ألمانيا ترحِّل مواطني أوروبا المؤيدين لفلسطين في خطوة جديدة مرعبة
تاريخ النشر: 5th, April 2025 GMT
ترجمة: أحمد شافعي -
تشهد ألمانيا الآن حملة قمع واسعة للمعارضة السياسية. فعلى مدار العامين الماضيين، ألغت المؤسسات والسلطات فعاليات ومعارض وجوائز بسبب تصريحات حول فلسطين أو إسرائيل. وثمة أمثلة عديدة منها تأجيل معرض فرانكفورت للكتاب حفل توزيع جوائز عدنية شبلي لأجل غير مسمى، وسحب مؤسسة هاينريش بول جائزة حنة أرنت من ماشا جيسن، وإلغاء جامعة كولونيا منصب الأستاذية لنانسي فريزر، وتعرض باسل عدرا ويوفال أبراهام مديرا منظمة «لا أرض أخرى» للتشهير من وزراء ألمان.
في جميع هذه الحالات تقريبا، لاحت اتهامات معاداة السامية في الأفق برغم أن يهودا في الغالب كانوا بين المستهدفين. وفي أغلب الأحيان، ليبراليون هم الذين يدفعون أو يقبلون ضمنيا هذه الإلغاءات، في حين يتراجع محافظون ومنتمون إلى اليمين المتطرف للتهليل والتشجيع. وفي حين أنه لا شك أن التنبه لتصاعد معاداة السامية أمر له ما يبرره ـ وبخاصة في ألمانيا ـ يتزايد استغلال هذا القلق بوصفه أداة سياسية لإسكات اليسار.
وقد اتخذت ألمانيا في الآونة الأخيرة خطوة جديدة مثيرة للقلق، تنم عن استعدادها لاستخدام الآراء السياسية ذريعة لكبح الهجرة. حيث تتحرك السلطات الآن لترحيل الرعايا الأجانب بسبب مشاركتهم في أنشطة مؤيدة لفلسطين. وكما ذكرت هذا الأسبوع في «ذا إنترسبت»، فإنه من المقرر أن يتم ترحيل أربعة أشخاص في برلين ـ ثلاثة من مواطني الاتحاد الأوروبي ومواطن أمريكي ـ بسبب مشاركتهم في مظاهرات ضد حرب إسرائيل على غزة. وليس من أولئك الأربعة من أدين بارتكاب أي جريمة، ومع ذلك تسعى السلطات ببساطة إلى طردهم من البلد. تتضمن الاتهامات الموجهة إليهم الإخلال الجسيم بالسلم العام وعرقلة الاعتقال الشرطي. وتشير تقارير من العام الماضي إلى أن أحد الأفعال المزعوم تورطهم فيها تضمن اقتحام مبنى جامعي وتهديد الناس بأشياء كان من الممكن استخدامها كأسلحة محتملة.
لكن أوامر الترحيل تمضي إلى أبعد من ذلك. إذ تشير إلى قائمة أوسع من السلوكيات المزعومة، منها ترديد شعارات مثل «حرِّروا غزة» و«من النهر إلى البحر، فلسطين سوف تتحرر»، والمشاركة في قطع طرق (وهو تكتيك يستخدمه نشطاء المناخ بكثرة)، ووصف ضابط شرطة بالـ«فاشي». وعند التمعن في الأمر، يبدو أن التهمة الحقيقية هي أمر أكثر جوهرية: فعل الاحتجاج نفسه.
والأربعة متهمون أيضا ـ دونما أدلة ـ بدعم حماس وترديد شعارات معادية للسامية أو معادية لإسرائيل. وتشير ثلاثة من أوامر الترحيل صراحة إلى التزام ألمانيا الوطني بالدفاع عن إسرائيل، أو ما يسمى «Staatsräson» أو منطق الدولة، باعتباره مبررا للترحيل.
وقد قال لي خبراء قانونيون أن الاستناد إلى منطق الدولة في إجراءات الترحيل أمر مشكوك فيه من الناحية القانونية. وقد توصلت مراجعة برلمانية حديثة إلى نتيجة مماثلة، مشيرة إلى أن منطق الدولة ـ الذي كثيرا ما يستند إليه في تبرير السياسة الخارجية الألمانية تجاه إسرائيل، ومن ذلك خطة المستشار الجديد فريدريش ميرز لتوجيه دعوة إلى بنيامين نتنياهو برغم صدور مذكرة توقيف سارية من المحكمة الجنائية الدولية ـ يفتقر إلى أي ثقل قانوني قابل للتنفيذ.
وليس هذا النوع من القمع بجديد في ألمانيا. أخبرني المحامي ألكسندر جورسكي أنه تعامل مع قضايا مماثلة استخدم فيها قانون الهجرة ضد أشخاص من أصل عربي أو فلسطيني، وغالبا ما يكون ذلك نتيجة منشور أو تعليق على وسائل التواصل الاجتماعي أو حتى الضغط بـ«إعجاب».
اليوم، يلجأ السياسيون من مختلف الأطياف السياسية في ألمانيا بشكل روتيني إلى تاريخ بلدهم لإسكات الانتقادات الموجهة للسياسة الإسرائيلية ـ أي دعم دولة متهمة بتطبيق نظام الأبارتيد في الضفة الغربية، وبارتكاب إبادة جماعية في غزة، كما يؤكد إجماع متزايد بين خبراء حقوق الإنسان.
واستخدام قانون الهجرة لمراقبة الاحتجاج السياسي يبعث برسالة واضحة إلى غير المواطنين في ألمانيا مفادها هو عبِّروا عن آرائكم مخاطرين بفقدان وضعكم القانوني أو بالترحيل. ويبدو أن مدى استفادة حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف من هذا الأمر يغيب عن أذهان الكثيرين ممن يسمون بسياسيي الوسط في ألمانيا. فقد أصبح «منطق الدولة» بالنسبة لحزب البديل من أجل ألمانيا درعا مناسبا أي وسيلة لتأجيج الاستياء من المهاجرين بزعم أنهم «يستوردون» معاداة السامية، ويتصدون لثقافة أوسع وأشمل وأكثر إحياء للذاكرة الوطنية، وغالبا ما توصف بأنها ثقافة «ما بعد الاستعمار». وكل هذا يتسربل بلغة الدعم الثابت لإسرائيل.
لقد حصل حزب البديل لألمانيا مؤخرا على حوالي 20% من الأصوات في الانتخابات الفيدرالية الألمانية. وقبل أسابيع قليلة من الانتخابات، أعرب إيلون ماسك عن دعمه للحزب خلال نقاش مباشر مع زعيمته، أليس فايدل. ولقد وصفت فايدل، في إحدى المرات، أدولف هتلر، وصفا عبثيا فقالت إنه «شيوعي»، وزعمت أن «الفلسطينيين اليساريين» في ألمانيا معادون للسامية. وبرغم شناعة هذه التصريحات، فهي تعكس اتجاها أوسع نطاقا أسهم الوسط الليبرالي في ترويجه رغم أنفه - وهو اتجاه يستغل المشاعر المعادية للفلسطينيين لتأجيج نزعة المراجعة التي يتبناها اليمين المتطرف.
وفي حين أن الأحزاب الألمانية الراسخة لا تزال ترفض رسميا التعاون مع حزب البديل لألمانيا، فإن قبولها المتزايد لخطاب حزب البديل لألمانيا - وبخاصة في ما يتعلق بالهجرة ـ يطرح قصة مختلفة. ففي الفترة السابقة على الانتخابات، تحدثت أحزاب من مختلف الأطياف السياسية، بدءا من حزب الخضر إلى حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي، عن الهجرة بوصفها تهديدا أمنيا، ووعدت بالترحيل وتشديد الضوابط. وفي هذا المناخ، تحولت فلسطين إلى اختبار حقيقي لسياسة اللجوء.
في العام الماضي، أعلن ميرز أن ألمانيا لن تقبل لاجئين من غزة، قائلا: «إن لدينا بالفعل ما يكفي من الشباب المعادين للسامية في البلد». وبعد ظهور النائب المنتخب حديثا عن حزب اليسار، جانسين كوكتورك، في البرلمان مرتديا وشاحا يشبه الكوفية، ضغط أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي المحافظ لحظر هذه الرموز في البرلمان. ولم يثر أي اعتراض من هذا القبيل عندما ارتدى نائب حزب البديل من أجل ألمانيا، توربن براجا، زهرة ذرة زرقاء ـ وهي رمز استخدمه النازيون النمساويون في ثلاثينيات القرن الماضي ـ في القاعة نفسها. قال براجا إنها ليست زهرة ذرة، ووصف الاتهام بأنه «سخيف».
ومع تولي حكومة محافظة جديدة السلطة، من المتوقع أن تتصاعد حملة القمع ضد الفلسطينيين والمهاجرين ـ التي بدأت بالفعل مع ما يسمى بائتلاف إشارات المرور ـ بشكل أكبر. فألمانيا تقف الآن عند مفترق طرق: إما أن تختار التمسك بالمبادئ التي تدعي الدفاع عنها، أو الاستمرار في مسار الاستبداد. في الوقت الحالي، يبدو الاتجاه واضحا لا لبس فيه.
هانو هاونشتاين صحفي ومؤلف مقيم في برلين. عمل كبيرا للمحررين في قسم الثقافة بصحيفة برلينر تسايتونج، متخصصا في الفن المعاصر والسياسة.
عن صحيفة ذي جارديان البريطانية
المصدر: لجريدة عمان
كلمات دلالية: منطق الدولة فی ألمانیا حزب البدیل
إقرأ أيضاً:
أوروبا تعلن عن حقبة جديدة في العلاقات مع آسيا الوسطى
سمرقند "أ.ف.ب": أعلن الاتحاد الأوروبي "حقبة جديدة" في العلاقات مع آسيا الوسطى وذلك خلال قمة اليوم في أوزبكستان، في وقت تسعى بروكسل لتعزيز نفوذها في المنطقة أمام منافسة روسية وصينية.
وأدت الحرب الروسية الأوكرانية إلى تسريع خروج المنطقة عن فلك موسكو، إذ شعرت الدول الكبرى في الغرب والشرق بوجود فرصة سانحة.
وعقد رؤساء دول آسيا الوسطى الخمس، كازاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وتركمانستان وأوزبكستان، قمة مع كبار مسؤولي الاتحاد الأوروبي.
وعقد الاجتماع في سمرقند، المدينة الواقعة على طريق الحرير القديمة والتي طالما كانت مركزا رئيسيا للتواصل والتجارة بين الشرق والغرب.
ودول آسيا الوسطى غنية بالموارد الطبيعية وتواجه العديد من التحديات على صعيد تغير المناخ. وهي طرف أمني رئيسي يسعى لاحتواء التطرف وتشترك في حدود مع أفغانستان وإيران والصين وروسيا.
وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لايين لقادة آسيا الوسطى "هذه بداية حقبة جديد في صداقتنا العريقة".
وتزور رئيسة المفوضية ورئيس المجلس الأوروبي أنتونيو كوستا أوزبكستان في وقت أثارت رسوم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجمركية صدمة في الأسواق العالمية، وفي ظلّ انخراط موسكو في نزاع في أوكرانيا منذ أكثر من ثلاث سنوات.
وقالت فون دير لايين "نمرّ بمنعطف جديد. تنشأ حواجز عالمية جديدة ويُعاد توجيه الاستثمارات، وتُقسّم القوى العالمية مجالات نفوذ جديدة".
وأضافت "لم يكن الشركاء الموثوق بهم بهذه الأهمية من قبل. نريد استكشاف آفاق جديدة"، داعية إلى "شراكة استراتيجية" مع المنطقة.
وتُبدي آسيا الوسطى اهتماما بالتكنولوجيا الصناعية المتقدمة في أوروبا والتي تواجه روسيا والصين صعوبات لتوفيرها، بينما تُركّز بروكسل على موارد المنطقة الثمينة.
مصدر تنافس
واعتبرت فون دير لايين أن تلك الموارد "تمثل مصدر تنافس لأصحاب النفوذ العالميين".
وتملك هذه المنطقة التي ليس لها منفذ على الساحل، وفرة من اليورانيوم والكوبالت والنحاس وغيرها من المواد الأساسية.
واكتشفت كازاخستان عشية القمة ما يُحتمل أن يكون أكبر مخزون لها على الإطلاق من العناصر الأرضية النادرة.
وإلى جانب القيادة التاريخية لروسيا في المنطقة، تُبدي تركيا والصين والولايات المتحدة وحتى دول مثل كوريا الجنوبية واليابان، اهتماما بهذه الموارد.
وقالت فون دير لايين إن "عرض أوروبا مختلف" متعهدة المساعدة في تطوير الصناعات المحلية.
وأضافت أن بروكسل ترغب في مساعدة آسيا الوسطى لتصبح "قوة في مجال الطاقة النظيفة".
وأعلنت أن الأقمار الاصطناعية الأوروبية يُمكن أن تُوصل الإنترنت إلى مناطق نائية قلما تتواجد فيها الخدمة.
وقالت أن ذلك "سيُتيح الوصول المباشر إلى الإنترنت عالي السرعة دون أن يكون جيرانكم حراسا"، في إشارة واضحة إلى روسيا التي تُحكم قبضتها على المعلومات.
"إعطاء الدروس "
تضاهي مساحة آسيا الوسطى مساحة الاتحاد الأوروبي لكنها تضم 80 مليون نسمة فقط أي خُمس سكان الاتحاد المكون من 27 دولة، وتسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية.
وصرح رئيس أوزبكستان شوكت ميرزيوييف بأن التقارب الكبير في العلاقات بين دول المنطقة الخمس في السنوات الأخيرة أتاح عقد القمة.
وقال "قبل سبع أو ثماني سنوات فقط، كانت الحدود بين الدول مغلقة. لم تكن هناك تجارة ولا عبور ولا أعمال... كانت العلاقات متجمدة".
وأضاف "لا أحد يستطيع حتى أن يتخيل أنه في المستقبل القريب، يمكننا الوقوف معا لتمثيل المنطقة في محادثات مع القادة الأوروبيين".
وتولى ميرزيوييف السلطة في أوزبكستان بعد وفاة إسلام كريموف في 2016. ورغم مناشدات منظمات غير حكومية لم يكن من المتوقع أن تحظى مسألة حقوق الإنسان باهتمام كبير في المحادثات، حسبما قال مسؤول في الاتحاد الأوروبي طلب عدم الكشف عن هويته لوكالة فرانس برس.
وقال المسؤول "لسنا ذاهبين إلى هناك لإعطاء الدروس بل سنُعبّر عن مخاوفنا، وسنعمل معهم ونُجري حوارا معهم".
عقوبات
وقالت فون دير لايين إن "روسيا أظهرت منذ فترة طويلة أنها لم تعد قادرة على أن تكون شريكا موثوقا به". رغم مساعي الاتحاد الأوروبي سيكون من الصعب إزاحة روسيا والصين.
وتُضخّ بكين أموالا طائلة في مشاريع بنية تحتية طموحة في المنطقة، بينما تُزوّدها روسيا بالأسلحة والطاقة، إضافة إلى امتدادها الثقافي واللغوي في أنحاء الجمهورية السوفياتية السابقة.
إلا أن حرب موسكو في أوكرانيا أثارت قلق حلفائها. وقال مسؤول الاتحاد الأوروبي إن الحرب في أوكرانيا والعقوبات المفروضة على روسيا ستكونان أيضا على طاولة المحادثات.
وبرزت آسيا الوسطى كواحدة من عدة مراكز يُعاد من خلالها تصدير سلع غربية خاضعة للعقوبات إلى روسيا.
وترغب بروكسل في أن تُضيّق المنطقة الخناق على تدفق السلع، في إطار سعيها لمواصلة الضغط على موسكو بينما يسعى ترامب للتقارب مع الكرملين.
وأضاف المسؤول الأوروبي أن دول آسيا الوسطى أبدت "استعدادها" للتحرك وأظهرت "بعض التقدم"، لكن "نود أن نرى المزيد من الجهد من شركائنا".