يجتذبها الخليج.. نزيف العمالة الماهرة يهدد مستقبل باكستان
تاريخ النشر: 26th, August 2023 GMT
حتى العام الماضي، كانت الحياة في باكستان جيدة بالنسبة لطلحة خان (35 عاما)، خبير التسويق الرقمي، إذ كان العمل وفيرا ويزيد مدخراته شهريا ويدفع الفواتير في وقتها، وكان ابنه يذهب إلى المدرسة، بحسب سال أحمد في تقرير بموقع "ميدل إيست آي" البريطاني (MEE) ترجمه "الخليج الجديد".
واستدرك أحمد: "لكن البلاد دخلت في حالة من الفوضى السياسية في أبريل/ نيسان الماضي، عندما أُقيل عمران خان من منصب رئيس الوزراء عبر تصويت بحجب الثقة، وتم اعتقاله لاحقا بتهم فساد".
وتابع أن "الاضطرابات قاقمت الوضع الاقتصادي المتردي بالفعل، وتركت باكستان المثقلة بالديون لتواجه واحدة من أسوأ الأزمات المالية في تاريخها، ودفعت الشباب للبحث عن عمل في الخارج".
وأردف: "في عهد شهباز شريف، خليفة خان، اضطرت الحكومة إلى تنفيذ إصلاحات مؤلمة لتأمين التمويل من صندوق النقد الدولي، وسط مستويات تضخم مرتفعة تاريخيا".
خان قال إن عمله توقف منذ ذلك الحين، وأجبره الارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة على إخراج ابنه الصغير من المدرسة، واشترى دراجة نارية بدلا من سيارته لتوفير الوقود، وتشعر أسرته بالصدمة الشهرية لارتفاع فواتير الكهرباء.
وأضاف: "أخبرني جميع عملائي الباكستانيين الرئيسيين في القطاعين العام والخاص تقريبا أنهم يخفضون التكاليف، ولم يعد هناك المزيد من العمل حاليا ولا في المستقبل القريب".
وزاد بأنه "في كل مكان تنظر إليه، تجد الشركات مغلقة والبطالة آخذة في الارتفاع. لا أدرى كيف سيستثمر أي مستثمر أجنبي هنا، حتى المستثمرين المحليين يغادرون.. الوضع سيئ وسيزداد سوءا.. أتطلع للانتقال إلى الخليج، حيث الازدهار الاقتصادي في الإمارات والسعودية".
وأردف خان: "انتقل عدد قليل من أصدقائي إلى هناك ويبدو أنهم في حالة جيدة. أنا وزوجتي نبحث عن عمل هناك.. سمعنا أن دول الخليج قدمت تأشيرات جديدة للمهاجرين ذوي المهارات العالية ونريد تحقيق أقصى استفادة منها."
اقرأ أيضاً
تنافس خليجي على الاستثمار في باكستان.. ماذا يعني؟
يأس عميق
ومنذ أبريل/ نيسان 2022، وفقا لأرقام مكتب الهجرة، انتقل 700 ألف باكستاني إلى السعودية و229 ألفا إلى الإمارات وأكثر من 100 ألف إلى سلطنة عمان وحوالي 90 ألفا إلى قطر، وفقا لأحمد.
وأعلنت هيئة الجوازات الباكستانية، الأسبوع الماضي، عن ارتفاع كبير في متوسط عدد طلبات السفسر الواردة يوميا من 24 ألفا إلى 40 ألفا.
واعتبر المحلل السياسي امتياز جول أن "عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي المزمن ولَّد حالة من اليأس العميق بين الأجيال الشابة في البلاد.. أعرف الكثير من الأشخاص الذين إما انتقلوا بالفعل إلى الخارج أو هم بصدد بيع أصولهم للانتقال بعيدا.. وهذا أمر غير مسبوق".
والأمر غير المسبوق أيضا هو أنه خلال عام واحد، انخفض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في باكستان من 6.1% إلى حوالي 0.3%، في حين شهد التصنيع واسع النطاق ركودا، حيث انخفض النمو من 10.6% العام الماضي إلى 8.11%، كما أضاف أحمد.
وتابع أن "الزيادة الحادة في عدد العمال ذوي المهارات العالية الذين يغادرون البلاد تشير إلى انعدام الثقة في النظام الحالي.. على مدى السنوات الثلاثين إلى الأربعين الماضية، كان هناك تدفق مستمر من العمال غير المهرة الذين يسافرون إلى الخليج لتغذية طفرة البناء هناك، لكن الآن، وبشكل مثير للقلق، نرى أشخاصا من ذوي المهارات العالية يغادرون البلاد بأعداد أكبر بكثير".
ووفقا للأرقام الحكومية، غادر باكستان 37 ألف مدير، و34 ألف فني، و22 ألف محاسب ومهندس، و8 آلاف طبيب وممرضة.
ورفض وزير العمل الفيدرالي والباكستانيين المغتربين ساجد حسين توري، وجود تداعيات سلبية لمغادرة العمال ذوي المهارات العالية البلاد، ملمحا خلال مؤتمر صحفي إلى أن المهاجرين المهرة سيعززون التدفقات المالية على باكستان عبر تحويلاتهم المالية.
لكن جول قال إن "هؤلاء الأشخاص ذوو المهارات العالية كانوا سيبنون قدرة باكستان الداخلية على الصمود، والتحويلات المالية ليست مصدرا للدخل المنتظم، ولا ينبغي لأي بلد أن يعتمد عليها بشكل كامل".
اقرأ أيضاً
باكستان في أزمة.. والسعودية لن تتدخل لإنقاذها إلا في هذه الحالة
فجوة مهارات
أما الخبير الاقتصادي والمستشار الحكومي السابق كايزر بنغالي فقال إنه "عندما يغادر المهاجرون المهرة، فإنهم غالبا ما يأخذون أسرهم معهم، مما يعني أنهم لن يرسلوا تحويلات مالية إلى باكستان".
وأضاف: "فجوة المهارات أصبحت أكبر وأكثر حدة، وهي تؤثر بالفعل على قدرة المشاريع الباكستانية وتقضي على قدراتنا المهارية. وعندما يعود الاستثمار الأجنبي إلى باكستان، فسيرون أن هناك فجوة في العمالة الماهرة".
وتابع: "صناعة التكنولوجيا الفائقة لا تأتي إلى باكستان لأن البلاد لا تمتلك القدرات المهارية ذات الصلة.. وأصبح النقص في المهارات محسوسا بالفعل. أعرف شركة لتوليد الطاقة تقول إنه أصبح من الصعب عليهم بشكل متزايد العمل هنا مع مغادرة بعض الفنيين الأساسيين لديهم".
وشدد على أنه "على المدى الطويل، بدون العمالة الماهرة، لا يمكن لباكستان أن تتطور كدولة.. ولا يمكن أن تأتي الخبرة الأجنبية وتبني البنية التحتية الخاصة بك ثم تغادر. وبالطبع يتعين عليك أن تدفع لهم بالعملة الأجنبية، وإذا كنت لا تكسب هذه العملة، فلن تتمكن من الدفع لهم".
وأيضا "عندما يهاجر الأشخاص ذوو المهارات العالية، فإنهم يأخذون معهم أيضا مساهماتهم في الناتج المحلي الإجمالي، مما يؤثر سليا على الناتج المحلي الإجمالي"، كما ختم بنغالي.
اقرأ أيضاً
أزمة الاقتصاد في باكستان ومصر.. هل تنقذ الصين سمعتها بدعم أصولها المتعثرة؟
المصدر | سال أحمد/ ميدل إيست آي- ترجمة وتحرير الخليج الجديدالمصدر: الخليج الجديد
كلمات دلالية: باكستان هجرة الخليج أزمة اقتصادية فی باکستان
إقرأ أيضاً:
الوجه الآخر للذكاء الاصطناعى
يبهرنا التقدم المذهل كل يوم، فنقف مشدوهين أمام إبداع العقل البشرى، وقدرته على تطوير التكنولوجيا بسرعة تفوق خيال الجميع لنشهد ابتكارات عظيمة ملهمة ومدهشة تنفع الناس فى كل مكان.
ولا شك أن الذكاء الاصطناعى، هو أحد الإنجازات العظيمة، وغير المسبوقة للإنسان الحديث الباحث بدأب عن مزيد من الراحة والرفاهية والأمان، وهو يُشكل مسارًا مختلفًا ونقطة تحول حقيقية فى مسيرة البشر.
لكن رغم كل ذلك، فإن هناك جانبًا آخر سلبيًا فى هذه النقلة الحضارية، هو ما يتعلق بمستقبل الوظائف فى العالم، ومدى تأثرها بهذا التقدم الكبير.
فهناك الكثير من المهارات والإمكانات الشخصية التى يُمكن للذكاء الاصطناعى توفيرها، بما يؤدى إلى الاستغناء عن المكتسبين لها فى بعض الأحيان.
وأحدث ما قرأت فى هذا الإطار، هو تقرير مستقبل الوظائف الصادر مؤخرًا عن المنتدى الاقتصادى العالمى، والذى يستعرض آثار التقدم التكنولوجى وهيمنة الذكاء الاصطناعى على الحياة، فيشير صراحة إلى أن العالم سيفقد نحو 92 مليون وظيفة بحلول سنة 2030.
لقد أجرى معدو التقرير استطلاعًا على عدد كبير من أصحاب الشركات فى مجالات متنوعة، وجاءت النتيجة أن 86 فى المئة من أصحاب الأعمال يرون أن الذكاء الاصطناعى والتحول الرقمى سيحدث تغييرات كبيرة فى أعمالهم خلال السنوات المقبلة.
وبناء على ذلك، فإن 40 فى المئة من الشركات العالمية تُخطط إلى تقليل أعداد موظفيها من ذوى المهارات التى يُمكن للذكاء الاصطناعى أن يوفرها بدقة متناهية. وعلى هذا الأساس ستتراجع وظائف مثل السكرتارية والصرافة والترجمة واعداد التقارير وإدارات الموارد البشرية لتحل محلها أنظمة وتطبيقات أيسر وغير مكلفة. فعلى سبيل المثال، فقد بتنا قادرين بضغطة زر أن نحصل على ملخصات لتقارير ما، أو ترجمات لنصوص بعينها.
لكن فى الوقت نفسه، فإن التقرير يشير إلى ميلاد وظائف جديدة، وزيادة الطلب على مهارات مهمة أخرى، مثل الابتكار، وإدارة المواهب، والتعليم والتدريب، والتحفيز. وسيكون هناك اهتمام أكبر لدى الشركات وأصحاب الأعمال بمحللى البيانات ومهندسى التكنولوجيا المالية، فضلًا عن المبرمجين والعاملين فى مجال الذكاء الاصطناعى أنفسهم، بالإضافة إلى المتخصصين فى حماية البيانات والأمن السيبرانى.
وسيتطور الطلب على المهارات الأكثر إبداعًا، وستتغير كثير من القواعد المتعارف عليها فى بيئات العمل، وربما ستمتد أوقات التقاعد عما هى عليه الآن، وسيصبح التعليم والتدريب مستداما بغض النظر عن سن الموظف.
ولا شك أن هذا يمثل اهتمامًا كبيرًا لدى الاقتصادات الكبرى نظرًا لاتساع اعتمادها على الروبوت والرقمنة أكثر منها فى الدول الناشئة، غير أن التطور التكنولوجى المذهل لا يجب أن يمر دون بحث ودراسة وتخطيط، فالعالم اليوم يُغير أنظمته وقواعده وأفكاره وكل شىء للتوافق مع مستجدات العصر.
ومصر دومًا ولادة وحاضرة وقوية بما تمتلكه من شريحة شباب واسعة وآمال واهتمام بكل ما هو متقدم، وسعى للتطور واللحاق بركب الأمم المتقدمة. لذا فإننا مطالبون بالانتباه والتجهز والتخطيط لما هو قادم سريعًا.
وسلامٌ على الأمة المصرية