ما المقصود بقوله تعالى:«إنه كان ظلوما جهولا».. وهل تكليف الإنسان تخييريا؟
تاريخ النشر: 27th, August 2023 GMT
ما المقصود بقوله تعالى:«إنه كان ظلوما جهولا»، سؤال أوضحه الدكتور محمد قاسم المنسي أستاذ الشريعة بكلية دار العلوم جامعة القاهرة خلال حديثه عن الاصطفاء التكليفي في قول الحق تبارك وتعالى: "إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا".
المقصود بقوله تعالى: إنه كان ظلوما جهولا
وقال المنسي من خلال صفحته الرسمية بموقع التواصل الاجتماعي فيس بوك: لم يخل مشهد التكليف العظيم للإنسان من دلالات مهمة، منها :
1- أن أحد مقاصده إظهار فضل الله على الإنسان وتميزه عن غيره من المخلوقات الثلاثة: السموات والأرض والجبال، وهو فضل نظر الله فيه إلى ضعف الإنسان وقصور علمه وقصر عمره وتعرضه للكثير من الضغوط والنزاعات والصراعات، ولكنه مع هذا سيختار طريقه، ويجاهد ميوله ورغباته، ويقاوم شهواته ويسعي إلى الله بارادته واختياره، موضحا كان من الممكن أن يصدر الأمر الإلهي بتكليف الإنسان دون حاجة إلى عرض الأمر على مخلوقات أخرى، لاسيما وأن هذه المخلوقات الأخرى أضخم من حيث الحجم والكثافة، وأنها تعرف ربها معرفة كاملة، وأنها تؤدي وظيفتها بحكم خلقتها وطبيعتها، دون إدراك منها أو اختيار، بالمقارنة بالانسان، ومن هنا تكون في الظاهر أحق بمنصب الخلافة والتكليف من الإنسان أو علي الاقل أحق بعرض الأمر عليها قبل عرضه علي الانسان.
2- وتابع: مما يؤيد الدلالة السابقة، وهي دلالة اظهار فضل الله على الإنسان، ما ذكره القرآن الكريم بشأن الإنسان في مواضع مختلفة :
ومن ذلك ما يعرف بمشهد الميثاق أو آية الميثاق، والتي جاء فيها قوله تعالي :
وإذ أخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم علي أنفسهم ألست بربكم قالوا بلي شهدنا...).
ومن ذلك أيضا ما يعرف بمشهد سجود الملائكة لآدم في قوله: (وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا...).
وكذلك مشهد التكريم الإلهي لبني آدم الذي ورد في قوله تعالي :(ولقد كرمنا بني ادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضىلناهم علي كثير ممن خلقنا تفضيلا )، فكل هذه الآيات والمشاهد دالة على ما سوف يختص به جنس الإنسان وينفرد به، عن غيره من المخلوقات.
3- أن اختيار الإنسان لهذه المهمة، لم يكن مرهونا بموافقته، لأن الأمر في النهاية كان مرهونا بإرادة الله الذي خلق الإنسان وسواه، وأعطاه ما يتناسب مع هذه المهمة من الإرادة والإدراك والمحاولة وحمل التبعة والمسؤولية، ومن هنا كان ابن عاشور موفقا في تفسيره عندما قال: أن جملة (أنه كان ظلومًا جهولًا) ليست تعليلية لأن تحمل الأمانة لم يكن باختيار الانسان فكيف يعلل بأن حمله الامانة من أجل ظلمه وجهله.
ويضيف ابن عاشور إلى ماسبق قوله: فمعني (كان ظلومًا جهولا) أنه قصر في الوفاء بحق ما تحمله تقصيرا : بعضه عن عمد، وهو المعبر عنه بوصف ظلوم ، وبعضه عن تفريط في الأخذ بأسباب الوفاء وهو المعبر عنه بكونه جهولا...ما لم يعصمه وازع الدين، فكان من ظلمه وجهله أن اضاع كثير من الناس الأمانة التي حملوها.
أما العقاد فقد فسر الظلم والجهل على النحو الآتي: وما من كائن غير الكائن العاقل يوصف بالظلم أو الجهل ، لأنه لا يعرف الحد الذي يتعداه، وإنما يوصف بالظلم والجهل من يصح أن يوصف بالعدل والمعرفة.
يقول المنسي: ما أجمل وأعمق هذه العبارة من العقاد: (يصح أن يوصف بالظلم والجهل من يصح أن يوصف بالعدل والمعرفة ) لأن الاستعداد موجود بالفطرة للسير في أحد الطريقين لقوله تعالي (وهديناه النجدين)اي الطريقين : الظلم والجهل أو العدل والمعرفة ، فهو الذي يختار ، وهو الذي يتحمل عاقبة اختياره.
أما فعل (كان) في الجملة فهو كما ذكر ابن عاشور، إشارة إلى أن ظلم الانسان وجهله وصفان متأصلان في الانسان لأنهما الغالبان على أفراده، الملازمان لها (الفطرة) كثرة أو قلة، ولأن الكينونة هنا ترجع إلى عنصر الجبلة والطبيعة ولا ترجع إلى عنصر الزمنية، وصيغتا المبالغة (ظلوما جهولا)منظور فيهما إلى الكثرة والشدة في أكثر أفراد النوع الإنساني، والحكم الذي يسلط على الأنواع والأجناس والقبائل يراعي فيه الغالب اي أغلبية الافراد، وخاصة في مقام التحذير والترهيب).
5-كذلك أن حكمة الله قد اقتضت ان يختص الانسان بحمل الأمانة ليتحمل عاقبة اختياره، وليكون جزاؤه من عمله، وهو يعرف الله بادراكه وشعوره، ويطيع الله بإرادته، ويجاهد نفسه، ويقاوم انحرافاته ، وهو في كل خطوة من خطواته يتصف بالإرادة والوعي ، يختار طريقه وهو يعلم إلى أين سياخذه هذا الطريق .
6- كما أفادت هذه الآية سنة عظيمة من سنن الله تعالي في تكوين العالم ومافيه، وبخاصة الانسان، وهي سنة العرض، ليراقب الناس في معاملاتهم لبعضهم البعض ربهم، فيعرضوا أعمالهم علي موازين الله واحكامه، ويدركوا سبب تفضيل بعضهم على بعض، واصطفاء بعضهم من بين بعض، رغم أن كثيرا منهم يظلم نفسه ، وأعظم ظلم للنفس أن يمشى الإنسان في طريق الحياة علي غير هدي وبصيرة، فيكون أمره وشأنه فرطا وشقاء وتكون حياته و معيشته ضنكا كما أخبر القرآن الكريم .
المصدر: صدى البلد
كلمات دلالية: كلية دار العلوم القران الكريم
إقرأ أيضاً:
عيد محور المقاومة الذي لا يشبه الأعياد
أكثر من خمسين ألف شهيد كتبت أسماؤهم ودونت في رضوان الله ومستقر رحمته؛ نساء وأطفال وشيوخ، وأكثر من مائة وخمسين ألف جريح؛ وما يزيد على مليوني ألف إنسان تخلت عنهم الإنسانية الزائفة وسلمتهم للإجرام فطردهم إلى العراء بعد ان دمر منازلهم وتركهم؛ ومازال يلاحقهم ليقضي عليهم ويبيدهم في الخيام التي نُصبت لإيوائهم ؛يكابدون الحصار القاتل والقتل والإبادة ويعايشون مرارة الخذلان وتكالب الإجرام لأن إمبراطورية الإجرام أرادت القضاء عليهم لانهم يؤمنون بالله الواحد القهار ولا يؤمنون بالنصرانية أو اليهودية، فصهاينة العرب والغرب يرون التخلص منهم ديناً وعقيدة .
أرسلوا الدعم والتأييد (ملوك وزعماء وأمراء العالمين العربي والإسلامي)للمجرمين واستعانوا بهم على استكمال جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية ونسقوا جهودهم وتخلوا عن جهادهم سراً وعلانية؛ واحتفلوا بالعيد بعد أن قتلوا وسجنوا كل من يقول كلمة الحق؛ وكل مناصرٍ ومؤيدٍ لمظلومية غزة وفلسطين ؛وصهاينة الغرب قدموا كل أشكال الدعم من الأسلحة الحديثة والمتطورة والمواقف السياسية والاقتصادية، يريدون القضاء على غزة وتدميرها وتهجير أهلها وسكانها لأن تعاليم التوراة المحرفة ميزت بين المدن القريبة –لا يستبق منها أحدا- أما المدن البعيدة فيتم استعبادها وتسخيرها، وخير مثال على ذلك خدمة وتسخير أنظمة الدول العربية والإسلامية لخدمة المشروع الصهيوني الصليبي.
محور المقاومة يشكلون الاستثناء، غزة بمقاومتها وصمودها واليمن بدعمه وإسناده وعدم قدرتهم على تطويعه وجعله حديقة خلفية للأنظمة المستعبدة والمسخّرة لليهود، وإيران بعدم قدرتهم على الإحاطة ببرامجها النووية والاستراتيجية ودعمها للمقاومة، أما سوريا فقد زال الخطر وأمن جانبها بعد إسقاط النظام السابق.
محور الإجرام الذي يصفه -نتن ياهو- بمحور الخير يطمح إلى إبادة محور المقاومة يحارب اليمن ويقتل في لبنان وسوريا ويضرب ويهدد إيران ويتوعد بالجحيم، وصدق الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم أن الأعور الدجال يخوّف الناس بالجحيم والحقيقة عكس ذلك فناره نعيم؛ وهو يوهم نفسه بقدرته على تحقيق انتصار بوحشيته وإجرامه وفساده وطغيانه.
تعقد ناشطة يهودية مقارنة بين حال الحلف الإجرامي قبل وبعد الطوفان (كنا نعتقد اننا دولة لا تهزم قوية ومدعومة من أقوى دول العالم وأن المستقبل أمام الفلسطينيين معدوم سيستسلمون ويرضخون للأمر الواقع ؛الطوفان قلب الأمر رأسا على عقب واتضح أننا الطرف الذي سينهار أولاً ؛الفلسطينيون لن يتراجعوا ؛يقاتلون مقتنعين إن الله معهم وإنها معركتهم المصيرية وسيقاتلون حتى النهاية ؛يخرجون من تحت الإنقاض والركام ليقاتلوا بلا ماء ولا طعام؛ يدفنون أطفالهم ونساءهم ثم يعودون للقتال ؛اما نحن نقاتل لأننا مجبرون اذا رفضنا سنُعامل كخونة ولا خيار آخر إما ان نطرد أو نسجن وكل شيء ينهار).
صهاينة العرب والغرب يريدون أن يمنعوا الانهيار فيدعمون الإجرام والمجرمين في معركة لها جانب واتجاه واحد للحقيقة: نصرة المستضعفين والمظلومين وتحقيق رضوان الله التزاما بأوامره ومواجهة الإجرام والظلم والطغيان بصورته وهيئته غير الإنسانية وغير الأخلاقية ، ولذلك اختلف مع رأي البرفسور طارق السويدان رعاه الله أن غالبية أهل السنة خذلوا المقاومة ونصرها الشيعة فلا سنة ولا شيعة في الخيانة والخذلان بل الجميع يد واحدة في نصرة المظلوم ومواجهة الإجرام والطغيان والاستكبار العالمي الصهيوني والصليبي؛ وإن كان الوصف يصدق على الأنظمة الحاكمة التي تتحكم في القرار السياسي للدول الإسلامية وتصنف الناس على أسس مذهبية وطائفية ؛لكن كيف يستقيم الأمر لمن يدعم ويناصر اليهود والنصارى وينشر الرذيلة ويحارب الإسلام والمسلمين إن قال إنه سنّي ؛معنى ذلك ان عبد الله بن أبي كان سنيا لأنه حالف اليهود ودعمهم وهذا غير صحيح فالخيانة والخذلان بينها الله في كتابه الكريم بقوله تعالى ((ومن يتولهم منكم فانه منهم)) وهنا أتفق مع رأي د. عبد الله النفيسي – لا تصدقوا أن للملوك والرؤساء والزعماء العرب علاقة بالإسلام حتى وان تعلقوا باستار الكعبة.
عيد غزة استثناء من كل الأعياد عيد تحقيق آيات القرآن وأثبات الإيمان الوثيق بوعود الله ، دماؤهم الزكية أكدت للعالم أن شعب فلسطين شعب الجبارين الذي لا يستسلم للهزيمة؛ أنهت أسطورة الدعاية الصهيونية والإجرام وقدم القضية الفلسطينية بأنصع صورها واكرمها وأفضلها وأنهت كل مشاريع اغتصاب الحقوق الإنسانية لفلسطين (صفقه القرن؛ وارض الميعاد؛ وخطط التهجير؛ وأرض بلا شعب لشعب بلا ارض) وكما قال الشهيد القائد حسين بن بدر الدين (لا فرج بدون موقف وبدون تضحيات ).
فبينما يعتمد المشروع الإجرامي الصهيوني الصليبي على صهاينة العرب والغرب لكن في المحصلة النهائية حتى الإجرام لا يمكنه الاستثمار في المشاريع الفاشلة والتي قد تنهار في أية لحظة وصدق الله العظيم ((إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس)) وقال تعالى ((إن تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله مالا يرجون))النساء104.
وهنا اقتطف من تقرير اليهودية(الجميع يشعر بالقلق ماذا لو انسحبت أمريكا ودول الغرب ولم يأت الدعم لا تستطيع إسرائيل الاستمرار) وهو ما صرح به ترامب أن دول الخليج لا تستطيع الصمود لمدة أسبوع اذا سحبت أمريكا دعمها ولا يختلف الحال عن كيان الاحتلال لأنها حكومات إنشاها الاستعمار لخدمة مصالحه لكن جوهر الاختلاف عنها من حيث اللغة التي يتحدثون بها فإسرائيل عبرية وتلكم عربية والجامع بينهم واحد(كل شيء ينهار الجنود يفقدون رغبتهم في القتال والشباب يهربون من الخدمة ومعظم العائلات تفكر في الهجرة والثقة منعدمة في الحكومة ؛دولة تظهر قوتها للآخرين وهي تنهار من الداخل).
لم يقصر صهاينة العرب ولا الغرب في دعم كيان الاحتلال فها هي الإمارات قدمت تريليون وأربعمائة مليون دولار متقدمة على البقرة الحلوب وهناك دعم المعتمد القائم على الضفة الغربية الذي يتنفس بالرئة اليهودية وتتحكم إسرائيل بكيانه من خلال السيطرة علي مخصصات السلطة ولذلك فهو يرى (التنسيق الأمني مع الإجرام الصهيوني شيء مقدس) واجب عليه كالصلاة والزكاة والصيام وغير ذلك من أركان الإسلام وتكفل لإسرائيل بالأمن الكامل (لإسرائيل الحق بالحصول على الأمن الكامل ؛طالما انا موجود هنا في هذا المكتب لن تكون هناك انتفاضة ثالثة ابدأ)الانتفاضتان الأولى والثانية كانت تستخدم المقلاع والحجارة ، وتعهده بالقضاء على انتفاضة الحجارة وهي وسائل بدائية ؛ما بالك اذا تم استخدام الأسلحة فهنا سيكون العبء عليه كبيرا .
ولا يقل رأيه الديني باعتباره علامة السُلطة ومفتي الديار عن رأيه السياسي فقد اصدر فتوى بتكفير المسلمين لصالح اليهود (المسلم الذي يقول انني ضد اليهود فقد كفر) حيث خلط بين السياسة والدين بينما الأمر واضح ولا يحتاج إلى التلبس لكن على ما يبدو تأثر بمعظم المرجعيات التي نصّبتهم الأنظمة العربية المتصهينة لتكفير المقاومة ودعم وتأييد إجرام الحلف الصهيوني الصليبي لكنه لما لم يجد من يعينه للقيام بهذه المهمة قام بها بنفسه إرضاء لليهود والنصارى .
عيد محور المقاومة بالتصدي للإجرام وكسر طغيانه واستكباره وإظهار وجهه الإجرامي لأبشع استعمار في العصر الحديث أراد أن يرسخ بنيانه على الأرض المقدسة بعد ان غرسها في عقول وقلوب المتآمرين من صهاينة العرب والغرب باستخدام كل الوسائل والأساليب الإجرامية والحروب الناعمة وغيرها، ومع ذلك فان المصير الحتمي يؤكد انه لن يستمر إلى مالا نهاية .
الإيمان يصنع المعجزات والاعتماد على الله أساس لأنه قادر على كل شيء واذا قال لشيء كن فسيكون اما الإجرام فمهما امتلك من قوة ومهما ارتكب من الإجرام فلا يعدو ان يكون نمراً من ورق يسقط عند أول مواجهة ومقاومة ((والله غالب على أمره ولكن اكثر الناس لا يعلمون)) .