سوريا اليوم: عناصر لقراءة سوسيولوجية- تاريخية حول الراهن
تاريخ النشر: 6th, April 2025 GMT
عندما نراجع الأحداث المستجدة على الساحة السورية يتضح أن الانهيار المفاجئ لنظام الأسد قد خدم هيئة تحرير الشام وتركيا، ولكن بصورة وقتية وقد تكون عابرة. مسارعة الكيان بتدمير البنى التحتية والمقدرات العسكرية لمنظومة الدفاع السابقة، بقطع النظر عن أي تفسير أو تأويل لأسبابها أو مبرراتها، وكذلك قرار الاستغناء عن الجيش الوطني السابق برمته والاعتماد فقط على قوات هيئة تحرير الشام الفاقدة على ما يبدو لأي لقدرات دفاعية جوية أو قدرات قتالية جدية على الأرض، جعلت سوريا عزلاء وعارية أمام هجومات جيش الكيان وتوسعه داخل أراضيها وتعمده إذلالها، بل العمل على تقسيمها مسنودا في ذلك بضوء أخضر من القيادة السياسية الأمريكية (وليس بالضرورة قيادة الجيش).
هذه المعطيات الموضوعية تفيد بأن التطورات السورية المتسارعة أوقعت كلا من سلطة هيئة تحرير الشام وتركيا في ورطة، وأن الوضعية حبلى بالتوترات والمخاطر. فمن ناحية لا نتوقع أن تخاطر تركيا بالزج بمقدراتها العسكرية بما فيها صواريخ S400 الروسية والطائرات من كل صنف في مجابهة قاسية وربما خاسرة مع الكيان؛ المتوفر على أحدث التكنولوجيات العسكرية الأمريكية وفي رهان غير حيوي وإن كان هاما كإقامة قواعد في سوريا.
المعطيات الموضوعية تفيد بأن التطورات السورية المتسارعة أوقعت كلا من سلطة هيئة تحرير الشام وتركيا في ورطة، وأن الوضعية حبلى بالتوترات والمخاطر
وبالنسبة لسوريا، فمما يعزز وضعية المأزق والعجز عن مجابهة العدوان ضعف مقومات الصلابة الضرورية للجبهة الداخلية، ذلك أن مقاربة النظام الجديد عجزت حتى الآن عن استيعاب تنوع واختلاف مكونات المجتمع السوري والتعاطي المطلوب وطنيا مع تنوع واختلاف مكونات المشهد السياسي السوري، وهو أمر غير مستغرب باعتبار ماضيه القريب. هذا ما عبر عنه الإعلان الدستوري المؤقت المعلن بعد مؤتمر وطني صوري ووجد تجسيده في تركيبة حكومة أريد منها أن تظهر كتنازل لمطلب التنويع بالانفتاح على التكنوقراط أو المستقلين؛ ولكنها في الصميم خاضعة بالكامل للتوجه السياسي لهيئة تحرير الشام ومجموعة حكومة إدلب، ولا يمكن أن تكون إلا كذلك ما لم توجد إرادة حقيقية لتشريك مختلف القوى المعارضة أو أبرزها في تصور المستقبل وإدارة الشأن السوري. وعليه فالتعلل بحداثة عهد النظام الجديد وهو الذي توفرت له فرصة التشريك الفعلي للفعاليات السياسية الديمقراطية الليبرالية التي كانت في معارضة نظام الأسد؛ يصبح محض تبرير مرفوض للانفراد بالقرار.
تقديرنا أن المصلحة الوطنية السورية (إلى جانب مصلحة الأمتين العربية والإسلامية) تقتضي الإقدام على حوار وطني واسع ومعمق حول مبدأ القبول بقدر من اللامركزية في الحكم، بما لا يتعارض مع وحدة السلطة الوطنية ووحدة الدولة، كما تتطلب الاعتراف بحقوق الأقليات القومية والدينية وتمثيلية التيارات والأطراف السياسية.
الغريب والمفارقة أن حكومة الشرع تتصرف تماما كما كان يفعل نظام البعث مع هذه المسألة، أي بفرض تحكم عصبية حزبية- عسكرية في إدارة البلاد وإقصاء من يختلف عنها أو معها.
والطريف في الأمر أن التنوع والاختلاف في ظل سلطة الدولة الواحدة كان هو القاعدة منذ استقر الأمر للإسلام، سواء في بلاد الشام أو غيرها حتى الحقبة المعاصرة، حيث كان المجتمع الأهلي يدير الكثير من شؤونه بعيدا عن التدخل اليومي لأجهزة للدولة، وكانت مكوناته القومية أو القبلية والدينية والمذهبية تتمتع باستقلالية واسعة في حياتها الاقتصادية والثقافية والفكرية وحتى التحكيم في خلافاتها باللجوء إلى العرف أو إلى الشريعة. بعبارة أخرى، فإن الدولنة والمركزة المفرطة ظاهرة حديثة، وهي تجسيم لأنموذج الدولة القومية التي أنتجها التطور الأوروبي وفي المقدمة النموذج اليعقوبي الفرنسي إلى جانب النماذج المتفرعة عنه واللاحقة له، كالشيوعية والفاشية في الغرب وكسلطة الدولة القومية و"الوطنية" (القُطرية) والإسلاموية في العالم الإسلامي المعاصر.
المطلوب موضوعيا وبعد انهيار النظام البعثي وانكشاف هشاشة الوضع الداخلي والخارجي؛ هو استخلاص درس التاريخ المعاصر، وذلك بإقامه بناء وطني جديد جامع لا يفرق ولا يستثني أحدا، مع إرساء وحدة وطنية كفاحية في وجه الكيان الصهيوني المعربد وحاميه الأمريكي الجديد
وبناء على ما تقدم نقترح الفرضية التالية: الأنموذجان القومي والإسلاموي من تصور وممارسة السلطة وجهان مختلفان لعملة واحدة في الحالة السورية الراهنة وحتى في غيرها من تجارب الدولة "القومية"، والتي هي قومية في الظاهر والخطاب وقُطرية في الحقيقة والممارسة، الفارق الأساسي هو أن الأول يفرض سلطانه باسم شرعية الطموح الوحدوي العربي المعبر عنه بمفردات الخطاب القومي، والثاني يفرض سلطانه خدمة لطوبى الوحدة السياسية لأمة المسلمين.
طبعا نتوقع أن يرفض الكثير من القوميين والإسلاميين هذا التشبيه، ولكن ذلك لا يثنينا عن اقتراحه كفرضية عمل لتناول المسار التاريخي بالفهم وتنسيب تعارضات تبدو مطلقة لأول . فرغم اختلاف العقيدة الأيديولوجية ونمط تكوين وانتقاء النخبة القيادية/ الحاكمة وحتى المشروع والتحالفات.. الخ، إلا أن التعامل هو نفسه مع مسألة السلطة وذلك عبر التصور العضوي بل الكلّيّاني لهذه الأخيرة وما يؤدي إليه بالضرورة، من احتكار وإملاء ينتهي في خاتمة المطاف إلى شخصنة وانفراد واستبداد، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وبالرجوع إلى سوريا الآن، المطلوب موضوعيا وبعد انهيار النظام البعثي وانكشاف هشاشة الوضع الداخلي والخارجي؛ هو استخلاص درس التاريخ المعاصر، وذلك بإقامه بناء وطني جديد جامع لا يفرق ولا يستثني أحدا، مع إرساء وحدة وطنية كفاحية في وجه الكيان الصهيوني المعربد وحاميه الأمريكي الجديد، والسؤال: هل ستكون الأطراف السياسية السورية في مستوى هذا التحدي؟
المصدر: عربي21
كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه قضايا وآراء الوطني سوريا حوار القومية سوريا حوار اسلامي وطني قومي مقالات مقالات مقالات اقتصاد سياسة سياسة سياسة عالم الفن سياسة مقالات صحافة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة هیئة تحریر الشام
إقرأ أيضاً:
مدير قناة الإخبارية السورية لسانا: تأخير انطلاق القناة بسبب العقوبات على سوريا وستواكب كل الأحداث الجارية في سوريا من منظور وطني
دمشق-سانا
وسط إصرار على إعادة بناء منظومة إعلامية قادرة على ملامسة ونقل هموم الناس، وإيصال الصورة الحقيقية لسوريا إلى العالم، تبرز قناة الإخبارية السورية كنموذج على إرادة التجديد، حيث بدأت في الـ 29 من آذار الماضي، بالتزامن مع تشكيل الحكومة السورية الجديدة، أول بث رسمي لها على السوشال ميديا، واستمر ما يقارب الخمس ساعات متواصلة.
مدير القناة جميل سرور أفاد في تصريح لمراسل سانا، بأنه كان من المقرر أن تبث القناة على الأقمار الصناعية في الـ 13 من شهر آذار الماضي، لتغطية فعاليات الذكرى ال 14 للثورة السورية، لكن العقوبات على سوريا، وتحديداً على الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون، منعت حصول القناة على تردد خاص، على قمر (نايل سات)، ما حال دون انطلاقة رسمية لها.
وذكر سرور أن كادر القناة استطاع صناعة هوية بصرية تعبر عن سوريا الجديدة، رغم التحديات ذات الصلة بالتقنيات، والأجهزة المتهالكة، وحاول قدر المستطاع التغلب على هذه الصعوبات، وتطوير بعض التقنيات.
وبين سرور أن جميع الكوادر الفنية والتحريرية في القناة، هي سوريّة، فيما تم الاعتماد على بعض الاستشاريين من الخارج، قدموا خبراتهم في تطوير عمل القناة، وتحسين جودتها، مشيراً إلى أن القناة تعتمد على الكفاءة والخبرة المهنية، كمعيار أساسي لقبول الكوادر الصحفية والفنية، بعيداً عن أي اعتبارات أخرى، باستثناء الذين شاركوا ميدانياً في حرب الإبادة ضد السوريين.
واعتبر سرور أن المحتوى الإخباري الذي ستقدمه القناة سيكون على درجة عالية من الحيوية والكفاءة والمهنية، في ظل الحاجة إلى مصدر رسمي للأخبار الموثوقة، أمام الحجم الهائل من التزييف والتضليل، وفوضى الأخبار في مواقع التواصل الاجتماعي.
وستعنى القناة وفق سرور، بمواكبة كل الأحداث الجارية في سوريا، ومن منظور وطني يواكب سعي الدولة للنهوض بكل نواحي الحياة، وبناء بلد قوي حرّ كريم مستقل وفق رؤية متوازنة ذات مسؤولية، كما ستقدم مجموعة من البرامج التي تسلط الضوء على جوانب سياسية واقتصادية ومعيشية تلامس حياة الناس ومشاكلهم في مختلف المحافظات، إضافة إلى برامج تعنى بعالم السوشال ميديا.