يعود المعنى هنا إلى «من يملك ذاكرة» إلى مجموع التراكمات من الخبرات والمواقف، والتضحيات، ومعايشة المتناقضات، ومجموع الهزائم والانتصارات، والصد والرد، سواء الحادث على المستوى الشخصي، أو على مستوى المجموع، والمجموع هنا؛ ليس شرطا أن يكون وفق المكون الجغرافي للوطن الذي يعيش فيه الفرد، وإنما يتناول ذلك؛ أيضا؛ البعدين: الإقليمي والدولي، على اعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي، وليس فقط كائنا بيولوجيا صرفا، هذا الاستحقاق الفرد من الحياة هو الذي ينقله من حالة الفراغ الفكري إلى الذاكرة الممتلئة بكل ما ذكر أعلاه، والسؤال هنا؛ هل هناك إشكالية بين الذاكرتين، أو تباين معين قد يفضي إلى شيء غير محمود؟ والجواب على هذا التساؤل: نعم.
عندما يحتكم على أمر ما، من الناحية البيولوجية، فإن ذلك الحكم يكون وفق الأمر الطبيعي، والمعقول، فلا يثير الدهشة، ولا الاستغراب، ففلان من الناس طيب بحكم تكوينه البيولوجي، وآخر شرير؛ يأخذ نفس الحكم، وقس على ذلك على بقية المكونات الطبيعية في البشر، لون البشرة، لون الشعر، ضخامة الأجسام، أو وسامتها، الطول والقصر، الكرم والبخل، النزعات النفسية، أو الهدوء، الشجاعة واللباقة والإقدام، والجبن، والتلعثم، والانزواء، هذه كلها تدخل في ذات سياق الأمر الطبيعي عند البشر، ولذلك فهذه لا تثير الدهشة، ولا تخلق الأسئلة، وفي المقابل؛ فإن سياق الحياة الطبيعي لا يقبل مثل هذا الاستقرار، والهدوء الذاهب إلى معانقة الضجر، والملل، فالحياة صاخبة، ومستنفرة، تحتاج إلى كثير الصراخ، وإلى كثير من غير المألوف، لأن التباينات هي التي تظهر العيوب، وتحفز نحو التفكير «خارج الصندوق» كما يقال، ولذلك فالذاكرتان اللتان جرى الحديث عنهما هما اللتان تُوجدان هذا الصراع، والخطورة ليس في الصراع ذاته، ولكن الخطورة في مآلاته، ودوافعه، وإذا كانت مجموعة الـ«بيولوجيات» لا تثير جدلا ولا نقاشا، حيث يتم التسليم بحقيقتهما، فإن ما يخرج عنهما هو ما يثير الجدل، ويقلق الأنفس، ويربك المواقف والقناعات، ولذلك نرى ممارسات الذين يحاولون تغطية «النواقص» التي يشعرون بها بين أقرانهم في المجتمع الواحد، أن جل ممارساتهم فيها ما فيها من التصنع، من المجازفة، ومن تحميل النفس فوق ما لا تستطيع، كل ذلك لأن الذاكرة فارغة، ويراد ملئها بأي شيء -في تفكير أصحابها- أن ذلك سوف يوصلهم إلى أو مع المحيطين من الذين لا يعانون من هذه النواقص، ولا يرون أن ثمة ضرورة إلى ذلك، ولذلك فهم مستقرون، لا تتنازعهم الأنفس المرتبكة كما هو الحال عند الصنف الأول، وهذه الصور في حد ذاتها تنشئ بذورا لمفهوم الصراع بين الطرفين، وهو صراع يغلي على نار هادئة.
ذلك أن الصراع القائم بين بني البشر منذ بدء الخليقة إلى أن تقوم الساعة، هو صراع قائم على ضرورة أن تكون هناك تباينات في المواقف، وفي الرؤى، وفي القناعات، وفي التفكير، وفي مستويات حصيلة تجربة الحياة؛ سواء عند الفرد، أو عند المجموع، فلا يمكن بأي حال من الأحوال لمن هو في عمر الستين الممتلئة ذاكرته بالمواقف والتجارب والخبرات، أن يتنازل عن كل هذا التراكم من الخبرة والمعرفة لمن هو في عمر الثلاثين الذي لا يزال يتلمس البدايات الأولى لكل ذلك، وفي المثل الشعبي الشائع يقال: «الذي أكبر عنك بيوم؛ أكبر عنك بسنة» إلا إذا كان الأمر غير طبيعي، لتحصيل منفعة آنية، أو لتقويض أمر لن يكون إلا بهذا التنازل، أو للتعرض لضغط غير عادي «استسلام» هنا يمكن أن يحدث نوعا من التوافق، ويظل توافق ناقص الإرادة، ولذلك فهذا النوع من التوافق لا يمكن الحكم عليه كقاعدة عامة، لفوارق السن، وفوارق الخبرة، وفوارق تجربة الحياة، وقد تدخل البيئة الاجتماعية كمحدد آخر للقياس في مسألة التباينات بين الأفراد، أو بين المجموعات، ولذلك فالذين يصرون على أطراف ما، بضرورة التنازل عن موقف أو حق، فإنهم بذلك يحمّلون هذا الطرف الكثير من العناء النفسي، وقد يتنازل هذا الطرف للطرف الآخر وهو مكره ومجبر مع ذاته؛ لأن حمولته الوجدانية ممتلئة، ويدرك تماما مآلات النتائج التي قد تكون، بينما الآخر يهرول سريعا، لأن ذاكرته فارغة، ويريد إشباعها بأي شيء، ولذلك لا يعير المسألة الكثير من الأهمية في مثل هذه المواقف.
تدخل مسألة الوعي «عرضا» في تفكيك حزم القناعات، بمعنى أن من يملك وعيا مقدرا يمكنه أن يجد حلولا جوهرية في هذه المسألة المعقدة، بحيث يفرغ مساحات للعطاء ترتقي بأصحاب الخبرات المتواضعة، ولا تنتقص حق أصحاب الخبرات المتحققة، وهذا الوعي يحتاج إلى حاضنة ترعاه، فالأسرة على سبيل المثال يمكن أن تكون حاضنة لأفرادها؛ على أكثر تقدير؛ فالأسر تروض أبناءها على طاعة الكبار، ويأتي في مقدمتهم الوالدان (الأب/ الأم) وهنا وإن كانت طاعة مؤدلجة بتعاليم الأسرة، إلا أن لها مقابلا كبيرا، منحه رب العزة والجلال تعويضا عن حالة الشعور بالغبن؛ الذي قد يشعر به أحد الأبناء أنه مهان، أو مسلوب الإرادة، وما ينطبق على حال الأسرة ينطبق كذلك على حالات بيئات العمل، وعلى حال ضرورات المجتمع الصغير، كمجتمع القرية الذي يحرص فيه -عادة- أبناء القرية على مصلحة قريتهم، بغض النظر عن قناعة البعض بما يجب أن يتعاون فيه هؤلاء جميعهم لمصلحة عامة لقريتهم، والذي ينطبق على القرية ينطبق على الوطن الكبير؛ وهو الحاضنة الكبرى للجميع، فهذه الممارسات تنشئ قناعات قد يتجاوز بها أصحابها قناعاتهم الذاتية، ويذهبون أكثر إلى الصالح العام، على اعتبار أن المصلحة العامة تتموضع فيه، «وأن يد الله مع الجماعة» ولذلك قد يتسبب الضغط على التنازل عن القناعات الذاتية التي لدى فرد ما إلى هروبه عن بيئته التي يشعر أنها تمارس عليه ضغطا يخالف قناعاته، وتتعارض مع مواقفه، ومسألة الوعي قد تقبل في زمن ما، لظرف ما، ومن ثم لا يتوانى الفرد عن العودة سريعا إلى محصلاته الذاتية، ليشعر معها بالأمان والاطمئنان.
يقال «بعض المعارك لا تُخاض بالسلاح فقط، بل أيضا بالمشاعر والقيم» ولأن المسألة مرتبطة أكثر بالقناعات، وبالتنازلات، فإن المشاعر هنا تؤدي دورا محوريا في هذا الاتجاه، فلا تنفع الأسلحة المادية، ولا حتى «لي الأذرع» نفعا في أن تجبر فردا ما على التنازل عن القناعات التي وصل إليها إن لم يهضم هذا الفرد مستوى المصلحة المتحققة من وراء ذلك، حتى لو صوبت إليه البندقية، ولذلك هناك الكثيرون دفعوا أنفسهم ثمنا باهظا لمواقفهم التي لم يتنازلوا عنها قيد أنملة، ومن هنا يأتي تصويب السهام المعيبة لمواقفهم المتشددة والصلبة، يتناسى هؤلاء أن الكم الهائل من المواقف والتجارب التي اكتسبوها خلال فترة حياتهم، ويراد منهم أن يتنازلوا عنها للحظة آنية مؤقتة؟ّ!
أحمد بن سالم الفلاحي كاتب وصحفـي عماني
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: أن تکون
إقرأ أيضاً:
"التراث والفن ذاكرة الحضارة".. انطلاق فعاليات شهر التراث في تونس
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
قالت نسرين رمضاني مراسلة قناة «القاهرة الإخبارية»، من تونس، إنّ وزيرة الثقافة في تونس افتتحت ليلة أمس شهر التراث من موقع أثري في نابل شمال شرق تونس، جاء ذلك تحت عنوان التراث والفن ذاكرة الحضارة، موضحة أن هذه المناسبة جاءت للتأكيد على أهمية الثقافة والفعاليات الثقافية في إبراز الهوية التونسية والموروث الثقافي التونسي والترويج له سواء داخل البلاد أو خارجها.
مسرحية صامتةوأضافت «رمضاني»، خلال رسالة على الهواء، أنّ فعاليات شهر التراث في تونس تضمنت تقديم مسرحية صامتة أظهرت كيف كانت الحياة في الحقبة التاريخية القديمة والدولة القرطاجية وقدوم الرومان، مشيرة إلى أنها أظهرت شكل الحياة اليومية في تلك الفترة.
وتابعت: «سيكون هناك لقاءات فكرية تروج للعديد من المحطات التونسية من خلال الموروث الثقافي والتراثي التونسي، كما أنه في بعض المؤسسات التونسية الثقافية سيكون هناك عروض لرقص الفلكولوري بالتالي تكون فرصة أخرى لإبراز ثراء وغناء الموروث الثقافي التونسي في كل مجالاته من الغناء والطبخ والملابس والمواقع الأثرية».