لجريدة عمان:
2025-04-06@09:39:54 GMT

«العلاقات الدولية» مفهوم ملتبس!

تاريخ النشر: 5th, April 2025 GMT

لم يعد مفهوم العلاقات الدولية كما هو قائم في قواميس العلوم السياسية على صورته التبسيطية لمفهوم الدولة الحديثة، ففي ظل التحولات المتسارعة في عالم اليوم أصبح هذا التعريف من الماضي، كون أي مفهوم يستمد حقيقته المعرفية من كونه تعبيرا عن البيئة الثقافية التي يُسْتَخُرَج منها، وبذا فإن القول باستقرار أي مفهوم علمي يعد تزييفا لوظيفة العلم ذاته، والحقيقة أن مفهوم الدولة الحديثة ذاته ظهر في القرن الثالث عشر؛ كتعبير عن تطور أقدم في سياق الحضارة الغربية فأول من استخدم تعبير «الدولة الحديثة» هو الإيطالي ميكيافيلي (1469م - 1527م) في كتابه الأشهر «الأمير» ولعل في ذلك ما يشير إلى طبيعة المفهوم كونه يعود إلى تحولات في الظاهرة السياسية الغربية، ثم جاء بعده مُنْظِر الجمهورية الفرنسية جان بودان (1530 - 1596م) وهو ممن قد شهدوا التحولات الكبرى في الجمهورية (الحروب الدينية) وشغل منصبا هاما في الدولة «مستشار هنري الرابع»، ويتطور مفهوم الدولة الحديثة في السياق الغربي إذ انتقلت من دور الرعاية والهيمنة إلى اعتبارها كيانا وظيفيا أي أنها خاضعة وباستمرار للتحولات في البنى الرئيسية التي تعبر عنها وتنشط فيها، وتخبرنا المراجع أيضا بأن العلاقات الدولية هي مجموعة من الروابط والعلاقات والاتصالات التي تنشأ بين الدول وتقع ضمن نطاق سياستها الخارجية.

ولكن يقول عدد من علماء السياسة اليوم إن هذا التعريف يعاني من أزماته الخاصة وأهمها أنه لم يعد كافيا ليشمل مجالات جديدة توطنت في فضاء السياسة، ويشيرون إلى غياب دراسة الأبعاد الاقتصادية والثقافية والتي باتت تؤثر بشكل كبير في طبيعة العلاقات بين الدول ومنها ما انتهى إلى معنى مختلف بالذات في ثنائية (الصراع والتعاون الدوليين) سواء على المستوى السياسي، أو الاقتصادي، أو الاستراتيجي، أو الثقافي. ويشددون على أن الإبقاء على التعريف القديم لمفهوم العلاقات الدولية سيعزز غياب الفهم الصائب للتفاعلات التي باتت تقع خارج نطاق الدولة ذاتها، مثل: «القوى العابرة للحدود الوطنية والأيديولوجيات الفكرية» وفي حالتنا العربية فإننا نرى أن أكبر متاعبنا جرَّاء تطور الدولة في الغرب تتجلى فيما يمكن وصفه بـ«قبائل» النشطاء المدنيين وممثليهم في الداخل باعتبارهم مظهرا أكثر خطورة ويؤسس بفاعلية للتدخل في سيادة دولنا العربية ويعمل على إجبارها تبني سياسية اجتماعية قد تقع في الضد من الهوية الجمعية لها، ودونك مسائل مثل «الجندر، وحقوق الأقليات الثقافية وغيرها» وهذا مما ينعكس سلبا على استقرار الدولة ويخلق لها جملة مشكلات ليست نابعة من حيزها الاجتماعي في معناه الأشمل والذي هو مناط شغلها.

وحول مفهوم العلاقات الدولية فإنه جرت وتجري تحولات كبرى في الفضاء السياسي العالمي دفعت بإعادة النظر في مفهوم الدولة ووظائفها، ولعل أشهر منظري هذا الاتجاه هو أستاذ القانون في جامعة تولوز بفرنسا جان كلود زاركا، الذي استطاع عبر مؤلفاته القيمة أن يعيد بل لنقل أن يُغَّير من فهمنا لطبيعة «العلاقات الدولية» من كونها علاقات تنشأ في حيز النشاط الدولة ومؤسساتها إلى حيز التفاعل الاجتماعي، ولزاركا مؤلفات قيمة في هذا الجانب ونشير هنا إلى كتابه «العلاقات الدولية» بالفرنسية Relations Internationales وقد صدرت الطبعة الثامنة من كتابه في يوليو من العام 2023م عن دار Ellipses وتقع أهمية هذا الكتاب في أنه يذهب أبعد من المفهوم الكلاسيكي للدولة وعلاقاتها الخارجية ويضع يده على التحولات في المفاهيم السياسية الحديثة، ويجيب عن جملة أسئلة منها: ما المفاهيم الرئيسية للعلاقات الدولية؟ - ما هي خصائص عالم ما بعد الحرب الباردة؟ وقد درس زاركا وبشغف كبير أربع فترات اعتبرها مفصلية في تحول مفهوم الدول ووظائفها داخليا وخارجيا وهي: «الحرب الباردة (1947-1962)، وما يسميه الانفراج (1962-1979)، ثم الحرب الباردة (1979-1985)، بالإضافة إلى عصر جورباتشوف ونهاية العالم ثنائي القطب (1985م) لينتهي بتقديم تعريف جديد لهذا المفهوم وعنده فإن العلاقات الدولية هي: «مجموعة العلاقات والاتصالات التي يمكن إقامتها بين المجموعات الاجتماعية والتي تتجاوز الحدود». ويهتدي في عمله المهم هذا بتتبع تحليلي دقيق لتطور العلاقات الدولية منذ العام 1945م، وكيفية تعانق المبادئ السياسية والقانونية التي تحكم العلاقات الدولية، كما يفسر طبيعة الجهات الفاعلة في العلاقات الدولية ومنجزاتها في القضايا الدولية الرئيسية. وفي هذا الكتاب يناقش بصورة أكثر توسعا تاريخ المبادئ السياسية والقانونية لمفهوم العلاقات الدولية ثم ينعطف إلى نشأتها داخل ميثاق الأمم المتحدة، ويشير في هذا الصدد إلى ضرورة التمييز بين المبادئ السياسية والقانونية قبل وبعد العام 1945م، ومن الخلاصات تمييزه للقوى العالمية الفاعلة وهي «الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين واليابان» كأربعة أقطاب رئيسية، وكيف أن العالم بات متعدد الأقطاب وليس كما يشاع بأننا نعيش عصر القطبية الواحدة، ويستشهد زاركا بمقولة هنري كيسنجر بأنه «لا توجد دولة، لا الصين ولا الولايات المتحدة، في وضع يسمح لها بتولي دور القيادة العالمية بمفردها مثل الدور الذي لعبته الولايات المتحدة في فترة ما بعد_ الحرب الباردة مباشرة، عندما كانت متفوقة ماديا ونفسيا». ويعضد نبوءة كيسنجر والتي أودعها كتابه «النظام العالمي»، بأن واشنطن وبكين سوف تكونان «ركيزتين أساسيتين للنظام العالمي الجديد».

إن النظر في مثل كتاب أو دليل زاركا مهم وضروري لكل الفاعلين السياسيين، وبالأخص في العالم العربي، فلا زال العقل السياسي العربي يعيش حالات متأخرة من الوعي، وهذا بائنٌ جدا فيما نراه من استسلام مفرط لمفاهيم سياسية باتت فاقدة للأهلية، ولعل مفهوم العلاقات الدولية هو إحدى المسائل التي لا زالت تُركب صراعات بين دولنا العربية والعالم والسبب لا يعود فقط إلى اختلاف وجهات النظر لدى السُّلَط الحاكمة بقدر ما هو تعبير عن غياب المعرفي فينا، فإننا لا نستهلك فقط المنتجات الغذائية الغربية بل كذلك المفاهيم ولكنه استهلاك غير إيجابي فالذي نملك يتغذى وبصورة مستمرة على مفاهيم لا تاريخية، والحقيقة أنه وفي عالم اليوم لا يمكن ممارسة السياسة بغير ترسانة معرفية تستند في الأساس على الوعي الاجتماعي كمحرك للفاعلية السياسية، ولذا نقول إننا في العالم العربي لا زلنا مستهلكين لمفاهيم تعج بها الصحف والتقارير الإخبارية ودساتير الدول دون أن نلقي نظرة على السياق الذي تعيش فيه هذه المفاهيم، ومنها المفهوم الأم «الدولة» وهذه واحدة من المتاعب الكبرى للعقل العربي.

غسان علي عثمان كاتب سوداني

المصدر: لجريدة عمان

كلمات دلالية: الدولة الحدیثة الحرب الباردة مفهوم الدولة مفهوم الدول

إقرأ أيضاً:

الخصومة السياسية و(فجور) البعض..!!

 

 

يقال إن الخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، ويقال إن السياسة ليست عداوة دائمة ولا صداقة دائمة ولكنها مصالح دائمة، مشكلتنا في هذه البلاد أننا لا نعرف أبدا شرف الخصومة ولا نتحلى بها، ولهذا السبب نمارس بعلاقتنا السياسية ثقافة (الفجور) لدرجة أننا لم نحترم حتى قيمنا الدينية ولا التزمنا بأخلاقيات الدين وتعاليمه وتعاليم سيدنا وسيد البشرية نبينا الصادق الأمين المصطفى محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام وعلى آله، فقد برزت الأزمة التي تعصف بمجتمعنا ووطننا وكشفت عن حالة إجداب قيمي وتصحر أخلاقي وتجرد البعض من كل الأخلاقيات لدرجة أنهم وظفوا الدين وحرفوا التعاليم الإسلامية في سبيل تحقيق أهداف سياسية رخيصة معتمدين على مبدأ _الغاية تبرر الوسيلة _لميكافيللي وتخلوا عن تعاليم الله والدين والكتاب والسنة وأوامر ونواهي سيد البشرية الذي قال (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله.

بعض المتطرفين ممن يزعمون التدين الذين شذوا عن طريق الحق في زمن السلم وجادلوا فيما ليس لهم به علم، ممن أباحوا هدر دماء المسلمين وجاهروا (بذبح البشر) وإرهاب الناس وحرفوا قول الله تعالى (واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم) واتخذوا ذلك ذريعة لقتل المسلمين من أبناء جلدتهم الذين اعتبروهم خصومهم السياسيين وراحوا يوزعون رعبهم مستندين بأفعالهم الإجرامية على تعاليم مجرم آخر انتهى به الحال في ( حبل المشنقة) هو صاحب ( كتاب معالم في الطريق) (سيد قطب) الذي جعل كتابه المشؤم يحل بديلا عن ( كتاب الله) وعن سنة وتعاليم رسوله المصطفى، فاتخذ منه أتباعه دليلا لسلوك يقودهم إلى جهنم وبئس المصير.. وهذا ما يقوم به ويمارسه المدعو (الحجوري) وأتباعه ممن نسو الله فانساهم أنفسهم الذين لم يترددوا بدافع الخصومة السياسية أن يصنفوا أبناء جلدتهم المسلمين من (أنصار الله) ويقارنوهم بـ(الصهاينة) مع أن العكس هو ما يجب أن يكون وهو أن (الحجوري) وأتباعه ومن على شاكلتهم هم أحق بهذا التصنيف لأنهم فعلا يتماهون بسلوكهم ومواقفهم وطريقة تعاطيهم مع الأحداث بذات الطريقة التي يتعاطى بها (الصهاينة) وهم الذين لم يكلفوا أنفسهم مواجهة الصهاينة وهم أعداء الله والدين والرسول والإسلام والمسلمين..

نختلف أو نتفق مع (أنصار الله) فيما يتصل برؤيتهم وطريقتهم في إدارة الدولة، وهذا الاختلاف مشروع شرعا بشريعة الله والشريعة الوطنية، لكن من العيب والعار أن نطعن في عقيدتهم وفي وطنيتهم وفي هويتهم، فالخلاف السياسي القائم بيننا لا يبرر هذا الفجور وهذا المجون الذي يتبعه ويمارسه (الحجوري) وأتباعه ومن على شاكلتهم ممن أثبتت الأحداث انهم أبعد ما يكونون عن القيم الدينية والوطنية وعن ما أمرنا به الله.

كمواطن أنا لا أعلم الغيب ولا ينزل علينا الوحي من السماء لكنا نحكم على الأحداث على ما نشاهد ونتابع ونرى من الممارسات التي تمارس على الواقع والتي تجعلنا ندافع عن أنصار الله ونتصدى لخصومهم على خلفية مواقفهم من العدو فيما نقيس مواقف الآخرين أيضا من مواقفهم مع العدو، فأين (الحجوري) وأتباعه من فلسطين وما يجري فيها؟ وأين مواقف أتباعه من هذه القضية؟ أليس النظام السوري الذي يقوده الجولاني ينتمي لذات المدرسة التي ينتمي إليها الحجوري؟!

أليس حزب الإصلاح الذي ينتمي إليه الحجوري وخرج من تحت عباءته والمتحالف مع دول العدوان وهو صنيعة أمريكية _بريطانية هو الظل الذي يستظل به الحجوري..؟!  إذاً.. لا غرابة أن ذهب الحجوري وأتباعه إلى ما ذهب إليه من القول بحق خصومه، لكن كنا نأمل أو كان يفترض أن يكون خصما شريفا طالما يزعم انتماءه لدين محمد، لكن للأسف أثبت للمرة المليون أنه ينتمي لدين (سيد قطب) قاتل الأطفال والنساء من أباح قطع رؤوس المسلمين..

 

مقالات مشابهة

  • الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
  • مجلس الدولة يشارك في المؤتمر الخامس عشر للرابطة الدولية للسلطات الإدارية في سانتياغو
  • مجلس الدولة يشارك في مؤتمر الرابطة الدولية للسلطات الإدارية العليا (IASAJ)
  • الغويل: القوى الدولية تدعم من يعيد تنظيم ليبيا ويضمن استقرارها.. ولقاء تركيا يعكس تحولًا نوعيًا
  • الخصومة السياسية و(فجور) البعض..!!
  • بيان صحفي صادر عن حكومة الجمهورية العربية السورية بشأن تقرير منظمة العفو الدولية
  • أحمد يعقوب: الحزمة الاجتماعية الحالية من أضخم الحزم التي أقرتها الدولة لدعم المواطنين
  • عاجل | السيد القائد: المنظمات الدولية تشهد على المجاعة في قطاع غزة ونفاد القمح والطحين من المخابز التي كانت توزع الخبر لأبناء الشعب الفلسطيني
  • إعادة تشكيل الوعي الوطني: الدين والتنوّع في الدولة الحديثة