عقدت المنظمة العربية لحقوق الإنسان في بريطانيا ندوة بعنوان "تونس: الاعتقال السياسي، وتقويض استقلال القضاء، والتدهور الاقتصادي والاجتماعي" لتسليط الضوء على الواقع القاتم للحقوق والحريات في تونس، مهد ثورات الربيع العربي في المنطقة. سلطت الندوة الضوء على تفاقم الاستبداد في ظل حكم الرئيس الحالي قيس سعيد، والذي اتسم بقمع سياسي واسع النطاق، وتقويض استقلال القضاء، وتفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي طالت جميع فئات الشعب التونسي.

تناول المتحدثون استخدام القضاء كأداة للاضطهاد، وتآكل المؤسسات الديمقراطية، واستهداف الحكومة المتعمد للمعارضين السياسيين والصحفيين وشخصيات المجتمع المدني والمواطنين العاديين الذين يعبرون عن معارضتهم. كما سلطت الندوة الضوء على الصمت والتواطؤ الدوليين في هذه الانتهاكات، والتذكير بالحاجة الملحة للمساءلة والحوار الوطني والإصلاح الحقيقي في تونس.

ضمت الندوة، التي انعقدت مساء أول أمس الخميس 3 أبريل/نيسان 2025، مجموعة متميزة من المتحدثين، وهم: الدكتور منصف المرزوقي، الرئيس التونسي الأسبق؛ والبروفيسور أندرو ف. مارش، أكاديمي وعالم سياسي؛ البروفيسور ديفيد ميلر، الأكاديمي وعالم الاجتماع البريطاني؛ ومايكل أياري، المحلل في الملف التونسي في منظمة الأزمات الدولية؛ وكوثر فرجاني، الناشطة التونسية وابنة المعتقل السياسي والبرلماني السابق السيد فرجاني؛ والدكتورة يسرى الغنوشي، الناشطة التونسية وابنة الشيخ راشد الغنوشي، المؤسس المشارك لحزب النهضة المسجون والرئيس السابق للبرلمان التونسي.

كلمة مايكل أياري تركزت على الخلفية الاقتصادية والاجتماعية لتونس منذ الانقلاب العسكري عام 2021، لافتًا أن معظم مؤشرات الاقتصاد الكلي في تراجع، باستثناء مؤشر TINAR وتقييم العملات الدولية، حيث لا تتوفر بيانات كافية عنهما. وعلى الرغم من أن تونس تجنبت حتى الآن التخلف عن سداد التزاماتها الخارجية، إلا أن ذلك جاء بتكلفة داخلية باهظة، حيث دُفع الثمن من توقف الاستثمار العام، ونقص السلع الأساسية، وارتفاع التضخم، وتزايد الدين المحلي ومعدلات البطالة، وعدم سداد مستحقات الموردين، والانهيار المالي للعديد من المؤسسات الحكومية.

وركز أياري على إصدار قانون جديد بشأن الشيكات، والذي ألغى الشيكات القديمة وفرض قيودًا على الشيكات الجديدة ـ لا سيما وأن العديد من الشركات لم تعد تقبلها للتقسيط. وقال إن هذا التغيير القانوني قد أثر بشكل حاد على استهلاك الطبقة المتوسطة، حيث لاحظ العديد من أصحاب المتاجر انخفاضًا في نشاط العملاء. كما أشار إلى انهيار في المعاملات التجارية اليومية بين تجار التجزئة والجملة والمستهلكين.

البروفيسور أندرو مارش حذّر من استخدام موقف النظام التونسي الشكلي المؤيد للقضية الفلسطينية كوسيلة لإضفاء الشرعية على هذا النظام المستبد.ركزت مداخلة البروفيسور ديفيد ميلر على قضية التطبيع مع الكيان الصهيوني واصفًا إياها بأنها قضية محورية، ليس فقط لتونس، بل للمنطقة بأسرها. وأشار إلى محاولة سابقة من جانب البرلمان التونسي لإقرار قانون يُجرّم التطبيع، ويُصنّفه خيانةً.

وأشار إلى أن هذه المبادرة التشريعية سلّطت الضوء على المعارضة الشعبية الراسخة لإسرائيل بين التونسيين. ومع ذلك، ورغم الزخم السياسي، واجه المجتمع المدني في تونس تحديات عديدة في السنوات الأخيرة، حيث تزايد قمع النشاط المتعلق بهذه القضية، بالرغم من موقف السلطة الذي يدعي أنه يدعم القضية الفلسطينية.

الناشطة التونسية كوثر فرجاني بدأت مساهمتها بتسليط الضوء على تدهور حالة القضاء في تونس منذ استيلاء الرئيس قيس سعيد على السلطة التنفيذية عام 2021. وبصفتها ابنة السجين السياسي وعضو حركة النهضة السيد فرجاني، فقد تحدثت من واقع تجربتها الشخصية، مشيرةً إلى أن انتهاك أبسط الحقوق من خلال النظام القضائي كان شديدًا ومتعمدًا.

وأوضحت كيف قام سعيد في البداية بفصل القضاة الذين رفضوا التعاون مع أجندته القمعية، بل وسجن بعضهم، مثل القاضي بشير عكرمي. أما الآخرون، غير الراغبين في التواطؤ، فاختاروا الإجازات المرضية أو التفرغ للتدريس أو فروا من البلاد - تاركين وراءهم من أُجبروا على الامتثال أو من هم فاسدين بالفعل.

وأكدت فرجاني أن هذه المستويات من تسييس القضاء غير مسبوقة، حتى في ظل ديكتاتورية بن علي، وأضافت أن خطورة التهم الموجهة إلى والدها، وشخصيات مثل الشيخ راشد الغنوشي، سلطت الضوء على استخدام النظام للقضاء كأداة قمع، حيث حُكم على والدها بالسجن 13 عامًا، بينما حُكم على الشيخ راشد الغنوشي بالسجن 22 عامًا، واصفة الأحكام بأنها "عقوبة إعدام" نظرًا لسنهما وحالتهما الصحية. وأشارت إلى التوجه المقلق المتمثل في تلفيق تهم متعددة ضد شخصيات معارضة رئيسية، تستهدف في المقام الأول قادة حركة النهضة. فعلى سبيل المثال، أُضيف والدها في اللحظة الأخيرة إلى قضية "التآمر على الدولة"، وهي تهمة عقوبتها الإعدام، دون تقديم أي دليل. وأكدت أن قيس سعيد دأب على إنكار أي تدخل له في هذا "الفساد القضائي"، متجنبًا المساءلة عبر عقد معظم الجلسات عن بُعد وخلف أبواب مغلقة، مانعًا الجمهور من مشاهدة الطابع السياسي لهذه المحاكمات.

وأوضحت فرجاني أيضًا أن اضطهاد السجناء السياسيين تجاوز فكرة اعتقالهم وحسب، لافتة إلى أن والدها على سبيل المثال ظل في عزلة تامة لأكثر من عام، حيث يُواجه أي شخص يحاول التحدث إليه عقوبة فورية. حتى فعل بسيط كمشاركته بعض التمرات خلال شهر رمضان أدى إلى اتخاذ إجراءات تأديبية. ووصفت ظروف نقله إلى المحكمة ـ مكبل اليدين ومجبرًا على الوقوف دون سند لمدة ساعتين ونصف ـ بأنها شكل من أشكال التعذيب الجسدي، لا سيما بالنظر إلى سنه والإصابات التي تعرض لها خلال فترات تعذيب سابقة في ظل الأنظمة السابقة. وذكرت أن هذا المستوى من القسوة لا يقتصر على والدها، بل يواجهه العديد من المعتقلين السياسيين، سواء أثناء نقلهم إلى المحكمة أو داخل ظروف السجن.

ردًا على سؤال حول آخر اتصال لها بوالدها، كشفت فرجاني أنها لم تره منذ ما قبل انقلاب 2021، ولم تتحدث إليه منذ اليوم السابق لاعتقاله في فبراير/شباط 2023، مضيفة أنه لم يُسمح له بإجراء مكالمات هاتفية أو التواصل، وعلى الرغم من محدودية قدرته على الاستعانة بمحامٍ، أوضحت أن الدفاع القانوني رمزي في جوهره، حيث لم تُقدم أي أدلة، ولا يستطيع المحامون الطعن بفعالية في التهم أو الأحكام، وقالت إن دور المحامين قد تقلص إلى مجرد تسجيل الإجراءات، حيث لم يعد القضاء يعمل باستقلالية أو نزاهة.

وفي ردها على سؤال لاحق حول الجهود القانونية الدولية التي بذلتها العائلة للانتصاف لوالدها، أكدت فرجاني اتخاذ إجراءات قانونية خارج تونس، وأوضحت أن الشكاوى التي قدمت في المملكة المتحدة وأوروبا والولايات المتحدة تستهدف فرض عقوبات على شخصيات رئيسية في النظام، بمن فيهم الرئيس ووزير الداخلية ووزير العدل ووزير الدفاع، كما رُفعت قضية أمام المحكمة الأفريقية قبل عامين تقريبًا، والتي أسفرت في البداية عن استجابة إيجابية من خلال تدابير مؤقتة، وأشارت إلى أن انسحاب تونس مؤخرًا من اختصاص المحكمة الأفريقية في القضايا الفردية قد يكون مرتبطًا بهذا الإجراء القانوني. وأكدت أيضًا أن فريقها قد رفع قضية أمام المحكمة الجنائية الدولية، يجمع الأدلة المتعلقة بالسجناء السياسيين ومعاملة المهاجرين الأفارقة. وقد استعرض نائب مدير المحكمة الجنائية الدولية طلبهم، وقد جرت مناقشات بالفعل، مما يوفر بصيص أمل نادر للمساءلة على الساحة الدولية.

افتتح البروفيسور أندرو مارش كلمته بتعليق على مداخلات كوثر فرجاني والبروفيسور ديفيد ميلر بشأن القضية الفلسطينية، حيث حذّر من استخدام موقف النظام التونسي الشكلي المؤيد للقضية الفلسطينية كوسيلة لإضفاء الشرعية على هذا النظام المستبد. وأوضح أنه في السياقات شديدة الاستقطاب أو القمع، غالبًا ما تستغل الأنظمة القضايا الشعبية لإخفاء انتهاكاتها الداخلية. واستنادًا إلى الأنماط التاريخية في تونس، استشهد بما يُسمى "نسوية الدولة"، حيث تتبنى الحكومات الاستبدادية قضايا تبدو تقدمية، لا بهدف تعزيز الحقوق، بل لتعزيز وتبييض صورتها. وفي السياق نفسه، حذّر من أن دعم القضية الفلسطينية لا ينبغي اعتباره خلاصًا لنظام يقمع الحريات الداخلية بكل ما أوتي من سُلطة.

الثورة التونسية، التي بدأت قبل 14 عامًا، ألهمت ثورات الربيع العربي التي اندلعت في المنطقة، مما يُظهر مدى الترابط العميق بين المسارات السياسية للدول المجاورة.وفي تعليقه المباشر على موقف الرئيس قيس سعيد المتناقض بشأن فلسطين، أشار مارش إلى أنه على الرغم من أن سعيد قد أعرب علنًا عن دعمه للشعب الفلسطيني، إلا أن أفعاله لم تكن دائمًا متوافقة مع هذه التصريحات، واستذكر لحظةً حاسمةً في نوفمبر/تشرين الثاني عندما كان المجلس الوطني التونسي يناقش مشروع قانونٍ لمكافحة التطبيع، ليتدخل الرئيس بإرسال رسالةٍ تُأمر بتأجيله، مُشيرًا إلى مخاوفَ غامضةٍ بشأن المصالح الخارجية لتونس، ومنذ ذلك اليوم لم يُعاد إحياء مشروع القانون. وأكد مارش بأن هذا الموقف يُعزز وجهة نظر كوثر فرجاني بأنه لا ينبغي أن يُنسب دعم فلسطين إلى نظام سعيد، لا سيما عندما يستخدم مثل هذا الخطاب لصرف الانتباه عن أجندته الداخلية القمعية.

ثم انتقل البروفيسور مارش إلى جوهر مداخلته: البنية القانونية لاستيلاء قيس سعيد على السلطة وتحويل حقبة حكمه إلى حقبة استبدادية. وأوضح مارش كيف أحرزت تونس، قبل عام 2021، تقدمًا كبيرًا في استقلال القضاء، حتى أنها احتلت المرتبة 56 عالميًا من حيث سيادة القانون. ومع ذلك، انعكس هذا التقدم في أعقاب انقلاب سعيد في يوليو/تموز 2021. ففي سبتمبر/أيلول من ذلك العام، أصدر سعيد المرسوم بقانون 117، الذي حل البرلمان ومنح نفسه سلطةً تنفيذيةً مطلقةً دون رقابةٍ قضائية. تبع ذلك مرسوم بقانون 11 في فبراير/شباط 2022، حلّ بموجبه المجلس الأعلى للقضاء واستبدله بمجلس قضاء مؤقت، كما منح سعيد نفسه سلطة تعيين ما يقرب من نصف أعضائه والحق في نقض الترشيحات، مما جعل القضاء فعليًا تحت السيطرة التنفيذية المباشرة.

وشرح مارش بالتفصيل كيف تصاعد هذا التركيز للسلطة في يونيو/حزيران 2022 مع المرسوم بقانون رقم 35، الذي منح الرئيس السلطة الوحيدة لفصل القضاة بإجراءات موجزة بناءً على تهم فضفاضة وغامضة، مثل تعريض الأمن العام للخطر. في اليوم نفسه، فصل سعيد 57 قاضيًا دون مراعاة الأصول القانونية، مما أدى إلى حماية هذه الإجراءات من المراجعة القضائية وتجريد القضاة المفصولين من حق الاستئناف، بل وتم عرقلة محاولات المحكمة الإدارية لإلغاء قرارات فصل القضاء. وأوضح مارش كيف تم ترسيخ هذا الإطار القانوني بشكل أكبر من خلال دستور 2022، الذي حل محل دستور 2014 الذي صيغ بعد الثورة. رسّخ الدستور الجديد نظامًا رئاسيًا أُحادي السلطة، وألغى آلياتٍ مثل التصويت بحجب الثقة، وقسّم القضاء إلى ثلاثة مجالس تُسهّل السيطرة عليها. كما منح الرئيس سلطةً حصريةً لتعيين أعضاء المحكمة الدستورية، مما ضمن هيمنة السلطة التنفيذية.

المرزوقي: إن استعادة الديمقراطية في تونس ليست ضرورة وطنية فحسب، بل هي التزام إقليمي لكل من يُقدّر العدالة والحرية.وفي الختام، عاد البروفيسور مارش إلى الآثار الأوسع لهذه الإجراءات الاستبدادية، وأشار إلى أن المحاكمات السياسية الصورية، مثل قضية "إنستالينغو"، أصبحت أدواتٍ لمعاقبة المعارضة، وأن النظام استغرق قرابة عامين لإخضاع القضاء، حيث قاوم العديد من القضاة المستقلين هذه الانتهاكات في البداية بتأجيل القضايا أو رفضها. وأكد مارش بأن تقويض استقلال القضاء كان أساسيًا لانقلاب قيس سعيد الدستوري، وأن استعادة القضاء يجب أن تكون أولويةً أساسيةً لأي انتقالٍ ديمقراطيٍّ مستقبلي. وحذّر من أنه بدون محاكم مستقلة وسيادة قانون فعّالة، لن يكون هناك إصلاح سياسي حقيقي في تونس.

استهلت الدكتورة يسرى الغنوشي ـ ابنة القيادي البارز في حزب النهضة والمعتقل السياسي الشيخ راشد الغنوشي ـ مداخلتها بالتأكيد على الترابط بين النضالات من أجل الحرية والعدالة في جميع أنحاء المنطقة. وذكّرت الحضور بأن الثورة التونسية، التي بدأت قبل 14 عامًا، ألهمت ثورات الربيع العربي التي اندلعت في المنطقة، مما يُظهر مدى الترابط العميق بين المسارات السياسية للدول المجاورة. وأشارت إلى حدوث انتكاسات منذ تلك الأيام الأولى من التفاؤل، لكنها شددت على أهمية إدراك الأنماط والتغيرات في جميع أنحاء المنطقة. وفي معرض حديثها عن الوضع الراهن في تونس، وصفته بأنه انحدار واضح نحو الاستبداد عقب انقلاب 25 يوليو/تموز 2021. وبينما تباينت التفسيرات الأولية للأحداث، إلا أنها أكدت بأن إجماعًا قد تشكل منذ ذلك الحين: نفذ قيس سعيد انقلابًا يهدف إلى تفكيك الديمقراطية التونسية وإعادة إرساء الممارسات القمعية التي كانت سائدة قبل الثورة.

وتناولت بالتفصيل عودة الانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان، وتزايد حالات الاعتقال السياسي، والتفكيك المُستهدف للمؤسسات الديمقراطية. وأوضحت أن قضية والدها، الشيخ راشد الغنوشي، رئيس البرلمان السابق والمؤسس المشارك لحزب النهضة، تُشكّل محور هذا التحول. فقد سُجن الرجل البالغ من العمر 83 عامًا لمدة عامين بعد اعتقاله في 17 أبريل/نيسان 2023 في رمضان بسبب تصريحات أدلى بها في اجتماع سياسي دعا فيها إلى الوحدة الوطنية وحذر من إقصاء الجماعات الأيديولوجية من الحياة العامة. وأضافت أن السلطات التونسية شوّهت هذه التصريحات واستخدمتها لاتهامه بالتحريض على العنف، وبينما لم تُعقد أي محاكمة بشأن هذه التهمة تحديدًا، فقد حُكم عليه في قضايا أخرى بالسجن 15 شهرًا، وثلاث سنوات، ومؤخرًا، 22 عامًا، ولا تزال قضايا أخرى قيد النظر. وأكدت الدكتورة يسرى أن هذه الأحكام ليست معزولة، بل هي جزء من حملة أوسع تستهدف القادة السياسيين والقضاة والصحفيين والتونسيين العاديين الذين يجرؤون على التعبير عن آرائهم - وكل ذلك أصبح ممكنًا بفضل القوانين الصارمة التي أصدرها سعيد منذ الانقلاب.

وانتقدت الدكتورة يسرى المجتمع الدولي لتجاهله هذه الانتهاكات، مشيرةً إلى أن الدول التي تُعلن التزامها بالديمقراطية وحقوق الإنسان لا تزال تتعاون مع النظام التونسي. وحذّرت الدكتورة يسرى من أن تبرير قيس سعيد للانقلاب - بأن الديمقراطية فشلت في تحقيق الرخاء الاقتصادي - قد انهار في وقت قصير، حيث تفاقم الوضع الاقتصادي في ظل حكمه. وأشارت إلى ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم غير المسبوق، ونقص السلع الأساسية، وكلها عوامل فاقمت اليأس، لا سيما بين جيل الشباب. وأكدت بأن الشعور المتزايد باليأس يُغذي عمليات هجرة الكوادر والعلماء، وزيادة الهجرة بشكل عام، لافتة أنه من المفارقات أن هذه هي القضايا ذاتها التي تدّعي أوروبا أنها تُقلقها. ومع ذلك، تواصل الدول الأوروبية إضفاء الشرعية على نظام سعيد من خلال توقيع اتفاقيات مراقبة الحدود التي تُكافئ السبب الرئيسي لعدم الاستقرار.

وردًا على سؤال حول آخر اتصال لها بوالدها، ذكرت الدكتورة يسرى أنها لم تتحدث إليه منذ اعتقاله قبل عامين، لافتة أن السجناء لا يُسمح لهم استخدام الهاتف، ولم يُسمح لوالدتها إلا بزيارة مباشرة واحدة خلال هذه الفترة. وأعربت الدكتورة يسرى عن قلقها على صحة والدها، نظرًا لسنه وظروف احتجازه السيئة. وعند سؤالها عن عدد السجناء السياسيين في تونس وحالة حرية الصحافة، قالت إنه من الصعب الحصول على أرقام دقيقة. ومع ذلك، فقد شككت بشدة في الأعداد المتداولة التي تتراوح بين 60 و80 معتقلًا من القيادات السياسية البارزة، بالإضافة إلى وجود أكثر من 1500 شخص حوكموا بموجب مراسيم الجرائم الإلكترونية التي تستهدف انتقاد الرئيس عبر الإنترنت، ولا يزال مئات آخرون مجهولين المصير بسبب مناخ الخوف والقمع السائد في البلاد.

وأكدت الدكتورة يسرى بأن القمع كان له تأثير مخيف على المشاركة العامة والسياسية، ومع ذلك، أكدت أنه على الرغم من عودة الخوف إلى تونس، إلا أنه لم يصل بعد إلى المستويات التي شوهدت قبل الثورة. وقالت إن استراتيجية قيس سعيد تتمثل في ترهيب السكان على نطاق أوسع من خلال استهداف النقاد البارزين - ومع ذلك يواصل العديد من التونسيين الاحتجاج والتعبير عن آرائهم، مما يدل على أن روح الثورة لا تزال حية. وفي معرض حديثها عن حالة الانقسام التي تعيشها المعارضة، قالت إن بعض الجهات السياسية دعمت في البداية إجراءات سعيد، معتبرةً إياها إجراءً تصحيحيًا ضد النهضة، لكن سعيد أثبت عدم رغبته في التعاون مع أي طرف، بما في ذلك مؤيدوه السابقون. وقد جُرِّمت جهود بناء معارضة موحدة، وسُجن العديد من النشطاء لمجرد مشاركتهم في حوار يهدف إلى المصالحة. ورغم ذلك، أشارت إلى أن معظم جماعات المعارضة تتفق الآن على ضرورة عودة البلاد إلى دستور عام 2014 والانخراط في حوار وطني حقيقي لمعالجة التحديات الحقيقية التي تواجه تونس، وخاصة الأزمة الاقتصادية.

في ختام مداخلتها، ناقشت الدكتورة يسرى الجهود القانونية الدولية الجارية للانتصاف لوالدها، وأكدت أن الإجراءات القانونية جارية لمحاسبة النظام، لا سيما وأن القضاء التونسي لم يعد مستقلاً. وقد رُفعت دعاوى لفرض عقوبات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وبروكسل ضد قيس سعيد ومسؤولين كبار آخرين. بالإضافة إلى ذلك، سلطت الضوء على قضية رُفعت إلى المحكمة الأفريقية لحقوق الإنسان والشعوب، والتي أصدرت بالفعل تدابير مؤقتة مواتية، ومن المتوقع أن تصدر حكمًا قريبًا بشأن إطلاق سراح السجناء السياسيين. وأشارت إلى أن محاولة تونس الأخيرة للانسحاب من اختصاص المحكمة الأفريقية لا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد عام، مما يعني أنها لا تزال ملزمة قانونًا بقراراتها. كما قُدمت مذكرة ذات صلة إلى المحكمة الجنائية الدولية، تجمع بين أدلة من معاملة السجناء السياسيين والانتهاكات ضد المهاجرين الأفارقة. وعلى الرغم من الوضع المتدهور، أعربت الدكتورة يسرى عن أملها في أن تحقق هذه الجهود العدالة، وأكدت مجددًا أن نضال الشعب التونسي من أجل الديمقراطية لم ينتهِ بعد.

الرئيس التونسي السابق الدكتور منصف المرزوقي بدأ كلمته بتأملٍ قاتمٍ في مسار تونس منذ الثورة، مذكرًا بأن البلاد كانت يومًا ما مهد الربيع العربي. وأعرب عن أسفه للتراجع المأساوي لتلك المكاسب، معلنًا أن تونس الآن "مُنهكة" ـ دولة عادت إلى الديكتاتورية. وقارن بين المشهد السياسي في التسعينيات، ووصف مناخًا تُزوَّر فيه الانتخابات، ويُعلن فيه فوز الرؤساء بأغلبية ساحقة، ويملأ المعتقلون السياسيون السجون، وتقوض فيه الحريات السياسية الأساسية. وأكد أن هذا التراجع يمثل عودةً خطيرةً ومقلقةً إلى الحكم الاستبدادي.

وتحدث باستفاضة عن حجم انتهاكات حقوق الإنسان التي تحدث حاليًا في تونس، ووفقًا للدكتور المرزوقي، فإن أكثر من 40 قائدًا سياسيًا يقبعون حاليًا في السجون ويواجهون محاكماتٍ تفتقر إلى أي مظهرٍ من مظاهر العدالة. وحذّر من أن هؤلاء الأفراد من المرجح أن يتلقوا أحكامًا قاسية، ليس بسبب جرائم ارتكبوها، بل نتيجةً لاضطهادٍ ذي دوافع سياسية. من بين المعتقلين، خصَّ بالذكر الشيخ راشد الغنوشي، الزعيم البالغ من العمر 83 عامًا، والذي وصفه بأنه من أرقى الشخصيات التي عرفها على الإطلاق.

بالإضافة إلى القمع السياسي، سلَّط الدكتور المرزوقي الضوء على أزمة حقوق إنسان ملحة أخرى: إساءة معاملة المهاجرين الأفارقة في تونس، وفصَّل حوادث التحرش العنصري، وعنف الشرطة، وحتى حالات الاغتصاب والقتل - لا سيما ضد النساء. وأكد بأن هذه الانتهاكات تحدث في سياق تخلَّت فيه الدولة عن مسؤوليتها في حماية الفئات المستضعفة، وانهارت فيه سيادة القانون. وأوضح أن هذه الانتهاكات ليست حوادث معزولة، بل هي جزء من نمط أوسع يعكس انهيار مؤسسات الدولة وتآكل الحماية الأساسية.

واختتم الدكتور المرزوقي مداخلته بدعوة إلى اتخاذ إجراءات عملية وفعالة، وحثّ جميع المستمعين على التضامن مع الشعب التونسي وتقديم الدعم المعنوي والصريح للسجناء السياسيين القابعين حاليًا في السجون. وقال إن استعادة الديمقراطية في تونس ليست ضرورة وطنية فحسب، بل هي التزام إقليمي لكل من يُقدّر العدالة والحرية. وأعرب عن إيمانه الراسخ بأن تونس ستعود في نهاية المطاف إلى مسار الديمقراطية، مؤكدًا أن تحقيق هذا الهدف يتطلب نضالًا دؤوبًا، واختتم كلمته قائلًا: "الأمر يرجع إلينا... علينا أن نناضل، ونناضل، ونناضل مجددًا".

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي أفكار كتب تقارير تقارير ندوة تونس الحريات تونس حريات ندوة أوضاع تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير تقارير سياسة أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار أفكار سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة المحکمة الأفریقیة السجناء السیاسیین هذه الانتهاکات استقلال القضاء الربیع العربی على الرغم من إلى المحکمة فی البدایة وأشارت إلى الضوء على العدید من قیس سعید ومع ذلک فی تونس لا سیما من خلال لا تزال إلى أن أن هذه ا تزال إلا أن التی ت

إقرأ أيضاً:

هل يوجد الآن-وهنا بديل لـتصحيح المسار في تونس؟

منذ ظهوره على المنابر الإعلامية "خبيرا دستوريا" أو "تقني معرفة" ذا مصداقية، عمل السيد قيس سعيد على اتخاذ مسافة نقدية من مختلف الأطروحات السياسية التي هيمنت على المرحلة التأسيسية وما تلاها. وبحكم هامشيته في تلك المرحلة لعدم وجود سند حزبي أو لوبي نافذ يقف خلفه، فإن أطروحاته المختلفة جذريا عن التوافقات العامة بين أهم الفاعلين الاجتماعيين لن تُحمل على محمل الجد في مسار الانتقال الديمقراطي، رغم تصريحه بأهم أفكاره منذ اعتصام القصبة 2 سنة 2011 وأمام إحدى لجان المجلس التأسيسي ثم خلال الأزمة المعطّلة لأعمال المجلس التأسيسي (ما يسمى بـ"اعتصام الرحيل")، بعد الاغتيالات السياسية التي استهدفت المرحومين شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي سنة 2013، وانتهت بسقوط حكومة الترويكا ومجيء حكومة "التكنوقراط" التوافقية برئاسة السيد مهدي جمعة.

ونحن نُذكّر بهذه المعطيات/الحقائق في فاتحة هذا المقال لإيماننا بأن "تصحيح المسار" وفلسفته السياسية (النظام الرئاسوي، الديمقراطية التصعيدية أو المجالسية، التحرك بمنطق البديل لا الشريك، رفض الأجسام الوسيطة والترويج لنهاية زمن الأحزاب.. الخ) ليست رد فعل على فشل "عشرية الانتقال الديمقراطي" ولا مجرد توظيف لأزمة النخب السياسية -خاصة في البرلمان- بل هي أطروحة سياسية موازية لذلك الانتقال ومهمّشة حتى من أولئك الذين سيتحولون إلى حزام سياسي مؤقت أو دائم للرئيس قبل إجراءات 25 تموز/ يوليو وبعدها. بعد وصوله إلى قصر قرطاج سنة 2019، استطاع "الخبير الدستوري" قيس سعيد أن يدفع بالتناقضات الداخلية للنظام البرلماني المعدّل إلى نهاياته المنطقية التي توجب الاستغناء عنه، وقد ساعدته في ذلك عدة معطيات داخلية وخارجية كثيرة.

أثبت "الثورة التونسية" أن مطلب "الديمقراطية التمثيلية" أو لامركزية السلطة ومحورية "الإرادة الشعبية" في بناء القرار السياسي هي كلها مطالب لا تعني عامة الشعب، بل لا تعني أغلب النخب التي أثبتت إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 أنها صاحبة "دعوى" لا "دعوة". فأغلب النخب، خاصة من يحتكرون صفة "العائلة الديمقراطية"، قد أكدوا أنهم لا يعارضون النظام الرئاسي -بل النظام الرئاسوي- بشرط أن تكون لهم فيه بعض الامتيازات أو المكانة الاعتبارية من جهة أولى، وبشرط الاستهداف المُمنهج لخصومهم الأيديولوجية من "الإسلاميين"
بصرف النظر عن التوصيفات المتعارضة لإجراءات 25 تموز/ يوليو 2021، فإنها كانت إعادة هندسة للمشهد العام في تونس. ورغم فقدان "تصحيح المسار" لجزء كبير من حزامه السياسي وزخمه الشعبي بحكم تداعي "مشروعيته" المرتبطة بعجزه عن تحقيق وعوده الإصلاحية -وهو ما عبّرت عنه كل الاستحقاقات التي عاد فيها النظام إلى الإرادة الشعبية بما في ذلك الانتخابات الرئاسية الأخيرة- فإن ضعف "المعارضة"، سواء ما يسمى بـ"الموالاة النقدية" التي حاولت تغيير خيارات تصحيح المسار من الداخل أو "المعارضة الراديكالية" التي تطرح نفسها بديلا للنظام الحالي، قد مكّن الرئيس من تجديد عهدته الرئاسية الأولى والمضي في خيار سياسي وضع "المعارضة" بمختلف أشكالها أمام خطر "وجودي" يتجاوز مرحلة التهميش. فالديمقراطية المجالسية التي تمثل عند الرئيس وأنصاره إيذانا بنهاية زمن الديمقراطية التمثيلية، لا مكان فيها لسلطات -بل لوظائف- ولا إمكانية فيها لهيمنة الأحزاب على المشهد السياسي، بل لا تقبل بتعددية "الشرعيات" بحكم مصادرتها على أن الرئيس هو الممثل الشرعي الأوحد والنهائي للإرادة الشعبية غير المزيفة أو المتلاعب بها من "الفاسدين" و"المتآمرين" ووكلاء "الإمبريالية" و"الصهيونية".

أمام هذا الواقع المطبوع من جهة أولى بإصرار السلطة على المضي في "بديلها" السياسي إلى النهاية، والمطبوع من جهة ثانية بضعف المعارضة وتشتتها وعجزها عن تقديم أطروحات سياسية تتجاوز مستوى العودة إلى ما قبل 25 يوليو 2021، قد يبدو أن "الواقعية" تجعل من طرح قضية "البدائل" الممكنة "الآن-وهنا" ضربا من الترف الفكري أو من الاحتكام إلى مبدأ الرغبة لا إلى مبدأ الواقع. فأقصى ما تطرحه "المعارضة" قد تحوّل -بمنطق رد الفعل واختلال التوازن بين السلطة وخصومها- إلى مطالب حقوقية لا يتجاوز سقفها ذلك البيت الشعري المعروف لامرئ القيس: "وقد طوّفتُ في الآفاق حتى / رضيتُ من الغنيمة بالإياب". والإياب هنا لا يعني "الخلاص الجماعي" أو الرجوع إلى الديمقراطية التمثيلية ومركزية الأحزاب في عملية السياسية، بل منتهى ما يعنيه هو "الخلاص الفردي" لكل أولئك المستهدفين بالملفات القضائية من مختلف العائلات الأيديولوجية. أما فرض منطق "الشراكة" على الرئيس فقد أصبح خارج دائرة المطالب السياسية حتى للمنتمين إلى "الموالاة النقدية"، فما بالك بمطلب إسقاطه وتشكيل نصاب سياسي جديد، وهو ما كانت "المعارضة الراديكالية" تدعو إليه منذ إعلان الرئيس عن إجراءاته "التصحيحية" يوم 25 تموز/ يوليو 2021.

رغم بعض الوجاهة في الأطروحة التي يدافع عنها الباحث يوسف الشاذلي في مقاله "النظام الرئاسي في تونس وإنتاج الاستبداد "المستقر"، المنشور في موقع "المدونة القانونية" بتاريخ 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، فإن ميل هذا الباحث إلى النظام البرلماني ضدا على النظام الرئاسي ونزوعه الجوهري إلى التحول من استبداد ديمقراطي إلى استبداد قمعي ليستقر في نظام دكتاتوري؛ هو أمر يحتاج إلى تدقيق. فالرئيس قيس سعيد لم ينجح في إنهاء "الديمقراطية التمثيلية" والنظام البرلماني المعدّل إلا لهشاشة هذه المنظومة السياسية أو لقابليتها للانفجار بحكم تناقضاتها الداخلية وفقدانها لمشروعية الإنجاز. كما أن مطلب "النظام الرئاسي" لم يكن مطلب الرئيس فحسب، بل كان مطلب العديد من الفاعلين المهمّين في "عشرية الانتقال الديمقراطي"، ولم يكن خيار "النظام البرلماني المعدل" إلا خيارا انتهازيا مؤقتا يحاول مسايرة التوازنات السياسية الجديدة. فوضع الجيش والديبلوماسية تحت سلطة الرئيس كان خيارا موضوعا أساسا لتحجيم سلطة "الحزب الأغلبي" (أي حركة النهضة تحديدا) وجعلها دائما في علاقة تصادم -أو على الأقل علاقة تجاذب- مع الرئيس الذي تشير كل المعطيات الإحصائية والضغوط الإقليمية بأنه سيكون من خارج تلك الحركة.

إن طرح قضية "الديمقراطية" في مستوى شكل النظام السياسي هو أمر نؤمن بأنه يحرف قضية بناء المشترك المواطني عن مدارها الحقيقي. فالمخيال السياسي التونسي لم يرفض "الديمقراطية التمثيلية" لأنها سيئة في ذاتها، بل لأنها لم توفر له في المستوى الاقتصادي ما وفّرته الأنظمة الموصوفة بـ"الدكتاتورية" منذ بناء ما يسمى بالدولة الوطنية وسيطرة "الجبهة الوطنية" بقيادة الحزب الدستوري الحر على السلطة بعد إرساء دستور 15 آذار/ مارس 195، وهي "الجبهة" التي ستحكم تونس تحت أسماء مختلفة آخرها "العائلة الديمقراطية". لقد أثبت "الثورة التونسية" أن مطلب "الديمقراطية التمثيلية" أو لامركزية السلطة ومحورية "الإرادة الشعبية" في بناء القرار السياسي هي كلها مطالب لا تعني عامة الشعب، بل لا تعني أغلب النخب التي أثبتت إجراءات 25 تموز/ يوليو 2021 أنها صاحبة "دعوى" لا "دعوة". فأغلب النخب، خاصة من يحتكرون صفة "العائلة الديمقراطية"، قد أكدوا أنهم لا يعارضون النظام الرئاسي -بل النظام الرئاسوي- بشرط أن تكون لهم فيه بعض الامتيازات أو المكانة الاعتبارية من جهة أولى، وبشرط الاستهداف المُمنهج لخصومهم الأيديولوجية من "الإسلاميين" أو المطبّعين معهم من جهة ثانية.

إذا كانت "الديمقراطيات الرئاسية لا تزال أكثر عرضة للتحول إلى دكتاتوريات مقارنة بالديمقراطيات البرلمانية" كما يؤكد الباحث خوزي أنتونيو شيبوب، فإننا نذهب إلى أن "الديمقراطية البرلمانية" كما عرفتها تونس كانت تحمل في آليات اشتغالها علة إنهاء الحاجة إليها من وجهة نظر نسبة معتبرة من النخب والمواطنين. فأغلب "النخب الحداثية" لم يستطيعوا القبول بنظام سياسي يكون فيه لحركة ذات مرجعية "إسلامية" دورا رئيسا. أما تلك الحركة ذاتها فإن خيارها الاستراتيجي المتمثل في التوافق مع ورثة المنظومة القديمة بشروط تلك المنظومة قد جعلها تتحول تدريجيا إلى "جسم وظيفي" يمكن الاستغناء عنه بعد انتهاء الحاجة إليه، وبعد فقدانه لجزء معتبر من قاعدته الشعبية في الفئات المهمشة رمزيا واقتصاديا. ومن جهة الشعب فإن ديمقراطيةً تعجز عن توفير حاجياته الأساسية (الطعام، الأمن) هي ديمقراطية "فاسدة" لا يمكن الدفاع عنها، كما فعل الأتراك مثلا عند قيام بعض القيادات العسكرية بمحاولة انقلاب سنة 2016. وإذا كانت أغلبية الشعب التونسي لا يمكنها الآن أن تدافع عن "تصحيح المسار"، فإنها لا تجد أمامها أي بديل موثوق ولا نخبا يمكن التعويل عليها في بناء مشروع سياسي بديل.

في أفضل "أمنيات" المعارضة فإن سقوط النظام الحالي لن يكون سقوطا لواقع التخلف والتبعية وفقدان مقومات السيادة ولا تجاوزا جدليا للأساطير المؤسسة للدولة-الأمة ومخيالها السياسي، بل سيكون نوعا من "التنفيس" الذي سيبقي على هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي لكن بعد تغيير واجهاتها السياسية، كما فعلت بعد هروب المخلوع وطيلة "عشرية الانتقال الديمقراطي".
لو أردنا تحييد منطق الرغبة والاحتكام إلى المعطيات الموضوعية "الآن-وهنا"، فإن أزمة السلطة وفقدانها للمشروعية لا يعني بالضرورة امتلاك المعارضة لأية قدرة على إسقاط النظام أو حتى حمله على تغيير سياساته والقبول بمنطق الشراكة معها. فالمعارضة لا تمتلك أي بديل، بل إن العودة إلى ما قبل 25 تموز/ يوليو 2021 ليس مشروعا توافقيا بين أهم أطياف المعارضة. وإذا ما جردنا التحليل أكثر، فإن إصرار المعارضة على أن خصمها الأساسي هو الرئيس قيس سعيد ومشروعه السياسي، هو طرح يعمّي على العدو الأساسي المتمثل في منظومة الاستعمار الداخلي أو منظومة الحكم في مرحلة الاستعمار غير المباشر.

لكنّ السرديات السياسية لكل أطياف المعارضة، بما فيها المعارضة الراديكالية، تجعل هذه الحقيقة أ-ي حقيقة أولوية مواجهة منظومة الاستعمار الداخلي- خارج دائرة المفكر فيه، سواء بسبب العجز عن مواجهتها أو الرغبة في التموقع داخلها لتحقيق مكاسب مادية ورمزية معينة، وهو ما يجعل من الجميع مجرد بدائل من داخل تلك المنظومة لا في مواجهتها. ففي أفضل "أمنيات" المعارضة فإن سقوط النظام الحالي لن يكون سقوطا لواقع التخلف والتبعية وفقدان مقومات السيادة ولا تجاوزا جدليا للأساطير المؤسسة للدولة-الأمة ومخيالها السياسي، بل سيكون نوعا من "التنفيس" الذي سيبقي على هيمنة منظومة الاستعمار الداخلي لكن بعد تغيير واجهاتها السياسية، كما فعلت بعد هروب المخلوع وطيلة "عشرية الانتقال الديمقراطي".

وإذا ما أضفنا إلى ذلك أن من يطرحون أنفسهم بديلا للنظام هم أنفسهم -على الأقل في المخيال الجمعي- سبب الأزمة خلال عشرية الانتقال الديمقراطي المجهض، فإن فرصتهم في النجاح، مع غياب أية مراجعات أو نقد ذاتي أو حتى نية تجاوز "الصراعات الهوياتية"، هي أمر مستبعد. وهو ما يجعل من "الكتلة التاريخية" بقيادة نخب بديلة هي أفضل الممكنات للخروج من الأزمة البنيوية للحقل السياسي التونسي، ولكنه بديل لم تنضج بعد شروطه الفكرية والموضوعية بالصورة التي تجعله "ضرورةً" لا مجرد خيار.

x.com/adel_arabi21

مقالات مشابهة

  • تونس تبدأ ترحيل آلاف المهاجرين الأفارقة
  • أحمد بن محمد يعزي في وفاة مبارك سعيد مرخان
  • تونس تخلي مخيّمات عشوائية تؤوي آلاف المهاجرين
  • هل يوجد الآن-وهنا بديل لـتصحيح المسار في تونس؟
  • إسرائيل تعلن اغتيال سعيد الخضري بغزة بزعم انه صراف مركزي لحماس
  • جناح المملكة في بولونيا يقدم ندوة “التفكير الفلسفي في السعودية”
  • تصاعد سخط المواطنين بجماعة تمصلوحت على سياسة التهميش والإقصاء التي ينهجها رئيس الجماعة
  • استشاري الأمراض الجلدية تكشف الأسباب الرئيسية التي تؤدي للشيب المبكر
  • فيديو: تونس تودع إيناس النجار إلى مثواها الأخير