جريدة الرؤية العمانية:
2025-04-05@13:36:29 GMT

دعوها يا بني وطني.. دعوها!

تاريخ النشر: 29th, August 2023 GMT

دعوها يا بني وطني.. دعوها!

د. خالد بن حمد الغيلاني

Khalid.algailni@gmail.com

@khaledalgailani  

 

منذ قديم الأزل والعرب تدرك أنَّ حرب أبناء العمومة أكثر شراسة، وأشد وقعًا، والشاعر طرفة بن العبد يقول:

وظلم ذوي القربي أشد مضاضة // على المرء من وقع الحسام المهند.

فحرب البسوس استمرت قرابة الأربعين عامًا بسبب ناقة، وحرب داحس والغبراء لم تقل مدتها، رغم أن السبب لا يرقى حتى لمُجرد التشاجر، ولكن هكذا هي نزاعات أبناء العمومة تشتد وتكبر.

وحينما مَنَّ الله تبارك وتعالى علينا- أعني العرب قاطبة- بالإسلام، كان الحرص على أن يكون الرابط بين بني الإسلام رابط الدين والمحبة، وأن تعلو أخوة الدين فوق عصبية الجاهلية.

وعند هجرة الحبيب المصطفى إلى المدينة بترحيب من أوسها وخزرجها؛ الذين دارت بينهم حرب طال أمدها، واستعر لهيبها، وأخذت من الحيّين ما أخذت. جاء الإسلام وأزال العداوة، وتحول البغض إلى أخوة ومحبة، وإيثار وحسن صحبة.

ساء اليهود هذا الود وهذه المحبة، وهم من كان أكثر المستفيدين من حرب بني العمومة. فأشار أحدهم يومًا كما تذكر كتب السير كسيرة ابن هشام والطبري؛ إلى غلام له وهو يرى الألفة بين القوم أن ذكرهم بيوم "بُعاث" وهو يوم مشهود بين القبيلتين قبل الهجرة. ومع وجود الرسول الهادي نبي الرحمة والسلام بين أظهر القوم إلا أنهم تداعوا للقتال، بعد اشتداد التلاسن بينهم، فقال صلى الله عليه وسلم قولته المعروفة؛ "أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم". مثل هذه الأحداث لا تُذكر عبثًا، وإنما ليعتبر النَّاس منها، ويعلمون أن العصبيات لا طائل من ورائها إلا الشتات، وفساد الأمر، وسوء المنقلب.

وبعودة إلى تاريخنا العُماني؛ نجد أحداثا عديدة مماثلة تداعى القوم فيها إلى عصبية القبيلة، وسالت إثرها دماء، كان حفظها أولى وأجدى. ولا يخفى على الكثير أن هناك عصبيات أشد فتكًا من عصبيات النسب والقبيلة، وهي الدعوة للطائفية والمذهبية، هذه الدعوات والنعرات التي إن ظهرت في مجتمع أهلكته، وفتت عضده، وشتتت شمله، وأرهبت أهله، ولنا في العديد من الدول عبرة يعتبر بها أولو الألباب، ويراها ذوو البصائر والعقول.

المجتمع العُماني منذ أمد بعيد وعى أولو الأمر فيه وأهله لمثل هذه المخاطر والآفات؛ فتجنبوها وتركوها، لعلمهم بخطرها وشدة أثرها، ولبعد نظرهم، وحضور أفئدتهم بأن ما يجمع بين الناس أكثر مما يفرق، وأن الإسلام دين الأمن والسلام، و أن لا خير ولا صلاح إن ظهرت بؤرة تشد على يد داعٍ لمثل هذه العصبيات المذهبية المقيتة، والنار من مستصغر الشرر.

وجاء نظامنا الأساسي في دولتنا الحديثة المجيدة ليضرب بيد القانون النافذ على مثل هذه الدعوات العصبية المذهبية والتي لا مجال للتساهل مع من يفكر مجرد التفكير في إثارتها من قريب أو بعيد.

إنَّ عُمان الغالية في عصرها الحديث دولة عظيمة، وسلطنة مجيدة، أرسى دعائم الوحدة الوطنية والإخاء فيها المغفور له بإذن الله تعالى السلطان قابوس بن سعيد طيّب الله تعالى ثراه، الذي أشار إلى نقاء التربة العُمانية، ورفضها لكل عصبيات مقيتة، وحرصه على أن يجرم القانون كل ساعٍ لمثل هذه العصبيات، وأوكل أمر الفتوى في البلاد لعلماء عظام، يدركون أن اختلاف العلماء رحمة، وأن ما يجمع بين الناس أكثر بكثير مما يفرقهم، حتى وصلت مسؤولية الفتوى لعالم فذٍ، مجتهدٍ، صاحب خلق رفيع، وتواضع جم، له في قلوب أبناء عُمان منزلة عظيمة، ومكانة عالية، وهو الذي يفتح قلبه وجوارحه لكل أبناء الوطن على اختلاف المذاهب، فنال محبة العباد، وثقة أهل الحل والقياد.

وتولى أمرنا مولانا السلطان هيثم بن طارق المعظم في مسيرة خير مستمرة، ونهضة متجددة؛ ليؤكد على هذه الثوابت الوطنية، واللحمة العُمانية، لعلمه ويقينه- حفظه الله ورعاه- بضرورة الثبات على الأصول، والمحافظة على وحدة الكلمة والصف، فلا تنمية ولا تقدم ولا رخاء ولا استقرار ولا استثمار ولا تجاوز لأي تحدي اقتصادي واجتماعي دون خلفية مجتمعية متراصة ومتعاونة ثابتة على نسيج وطني متداخل تداخل المحبة والألفة والسلام.

وما يحدث هذه الأيام من إثارة عبر منصات التواصل الاجتماعي، وإشادة من هذا لذاك، أو نقد من ذاك لهذا، وانقسام هؤلاء إلى فسطاطين كلٌ يدّعي أحقيته وواجبه وسلامة نيته فيما يقول، وكلٌ يَضرب على وتر المحبة والوطن، ورغم أنني واثق من وطنية الجميع، لكن واجبات هذه المواطنة تجاه هذا الوطن ترى مجرد الخوض وعبر حديث عابر في أمر المذاهب هو لعب بالنار، وفتح لباب شر لا يسد، وسعي نحو مسار لا تحمد عواقبه، ولا يستهان بنتائجه.

وما استعار النار في عديد من الدول بسبب هذه الفتن الطائفية والمذهبية، نار أكلت رطبهم ويابسهم إلا كانت في بدايتها تراشق من هنا ورد من هناك، والمتربصون كثر، فهذا يؤجج هذا، وذاك يثير ذاك، والبغضاء تنتشر، والعداوة تشتد، فكان ما ترون وتعلمون.

وهنا المسؤول الذي أعنيه وأخاطبه كل عُماني تربّى على السمت العُماني الذي يُضرب به المثل، وتخلق بالأخلاق العُمانية الرفيعة، وأقولها بصوت عالٍ: دعوها يا بَنِي وطني، دعوها فإنها دعوى جاهلية، وإنها نتنة لا خير فيها ولا صلاح منها، والفضاء المستخدم رحب منتشر؛ فالحذر الحذر.

ثم المسؤول الآخر الذي أريده ذلك المعني بحفظ الأمن والنظام، وتحريك الدعوى المجتمعية تجاه كل من يعبث ويثير مثل هذه الأمور ولو كان مازحًا؛ فالإدعاء العام جزء من سلطة قضائية متينة، ودوره في هذا دور من يرعى مصالح المجتمع، ويحفظ الحقوق.

وفي الختام.. لا مساس بوحدة الوطن وأبنائه، ولا إمكان لكائن من كان أن ينفذ من هذه اللحمة الوطنية، أو أن يفت من عزمنا، ووحدة صفنا، وسواءِ كلمتنا، فنحن أبناء عُمان جميعا من أقصاها إلى أقصاها،  ديننا الإسلام من عهد النبي، كرامًا أوفياء من خير العرب، على قلب رجل واحد، خلف سلطان واحد، نعشق وطنًا واحدًا.

وأختم مقالي بأني فخور بسلطان البلاد المعظم، عزيزٌ بأبناء وطني الكرام، نقول جميعًا "يا ربنا احفظ لنا عُمان".

رابط مختصر

المصدر: جريدة الرؤية العمانية

كلمات دلالية: الع مانی ع مانی

إقرأ أيضاً:

ما الذي يريده هؤلاء الناس؟

تتباين النظم الاقتصادية بين تحكم الدولة المركزي في الاقتصاد وترك السوق يعمل بحرية تامة، وهما نظامان متناقضان تمامًا. تتيح السوق الحرة للأقوياء أن يصبحوا أكثر قوة، ولهذا يدعو الاقتصاديون المؤيدون للتدخل الحكومي إلى دور للدولة يحد من هذا التفاوت لضبط النظام الاقتصادي. غير أن هذا الرأي يقوم على فرضية أن الدولة تبني هيكلًا اقتصاديًا عادلًا، ولا تعزز الظلم أو تمنح امتيازات لفئة معينة، وهي فرضية نادرًا ما تتحقق في الواقع.

في غياب آليات رقابية وتوازن فعالة، تميل السلطات العامة التي تمتلك القوة إلى تكييف القوانين لصالحها، مما يؤدي إلى تراجع الفائدة العامة بدلًا من تعزيزها. من هذا المنطلق، يرى الاقتصاديون المؤيدون لحرية السوق أن هذا النموذج ليس مثاليًا، لكنه يظل الخيار الأفضل مقارنة بالبدائل الأخرى.

ضبابية الفصل بين الدولة والحكومة

في الدول التي تتدخل فيها الدولة بقوة في الاقتصاد، من الضروري وجود آليات رقابة فعالة، وهو ما يمكن ملاحظته في دول شمال أوروبا، حيث يتمتع المواطنون بوعي مدني عالٍ، ويتابعون بدقة كيفية إنفاق الضرائب التي يدفعونها، كما يمتلكون آليات مساءلة للحكومات تمتد إلى ما بعد الانتخابات.

لكن في الدول النامية، مثل تركيا، سرعان ما يتلاشى هذا النظام، إذ يصبح الحد الفاصل بين الدولة والحكومة غير واضح. بمرور الوقت، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات تستخدمها الأحزاب الحاكمة لضمان بقائها في السلطة، مما يؤدي إلى تآكل تدريجي للبنية المؤسسية. ونتيجة لذلك، يزداد التفاوت الاقتصادي، حيث تصبح الانتخابات وسيلة للبقاء في الحكم بدلًا من أن تكون أداة للتنمية.

تُستخدم المساعدات الاجتماعية خلال الفترات الانتخابية لكسب تأييد الفئات الفقيرة، بينما تموَّل هذه السياسات عبر الضرائب المفروضة على الطبقة الوسطى المتعلمة. وفي ظل هذا الواقع، يلجأ العديد من الشباب المؤهلين أكاديميًا إلى الهجرة بحثًا عن فرص أفضل، فيما يشهد من يبقى داخل البلاد كيف يتم تفكيك القوى التي يمكنها تحقيق التوازن في النظام.

تآكل الديمقراطية من الداخل

اقرأ أيضا

المقيمين والقادمين إلى تركيا.. تنبيهات هامة بشأن الطقس خلال…

الخميس 03 أبريل 2025

عندما تُختزل الديمقراطية في صناديق الاقتراع فقط، فإن ذلك يُسهّل على السلطة الحاكمة تقليل المحاسبة بين الفترات الانتخابية، ما يتيح إدارة أكثر استبدادية وغموضًا. ومع ذلك، فإن العناصر الأساسية لأي ديمقراطية سليمة—مثل الفصل بين السلطات، والإعلام المستقل، ومنظمات المجتمع المدني، والبيروقراطية النزيهة—يتم تهميشها تدريجيًا.

مقالات مشابهة

  • مدير قناة الإخبارية السورية لسانا: تأخير انطلاق القناة بسبب العقوبات على سوريا وستواكب كل الأحداث الجارية في سوريا من منظور وطني
  • الجموعية عز النصير
  • العراق يدين العدوان الذي شنّته اسرائيل على الأراضي الفلسطينية
  • قطارات عُمان .. الحلم الذي آن أوانه
  • حفظه الله عمكم البرهان الذي قضى على الجنجويد بالابرة
  • ما الذي يريده هؤلاء الناس؟
  • قيادي بالشعب الجمهوري: هناك إصرار وطني على النهوض بقطاع الصناعة
  • ما تفاصيل مقترح الوسطاء الذي وافقت عليه حركة حماس؟
  • ما السيناريو الذي تخشاه روسيا بشأن أمريكا وايران 
  • الجندي السعودي الذي إتفق الجميع على حبه