سد النهضة.. بوابة مملكة داوود المزعومة
تاريخ النشر: 3rd, April 2025 GMT
الصراع على مياه النيل ليس جديدًا، بل يمتد لعدة قرون. لطالما كانت المياه عنصرًا حيويًا لمصر، مما جعلها عرضة لمحاولات متعددة من قوى خارجية للتأثير عليها عبر التحكم في منابع النيل. ففي القرن الخامس عشر، أرسل بابا إسبانيا، ، رحالة إلى إثيوبيا لاستكشاف إمكانية تحويل مجرى النيل أو عرقلة وصول مياهه إلى مصر في محاولة للضغط على الدولة المملوكية التي كانت قوة كبيرة في تلك الفترة.
ثم جاء القرن السادس عشر، مع سيطرة البرتغاليين على بعض مناطق إفريقيا، حيث سعت البرتغال إلى التحالف مع مملكة الحبشة (إثيوبيا) في محاولة لتعطيل تدفق النيل إلى مصر. لكن المشروع فشل بعد هزيمة البرتغاليين على يد أحمد جران.
مع بداية القرن التاسع عشر، واحتلال بريطانيا لمصر، أصبح تأمين منابع النيل أمرًا استراتيجيًا، خاصة بعد أن بدأ اللورد كرومر المعتمد البريطاني في مصر في وضع خطط لضمان عدم تحكم أي قوى أخرى في منابع النيل.
في الخمسينيات من القرن الماضي، اقترحت الولايات المتحدة مشروع قناة "جونستون" الذي كان يهدف إلى توزيع مياه النيل بين دول الحوض بشكل جديد.كان الهدف تقليل اعتماد مصر على النيل ومنح حصص أكبر لدول مثل السودان وإثيوبيا، لكن مصر رفضت المشروع باعتباره محاولة لفرض ضغوط سياسية عليها.
في الستينيات، سعت إسرائيل، عبر دعم مشاريع سدود في دول المنبع مثل إثيوبيا، إلى التأثير على أمن مصر المائي. إذ قدمت دعمًا فنيًا وماليًا لمشاريع مثل سد "تكزي" و"جيب" بهدف تقليل حصة مصر المائية.
ومع بدء بناء سد النهضة الإثيوبي في 2011، بدأ الخطر على حصة مصر من مياه النيل يظهر بوضوح. ورغم المفاوضات الطويلة بين مصر وإثيوبيا والسودان، لم يتم التوصل إلى اتفاق يضمن حقوق مصر المائية.
لكن سد النهضة ليس مجرد مشروع مائي، بل هو جزء من مخطط أوسع يتجاوز التحكم في المياه. فقبل أن تكون أزمة المياه وسيلة للضغط على مصر، كانت هناك محاولات لتفكيك الروابط التاريخية بينها وبين إثيوبيا. أهم هذه الروابط كانت العلاقة الدينية، حيث كانت الكنيسة الإثيوبية تتبع الكنيسة القبطية المصرية حتى عام 1959، عندما تم فصلهما بقرار سياسي لدعم النفوذ الغربي في المنطقة.
لا يقتصر الأمر على العلاقات السياسية، بل لعبت الكنائس الإنجيلية، التي تبنت أفكارًا صهيونية، دورًا في تغيير مذهب الشعب الإثيوبي من الأرثوذكسية إلى الطوائف المسيحية الغربية. هذا التغيير الديني كان جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تقليص نفوذ الكنيسة الأرثوذكسية المصرية في إثيوبيا، وبالتوازي مع ذلك كان يتم زرع أفكار دينية تتماشى مع أهداف الغرب في المنطقة.
من خلال هذه العلاقة الدينية والسياسية، تتضح محاولة بعض القوى لتشكيل خريطة سياسية جديدة في المنطقة تحت شعار "مملكة داوود" التي تمتد من منابع النيل في إثيوبيا إلى منابع الفرات في تركيا، وهو ما يختلف عما يتناوله البعض من مصر إلى العراق. الهدف هنا هو تأكيد السيطرة على منابع المياه وتوجيه مصير شعوب المنطقة بما يتناسب مع تطلعات الغرب والصهيونية.
وفي هذا السياق، يجب أن نذكر سد النهضة الإثيوبي، المعروف أيضًا بسد الألفية، الذي يتجاوز كونه مشروعًا لتوليد الكهرباء. فهو يحمل دلالات دينية وفكرية ترتبط بشكل غير مباشر بالصهيونية، خصوصًا مع ارتباط المشروع بفكرة "الحكم الألفي" لدى الكنائس الإنجيلية التي تؤمن بعودة المسيح في النهاية إلى الأرض وقيام مملكة داوود المزعومة. وهنا الارتباط بين المسميات الألفي والالفية
إلى جانب ذلك، يحظى آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي، بدعم الغرب رغم أنه لا يمتلك تاريخًا سياسيًا أو ثقافيًا ملحوظًا. فقد تم منحه جائزة نوبل للسلام في عام 2019، وهو قرار مثير للجدل بالنظر إلى عدم وجود إنجازات ملموسة له في مجالات السلام أو السياسة. هذا التكريم كان بمثابة تحضير له كواجهة سياسية لمشروع سد النهضة ولتنفيذ المخططات الغربية في المنطقة.
من الجدير بالذكر أن آبي أحمد ينتمي إلى الطائفة الخمسينية التابعة للبروتستانتية، وهي طائفة تم تهجينها صهيونيًا لخدمة مخطط "مملكة داوود" المزعومة. تم تجهيزه بشكل خاص من قبل قوى غربية لتولي هذا الدور في قيادة مشروع سد النهضة. آبي أحمد لم يصل إلى منصبه نتيجة إنجازات سياسية أو ثقافية، بل بسبب تأهيله المباشر في جامعات بريطانيا حيث تم إعداده ليكون القائد الذي يتولى تنفيذ الأجندات الغربية في إثيوبيا ضد المصالح المصرية.
من الجدير بالذكر أن مشروع "ندرة المياه" الذي طرحه صندوق النقد الدولي في عام 1996 يهدف إلى تحويل منابع النيل إلى "آبار" مائية يمكن بيعها كسلعة عبر أنابيب، على غرار البترول. هذه الفكرة تتماشى مع الرؤية الغربية للسيطرة على الموارد الطبيعية في المنطقة وتحويلها إلى سلعة اقتصادية تُباع للمستهلكين الدوليين، ما يعزز الهيمنة الاقتصادية والسياسية على الشعوب، ولا ننسي أن صندوق النقد الدولي يتم إدارته من عائلة روتشيلد الصهيوني الاب الروحي للصهيونية العالمية والذين يدعمون مشروعات إسرائيل ماليا.
مملكة داوود التوراتية، وفقًا للمعتقد الصهيوني، تمتد من منابع النيل في إثيوبيا إلى منابع الفرات في تركيا. هذا المخطط يسعى إلى ضمان السيطرة على منابع المياه والطرق التجارية الحيوية في المنطقة، وبالتالي تشكيل المنطقة وفقًا لمصالح قوى عالمية معينة.
ورغم محاولات الصهيونية لتفكيك العلاقات بين مصر وإثيوبيا، فقد ثبت أن مصر تمتلك القوة العسكرية الكافية للتصدي لأي تهديدات، بما في ذلك إزالة خطر سد النهضة. فالقوة العسكرية الفائقة لمصر تجعلها قادرة على نسف السد في حال أصبح تهديدًا وجوديًا لها، ما يعكس فشل الصهيونية في تنفيذ مخططاتها التي استهدفت استنزاف مصر عبر مستنقعات عسكرية خارجية.
على الرغم من محاولات الغرب لتفكيك الروابط بين مصر وإثيوبيا، بدأت مصر تُظهر قوتها في مواجهة المخططات الغربية، حيث تمتلك من القدرات العسكرية والاقتصادية ما يمكنها من التصدي لأي تهديد لوجودها.
المصدر: الأسبوع
كلمات دلالية: إثيوبيا سد النهضة جمال رشدي مياه النيل دول حوض النيل سد إثيوبيا منابع النیل مملکة داوود فی المنطقة فی إثیوبیا سد النهضة
إقرأ أيضاً:
خبير اقتصادي: مملكة صغيرة ستتعرض للتدمير بسبب أعلى رسوم جمركية يفرضها ترامب
ليسوتو – محلل اقتصادي إن الرسوم الجمركية البالغة 50% المفروضة على ليسوتو، ستقتل المملكة الصغيرة الواقعة في جنوب إفريقيا التي سخر منها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشهر الماضي.
وأوضح محلل اقتصادي، امس الخميس، أن “الرسوم الجمركية المضادة المفروضة على ليسوتو وتبلغ 50%، وهي أعلى نسبة رسوم على قائمة طويلة من الاقتصادات المستهدفة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ستقضي على المملكة الصغيرة الواقعة في جنوب القارة الإفريقية والتي سخر منها ترامب الشهر الماضي”.
وكانت هذه أعلى رسوم جمركية يفرضها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مما أدى إلى قلب عقود من التجارة القائمة على القواعد وتهديد زيادة التكاليف للمستهلكين.
وليسوتو، التي وصفها ترامب في مارس بأنها دولة “لم يسمع بها أحد من قبل”، هي واحدة من أفقر دول العالم بناتج محلي إجمالي يزيد قليلا على ملياري دولار.
وتمثل صادراتها إلى الولايات المتحدة، والتي بلغت في عام 2024 نحو 237 مليون دولار، أكثر من 10% من ناتجها المحلي الإجمالي، مع فائض تجاري كبير يتألف في الغالب من الماس والمنسوجات، بما في ذلك سراويل الجينز من ليفايز.
وقال ترامب إن الرسوم الجمركية “المتبادلة” جاءت ردا على الاجراءات الأخرى المفروضة على السلع الأمريكية، حيث تفرض ليسوتو رسوما بنسبة 99% على البضائع الأمريكية، بحسب الإدارة الأمريكية.
وقال خبراء تجاريون إن “هذه الخطوة تشير في إفريقيا إلى نهاية اتفاقية التجارة المعروفة باسم قانون النمو والفرص في إفريقيا التي من المفترض أن تساعد الاقتصادات الإفريقية على التطور من خلال الوصول التفضيلي إلى الأسواق الأمريكية”.
وقال ثابو كيشي، وهو محلل اقتصادي مستقل مقره ماسيرو، لوكالة “رويترز”: “ستقضي الرسوم الجمركية المضادة بنسبة 50% التي فرضتها الحكومة الأمريكية على قطاع النسيج والملابس في ليسوتو، لذا، ستموت ليسوتو، إن جاز التعبير”.
كما قالت مؤسسة “أوكسفورد إيكونوميك” إن “قطاع النسيج، الذي يعمل به نحو 40 ألف عامل، هو أكبر جهة توظيف خاصة في ليسوتو ويمثل نحو 90% من العمالة في قطاع التصنيع والصادرات”.
والشهر الماضي أعربت حكومة ليسوتو عن “صدمتها الشديدة” إزاء تصريحات ترامب بأنها “دولة لم يسمع بها أحد”، مؤكدة أن “مثل هذه التصريحات تعكس جهلا كبيرا بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي للبلاد”.
ولم يكن لدى حكومة ليسوتو، أي تعليق فوري على الرسوم الجمركية يوم الخميس.
المصدر: RT + “رويترز”