كان الخطاب محمّلاً بنبرة من يعرف أن ما يحدث في غزة ليس مجرد حرب، بل محطة فاصلة في عمر المنطقة، بل وفي صلب معنى الوجود العربي ذاته. 
كان السيد يقول – دون أن يحتاج إلى العبارة – إن ما نراه اليوم هو سقوط أخلاقي عالمي يتدحرج من فوق منصة الأمم المتحدة حتى أرصفة العواصم الأوروبية التي تقمع صوت طلابها. لم يكن الخطاب تصعيدًا بقدر ما كان تذكيرًا بأن المسألة ليست فلسطين وحدها، بل معيار الأخلاق الكونية في زمن السوق والعهر السياسي.


السيد الحوثي الذي لم يعتد أن يتحدث بلغة المهزومين، كان يُعرّي العدو الإسرائيلي ويضعه في صورة الكائن المتوحش الذي يتغذى على أشلاء الأطفال الفلسطينيين بتمويل أمريكي واضح، لا لبس فيه. لم تكن الإدانة أخلاقية فقط، بل وصف دقيق لماكينة إبادة تمارس القتل بنَفَس بارد، بينما يراقب العالم المشهد كأنه جزء من مسرحية تلفزيونية انتهت صلاحيتها الأخلاقية منذ سنوات.
لكن اللافت، كالعادة، أن خطاب السيد لا ينفصل عن الحقل العمل...  هجمات بحرية، حظر للملاحة، إسقاط للطائرات، رد مباشر على العدوان الأمريكي، تحرك شعبي واسع، تأكيد على أن اليمن – بمقاومته – لم يعد على الهامش، بل في قلب معادلة الردع الإقليمي. 
وكأنه يريد أن يقول نحن هنا لا لنستنكر، بل لنصنع أثراً، والدم اليمني لم يعد حزينًا وحيدًا، بل ممتزجًا بروح فلسطين وجراح غزة.
ومع ذلك، فإن ما يميز الخطاب أنه لا يكتفي بتوصيف الحدث، بل يغوص في بنيته، يشير إلى السياق المتكامل، يُفكك المصطلحات. فحين يتحدث عن "التهجير الطوعي" الذي يروّج له الاحتلال، فهو يدرك أن التهجير الطوعي، كعبارة، لا تقل جريمة عن القصف نفسه. هناك رغبة إسرائيلية قديمة لتفكيك الوجود الفلسطيني جغرافيًا، وتفريغه ديموغرافيًا، والغرب يصمت، بل ويشارك أحيانًا بإعادة إنتاج الخطاب الصهيوني نفسه بعبارات أكثر تحضّرًا ولكنها لا تقل قبحًا.
لم يكن السيد يوجه خطابه للداخل اليمني فقط، بل كانت نبرته عابرة للحدود، موجّهة إلى الأمة، بل وإلى الإنسانية كلها. 
دعا إلى انتفاضة ضمير، لا مجرد غضب لحظي، دعا إلى مقاطعة اقتصادية وسياسية وثقافية، إلى عزلة كاملة لهذا الكيان الذي تم طرده من الضمير الإنساني لكنه لا يزال يحظى باعتراف الأمم المتحدة.
وربما أهم ما في الخطاب، أنه أعاد تعريف الاصطفاف. لم يعد الصراع بين إسرائيل وفلسطين، بل بين محور الهيمنة ومحور المقاومة. بين من يملك الطائرات الشبح، ومن يملك إرادة الصمود. بين قاذفات القنابل التي تنطلق من قواعد أمريكية، ومجاهدين حفاة يعيدون ترتيب المعنى من بين الركام.
والملاحظة الدقيقة، أن السيد لم يُغفل الإشارة إلى الداخل العربي. أشار – ولو بحذر – إلى الخذلان، إلى الصمت، إلى ازدواجية المعايير، إلى خيانة بعض الأنظمة التي تفتح أجواءها للطائرات الأمريكية وتغلقها أمام شحنات الدواء إلى غزة. وكان صريحًا في الإشارة إلى أن العدوان الأمريكي على اليمن هو امتداد لذات المعركة، وأن ما يواجهه اليمن اليوم هو نتيجة لموقفه الأخلاقي من القضية الفلسطينية.
وفي هذا السياق، فإن السيد، دون أن يقولها بشكل مباشر، يرسم حدود المعركة القادمة لا فصل بين الساحات. من البحر الأحمر إلى غزة إلى الجنوب اللبناني إلى دمشق، كلها جبهات لمعركة واحدة...العدو واحد، والخندق واحد، والراية واحدة. ومن يقف في الحياد، فهو جزء من الجريمة، حتى وإن رفع الشعارات.
المعادلة الجديدة التي يكرّسها الخطاب، فشل العدوان الأمريكي في اليمن لم يعد تحليلاً، بل اعترافًا أمريكيًا. حاملة الطائرات في حالة هروب، MQ9 تسقط تباعًا، الملاحة لم تعد آمنة، والقدرات العسكرية اليمنية تتنامى، لا تتآكل. هنا، يلمح السيد إلى معادلة ردع لم يجرؤ أحد من قبل على قولها نحن لسنا في موقع الدفاع، بل في موقع المبادرة.
وإذا أردنا أن نقرأ الخطاب من زاوية استراتيجية بحتة، فهو خطاب تثبيت حضور أكثر من كونه خطاب رد فعل. الحوثي لا ينتظر موقفًا عربيًا داعمًا، بل يؤكد أن اليمن يقوم بدوره الأخلاقي والإنساني والديني، دون مساومة، ودون رهانات على نظام رسمي عربي أثبت عجزه أو تواطؤه. وكأن الخطاب يريد أن يقول: نحن هنا لأننا اخترنا هذا المكان، ولسنا بانتظار من يبارك تحركنا أو يخذله.
أما الإشارات إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، فلم تكن تعويلا، بل إدانة مزدوجة. فحين يتساءل السيد: لماذا لا يتم طرد الكيان الصهيوني من الأمم المتحدة؟ فهو لا ينتظر جوابًا، بل يكشف التواطؤ، ويقيم الحجة على المؤسسة الدولية كما على الأنظمة.

بالمجمل، كان خطابًا هادئًا في لغته، صادمًا في محتواه، عميقًا في دلالته، ثابتًا في موقعه من معادلة الصراع الكبرى. خطاب من لا يحتاج إلى أن يرفع صوته ليُسمع، لأن الفعل الميداني يسبقه دائمًا. السيد الحوثي كعادته، يقول ما يعنيه، ويفعل ما يقوله، ويعرف أن التاريخ لا يصنعه الحياد، بل من يقف في وجه الطغيان، ولو وحيدًا، كما قال المتنبي يومًا:
إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ
فلا تقنعْ بما دونَ النجومِ

المصدر : عرب جورنال / كامل المعمري

المصدر: ٢٦ سبتمبر نت

كلمات دلالية: الأمم المتحدة لم یعد

إقرأ أيضاً:

كلمة الحق في وجه الباطل.. السيد القائد وصمود اليمن

 

في خضم الأزمات المتلاحقة التي تعصف بالعالم العربي، تبرز شخصية السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي كرمز للصمود والمقاومة، في الوقت الذي تتفاخر فيه الولايات المتحدة بقدرتها على التحكم في مجريات الأحداث، يخرج السيد الحوثي ليعلن موقفه الثابت المساند والداعم لقضايا الأمة، خاصة في مواجهة الظلم الواقع على غزة.

يحمل السيد الحوثي في كلماته صدى معاناة الشعوب، ويستند إلى مبادئ إنسانية ودينية تدعو لنصرة المظلومين، تتجلى في خطابه قوة الإرادة اليمنية في مواجهة التحديات، حيث يرفض الاستسلام أو الخنوع أمام الضغوط الخارجية.

في الوقت الذي تتبجح فيه أمريكا مزهوة بأنها تملك قرار العالم، يطل علينا السيد عبدالملك بن بدر الدين الحوثي ليقول كلمته التي تلغي كل الكلمات وكل التهديدات التي ظلوا لأيام وهم يتغنونَ بها.

لم يكن تهديده من موقع الظهور أو التباهي بالقوة، بل من واقع إنساني حزين لما يحدث من جوع وحصار في غزة ومن واقع المسؤولية التي جاءت في آيات القرآن الكريم التي أمرت بنصرة الإسلام والمسلمين في أصقاع الأرض.

ما يحدث في غزة اليوم منذ ما بعد إعلان الهدنة والتي ظاهرها وقف إطلاق الرصاص وباطنها قتل وتهجير، أمام موقف العرب الذين لم يستطيعوا أن يعلنوا إلا عن عمالتهم المخزية والواضحة للعيان.

نحن في حالة حرب ومواجهة- كما قال السيد القائد- جيلاً بعد جيل، حتى ينتشر الخير والسلام وينتصر الحق على الباطل، إنها معركة منذ أن بدأ الإنسان حياته على هذه الأرض، فلن يكِل اليمني أو ينحني وهو يقرأ آيات الجهاد ويستبشر بالاستشهاد، ولكنه يعرف أنه لن يترك الباطل يستشري في الأرض فساداً.

ننتظر خطاباته ودروسه وتوجيهاته وكلنا جنود تحت أمره، فأرواحنا فداء لمن كان قد ذل أمريكا بيديه الشريفتين.

ختاماً إن كلمات السيد القائد عبدالملك الحوثي لا تمثل مجرد تهديدات، بل تعكس واقعًا إنسانيًا مؤلمًا يتطلب من الأمة العربية أن تتوحد في مواجهة كل التحديات، فالأحداث في غزة ليست إلا جزءًا من معركة أكبر ضد ظلم المحتل.

إن اليمن بشعبه المتمسك بحقوقه، يؤكد للعالم أن الحق سيظل دائمًا منتصرًا، مهما كانت التضحيات، نحن بحاجة إلى قادة يتخذون من المبادئ الإنسانية والدينية منهجًا لهم، ويعملون على نصرة المظلومين في كل مكان، فكما قال القائد الحوثي:” نحن جنود في معركة الحق، ولن نتوانى عن الدفاع عنه حتى يتحقق النصر “.

مقالات مشابهة

  • السيد القائد عبدالملك بدر الدين الحوثي “يحفظه الله”:الجهاد عامل حماية ونهضة للأمة
  • الكشف عن الدولة العربية التي قدمت دعما لحملة القصف على اليمن
  • الإرهابي عبدالملك الحوثي في خطاب مأزوم.. استجداء دعم عربي وتعبئة طائفية وادعاءات جهادية لتجنيد الأطفال
  • السيد القائد يكشف مصدر الغارات ويدعو العرب للكف عن اليمن في مواجهة العدوان
  • عاجل | السيد القائد: العدو الإسرائيلي استأنف الإجرام منذ أكثر من نصف شهر بذات الوحشية والعدوانية التي كان عليها لمدة 15 شهرا
  • ???? خطاب مناوي .. شوية مع دول وشوية مع دول
  • تحليل حول خطاب البرهان للأمين العام للأمم المتحدة وخطة إنهاء الحرب
  • اليمن.. مصرع 3 قيادات ميدانية من ميلشيا الحوثي
  • كلمة الحق في وجه الباطل.. السيد القائد وصمود اليمن