الجيش يستنفر ومعلومات تكشف خُطة مُسلّحي عين الحلوة.. هل اقتربت المعركة؟
تاريخ النشر: 31st, August 2023 GMT
اعتباراً من اليوم، يدخلُ مُخيّم عين الحلوة مرحلةً جديدة ميدانياً يحكمُها "توتر" مُرتقب قد يندلعُ في أيّ لحظة مُجدداً، وذلك بعدما باءت بالفشل كلُّ سبل الحلحلة على صعيد تسليم إرهابيي جماعة "جُند الشام" المطلوبين الثمانية بجريمة اغتيال القيادي في حركة "فتح" اللواء أبو أشرف العرموشي ورفاقه إلى الجهات الأمنيّة اللبنانية.
ميدانياً، بات الوضع في المُخيم أقربَ إلى تجدُّد الإشتباكات، لاسيما بعدما تصاعدت حدّة الإستفزازات التي مارستها العناصر الإرهابيّة على أكثر من صعيد خلال الساعات القليلة الماضية، ما يكشف عن رسالةٍ واضحة مفادُها أنَّه لا هدوء ولا إستسلام، وبالتالي اندلاع معركة جديدة. هنا، تقولُ مصادر فلسطينية مُقرّبة من "فتح" لـ"لبنان24" إنَّ "المُهلة التي أعطيَت للحلول الدبلوماسية قد انتهت يوم الأحد، ويُمكن القول إننا ننتظر ساعة الصفر لإنهاء الحالات الإرهابيّة داخل المُخيم وتحديداً في منطقتي الطوارئ والتعمير"، وأضافت: "ما يقوم به الإرهابيّون من خطوات إستفزازيّة يؤكد أنهم لا يريدون الخير، وما يتبيَّن هو أنَّه لا تسليم للمطلوبين والأمور قد تذهبُ إلى معركة جديدة في أي لحظة، وعندها سيكون الحسمُ قائماً وبشكلٍ نهائيّ". إنتشارٌ و "رصدٌ إستخباراتيّ"
ووسط المناوشات التي تجري بين الحين والآخر، تكشفُ معلومات "لبنان24" أنّ العناصر الإرهابية التابعة لـ"جُند الشام" باتت تُحاول تكثيف إنتشارها على أكثر من نطاقٍ جغرافي داخل عين الحلوة، وتقولُ المصادر إنَّ هناك ترجيحات بإمكانية حصول عمليات اقتحامٍ جديدة عبر عناصر "إنغماسية" ضد نقاطٍ تابعة لحركة "فتح" في المُخيم، وهو سيناريو جرى التحذير منه كثيراً خلال الفترة الماضية. ولهذا، فإنَّ العناصر "الفتحاوية" باتت تُكثف إجراءاتها على أكثر من محور، في حين أنَّ كاميرات المراقبة التابعة للحركة ترصدُ بشكلٍ مُستمر كافة النقاط التي من المُمكن أن يستغلها الإرهابيون للتسلُّل باتجاه مناطق خارجة عن سيطرتهم. مع هذا، تقولُ معلومات "لبنان24" إنَّ الحركة استطاعت، وعبر عمليات "إستخباراتيّة"، تحديد المكان الدقيق لتواجد "الرؤوس الكبيرة" في جماعة "جند الشام" و"الشباب المسلم" داخل منطقتي الطوارئ والتعمير، موضحةً أنَّ المسؤولين في هاتين الجماعتين الإرهابيتين، يتحصنون حالياً داخل مبانٍ مُحاطة بمنازل متلاصقة، ويمكن أن تشكّل موئلاً آمناً في حال حدوث أي معركة ضمن المنطقتين المذكورتين. كذلك، تكشف مصادر "لبنان24" أنّ هناك توجيهات صدرت في أوساط جماعة "جُند الشام" أساسها تحطيم كافة كاميرات المراقبة الخاصة بـ"فتح" والتي يمكن الوصول إليها بسهولة، وذلك من أجل إحباط أي عملية رصد خصوصاً في مناطق التوتر والتي تعدُّ حساسة عسكرياً وميداياً. ما يجري داخل المُخيم من "إستنفارٍ" عالي المُستوى تقاطع مع إعلان وكالة "الأونروا"، يوم أمس الأربعاء، نيتها إستحداث مدارس للطلاب الفلسطينيين خارج المُخيم، وذلك بعدما تحوّلت المدارس التابعة لها إلى ثكنات عسكرية يحتلها مُسلّحون تابعون لـ"جند الشام" بشكلٍ فاضح وعلني. وفعلياً، فإنَّ ما كشفته "الأونروا" كان "لبنان24" أشار إليه في تقريرٍ سابق قبل أيّام، في حين قرأت مصادر فلسطينية ما قالته الوكالة مؤخراً بأنّهُ جرس إنذار يشيرُ إلى أنَّ السّاحة باتت مفتوحة لكل سيناريوهات المواجهة، وأضافت: "في الأصل، فإنّ عمليات الترميم للمدارس لن تنتهي بين ليلة وضحاها، كما أنّ محتويات الصروح التعليميّة تعرضت للتحطيم من قبل الإرهابيين، خلال اليومين الماضيين، وهذا الأمر يحمل دلالة مفادها أنَّ الأمور غير مستقرة بتاتاً". الجيش يتأهّب
وبالتزامن مع الإستعدادات الفلسطينية داخل المُخيم، علِمَ "لبنان24" أنَّ وحدات الجيش المُنتشرة عند مداخل المخيم، بادرت إلى تعزيز "الدُّشم" التابعة لها، فيما تبيّن أيضاً أنّ عناصر من الجيش استطلعت أكثر من مكانٍ في نطاق مداخل عين الحلوة خلال اليومين الماضيين. وإلى جانب "التضييق" الذي يفرضه الجيش على حركة بعض القيادات الإسلامية الموجودة داخل عين الحلوة من خلال منع دخولها أو خروجها من المنطقة، تقولُ مصادر فلسطينية لـ"لبنان24" إنَّ ما تقومُ به المؤسّسة العسكرية من "إستعدادات" يشيرُ إلى أنّ لحظة المواجهة باتت تقترب، مُرجحة إنخراط الجيش بها ولكن "وفق طريقته". في الواقع، فإنَّ عمليات التدشيم التي يُجريها الجيش تعتبرُ ضرورية جداً ليس فقط لتفادي سقوط قذائف أو رصاص في حال اندلاع إشتباك، بل من أجل تعزيز الحماية للعسكريين الذين يتمركزون في نقاطٍ تعدّ قريبة جداً من موائل ومخابئ إرهابيي "جُند الشام" في منطقة الطوارئ والتعمير التحتاني. وعليه، تقول المصادر إنّ هناك مخاوف من أن تخرج العناصر المسلحة باتجاه النقاط العسكرية، الأمر الذي سيعني استهدافاً واضحاً للجيش قد يضطره للرد فوراً بضربةٍ كبيرة. وفي حال حصول أيَّ معركة، فإنّ الجهات التي ستشترك بها ستضمّ "فتح" و "عصبة الأنصار" و "حركة حماس" و "الحركة الإسلامية المُجاهدة"، كما أنه من الممكن أن تنضمّ إليها جماعة "أنصار الله". هنا، وإن تحقق هذا السيناريو، عندها ستكون المعركة مفصليّة، ومن الممكن المُضي بـ"تطهير مخيم عين الحلوة" سريعاً من خلال عملية أمنية مُحكمة سيجري تنفيذها بالتنسيق بين الأطراف المذكورة والجيش. وتوازياً مع هذه المعطيات، كشفت مصادر "لبنان24" أنَّ ضغوطاً حصلت من قبل عائلات ضحايا حادثة اغتيال العرموشي، إذ جرى توجيه رسالة إلى قيادة "فتح" تتضمن رفضاً لأيّ خطوة تتعلق بإزالة الدشم وفتح الطرقات ضمن المخيم وسط استمرار بقاء المسلحين الإرهابيين على حاله. وبحسب المصادر، فإنَّ عائلات العناصر المغدورة، اعتبرت أنّ بقاء القتلة داخل محيطهم، سيكون خطيراً جداً على كل كوادر "فتح" والمخيم، ما يشيرُ إلى "إنذارٍ" تام بضرورة إجتثاث الإرهاب فوراً من المخيم كون الخطر سيكون كبيرا جداً.
المصدر: خاص "لبنان 24"
المصدر: لبنان ٢٤
كلمات دلالية: عین الحلوة داخل الم أکثر من ة داخل من الم
إقرأ أيضاً:
عبد السلام فاروق يكتب: الانعزاليون في مصر.. المعركة مستمرة!
مصر ليست أرضا فقط، بل حكاية تتشكل بدم الأجيال وصخب الأفكار. في كتابه "الانعزاليون في مصر"، يغوص الناقد الكبير رجاء النقاش في أعماق تلك الحكاية، مسلطا الضوء على معركة ثقافية هزت جوهر الهوية المصرية في سبعينيات القرن الماضي. هذا الكتاب وثيقة تاريخية و رحلة في عقول تصارعت مع سؤال ملح: من نحن؟ وأين مكاننا بين أمم العالم؟
السؤال الملح الآن هو: هل كانت الانعزالية في مصر هروبا من الحياة، أم رد فعل على زمن مضطرب؟. يفكك رجاء النقاش شفرة هذا التيار بما يحمله من تناقضات: هل هي رغبة في الحفاظ على نقاء الثقافة المصرية من تداخلات العالم العربي؟ أم خوف من اندثار الذات في محيط أكبر؟ ببراعة محلل قدير، يربط الكاتب بين جذور التيار الانعزالي وسياقه التاريخي، حيث كانت مصر تحاول أن تجد مسارها بين انتماءين: انتماء إلى أمة عربية تتشكل، وانتماء إلى حضارة فرعونية تتنفس من خلال رمالها.
معارك السبعينيات:
تحت سماء السبعينيات المحملة بأسئلة الهزيمة والانتصار، اشتعلت معارك الكتاب والقلم. يقدم رجاء النقاش في كتابه مشهدا حيا لصراع بين عمالقة الفكر: لويس عوض الذي رأى في العربية قيدا، وتوفيق الحكيم الذي حاور الهوية بسخرية الفيلسوف، وحسين فوزي الذي تشبث بجذور مصرية خالصة. لم تكن هذه المعارك نزاعا على كلمات، بل حفر في أعماق الذاكرة الجماعية؛ فكل فكرة كانت مفتاحا لعالم محتمل.
الرقى في الخصام...
أجمل ما في الكتاب أنه يذكرنا بزمن كان الخصام فيه فنا. فالاختلافات بين الأدباء لم تتحول إلى حروب شخصية، إنما بقيت في مسارها الفكري: "يختلفون بشدة، ولكن كأنهم يعزفون على وتر واحد". هذا الرقى هو ما تفقده ساحاتنا الثقافية اليوم، حيث يغيب الحوار وتسطو اللغة الخشنة.
ذاكرة الكتابة... نور للغد
بإصدار هذا الكتاب، تحاول سلسلة "ذاكرة الكتابة" بقصور الثقافة، التي يرأس تحريرها الدكتور المؤرخ زكريا الشلق، أن ترسخ حقيقة: أن الفكر ليس ترفا، بل سلاح لخلق الوعي. فهوية مصر لم تختزل قط في نهر واحد، بل هي نسيج متلون من أنهار الحضارات. وما أشبه مناظرات السبعينيات بما نعيشه اليوم: صراع بين الانكفاء على الذات وانفتاح يهدد بذوبانها.
ففي زمن تتصاعد فيه أصوات العزلة والعنصرية، يظل كتاب رجاء النقاش مرآة نرى فيها أسئلة الأمس... وأجوبة الغد. لأن مصر، كما قال شاعرها، "لن تموت... ولن تنام".
أسئلة الزمن المتصدع..
مصر لا تتكسر على صخرة التاريخ، كلما ارتطمت بها أمواج الأسئلة الحائرة : هل نحن أبناء النيل أم أحفاد العرب؟ أم نحن كل ذلك وأكثر؟ في كتابه، يقتبس رجاء النقاش شعلة من معركة السبعينيات، ليضيء بها طريق الحاضر المعتم. ليست الانعزالية هنا انطواء على الذات، بل ردة فعل على خيانة الزمن: زمن الهزائم السياسية، والانتصارات الثقافية الزائفة.
جروح الهوية!...
يحاور النقاش أسطورة "التميز المصري" التي تتجدد كالفينيق كل قرن. فالانعزاليون لم يكفروا بالعربية لذاتها، لكنهم خافوا أن تذوب "الروح المصرية" في بحر القومية العربية الواسع. هل كان حسين فوزي محقا حين نادى بـ"مصر الفرعونية" ككيان منفصل؟ أم أن لويس عوض كان أقرب إلى الحقيقة حين رأى في العربية جسرا للخلاص من سجن التخلف؟ الكتاب يدعونا لنرى في هذه الجدليات لعبة مرآة: كل فكرة تكشف جانبا من أساساتنا الهشة.
حين يخون الفكر الأمة !
لم تكن معارك السبعينيات بريئة. فوراء جدل "الهوية" كانت السلطة تحرك خيوط الدمى. يلقي النقاش بظل على هذا التواطؤ الخفي: كيف استخدمت السلطة الانعزالية كستار لتجذير شعور بالانفراد، بينما هي تحاول فتح الأبواب لسياسات الانفتاح الاقتصادي. هل كان الصراع الفكري مسرحية كبرى، أم أن الأدباء كانوا ضحايا لعقد أعمق؟
الوله بالذات... أين الحد بين الفخر والنرجسية؟
يتجاوز النقاش في تحليله حد الوصف إلى التشريح النفسي للانعزاليين: هل هم من يخشون على مصر من "الآخر"، أم أنهم يخشون أن تكشف عورات الذات؟ يقدم الكتاب مقاربة جريئة: الانعزال ليس إلا وهما لإحياء مجد ماض لم يكن بهذا البهاء. فمصر التي يتغنى بها الانعزاليون – بحضارتها العتيقة – لم تكن قط جزيرة منعزلة، بل ملتقى لشعوب الشرق والغرب.
اليوم.. هل انتهت المعركة أم اتسعت؟
الغطاء الأكثر إثارة في الكتاب هو حيوية الأسئلة. فما زلنا نجادل أنفسنا: هل نحن أفريقيون أم عرب؟ هل نلتفت إلى الشرق أم نندفع نحو الغرب؟ يشير النقاش إلى أن جذور الأزمة لم تذبُل؛ فكلما اشتدت أزمات الواقع، عادت الانعزالية كـ"رحم آمن" نلجئ إليها. لكن الخطر الحقيقي ليس في الانعزال، بل في تجزئة الهوية إلى قطع متضاربة: فرعونية هنا، عربية هناك، إسلامية في الوسط.
الكتاب يصفعنا بحقيقة: لن تكتمل هوية مصر إلا إذا توقفنا عن تقطيعها إلى شظايا. فمصر ليست فرعونية ولا عربية فقط، بل هي وعاء يحتضن تناقضات التاريخ كله. وربما كان "الانعزاليون" – برغم انكفائهم – قد ساهموا في صنع هذه الهوية المركبة، لأنهم أثاروا السؤال الأصعب: كيف نكون نحن، بكل تعقيداتنا؟
في زمن تتحول فيه الهويات إلى سلاح لقتل الآخر، يبقى كتاب رجاء النقاش دعوة لفهم الذات قبل حملها على الأكتاف. لأن مصر، كما علمتنا السبعينيات، لن تكون إلا بمثل هذه الحروب الفكرية: حروب تبني، لا تدمر.