في ظلّ تصاعد العدوان الإسرائيليّ على قطاع غزة، شهدت الولايات المتحدة الأميركية موجة واسعة من الاحتجاجات الطلابية المؤيدة لحقوق الشعب الفلسطيني، والتي اندلعت في عدد من الجامعات المرموقة، أبرزها: جامعة هارفارد، كولومبيا، وجامعة نيويورك.
وقد تميزت هذه الاحتجاجات بطابعها السلمي، حيث رفع الطلاب شعارات تدين الإبادة الجماعية، وتدعو إلى وقف الدعم العسكري الأميركي لإسرائيل، ومقاطعة الشركات المتورطة في الانتهاكات.
بيدَ أن اللافت في هذا السياق هو الردّ القمعي الذي واجهه الطلاب، خصوصًا الدوليين منهم. فقد وثّق خبراء مستقلون في الأمم المتحدة، في تقريرهم الصادر بتاريخ 17 مارس/ آذار 2025، أن "طلابًا دوليين في الولايات المتحدة تعرضوا للترحيل أو التهديد به؛ بسبب مشاركتهم في احتجاجات سلمية دعمًا لفلسطين"، مؤكدين أن هذه الإجراءات تُشكّل "انتهاكًا غير مبرر لحقوقهم في التعبير والتجمع، وتخلق بيئة عدائية للحرية الأكاديمية، وتعزز الانقسام بين الطلبة والأساتذة".
وفي مواجهة هذا القمع، تطرح بعض الأصوات سؤالًا خادعًا في مظهره: لماذا يتظاهر الطلاب أصلًا؟ دعوا غزة وشأنها ودعونا نكمل تعليمنا بسلام.
لكن هذا السؤال يُغفل جوهر العلاقة بين المعرفة والضمير. فالطلاب لا يتظاهرون هربًا من الدراسة، بل لأنهم يدركون أن التعليم بلا موقف أخلاقي هو تفريغ للمعرفة من معناها.
إعلانالجامعات ليست مصانع درجات، بل فضاءات نقد ومساءلة. حين يرى الطالب أن زملاءه في غزة يُقتلون، وأن بلده المضيف يمول آلة القتل، فإن الصمت يصبح تواطؤًا، والاحتجاج يصبح تعبيرًا عن عمق إنسانيته، لا خروجًا عن دوره الأكاديمي.
إن من يطالب الطلاب بالصمت حفاظًا على "الهدوء الأكاديمي" يتجاهل أن هذا الهدوء نفسه قائم على امتيازات غير متاحة لغيرهم، وأن اللامبالاة ليست حيادًا، بل اختيارًا جانبَ الظلم.
وعليه، فإن التظاهر الطلابي ليس مجرد انفعال سياسي، بل هو فعل تربوي بامتياز، يُعيد تعريف الجامعة كمكان للكرامة الإنسانية لا للامتثال الصامت.
انتكاسة حرية التعبير في الحرم الجامعي الأميركيإن حرية التعبير وحرية التجمع السلمي ليستا مجرد بنود قانونية في المعاهدات الدولية، بل تمثلان حجر الزاوية في صرح حقوق الإنسان، ومؤشرًا على مدى التزام الدول بالمبادئ الديمقراطية. بيدَ أن الخطر الحقيقي لم يعد في غياب هذه النصوص، بل في تمييعها وتفسيرها انتقائيًا بشكل يُفرغها من مضمونها.
حين تقوم دولة كالولايات المتحدة، وهي طرف في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، بتهديد طلاب – ولا سيما دوليين – بسبب مشاركتهم في احتجاجات سلمية، فهي لا تنتهك التزاماتها الدولية فحسب، بل تُرسل رسالة مقلقة إلى العالم مفادها أنه حتى "الحق المقدس" في التعبير قابل للإقصاء متى تعارض مع مصالح السلطة أو الرواية الرسمية.
هذا التراجع يُهدّد الجيل الأول من الحقوق، الذي كرّس الحريات المدنية والسياسية، ويفتح الباب أمام تآكل بقية الأجيال الحقوقية، من الحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى البيئية والرقمية.
فكيف يُمكن الترويج لقيم العدالة المناخية أو التنمية الشاملة، في الوقت الذي يُقمع فيه الصوت الحر ويُراقب التفكير النقدي؟ وإذا سُحقت حرية التعبير، هل تبقى هناك حقوق قابلة للتنفيذ، أم تتحوّل المواثيق إلى مجرد نصوص جوفاء؟
إعلانفي هذا السياق، تظهر إشكالية الحرية الأكاديمية بوضوح. فمن المؤسف أن تُمارَس مثل هذه الانتهاكات في مؤسسات يُفترض أن تكون ملاذًا للنقاش والتعددية.
فوَفق تعريف اليونسكو، تقوم الحرية الأكاديمية على حق الطلاب والباحثين في البحث والتعبير دون خوف من القمع. لكن التضييق والملاحقة على خلفية مواقف سياسية، وخصوصًا تلك المتعلقة بفلسطين، يكشف عن هشاشة هذه المبادئ حتى في بيئات تُعد رموزًا للحرية، مثل الجامعات الأميركية.
إن طرد الطلاب أو تهديدهم، خاصة الأجانب والعرب، لا يُعد خرقًا للمادتين: 19 و21 من العهد الدولي فقط، بل يُعد مؤشرًا على تحوّل الفضاء الجامعي إلى ساحة مراقبة وصمت، وتكريس عقلية تمييزية تنتهك المادة 2 من العهد.
وما يزيد من خطورة هذا النهج أن الولايات المتحدة تُعد مرجعية أكاديمية عالمية، وبالتالي فإن أي تقويض لحرية التعبير في جامعاتها يُقوض مصداقية المنظومة الحقوقية الدولية برمتها.
من هنا، لا يعود الأمر مسألةً داخلية أميركية، بل اختبارًا لمتانة النظام الدولي لحقوق الإنسان. فالنضال من أجل فلسطين لا يُخاض فقط في ساحات النزاع، بل في قاعات الجامعات، وفي المحاكم، وعلى منابر الفكر، حيث تُختبر المبادئ الكبرى في وجه القمع والرقابة.
إن استعادة الحرية الأكاديمية وحرية التعبير ليست ترفًا قانونيًا، بل هو واجبٌ أخلاقي وجماعي لحماية مستقبل التفكير الحر في زمن يتسع فيه الخوف وتضيق فيه المساحات.
الواقع الخفي وراء الحضور الطلابي العربي والمسلم في أميركاتشير الإحصاءات إلى أن عدد الطلاب الدوليين الذين يدرسون في الولايات المتحدة، قد بلغ حوالي 1.1 مليون طالب في العام الدراسي 2023-2024، وهو رقم قياسي يعكس استمرارية جاذبية النظام الجامعي الأميركي عالميًا.
غير أن هذا الرقم، وإن بدا مطمئنًا ظاهريًا، يخفي تحته واقعًا مقلقًا من التوجس والخوف المتنامي، خاصة في صفوف الطلاب العرب والمسلمين، الذين أصبحوا يشعرون بأن البيئة الأكاديمية لم تعد حيادية أو آمنة كما كانت.
إعلانوفيما يخصّ الطلاب العرب تحديدًا، فإن آخر رقم رسمي متوفر يعود إلى العام الدراسي 2018-2019، حيث بلغ عددهم أكثر من 81 ألف طالب. ورغم قِدم هذا الرقم نسبيًا، فإن التقارير الأحدث لم تُصدر تحديثًا شاملًا خاصًا بالطلاب العرب، ما يثير تساؤلات حول التراجع في الشفافية أو احتمال انخفاض الأعداد فعلًا بفعل المخاوف الأمنية.
ومع ذلك، تشير معطيات "الأبواب المفتوحة" لعام 2023 إلى أن المملكة العربية السعودية وحدها سجلت أكثر من 15.989 طالبًا في العام الدراسي 2022-2023، رغم انخفاض بنسبة 12.2% عن العام السابق، وهو ما قد يُعطي مؤشرًا جزئيًا على تراجع الإقبال العربي على الدراسة في الولايات المتحدة.
أما على مستوى الهوية الدينية، فتُقدّر أعداد المسلمين في الولايات المتحدة بحوالي 3.45 ملايين شخص، وهي كتلة تضم عددًا متزايدًا من الطلاب، ما يجعل من البيئة الجامعية ساحة اختبار حقيقية لمدى احترام التعدد الثقافي والديني.
ومع تنامي الإسلاموفوبيا والقيود الأمنية، يزداد شعور الطلاب المسلمين بأنهم تحت المراقبة، لا سيما إن شاركوا في نشاط سياسي، أو عبّروا عن موقف إنساني تجاه قضايا كبرى.
من جهة أخرى، تشكل تكاليف المعيشة التي تتراوح بين 15.000 و24.000 دولار سنويًا، إضافة إلى رسوم دراسية قد تصل إلى 52.000 دولار، عبئًا كبيرًا على الطلاب الأجانب، وهو ما يجعلهم يتوقعون مقابلًا واضحًا يتمثل في بيئة آمنة، حرة، وتكافؤ فرص حقيقي.
وعندما تهتز هذه القيم بفعل سياسات قمعية أو تمييزية، يصبح الاستثمار الأكاديمي في أميركا موضع شك، وقد يدفع العديد إلى التوجه لدول مثل ألمانيا، أو المملكة المتحدة اللتين تقدمان بدائل أقل تكلفة وأكثر استقرارًا فيما يتعلق بالحريات العامة.
نحو استعادة الحرية الأكاديميةفي ضوء ما سبق، يصبح من الضروري أن تعيد الجامعات الأميركية، ومعها السلطات المختصة، النظر في السياسات الأمنية والممارسات الإدارية التي تُشعر الطلاب الأجانب – خاصة العرب والمسلمين منهم – بأنهم ضيوف مشروطون لا طلاب علم. يجب أن تتجاوز المؤسسة الأكاديمية دورها التعليمي لتؤدي دورًا أخلاقيًا وإنسانيًا، يُعيد الاعتبار لحرية التعبير كجزء لا يتجزأ من العملية التربوية، لا تهديدًا لها.
إعلان أولًا، ينبغي على الجامعات أن توفر ضمانات قانونية واضحة تحمي حق الطلاب في المشاركة السياسية السلمية، دون تهديد أو تبعات أكاديمية أو أمنية. وثانيًا، لا بد من إرساء آليات دعم نفسي وقانوني للطلاب الدوليين، لا سيما في لحظات التوتر السياسي، باعتبارهم الفئة الأكثر هشاشة أمام الخطاب العنصري أو السياسات التمييزية. كما يُستحسن إنشاء وحدات مستقلة داخل الجامعات تُعنى برصد أي تجاوز لحقوق الطلاب وتوثيقها والتدخل الفوري عند الحاجة. وأخيرًا، فإن مسؤولية صون صورة الولايات المتحدة كوجهة تعليمية عالمية لا تقع على الجامعات وحدها، بل على صانعي السياسات كذلك، الذين ينبغي أن يعوا أن تآكل الحرية الأكاديمية يُقوّض مصداقية النموذج الأميركي، ويغذي بدائل أكثر جذبًا على الساحة الدولية. وإذا لم يكن التعليم مساحة آمنة للحرية، فأين تكون؟الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رمضان فی الولایات المتحدة الحریة الأکادیمیة
إقرأ أيضاً:
نشطاء: أميركا ستكون الخاسر الأكبر من الجمارك التي فرضها ترامب
وكان ترامب قد أعلن بوقت سابق أنه سيحرر الولايات المتحدة من البضائع الأجنبية وفي مقدمتها السيارات المصنوعة في الخارج التي فرض عليها جمارك بنسبة 25%.
كذلك فرض الرئيس الأميركي جمارك إضافية على واردات الصلب والألمنيوم والمنتجات الزراعية والحيوانية والأدوية والرقائق الإلكترونية والأخشاب.
ووصف ترامب قراره "بأنه خطوة لمواجهة الخلل التجاري غير العادل"، وذلك في إشارة إلى الفرق بين حجم الصادرات والواردات بين أميركا ودول العالم، فضلا عن مبدأ المعاملة بالمثل.
وستخضع الواردات القادمة من كمبوديا لأعلى تعريفة جمركية تصل إلى 49%، تليها الواردات من الصين واليابان والاتحاد الأوروبي، في حين ستفرض أقل نسبة على المملكة المتحدة.
وإلى جانب ذلك، ستخضع واردات كل من مصر والسودان واليمن إلى أقل تعرفة جمركية بنسبة 10%، وأيضا واردات دول الخليج العربي.
في المقابل، ستخضع واردات الأردن إلى جمارك قيمتها 20% تليها تونس والجزائر والعراق 39%، في حين ستخضع واردات سوريا لجمارك نسبتها 41%.
الدول ستتجه نحو أسواق أخرىوتفاعلت مواقع التواصل مع قرارات ترامب التي رأت أنها ستدفع الموردين والمستوردين للبحث عن بدائل للولايات المتحدة، وأن على الدول فرض جمارك مماثلة على المنتجات الأميركية.
إعلانومن التغريدات التي رصدها برنامج شبكات بتاريخ (2025/4/3) كتب طاهر الجبوري: "سيذهب المنتجون والمستوردون إلى منافذ أخرى مما يخسر أميركا خصوصية قوة اقتصادها، وستُمنح الفرص إلى دول أخرى منها الصين، الهند، روسيا، أوروبا، مما يعزز اقتصادها أمام اقتصاد أميركا".
كذلك، كتب علاء ستار: "المفروض على الحكومة العراقية والدول الأخرى الرد بالمثل وفرض رسوم جمركية عالية على البضاعة الأميركية".
أما يونس عربيب، فقال: "لقد أحدثت الضريبة الجديدة التي فرضها دونالد ترامب زلزالا على مستوى العالم، حيث أصبحت كافة أسواق العالم غير مستقرة، والعديد من شركات التداول لا تعرف حتى كيفية التصرف لإصلاح الأضرار".
وأخيرا، كتب أيمن: "في حدا اقتصادي هنا يخبرنا كيف ستستفيد أميركا بهذه التعرفة الجديدة؟ فهي سلاح ذو حدين، سوف يرفعون الرسوم على أميركا أيضا".
أداة سياسيةورجحت مجلة "واشنطن إكزامينر" أن يوسع ترامب نطاق إستراتيجيته التفاوضية بشأن الرسوم الجمركية لتشمل الدول العربية، إذا استمرت في رفض مطالبه بإعادة توطين اللاجئين الفلسطينيين من قطاع غزة.
وكان مستشار ترامب للأمن القومي، مايك والتز، قد تحدث للمجلة في فبراير/شباط الماضي، عن هذه الرسوم الجمركية المحتملة، وذلك بعد ساعات فقط من إعلان ترامب نيته السيطرة على القطاع.
وكان ترامب يتحدث وإلى جواره رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وآنذاك، قال والتز للمجلة: "أعتقد أن الرئيس ترامب يعتبر الرسوم الجمركية أداة أساسية لسياستنا الخارجية".
ومن المتوقع أن تشهد الولايات المتحدة تضخما بسبب اعتمادها على الاستيراد في كثير من المواد الأولية، وهو ما قد يؤدي لركود عالمي عنيف، فضلا عن تضرر البورصة الأميركية التي تراجعت مؤشراتها فور إقرار هذه الإجراءات.
3/4/2025