قبل انقلاب النيجر الذي هزَّ وسط وغرب أفريقيا، لم تكن ثمة بوادر بأن شيئا مزلزلا على وشك الحدوث، رغم أن "نيامي" كانت تعيش واقعا سياسيا وأمنيا مضطربا. كان الوضع ضبابيا للغاية، وحال هذا الضباب دون إدراك ما يجري فوق السطح، ينطبق ذلك على الرئيس المخلوع محمد بازوم نفسه، المُحاط بزُمرة من أقوى رجالات جيشه من الحرس الرئاسي، وحتى الاستخبارات الأميركية نفسها، ففي 6 يونيو/حزيران الماضي، وقبل أيام معدودات من انقلاب النيجر، التقى قائد العمليات الخاصة بالجيش الأميركي "جوناثان براغا" بنظيره النيجيري العميد موسى سالاو بارمو، في مقر القاعدة الجوية 101 في قلب العاصمة.

(1)

 

لم يكن "بارمو" حتى ذلك التوقيت سوى قائد قوات النخبة الذي تلقى تدريبات احترافية على يد الجيش الأميركي، ثم حارب معه الجماعات المسلحة في كلٍّ من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، لكنه كان وما زال أيضا أحد الوجوه المقبولة لدى واشنطن منذ ما يزيد على ثلاثين عاما، نسج خلالها صداقات مع عدد من كبار الضباط الأميركيين -بما فيهم "جوناثان براغا"- الذين زاروا بيته، واحتفظوا برقمه الشخصي على هواتفهم، وبات يُنظر إليه على نطاق واسع وثقة بالغة بأنه يُمثِّل امتدادا لجيل أصدقاء واشنطن، وأحد حلفائها المحتلمين في المستقبل.

 

مَثَّلت هذه الصفوة العسكرية أيضا امتدادا طبيعيا لمدرسة الرئيس المخلوع بازوم نفسه، التي تعتنق السياسات القائمة على حماية المصالح الأميركية والغربية عبر محاربة الجماعات الإسلامية المسلحة، ومنع النيجر من أن تصبح موقعا أفريقيا آخر لروسيا وفاغنر. استمرت الاتصالات بين "بارمو" والأميركيين، حتى انهارت تلك الصورة صبيحة الانقلاب، وظهر لهم أنه رجل لا يؤمن بشيء مما أبداه طوال مسيرته، حتى إنه قدّم نفسه لشعب النيجر -مثله مثل جميع قادة الانقلاب- بوصفه رجلا يسعى لتحرير بلاده من "الاستعمار الغربي"، وبدت المفاجأة الكاملة حين مال إلى روسيا في وقت وجَّه فيه رسالة للأميركيين مفادها: "إذا كان خسارة الدعم العسكري الأميركي هو الثمن الذي سندفعه للحصول على سيادتنا، فليكن الأمر". (2)

الفريق جوناثان بارغا يلتقي بارمو بالعاصمة نيامي في يونيو/حزيران 2023 لتعزيز حملة مكافحة "الإرهاب". (أسوشيتد برس) الانقلابيون الجدد

منذ حصولها على الاستقلال في ستينيات القرن الماضي، عرفت القارة السمراء أكثر من 200 انقلاب عسكري، نصفها كان ناجحا، ووصولا إلى عام 1980 كان العسكر يحكمون 43 دولة أفريقية من أصل 53 وقتها، واليوم هناك 18 رئيسا ينتمون إلى الجيوش الأفريقية، أو حركات التمرد المسلحة، ويحكمون 114 مليون شخص، ومعظمهم من أصدقاء واشنطن القدامى.

 

بشكل أكثر تحديدا، شهدت أفريقيا ثمانية انقلابات حظيت بالدعم أو المباركة الضمنية للعم سام، أما عن مسارحها فهي السودان، ومالي (مرتين)، والنيجر، وتشاد، وبوركينا فاسو (مرتين)، وغينيا، أما عن القادة، فستة من قادة هذه الانقلابات تلقوا تدريبات في الولايات المتحدة الأميركية، ثم عادوا إلى بلدانهم الأم لتنفيذ انقلابات ناجحة ضد حكوماتهم غضَّت واشنطن الطرف عنها، وتسامحت مع أولئك الضباط الأفارقة ما داموا يدافعون عن مصالحها. (3)

 

كانت قصة "موسى بارمو" متوقعة كون أحداثها تكررت غير ما مرة في أفريقيا، ففي فبراير/شباط العام الماضي 2022، قاد الكولونيل "بول هنري داميبا" انقلابا في بوركينا فاسو، وأطاح بالرئيس المنتخب ديمقراطيا روش مارك كابوري، بدعوى فشله في الحرب على الجماعات الإسلامية، ولم يستغرق الأمر منه سوى ثلاثة أسابيع فقط حتى نصّب نفسه زعيما للبلاد. ورغم قطع الولايات المتحدة 160 مليون دولار من المساعدات العسكرية ردا على الانقلاب، فإن ذلك لا يطمس حقيقة أن "دامبيا" كان أحد رجالات واشنطن في غرب أفريقيا طيلة عقدين. وتشير سجلات القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إلى أن الرجل شارك في ست مناورات حصل فيها على تدريبات للعمليات الخاصة، كما حضر دورة ضباط المخابرات العسكرية الأساسية.

الكولونيل "بول هنري داميبا". (رويترز)

يُمثِّل دامبيا امتدادا لرجلين وصلا إلى الحكم عبر انقلاب عسكري، بعدما حصلا على ترشيح استثنائي للتدريب من الجيش الأميركي، هما يعقوب إسحاق (انقلاب 2014)، و"جيلبرت دينديري" (انقلاب 2015)، ورغم أن دامبيا كان رجلا قويا بالغ الدهاء وواسع الحيلة، فإنه سقط في انقلاب خاطف أواخر العام نفسه على يد ضابط شاب هو النقيب إبراهيم تراوري، الذي لم يرد اسمه على الأرجح في سجلات وزارة الدفاع الأميركية، ويُمثِّل جيلا جديدا من القادة الانقلابيين في أفريقيا الناقمين على الوجود الفرنسي. (4) (5) (6)

 

وعلى خلاف زعيم بوركينا فاسو الجديد "تراوري" المناهض للغرب، تمتع رئيس غينيا الحالي، العقيد "مامادي دومبويا"، بعلاقة وطيدة مع الجيشين الأميركي والفرنسي. وفي عام 2021، تزعم قائد القوات الخاصة وقتها انقلابا ضد الرئيس ألفا كوندي، لكن سرعان ما أدرك القائد الشاب الخطر الذي يُمثِّله في وجود قوات الكوماندوز الأميركي التي تتولى تدريب قوات بلاده، ما دفعه إلى التحرك ضدهم وإجبارهم على الاحتماء بالسفارة الأميركية، لترد الولايات المتحدة بفرض عقوبات وتعليق التدريبات مع الجيش الغيني، لكن دومبويا مضى في طريقه غير عابئ بالعقوبات، معتمدا على أن مصالح الغرب ستقوده مجددا حتما إلى بلاده الغنية بالذهب وخام الحديد والبوكسايت. (7)

 العقيد "مامادي دومبويا". (الأناضول)

وبالقرب من غينيا شمالا، استطاع ضابط شاب يُدعى "آسيمي غويتا" في أواخر الثلاثينيات من عمره، في فترة قصيرة لم تزد على عام واحد، أن يقود انقلابين متتاليين، وأن يستولي على الحكم في مالي، كما عمل على تقويض الوجود الفرنسي في بلاده، وانسحب من مجموعة الساحل، ونسج علاقات قوية مع روسيا، ومكَّن لمجموعة فاغنر في منطقة الساحل الأفريقي. عمل "غويتا" لسنوات مع قوات العمليات الخاصة الأميركية التي تحارب الجماعات المسلحة غرب أفريقيا، وتلقى تدريبات احترافية من جيوش أميركا وفرنسا وألمانيا، لكنه في أغسطس/آب عام 2020، انقلب على الرئيس السابق إبراهيم أبو بكر كيتا، ثم تولى بعدها منصب نائب الرئيس في حكومة انتقالية مهمتها إعادة الحكم المدني للبلاد، لكنه بعد تسعة أشهر، ضاق ذرعا بأخطاء السياسيين كما يزعم، ليستولي على السلطة مرة أخرى في انقلابه الثاني. جدير بالذكر أنه قبل نحو عشر سنوات من انقلاب غويتا، قاد النقيب أمادو هيا سانوغو، عام 2012، انقلابا في مالي، بعدما حصل هو ومجموعته على تدريبات أميركية خاصة. (8) (9)

"آسيمي غويتا" شغل مناصب متعددة ومتنوعة بالمؤسسة العسكرية وقاد انقلابين في مالي. (رويترز)

كل ما ذكرناه ما هو إلا مجموعة أسماء لقادة أفارقة سلكوا الطريق نفسه، إذ إن ثُلث رؤساء أفريقيا كانوا ضباطا قادوا انقلابات ناجحة، وصعدوا سُلم السلطة -غالبا- عبر مباركة أو صمت الوسيط الأميركي. في المقابل، هناك جنرالات آخرون تلقوا تدريبات أميركية وحاولوا قيادة انقلابات لم يُكتب لها النجاح، أبرزهم الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي قاد محاولة فاشلة للانقلاب على القذافي عام 1993، ومحاولة أخرى فاشلة لاقتحام العاصمة طرابلس عام 2019. (10)

 

المهام بين المُعلن والخفي

لم تكن الخطوط السياسية الأميركية تجاه أفريقيا دوما كما هي الحال عليه اليوم، ففي أوائل الستينيات، تعاطفت واشنطن مع حركات الاستقلال الأفريقية، وكان انتخاب الرئيس الأميركي جون كينيدي علامة فارقة في العلاقات مع أفريقيا، لكن اندلاع الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي حوَّل القارة السمراء إلى جبهة للاستقطاب بين الخصمين، خاصة بعد انحياز العديد من دول القارة إلى السوفييت، رافعة شعار الشيوعية الأثير وهو "عدم الثقة في الغرب". بدت ضرورة التدخل واضحة للأميركيين لتفتيت تلك الجبهة مهما تكلف الأمر، وكانت أفريقيا بالفعل في عام 1976 على أعتاب هجمة عنيفة استهدفت حلفاء موسكو، حين اجتمعت استخبارات خمس دول هي مصر والسعودية والمغرب وفرنسا وإيران برعاية الاستخبارات الأميركية تحت اسم "نادي السفاري"، ويُنسب للنادي دعم انقلابات وتحولات كان أشهرها تدخله العسكري في زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حاليا)، وتزويد الصومال بالسلاح في نزاعها مع إثيوبيا التي حصلت على دعم عسكري سوفيتي في الوقت نفسه. (10) (11)

 

مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، كانت التجربة الأميركية في أفريقيا بكل أخطائها قد نضجت بالفعل، وعرف الأميركيون بذكاء أن إهمال الجيوش كان هو الخطأ الأكبر الذي نفذ منه الروس. لذا حين فرغت واشنطن من إقصاء موسكو، بذلت جهدا أكبر للإمساك بزمام القارة، خاصة بعد تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998 على يد تنظيم القاعدة، وزيادة اعتمادها على مصادر الطاقة الأفريقية. أعلنت واشنطن مع صعود الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن إلى الحكم عن شرق أوسط جديد، وإستراتيجية جديدة لأفريقيا، وكانت أبرز ملامح هذا النهج هي إنشاء قيادة مشتركة للعمليات العسكرية في أفريقيا عام 2007، حملت اسم "أفريكوم" (AFRICOM)، التي كان مقرها في ألمانيا، وليس في أية دولة أفريقية، حرصا على عدم اتهامها باستنساخ الماضي الاستعماري القريب. (12) (13)

تشمل أنشطة "أفريكوم" المعلنة في أفريقيا تدريب الجيوش المحلية وتقديم المشورة لها، وتعزيز عمليات "مكافحة الإرهاب"، عبر مناورات وتدريبات سنوية دائمة أشهرها "فلينتلوك" و"الأسد الأفريقي". (أفريكوم)

كان الهدف من إنشاء تلك القيادة وتوسعها لاحقا هو كسر تمدد الجماعات الإسلامية التي ارتفعت من خمس مجموعات فقط في عام 2010 إلى نحو 25 تنظيما عام 2020، أي بزيادة قدرها 400% وفقا لبيانات وزارة الدفاع الأميركية، وإلى جانب "أفريكوم"، لم يكن في الجو ما يشير إلى أزمة في ظل احتضان أفريقيا قاعدة أميركية وحيدة في جيبوتي، وهي قاعدة "ليمونيه" الأميركية، التي تُعَدُّ بمنزلة ثكنة لنحو 4000 جندي أميركي، مهمتها مراقبة المجال الجوي والبحري والبري لست دول أفريقية هي: السودان وإريتريا والصومال وجيبوتي وكينيا واليمن، ما يجعلها واحدة من أهم القواعد الأميركية في العالم. لكن في الوقت ذاته، كشفت وثائق عسكرية أميركية نشرتها صحيفة "إنترسبت" (Intercept) عن إنشاء "أفريكوم" 29 قاعدة خفية تقع في 15 دولة أو منطقة مختلفة، تمتد من القرن الأفريقي في الشرق وصولا إلى مياه الأطلسي غربا. (14) (15)

 

وبحسب آخر بيانات سرية منشورة عام 2017، تُجري الولايات المتحدة 3500 مهمة عسكرية في أفريقيا سنويا، بواقع 10 مهام يوميا، في 21 دولة، وتفاصيل معظمها غير معروفة، ولا يُكشَف عادة عن تلك الأعداد أو العمليات بسهولة بسبب "الاعتبارات الأمنية"، ومع ذلك تشمل أنشطة "أفريكوم" المعلنة في أفريقيا تدريب الجيوش المحلية وتقديم المشورة لها، وتعزيز عمليات "مكافحة الإرهاب"، عبر مناورات وتدريبات سنوية دائمة أشهرها "فلينتلوك" و"الأسد الأفريقي"، تشارك فيها قوات العمليات الخاصة والاستخبارات، وتُجرى فيها تدريبات جوية، وتجرِّب فيها القيادة الأميركية أحدث إصداراتها العسكرية.

 

غير أن التقارير الأمنية الأميركية كثيرا ما تُظهر أن تلك المهام التي تكون تحت غطاء الحرب على الإرهاب تؤدي في الغالب إلى نتائج عكسية وتخلق المزيد من الفوضى التي تنشأ فيها "المنظمات الإرهابية"، كما تدفع الجنرالات للقيام بانقلابات ناجحة ومضمونة. ورغم تلك الاعتبارات مجتمعة، فإن الوجود الأميركي في القارة السمراء يضمن مصالح عميقة لواشنطن لا يمكن الاستغناء عنها مهما تكلف الأمر. (16) (17)

 

بلاد الحرية تدعم الديكتاتورية وضعت "أفريكوم" هدفا إستراتيجيا مهما هو منع ظهور "أسامة بن لادن جديد"، عبر محاربة ما لا يقل عن 18 تنظيما مسلحا موجودا في منطقة الساحل وفي شرق أفريقيا، وتعزيز القدرات الدفاعية للجيوش الأفريقية. (أفريكوم)

ترفع "أفريكوم" شعارات قوية من قبيل تحقيق السلام، وتعزيز القدرات الدفاعية للجيوش الأفريقية، وتمكين القادة الأفارقة من معالجة تهديداتهم الأمنية الداخلية مثل التمرد والجماعات المسلحة، معتبرة إياها أهم مهامها المعلنة، وعلى ضوء ذلك اشتبكت القوات الأميركية بشكل مباشر مثلا مع حركة "الشباب" داخل الصومال وفي كينيا، كما قدمت الدعم الاستخباراتي والاستطلاع الجوي للقوات الأوروبية المشاركة في عمليات "مكافحة الإرهاب" في كلٍّ من بوركينا فاسو وتشاد ومالي وموريتانيا والنيجر، التي عُرفت لاحقا باسم عملية "بورخان"، ودفع الجيش الأميركي ثمنا لتلك المواجهات، وفقد عددا من قواته في شرق ووسط أفريقيا، كما كان في مرمى نيران حركة الشباب في الصومال وكينيا، وخسر عددا من جنوده في مواجهات مع تنظيم الدولة الإسلامية في النيجر، أشهرها حادثة بث التنظيم فيديو مصورا لاستهداف جنود أميركيين، ما أدى إلى مقتل ثلاثة منهم.

 

وضعت "أفريكوم" هدفا إستراتيجيا مهما هو منع ظهور "أسامة بن لادن جديد"، عبر محاربة ما لا يقل عن 18 تنظيما مسلحا موجودا في منطقة الساحل وفي شرق أفريقيا، وتعزيز القدرات الدفاعية للجيوش الأفريقية. وبينما يتساءل الأميركيون أنفسهم لماذا تدفع بلادهم بعدد من أبنائها للقتال في تلك البقاع المنسية من العالم، تعرف شعوب تلك المنطقة الإجابة جيدا، وهي حماية المصالح الأميركية مهما تكلف الأمر، وأهمها تأمين السيطرة الأميركية على مصادر الطاقة الأفريقية، التي زادت أهميتها خلال الحرب الأوكرانية واتجاه أوروبا لأسواق بديلة لتقليل الاعتماد على النفط الروسي، فضلا عن مآرب جيوسياسية أخرى يأتي في طليعتها محاصرة نفوذ القوى الكبرى المتوغلة في القارة، وأبرزها العملاق الصيني ومن بعده روسيا وتركيا وحتى فرنسا، ويكفي أن نعلم أن الصين سجلت عام 2021 أكثر من ثلاثة أضعاف حجم تجارتها في أفريقيا، بتبادل تجاري تخطى حاجز 250 مليار دولار، مقابل 21 مليار دولار هو حجم التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وأفريقيا في العام نفسه.

 

رغم الشعارات الرنانة والأهداف الكبرى، أثبتت الولايات المتحدة أنها عازمة على الذهاب إلى أبعد مدى لحماية مصالحها، حتى ولو كان ذلك على حساب الديمقراطية وشعوب القارة؛ وقد فَهِمَ الضباط الأفارقة المعادلة والتناقض الأميركي الصريح، فسيطروا على الحكومات المدنية مقابل وعود بتحقيق مصالح واشنطن، وبينما كان من المفترض أن تكون تلك التدريبات الأميركية حصنا منيعا ضد الإرهاب والانقلابات، فإن ما حدث فعليا هو العكس، حيث نظم الضباط الذين دربتهم الولايات المتحدة عدة انقلابات في أفريقيا خلال العقد الأخير، حدث معظمها في دول الغرب الأفريقي، تحديدا بوركينا فاسو ومالي وغامبيا وغينيا والنيجر.

 

كانت تحركات الولايات المتحدة في القارة تتوافق فقط مع خارطة مصالحها. فخلال الثورة الليبية عام 2011، تدخلت "أفريكوم" لوقف زحف الجيش الليبي على المناطق التي أسقطها الثوار، من خلال فرض منطقة حظر جوي ضد نظام القذافي المُعادي لواشنطن، وعلى النقيض، تغاضت الولايات المتحدة عن العملية العسكرية التي قام بها الجنرال خليفة حفتر على العاصمة طرابلس عام 2019. ومن ليبيا إلى غينيا، صمتت واشنطن عن انتهاكات النظام الحاكم في غينيا الاستوائية، كما صمتت عن وقائع "تزوير الانتخابات" التي أطالت عمر الحكام الاستبداديين في كلٍّ من أنغولا ونيجيريا، والسبب الرئيس في ذلك يعود إلى الدور الذي تلعبه أنظمة هذه الدول في تأمين المصالح النفطية للولايات المتحدة.

 

لكن الولايات المتحدة تذوق اليوم على ما يبدو وبال إستراتيجية تقوية جنرالات أفريقيا حفاظا على مصالحها، بعد أن تعلم هؤلاء الجنرالات برشاقة لعبة الرقص على الحبال، فبعد أن تلقوا التدريبات والدعم من الولايات المتحدة، لم يترددوا في الانقلاب عليها ورفع شعارات مناهضة "الإمبريالية الغربية" حين توافق الأمر مع رغباتهم في الاستئثار بالسلطة، وعلى طول هذا الطريق لم يمانع القادة أصحاب الهوى الأميركي السابق من الهرولة نحو موسكو، خصم واشنطن القديم الجديد، في لعبة مظلمة تكرر نفسها مرة بعد مرة، بلا نهاية.

——————————————————————————————

المصادر:

(1) Lt. Gen. Braga visits Air Base 101, Niger

(2)At Center of Niger’s Coup Is One of America’s Favorite Generals

(3) Political Fragility in Africa: Are Military Coups d’Etat a Never-Ending Phenomenon?

(4) Exclusive: U.S. halts nearly $160 million aid to Burkina Faso after finding military coup occurred

(5) ANOTHER U.S.-TRAINED SOLDIER STAGES A COUP IN WEST AFRICA

(6) Coup leader in Burkina Faso received U.S. military training

(7) At Least Five Members of Niger Junta Were Trained by U.S

(8) U.S. Forces Were Training the Guinean Soldiers Who Took Off to Stage a Coup

(9) Mali coup leader Col. Assimi Goita was trained by U.S

(10) At Least Five Members of Niger Junta Were Trained by U.S

(10)Soviet spies in Africa: How the KGB expanded Russian influence during the Cold War

(11) THE COLD WAR IN INDEPENDENT AFRICA

(12) تفجير سفارتي الولايات المتحدة (كينيا وتنزانيا بتاريخ 07 أغسطس/آب 1998)

(13) Defense Headquarters:DOD Needs to Reassess Options for Permanent Location of U.S. Africa Command

(14) PENTAGON’S OWN MAP OF U.S. BASES IN AFRICA CONTRADICTS ITS CLAIM OF “LIGHT” FOOTPRINT

(15) US Military Bases in Djibouti

(16) IT’S NOT JUST NIGER — U.S. MILITARY ACTIVITY IS A “RECRUITING TOOL” FOR TERROR GROUPS ACROSS WEST AFRICA

(17) africom: what we do

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: الولایات المتحدة الجیش الأمیرکی بورکینا فاسو فی أفریقیا ت واشنطن فی عام التی ت

إقرأ أيضاً:

أنا مسلم بريطاني فهل سأكون موضع ترحيب في أميركا ترامب؟

بلغ الفرح كل مبلغ من الشاب البريطاني سارفراز منظور عندما حصل على تذكرة لحضور حفل لمغنيه المفضل بروس سبرينغستين في نيوجيرسي، ولكنه فجأة تساءل: هل سيكون مرحبا به الولايات المتحدة بصفته مسلما أسمر البشرة بعد ما بلغه من احتجاز وترحيل زوار من بريطانيا وألمانيا وكندا؟

وبهذه الجملة انطلقت صحيفة تايمز في قصة شاب بريطاني عثر على فرصته المثالية للسفر إلى الولايات المتحدة، حيث سيُحيي المغني الذي أعجب به إلى الحد الهوس حفلا في قاعة صغيرة بمسقط رأسه، وقد حصل على تذكرة للدخول رغم السعر الباهظ.

اقرأ أيضا list of 2 itemslist 1 of 2يديعوت أحرونوت: إسرائيل تحتاج دستورا لتلافي حرب أهليةlist 2 of 2كاتب إسرائيلي: خطة إسرائيل النهائية لغزة اسمها معسكر اعتقالend of list

وحجز سارفراز منظور الفندق، ولكنه قبل تأكيد رحلته، رأى تقارير مقلقة -كما يقول- عن احتجاز وترحيل زوار من بريطانيا وألمانيا وكندا من قبل مسؤولي الهجرة دون تفسير للأسباب، فتساءل: هل سيكون، وهو المسلم الأسمر المولود في باكستان، هدفا لمسؤولي الهجرة؟ وبالتالي هل يبقى أم ​​يرحل؟

وسردت الصحيفة على لسان الشاب قصة حبه للولايات المتحدة وكيف زار كثيرا من معالمها، وما ناله فيها من تقدير لم يحظ به في بلده لاعتبارات الدين والمنشأ، حتى تمنى لو كان أميركيا، ثم تذكر كيف شعر، عند اصطدام الطائرة الأولى ببرجي مركز التجارة العالمي، أن العالم كما عرفه قد ولى.

إعلان هل ستموت من أجل الملكة؟

يومها كما يقول سارفراز منظور "كان من المقرر أن تغادر الطائرة التي أستقلها إلى الولايات المتحدة، ولكنني شعرت بالتردد في السفر، ولم يكن خوفي من وجود إرهابي على متن الطائرة، بل كان خوفي من أن يفترض رفاقي أنني أنا الإرهابي".

وبالفعل وجد الشاب -الذي عاد إلى الولايات المتحدة في العقد الأول من القرن الـ21 لحضور حفلات سبرينغستين في الغالب- أن اسمه كان عليه علامة للخضوع لتفتيش ثانوي، حتى إنه سئل في إحدى المرات "هل ستموت من أجل الملكة؟" مما ولد لديه توجسا من المطارات لا يزال مستمرا حتى اليوم.

ويتذكر سارفراز أن عمليات التفتيش الثانوية قلت في فترة ما "ربما كان ذلك لأن باراك أوباما أصبح في البيت الأبيض بعد سنوات جورج بوش الابن، أو ربما لصحبته أطفالا صغارا". ويضيف "عاد شغفي بأميركا الذي اهتز بعد هجمات 11 من سبتمبر/أيلول، وعاد كل ما كنت أعتقده عن الأمة من طبيعتها الكريمة والمتسامحة والتقدمية بعد أن انتخبوا رجلا أسود يحمل اسما مسلما، خاصة أنه لم يكن هناك أي احتمال أن يصبح شخص ملون رئيسا لوزراء بريطانيا".

واستطرد سارفراز -خلال سفره عبر الولايات المتحدة من نيويورك إلى لوس أنجلوس صيف 2019 في رحلات درجة الأعمال "كنت أزور الولايات المتحدة للترويج لفيلمي "أعمى النور" الذي أعاد إلى الأذهان طفولتي في لوتون والتأثير الذي أحدثه سبرينغستين على مراهقتي، وكنت أرى الناس يهتفون ويبكون أثناء الفيلم. كانوا يخبرونني بمدى ارتباطهم بقصتي".

ويقول "عرضنا الفيلم في أسبري بارك في دار سينما بجوار نفس الممشى الخشبي الذي غنّى عنه سبرينغستين في السبعينيات، وهو الممشى الذي حلمت به في لوتون وزرته صيف 1990، والآن أعرض فيلمي على سكان أسبري بارك، وعلى سبرينغستين الذي ظهر فجأة في تلك الليلة. شعرت بشعور خاص للغاية. لقد نشأت في بوري بارك، لكنني شعرت وكأنني في وطني في أسبري بارك. لقد تحقق حلمي الأميركي".

إعلان أميركا التي أحببتها تتلاشى

كان سارفراز يقول لنفسه -كلما انتخب الأميركيون زعيما لا يؤيده- إن هناك فرقا بين الشعب والرئيس، ولذلك -كما يقول- "واصلت زيارة الولايات المتحدة خلال رئاسة جورج بوش الابن وولاية دونالد ترامب الأولى، وكنت أقول لنفسي إن أميركا الحقيقية لطيفة وسخية حتى ولو لم يكن الرئيس كذلك".

غير أن هذه الأعذار لم تصمد أمام إعادة انتخاب ترامب العام الماضي، ولذلك يقول سارفراز "أخشى أن ما أراه في الولايات المتحدة شيء أعمق من مجرد تغيير في القيادة. لقد جعلني فوز ترامب وأفعاله منذ انتخابه أكثر توترا من أي وقت مضى بشأن زيارة الولايات المتحدة".

وتذكر سارفراز السائحة البريطانية ريبيكا بيرك التي احتجزت في مركز معالجة لمدة 19 يوما لانتهاكها شروط تأشيرتها السياحية، ثم الممثلة الكندية ياسمين موني التي احتجزت لما يقرب من أسبوعين بسبب تأشيرة غير مكتملة، وبعدها العالم الفرنسي الذي منع من دخول الولايات المتحدة الشهر الماضي بعد أن عثر موظفو الهجرة في هاتفه على رسائل انتقد فيها إدارة ترامب.

وبالفعل كما يقول سارفراز "شعرت بقلق بالغ لرؤية لقطات الطالبة التركية رميسة أوزتورك وعناصر من الأمن الداخلي بملابس مدنية وأقنعة تغطي جزئيا وجوههم يقبضون عليها في الشارع، وهي الآن محتجزة في لويزيانا، ويُقال إن دافع احتجازها هو مشاركتها في كتابة مقال رأي بصحيفة طلاب جامعتها ينتقد رد فعل الجامعة على الهجمات الإسرائيلية على غزة والفلسطينيين".

وخلص سارفراز إلى أن هذه القصص "تركتني أشعر بالذعر والحزن والارتباك. لا أعرف هل أنا أبالغ في ردة فعلي وخوفي من السفر. ما زلت أعتبر أميركا أرضا مليئة بالفرص، لكنها هذه المرة أكثر قتامة، فهناك احتمال إيقافي في مكتب الهجرة وطلب دخول غرفة أخرى، واحتمال مصادرة هاتفي وجواز سفري، واحتمال احتجازي وترحيلي. أشعر بحزن شديد لأن أميركا التي أحببتها طوال حياتي بدأت تتلاشى".

إعلان

مقالات مشابهة

  • أميركا ترحّب بالعقول.. ثم تعتقلها
  • نشطاء: أميركا ستكون الخاسر الأكبر من الجمارك التي فرضها ترامب
  • بريطانيا تحدد آلاف السلع الأميركية التي قد تفرض عليها رسوماً
  • منها 17 دولة عربية.. قائمة ترامب الكاملة بأسماء الدول التي فرض عليها تعرفة
  • توماس فريدمان: رأيت المستقبل للتو لكن ليس في أميركا
  • بينها قطر.. قائمة الدول العربية التي فرض عليها ترامب رسوما جمركية
  • شاهد بالفيديو.. ليست الولاية الشمالية كما زعم عبد الرحيم دقلو.. جندي بالدعم السريع يقع في خطأ ساذج ويكشف عن المدينة التي تستعد المليشيا للهجوم عليها في ال 72 ساعة القادمة!!
  • رغم الضغوط الأميركية.. جنوب أفريقيا تواصل ملاحقة إسرائيل أمام العدل الدولية
  • حاكم أم القيوين يتقبل التعازي من سفيرة الولايات المتحدة الأميركية لدى الدولة في وفاة الشيخة حصة بنت حميد الشامسي
  • أنا مسلم بريطاني فهل سأكون موضع ترحيب في أميركا ترامب؟