د. محمد بن عوض المشيخي **
عند ما تسوقك الأقدار الإلهية لأن تكون مصدرًا للحكمة والإنصاف وحفظ حقوق الغير، والحكم بين الأطراف المتخاصمة بالعدل لحقن دماء الأبرياء والوصول إلى حلول منطقية بين الدول والحكومات؛ بل لجميع مكونات المجتمع بدون تمييز أو محاباة لطرف على حساب طرف آخر، فتلك قمَّة التفوق والفوز على المصالح الشخصية والغرائز الذاتية والأنانية والانتهازية، والأهم من ذلك كله هو عند ما تملك نظرة ثاقبة واستقراء لمُستقبل الوطن؛ بل الإقليم بكامله، وتكون الدرع الواقي للجميع والمظلة التي تُغطي بظلالها الأشقاء والجيران، وتعمل بلا كلل أو انقطاع لتجنيب شعوب المنطقة الحروب المدمرة التي تأكل الأخضر واليابس وتقضي على البشر والحجر والبيئة، والأهم من ذلك عند ما تحظى بالقبول والثقة من كل الأطراف المتنازعة.
من هذه المقدمة يتجلَّى لنا بوضوح دور سلطنة عُمان ومواقفها الثابتة في السياسة الدولية، بداية من دول الجوار ومرورًا بالدول العربية ووصولًا إلى العالم من حولنا.
قبل عقد من الزمن كانت مسقط محطة رئيسة للدول الكبرى الخمسة وإيران (مجموعة 5+1)؛ بهدف الوصول إلى اتفاق حول البرنامج النووي الإيراني وتمكين الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الإشراف والتفتيش على المفاعلات الذرية الإيرانية الخمسة عشرة، والهدف الأسمى من ذلك هو تجنب الأخطار المحدقة بتلك المحطات النووية ومنع أي تسريبات وإشعاعات شبيهة بما حصل في ثمانينات القرن الماضي في جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق مثل مفاعل "تشيرنوبيل"، لكون ذلك إذا ما حصل سوف تكون له آثار كارثية على السكان في المدن الخليجية في الضفة الغربية من الخليج العربي. وهدفت سلطنة عُمان من احتضانها لمجموعة (5+1) إلى العمل بجهد مضاعف لكي تبقى منطقة الخليج بعيدة عن الأسلحة النووية التي تشكل أكبر تحدٍ للإنسانية كما حصل في اليابان من إبادة جماعية للمدنيين من الجيش الأمريكي، وذلك في منتصف القرن الماضي.
وعلى الرغم من النوايا الحسنة للسلطنة حكومة وشعبا، ومواقفها العروبية التي لا يمكن لأحد أن يزايد عليها والتي تسجل بماء من الذهب عبر تاريخها الطويل، بداية بنجدة الأشقاء في اليمن في عهد اليعاربة وتحديدا جزيرة سقطرة التي احتلها الفرنج والأحباش وعاثوا فيها فسادًا؛ مرورًا بالإمام المؤسس أحمد بن سعيد البوسعيدي الذي أرسل ابنه هلال على رأس إسطول بحري لكسر حصار الفرس على البصرة العراقية، وصولًا إلى الموقف الشجاع للعُمانيين من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، إلّا أن هناك من الذين يزعمون جهلًا وزورًا بأن عُمان أقرب للمحور الإيراني على حساب الأشقاء العرب الذين تربطنا بهم علاقة الدم واللغة والثقافة والمصير المشترك عبر الأزمان.
الحقيقة الغائبة عن هؤلاء المُهرِّجين والمُراهقين بعلم السياسة والدبلوماسية والذين يتجاهلون حقيقة مواقف السلطنة ومبادئها التي لا يُمكن أن تتزعزع عنها، مهما ارتفعت أصوات الطُغاة والمُستبدين الذين يتشبثون بالأكاذيب والابتزاز الرخيص لهذا البلد العظيم الشامخ بشعبه الوفي وقيادته القوية التي لا تخاف في الحق لومة لائم.
من هنا، تقف عُمان قلعةً عصيَّةً على الأعداء، داحضةً بذلك وبكل ثقة كل الحملات الدعائية التي تستهدف التأثير على الرأي العام العُماني؛ بسبب مواقف الحكومة المتعلقة بالقرارات السيادية للسلطنة، والمتمثلة في مساندة الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة في إقامة دولته حسب القرارات الدولية، وقبل ذلك رفض المشاركة في حرب اليمن، والمحافظة على علاقة متوازنة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية لوجود جيرة وحدود مشتركة بين البلدين، وعلى وجه الخصوص مضيق هرمز الذي يُعد الشريان الحيوي للطاقة العالمية.
في هذه الأيام، تعود التهديدات الأمريكية على لسان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب باستهداف المنشآت الإيرانية النووية على ضفة الخليج الشرقية؛ بهدف التخويف، وإجبار دول المنطقة جميعًا على تقديم تنازلات ومكافآت للحكومتين الصهيونية والأمريكية، والتخلي عن المقاومة الفلسطينية وفتح الطريق لـ"صفقة القرن" مجددًا. من هنا، يتذكر البعض نظرة سلطنة عُمان الثاقبة لأمن الخليج والمخاطر من العربدة الغاشمة لبعض الدول التي تفتقد إلى الحكمة؛ وهو ما أكدته تصريحات رئيس الوزراء القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن جاسم آل ثاني عندما قال إنَّ أي هجوم على منشآت نووية إيرانية مقامة على سواحل الخليج، من شأنه أن يحرم المنطقة من المياه. وأضاف- خلال حديثه قبل أسبوعين فقط للإعلامي الأمريكي اليميني تاكر كارلسون-: "إن البحر سيصبح مُلوثًا بالكامل وإن قطر ستشهد نفادًا للمياه خلال ثلاثة أيام فقط". وبالفعل هذا الذي سوف يحصل في المدن الخليجية المُطلَّة على شواطئ الخليج العربي في حالة استهداف المفاعلات النووية الإيرانية. والأهم من ذلك هو أن أسعار النفط إذا ما وقعت الضربة المزعومة سوف تتجاوز سقف 300 دولار أمريكي للبرميل، والخاسر الأكبر هو ترامب والغرب؛ خاصة إذا تمَّ إغلاق الممرات المائية الدولية في المنطقة بفعلِ فاعلٍ.
وفي الختام.. هناك تحدٍ وجودي يواجه الأُمَّة اليوم، ولا يُمكن الانتصار على المؤامرات التي تُحاك خلف الكواليس إلّا بالوقوف صفًا واحدًا حكومةً وشعبًا أمام الأعداء الذين يُرددون التهديدات المُبيَّتة. ولذا مهما تكن التحديات التي تواجهنا في هذه المرحلة، علينا أن نفتخر جميعًا بما تحقق على تراب هذا الوطن الغالي من إنجازات، في مختلف الميادين الاقتصادية والاجتماعية والسياسية من ظفار جنوبًا إلى مسندم شمالًا. ولعل أهم هذه الإنجازات على الإطلاق: الوحدة الوطنية التي أزعم أنها واحدة من أفضل النماذج العربية من المحيط إلى الخليج؛ فعُمان أمانة في رقابنا جميعًا، فلنحافظ عليها من الأعداء الذين يهدفون إلى العبث بالأمن الوطني.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
رابط مختصرالمصدر: جريدة الرؤية العمانية
إقرأ أيضاً:
محافظ أسيوط: القضية السكانية «أمن قومي» ويجب مواجهتها بحلول غير تقليدية |صور
شهد اللواء الدكتور هشام أبو النصر، محافظ أسيوط، انطلاق فعاليات تدريب "سفراء السكان"، بالتعاون بين مديرية الصحة والسكان، والمجلس القومي للسكان فرع أسيوط، وكلية الخدمة الاجتماعية بجامعة أسيوط، وذلك بقاعة النيل بمركز التدريب التابع لمديرية الصحة.
يهدف التدريب إلى تأهيل الشباب من طلاب كلية الخدمة الاجتماعية للمشاركة في تحسين الخصائص السكانية والتنمية البشرية، ضمن المبادرة الرئاسية "بداية جديدة لبناء الإنسان".
يأتي ذلك في إطار اهتمام الدولة، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، بالقضية السكانية ومواجهة الزيادة السكانية غير المبررة، ما يسهم في تحقيق أهداف التنمية الحقيقية والمستدامة وفقًا لاستراتيجية مصر 2030.
جاء ذلك بحضور الدكتور محمد زين الدين حافظ، وكيل وزارة الصحة بأسيوط، والدكتور أحمد سيد موسى، وكيل مديرية الصحة للشؤون الوقائية، والدكتور محمد جمال، وكيل مديرية الصحة للشؤون الصحية، ومحمد عبده بخيت، مقرر المجلس القومي للسكان بأسيوط، إلى جانب عدد من الشباب المشاركين في التدريب.
مواجهة الزيادة السكانيةبدأت الفعاليات بالسلام الجمهوري، تلاه كلمة ترحيبية من وكيل وزارة الصحة، الذي أشاد باهتمام المحافظ بالحضور والمشاركة في الفعاليات المختلفة، لا سيما تلك التي تتعلق بالقضية السكانية ومواجهة الزيادة السكانية غير المبررة، تفعيلًا للاستراتيجية القومية للسكان، مع التركيز على صحة وتنمية الأسرة، وتنفيذ برامج الحد من النمو السكاني المرتفع.
تلا ذلك كلمة مقرر المجلس القومي للسكان، الذي أوضح أن التدريب، بعنوان "التسويق الاجتماعي"، يأتي ضمن الخطة العاجلة التي يتم تنفيذها في مراكز (ديروط، أبو تيج، أبنوب)، بالتنسيق مع جميع الجهات المعنية. ويهدف البرنامج إلى تدريب مجموعة من الشباب "سفراء السكان" بهذه المراكز، ليكونوا سفراء وعي في قراهم، بعد اكتسابهم المهارات اللازمة وتوعيتهم بالرسائل الصحية، وذلك لتعزيز التأييد والمشاركة المجتمعية في رفع الوعي السكاني، في إطار متابعة الدكتورة عبلة الألفي، نائب وزير الصحة والسكان لشؤون السكان.
محافظ أسيوط يتفقد وحدة التسويق الاجتماعيوعلى هامش التدريب، تفقد المحافظ وحدة التسويق الاجتماعي، التي أنشأتها مديرية الصحة، لتكون منصة لإعادة صياغة الرسائل ونشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، من خلال شباب واعٍ ومدرب.
وأكد محافظ أسيوط دعمه الكامل لجميع الفعاليات والتدريبات التي تهدف إلى رفع الوعي بالقضايا المجتمعية المختلفة، وتحسين الخصائص السكانية بالقرى والنجوع. كما شدد على أهمية استغلال الإمكانات المتاحة والاستفادة من الشباب وطلاب المدارس والجامعات، باعتبارهم أمل المستقبل في استكمال مسيرة التنمية والبناء.
وأشار المحافظ إلى ضرورة التنسيق والتعاون بين جميع الجهات الحكومية وغير الحكومية، ومؤسسات المجتمع المدني، والجمعيات الأهلية المعنية، لنشر المعلومات الصحيحة، وتعزيز السلوكيات والعادات الإيجابية، والتصدي للسلوكيات السلبية، بما يساهم في مواجهة الزيادة السكانية في القرى والمدن، وإيجاد حلول غير تقليدية للمشكلة السكانية، باعتبارها قضية أمن قومي.