالتالي تتحمل هذه الدول مسؤولية تنامي جماعات العنف والتطرف في داخلها، فنشاط هذه التنظيمات يعود إلى أسباب، منها النفوذ الدولي داخل القارة الأفريقية وتحويل الصراع إليها.
7 انقلابات في ثلاث سنوات، وانقلاب الغابون هو الثامن خلال 4 سنوات في منطقة النفوذ الفرنسي، التي أصيبت بخيبة أمل، فقد خسرت فرنسا سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، وبات نفوذها هو الأضعف داخل المستعمرات الفرنسية قديماً.
انقلاب الغابون والانقلابات السابقة منذ عام 2019 عسكرية بامتياز، ولكن تبعت هذه الانقلابات حركة جماهيرية كبيرة أرادت أن تتخلص من الوجود الفرنسي، ولعل هذا ما دفع مالي وبوركينا فاسو لتهديد الإيكواس والقوات الفرنسية إذا شنت حرباً ضد النيجر على خلفية الانقلاب الأخير فيها.
تسارع وتيرة هذه الانقلابات مع الحركة الجماهيرية التي تبعتها، وتكاتف الأنظمة العسكرية والسياسية التي سبق وانقلبت على الموالين لباريس، يؤكدان مدى احتقان العواصم الأفريقية في الغرب الأفريقي ضد المستعمر الفرنسي القديم، كما يؤكدان الصراع الدولي بين روسيا من جانب وأمريكا وأوروبا من جانب آخر.
حركة الضباط في دول الغرب الأفريقي تُشبه إلى حد كبير، مع الظروف التي تنفرد بها كل عاصمة، حركة الضباط الأحرار في مصر في ستينات القرن الماضي؛ فكلتا الحركتين لبّت نداء الجماهير التي أرادت أن تتخلص من الحاكم المستبد الموالي للمستعمر.
صحيح أن بعض الأنظمة السياسية في الدول التي حدثت فيها انقلابات تبدو دستورية، حدثت فيها انتخابات ولكنها شكلية ولا تُعبر عن إرادة الجماهير، فالرئيس المعزول في الغابون، علي بونغو، هو من عائلة تولت السلطة قرابة 56 عاماً، تقدم لانتخابات الولاية الثالثة لحكمه الذي تسلمه من والده المتوفى عام 2009 عمر بونغو، ولكن الرجل كان يعاني جلطة دماغية أثرت في حركته، وربما رأى أبناء شعبه عدم قدرته على إدارة شؤون الحكم، فضلاً عن أنه ورث السلطة من والده الذي تولاها قرابة أربعين عاماً!
لسنا منحازين إلى هذه الحركات ولسنا ضدها أيضاً، ولكننا نحاول أن نفهمها وأن نضعها في سياقها، والأهم هو دراسة تأثير هذه الانقلابات في جهود مكافحة الإرهاب، سواء المحلية أم الدولية في الغرب الأفريقي، وهذا ما نسعى إلى تلمسه من وراء هذه السطور التي نحاول من خلفها استشراف مستقبل القارة.
ثمة تنظيمات متطرفة في الغرب الأفريقي تتمتع بقوة هائلة، أغلبها عابر للحدود والقارات، وبعضها يمتلك قدرة عسكرية لا تقل عن قدرة أجهزة الأمن في دولها، والبعض الآخر يمتلك قدرة اقتصادية أيضاً قد تفوق موازنة بعض العواصم الأفريقية.
من أهم هذه التنظيمات المتطرفة في غرب أفريقيا، "نصرة الإسلام والمسلمين" و"أنصار الدين" و"المرابطون" وتنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" و"أنصار الإسلام" وتنظيم "داعش" و"جبهة تحرير ماسينا"، مع تنظيمات أخرى أكثر محلية وربما أقل قدرة عسكرية.
هذه التنظيمات بدأت تتمدد بصورة ملحوظة، وستفيق القارة الأفريقية والعالم على تمدد جديد لهذه التنظيمات في ظل حالة الضعف والهشاشة التي باتت تتمتع بها منطقة الغرب والوسط الأفريقي، التي تشهد وجوداً كبيراً لجماعات العنف والتطرف، والتي بدأت تتحرك لتثبيت دعائمها بصورة أكبر، ولعل بعضها يسعى لإقامة دولة له.
لا شك في أن فرنسا وأميركا لديهما قوات في النيجر، وربما خسرتا وجودهما في كل من مالي وبوركينا فاسو منذ أول انقلاب حدث في عام 2019 ثم عام 2020 وما تلاه من انقلابات كان آخرها في النيجر، حيث القوات فقدت قدرتها في مواجهة التنظيمات المتطرفة في هاتين العاصمتين أو حتى في النيجر.
ولعل عدوى الانقلابات ستنتقل إلى دول أفريقية أخرى مرشحه لذلك، بعض الدول قد تتكرر فيها الانقلابات والبعض الآخر ستتحرك فيه قوات الجيش، ليس بالتبعية أن هذه الانقلابات ستنجح جميعاً وإن كانت كل الظروف مواتية لنجاحها، ولكنها حتماً ستؤثر في الاستقرار، وبالتالي سينعكس ذلك على نشاط جماعات العنف والتطرف في هذه الدول.
استبداد بعض الأنظمة السياسية في أفريقيا، وعدم تداول السلطة، مع الأوضاع الاقتصادية الهشة، ستساعد على مزيد من الانقلابات العسكرية، بخاصة أن أفريقيا موزعة النفوذ بين الدول الكبرى التي انتقلت بصراعها إلى داخل القارة الفقيرة. هذه الأسباب الموضوعية تجعلنا نتوقع مزيداً من التحركات العسكرية داخل قارة أفريقيا.
دول الغرب الأفريقي غنية بمواردها، فالغابون دولة نفطية غنية بالمنغنيز، والنيجر من أهم الدول المنتجة لليورانيوم، فضلاً عن المعادن الكثيرة التي فيها وفي دول الغرب الأفريقي، لكن كل هذه الدول تعيش شعوبها فقراً مدقعاً، ولعل هذه الثروات تذهب إلى دول النفوذ بأثمان بخسة مقابل حماية هذه الدول للأنظمة السياسية التي سقطت فيها بفعل الانقلابات العسكرية الأخيرة.
سيتحرك دومينو الانقلابات بالصورة التي تُهدد أمن القارة والإنسان في أفريقيا، وسيكون المستفيد الأول منها هو جماعات العنف والتطرف،وهو ما يجب أن ينتبه إليه العالم، ولا بد من أن يضعه المنقلبون أو الذين يسعون إلى تحرير بلدانهم نصب أعينهم.
المصدر: موقع 24
كلمات دلالية: التغير المناخي محاكمة ترامب أحداث السودان النيجر مانشستر سيتي الحرب الأوكرانية عام الاستدامة الملف النووي الإيراني النيجر الانقلابات العسکریة هذه الانقلابات الغرب الأفریقی هذه التنظیمات فی أفریقیا هذه الدول فی دول التی ت
إقرأ أيضاً:
خمسون عامًا من الانقلابات والتدخلات.. قراءة في تاريخ سوريا السياسي
الكتاب: خمسون خريفًا على سوريا... بين حركات عسكرية وتدخلات دولية (1949 - 1999)الكاتب: محمد عبد الرحمن عريف
الناشر: دار نشر: مرايا- الإمارات، 2025م.
عاشت المنطقة العربية بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي قدر من التفاعلات الداخلية التي لا يمكن إغفالها عن وقائع الأحداث التاريخية التي عرفتها، وهي تتوافق في البلدان النامية كافة مع انتشار الحركات القومية ومساعي أتباع الملكية للبقاء في السلطة، مقابل إصرار التيارات الحزبية اليسارية واليمينية على حد سواء، في الاستيلاء على سدة الحكم والإمساك بها عبر شتى السبل، بما في ذلك اللجوء إلى الكفاح المسلح الذي كان استثناء في المنطقة، مقابل القاعدة العامة وهي الاستعانة بوحدات الجيوش النظامية الحديثة وقادتها لبلوغ طموحاتها في الحكم.
غلب الطابع العسكري على غالبية الحركات التي شهدتها المنطقة، بل يمكن القول إن الانقلابات السياسية أيضًا كانت غالبًا ما تفرز حكمًا يكتسب شرعيته من رجال الجيش الذين عادة ما ينضمون إلى النظام الجديد فيحتلون مراتب وزارية كما فعل حافظ الأسد حين تولى حقيبة وزارة الدفاع إثر الإطاحة بأمين الحافظ عام 1966م، فبدّل بزّته العسكرية بأخرى مدنية حتى أصبح رئيسًا للدولة إثر احتدام الصراعات على السلطة بين البعثيين أنفسهم. وهذا هو حال أحمد حسن البكر وصدام حسين الذي أجبره لاحقًا على الاستقالة، كذلك حال البقية الباقية من الانقلابيين العرب وصولًا إلى آخر انقلاب عرفه العرب مع نهاية القرن العشرين.
شهدت معظم الدول العربية الحديثة مجموعة متغيّرات مأساوية لأنظمة الحكم فيها خصوصًا بعد الحرب العالمية الثانية عند وقوع أول انقلاب في العالم العربي بسورية عام 1949 م من رئيس الأركان آنذاك حسني الزعيم، فما لبث أن تبعه الجيش العراقي فأنهى حكم الهاشميين في انقلاب قاده عبد الكريم قاسم عام 1958، لتتوالى الانقلابات التي وُصف بعضها بالأبيض والآخر بالأسود والدموي، ولكن الثابت فيها أن الجيش كان في الغالب محور التغير.
لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.أشار عريف في دراسته إلى أن أغلب مشاهد الانقلابات التي تكررت في بلدان العالم، قد شهدت ظاهرة اتهام دول عربية وإقليمية أخرى في الإعداد لها أو التآمر مع الانقلابيين أو ضدهم حسب التحالفات الإقليمية المطلوبة، هذا ما شوهد في أدوار لعبتها مصر والسعودية والعراق في بعض منها، فيدفعنا ذلك لاعتبار المشهد الإقليمي في بعض الانقلابات من العناوين الرئيسية للانقلابات، فعلى المستوى السوري ورد في الوثائق المتعلقة بانقلاب سامي الحنّاوي في سوريا عام 1949، المتمثل في علاقة العراق بالانقلابيين، وارتباطه بفكرة الكونفدرالية التي كان ينادي بها الهاشميون في بغداد، وما إلى هنالك من مخاوف وأطماع توسعية إقليمية مشابهة وقفت وراء الكثير مما عرفته المنطقة من انقلابات.
لم تشهد سوريا أول انقلاب في العالم العربي فحسب بل سجّلت الرقم القياسي من حيث عدد الانقلابات، وصل عددها تسع انقلابات منذ عام 1949 م، شكلت تلك الانقلابات العسكرية والمدنية بمجموعها منعطفات تاريخية هامة في الحياة السياسية لبلدان المنطقة، خصوصًا وأن بعضًا من ورثة رموزها ما زال يحكم حتى اليوم، بالرغم من التعقيدات السياسية الداخلية والخارجية التي تميّز هذا العصر.
يضيف الكاتب: "جاءت الانقلابات العسكرية والسياسية بأشكال وأعذار مختلفة. وتحوّل الانقلابيون فيها إلى زعماء أقاموا هيئات ومجالس عينوا أنفسهم قادة عليها وعملوا من خلالها على تحويل مجريات الأحداث السياسية في البلاد، بعد أن منحوا أنفسهم الحق المطلق في امتلاك الرأي السديد في توجيه البلاد وتحديد مستقبلها".
الحقيقة التي يقرها الكاتب هنا أن الحركات العسكرية ليست حدثًا عفويًا أو ردود أفعال وقتية، بل هي مخططات مرسومة من إجهاض إيمان الشعوب في أن خلاصهم السياسي في استكمال مسيرتهم نحو سقف لا محدود من الديمقراطية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، من خلال فرض وصاية غير شرعية بنكهة عسكرية على الإرادة الشعبية. فـ(البرجماتية العسكرية) هي التي تبرر هذا الوثوب اللا أخلاقي على إرادة الشعوب، ومصادرة اختياراتها، وهي شارع طويل المدى، شاحح الملامح، صامت المعاني، أصم المنافذ لا مداخل فيه ولا مخارج، ولا مجال فيه للبحث والتفكير والالتفات، لكن دائمًا وأبدًا تنظر للأمام حتى لو على حساب سحق الشعوب، وقتل اختياراتها.
تحدث الكاتب عن الانقلابات العربية بقوله: "قد يكون خطط البعض كي تبقى المنطقة ساحة تناحر وتطاحن، لإقامة توازنات إقليمية جديدة في حينها، حدث تغير لمعالم المنطقة من جديد بعد 1948، مع تواجد الكيان الإسرائيلي، وهنا خطط البعض لوأد أي تغيير عن طريق أزمات اقتصادية، وتطاحن (إثني وقبائلي وطائفي)، وصناعة (الصراع المذهبي) في بعض دول المنطقة، وقد يكون بالتدخل المباشر أو عن طريق مندوبين، على أن يتم تتويج ذلك بسيناريوهات الحركات العسكرية".
عندما عانى حافظ الأسد من مشاكل قلبية في عام 1983م، قام بتشكيل لجنة من ستة أعضاء لإدارة البلاد، ولم يكن اسم شقيقه رفعت الأسد مدرجًا على القائمة، في حين أن يتألف من أنصار حافظ الأسد المقربين من المسلمين السنة، بدأ عدد الضباط ذوي الرتب العالية بالالتفاف حول رفعت الأسد، حاولت قوات رفعت الأسد فرض السيطرة على دمشق، بمحاولة واضحة لخلافة شقيقه حافظ، كانت التوترات بين القوات الموالية لرفعت الأسد والقوات الموالية لحافظ الأسد شديدة، ولكن بحلول شهر سبتمبر/أيلول عام 1984 كان حافظ الأسد قد تعافى وتولى السلطة، عندها احتشد معظم الضباط حوله، وأصبح رفعت الأسد نائباً للرئيس بالإضافة إلى المسؤولية عن الشؤون الأمنية، فيما بعد أُرسل رفعت الأسد إلى الخارج في زيارة عمل مفتوحة حيث تم تطهير الجيش السوري وحزب البعث من مؤيدي رفعت الأسد الذين لم يثبتوا ولائهم لحافظ الأسد، فيما بعد بقي رفعت الأسد في المنفى ما بين فرنسا وإسبانيا، وبقي محتفظاً بلقب نائب الرئيس حتى عام 1998، عندما تم تجريده من اللقب.
بدأ الترويج لوارثة بشار الأسد السلطة، بتسليمه ملفات مهمة، مثل ملف لبنان، وتدخله في العديد من القضايا الداخلية، بالرغم من أنه لم يكن يشغل أي موقع وظيفي رسمي في الدولة، وهذا ينطبق على طبيعة الأنظمة الملكية، وليس الجمهورية الدستورية. يقول الكاتب:" كانت غاية تدخله في بعض الملفات الداخلية هي إظهاره كرجل تغيير وإصلاح، طالما انتظره السوريون كي يكون أملًا لهم، وأطلقوا تعبير: “باسل المَثَلْ وبشار الأمَلْ”. وشمل بشار باهتمامه قضايا الإدارة والاقتصاد، ووجد من قدّم له فكرة “الإدارة بالأهداف”، وهي أحد مناهج الإدارة التي تهدف إلى تحسين أداء الشركة، عبر وضع استراتيجية عامة لفترة زمنية محددة"، في عام 1999، فاز الأسد بأغلبية ساحقة في الاستفتاء الذي جرى على تجديد ولايته الدستورية الرئاسية لسبع سنوات، وهو ذات العام 1999، الذي جرت حملة اعتقالات واسعة النطاق على يد قوات الأمن السورية لأنصار وأقارب رفعت الأسد. ومن ثم أغلقت العديد من مصالح رفعت الأسد.
من واقع طرح الكاتب لفصول هذه الدراسة هناك ثقافة متجذرة في المنطقة العربية هي ثقافة الحركات العسكرية، التي لها أعوان وأنصار وأولياء وخدم وعبيد لا يرون عزهم إلا في ركاب العسكر، ولا يتحقق سلطانهم وولايتهم إلا بفوهة البنادق ومن على ظهور الدبابات، ومن العراق شرقًا إلى موريتانيا غربًا، ومن سوريا شمالًا إلى اليمن والصومال وجزر القمر جنوبًا، كانت الحركات العسكرية حاضرة بقوة في المشهد السياسي، وكانت لها كلمة الفصل في وأد تجارب الديمقراطية الوليدة في منطقة أريد لها دائمًا أن تظل أسيرة النظم السلطوية الشمولية، ومن وسط زخم كبير لتجارب الحركات العسكرية ركز الكاتب على سوريا، فكان لكل انقلاب عسكري فيها مذاق مختلف عن الآخر.
العريف ربط الحركات العسكرية في بعض الدول بالقضية الفلسطينية، وهذا ما وضع النهضة في طريق مسدود في بعض الأحيان؛ فإما الارتماء في حضن الدكتاتورية العسكرية، أو في حضن القومية السياسية. وهذا ما خلق التناقض بين القومية نفسها، بعد أن قامت النهضة على التفاعل بين هذين المفهومين طوال القرن التاسع عشر. حيث تقدم الكواكبي في بلاد الشام بصيغة الديمقراطية الدستورية، وإقامة الخلافة العربية على هذه القاعدة الديمقراطية، وفصل الدين عن السياسة، وإن أطبقت نظم الدكتاتوريات العسكرية “التقدمية” على العالم العربي.
تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيب، أما انقلاب الشيشكلي الثاني عام 1951 أدى إلى تسلّمه السلطة منفردًا حتى خلع بنتيجة احتجاجات 1953، تليها فترة ربيع الديمقراطية 1954-1958م، التي تميزت بسوء العلاقات مع تركيا، وتصاعد النفوذ الناصري الذي وصل ذروته بإعلان الجمهورية العربية المتحدة مع مصر عام 1958 بضغط من ضباط الجيش، وهو نفسه وبنتيجة «أخطاء الوحدة» أعلن فك الارتباط معها بانقلاب عام 1961م.
كذلك عرض الكاتب الجمهورية الثانية، بداية بانقلاب 1963، عندما قامت فرق بعثية في الجيش بالانقلاب على الحكم في 8 مارس، وهو ما أدى إلى إلغاء الدستور، وحل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، ونفي غالب الطبقة السياسية إلى خارج البلاد، وتميزت السنوات اللاحقة بالصراع داخل أجنحة البعث المختلفة، ما أدى إلى انقلابين آخرين الأول هو انقلاب 1966م، الثاني هو الحركة التصحيحية عام 1970م التغييرية في الجمهورية العربية السورية، والخطة المحبوكة التي أوصلت وزير الدفاع حافظ الأسد إلى السلطة، وتخلل الانقلابين خسارة الجولان خلال حرب 1967، بينما أفضت حرب 1973 إلى استعادة أجزاءٍ منه أهمها القنيطرة. من ثم كرس دستور عام 1973م، نظام الحزب الواحد باعتبار البعث "قائدًا للدولة والمجتمع".
عانت سوريا من أزمة اقتصادية وكساد في الأسواق بين عامي 1985 - 1990. ومن ثم شاركت عام 1991م في مؤتمر مدريد الذي قبلت به بالسلام مع إسرائيل مقابل إعادة الجولان، إلا أنها لم تستكمل مفاوضاتها، كذلك أخذت تتجه تدريجيًا نحو التخلّي عن المبادئ الاشتراكية باتجاه السوق المفتوحة، وإن لم تطرأ تغييرات تذكر على نظام الحزب الواحد.
تناول الكاتب في هذه الدراسة تاريخ سوريا بعد هزيمة حرب 1948، لتبدأ مرحلة داخلية صعبة في النظام السوري تمثلت بسلسلة حركات عسكرية بدأت بانقلاب حسني الزعيم، ثم انقلاب سامي الحناوي، وانقلاب الشيشكلي الأول بعد التحضير للاندماج مع المملكة العراقية ضمن مشروع وحدة الهلال الخصيبانتهجت الكثير من الدول العربية خطى مصر بعد عام 1952، مع تقديم الدعم والتأييد إلى تلك الحركات راغبة في نشر فكرها الاشتراكي وتكوين وحدة عربية قومية تستطيع أن تقوم دورًا هامًا في السياسة الدولية؛ إلا أن فتح ذلك الباب لتلك الحركات لم يغلق أبدًا، وتحول الأمر من رغبة في تقديم نموذجًا موحدًا إلى الرغبة في السلطة والاستئثار بها دون الآخرين، فأصبح الحكام العرب يتفردون بالسلطة ويقتلون الحياة السياسية وينتهكون حقوق الإنسان من أجل مصالحهم الشخصية، كما أن أحوال تلك الدول لم تتحسن أبدًا فيتذيَّل اقتصادها اقتصاد العالم، وأصبحت تابعة لسياسات الدول الكبرى التي تقدم لها الدعم الاقتصادي وانهكت ثرواتها، فالكل أدعي أنها ثورات من أجل الشعوب إلا أن الشعوب وحدها من دفعت ومازالت تدفع ثمن الحركات.
نعم هي الحركات العسكرية، أحد أفرع فلسفة (البرجماتية العسكرية) التي تحكم فكر معظم القيادات العسكرية المسيطرة على جيوش العالم الثالث عامة وجيوش محيطنا الإقليمي خاصة. فالانقلاب هو عملية عسكرية بحتة يقوم بها بعض المغامرين العسكريين في جيش تقليدي محترف، من أجل التدخل في مسار العملية السياسية، والتحكم في مقاليد السلطة لمصالحهم الخاصة أو مصالح قوى معينة، سواء داخلية أو خارجية؛ من أجل تأمين وضعية سياسية تجهض محاولات الخروج عن الخطوط المرسومة والنطاقات المحجوزة إقليميًا ودوليًا لهذا البلد، وتعيده مرة أخرى للسير على الدرب القديم والأطر المرسومة سلفًا، أو بعبارة أخرى العودة بالدولة لسياسات النخبة الموروثة.
ختم عريف دراسته بحقيقة راسخة لدى الجميع بأن الولايات المتحدة الأمريكية مدفوعة بقناعتها بضرورة تدعيم نفوذها وحماية مصالحها البترولية في المنطقة فضلاً عن ضمان آمن ووجود "إسرائيل" أيدت تشكيل حلف بغداد عام 1955م، قد ضغطت على سوريا لحملها على الاشتراك فيه، مما أدى إلى تعكر العلاقات (السورية-الأمريكية)، وقد تفاقمت تلك العلاقات أكثر مع توقيع سوريا على صفقة الأسلحة مع الاتحاد السوفيتي الأمر الذي انطوى عليه تطور خطير –من وجهة نظر المسؤولين الأمريكيين –ومن ثم دفعهم ذلك إلى البحث عن السبل الناجعة بهدف منع سوريا من التوجه أكثر نحو الكتلة الشرقية، فالولايات المتحدة أيدت وساهمت بالاشتراك مع بريطانيا في بعض المحاولات الانقلابية التي لم يكتب لها النجاح، وتزامن ذلك مع فشل العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 وانحسار نفوذ بريطانيا وفرنسا، وعلى الرغم من علاقات التحالف الأمريكية – البريطانية التي تجسدت بعملية (ستراغل)، إلا أن تلك العلاقات كانت تتضمن بعداً تنافسياً تفاوتت حدته خلال تلك المرحلة، ومن ثم أدى إلى فشل تلك المحاولات.
مع زيادة الهموم العربية في أوقات المحن الكبرى والأزمات الضاغطة، كان لا بد أن يتجه تفكير الإنسان العربي إلى مصادر همومه ليدرك أن هناك فجوة حضارية -ليست بالمعنى الإيجابي- ولكنها بالقراءة الثقافية البحتة، فنحن العرب لا ندرك الدلالات الحقيقية للفوارق الثقافية التي تنعكس على أنماط السلوك وطرائق التفكير وأساليب التعامل مع المشكلات، فالغربي بحكم احتكاكه الأكثر بالتقدم الصناعي وحضارة عصر النهضة ثم الثورة الإلكترونية يكاد يكون أكثر استعدادًا بالضرورة للتعامل مع ما يحيط به والدخول في إطار المشكلات دون عواطف جياشة أو مشاعر متأججة بعكس الشرقي العربي الإفريقي المسلم أو المسيحي الذى يتعامل مع الأمور كما يراها وليس كما يتخيلها، فالخيال يعطى بعدًا طويلًا للقرارات، ويسمح لأصحاب الإرادة بممارسة قوة الخيال التي تسمح باستشراف المستقبل وقراءة الواقع بطريقة سليمة.
أوصى الكاتب بنهاية دراسته"خمسون خريفًا على سوريا" بضرورة إعادة النظر في ثنائية (المدني والعسكري) فهما ليس بالضرورة متناقضان بل ما يجمعهما أكثر بكثير من الاختلاف بينهما، والفروق لا تظهر إلا في ظل تدهور المؤسسية في المجتمع.
القارئ لفصول الكتاب يلاحظ أن كاتبها حاول عمل سرد بأسلوب مشوق بلغة الحوار ودقة المعاني والقدرة على التصوير الإيحائي المفعل لعقل المتلقي ليتفاعل مع الصورة والحدث تفاعلًا إيجابيًا، ومن هنا يتسم الجهد بدرجة عالية من الوعي والإخلاص والتفاني العلمي.