الكلمة والصورة.. التطور التاريخي لصناعة المخطوط في الحضارة الإسلامية
تاريخ النشر: 3rd, April 2025 GMT
تحظى المخطوطات بمكانة رفيعة في مختلف الحضارات، باعتبارها الوعاء الحافظ للإرث المعرفي، والمصدر الرئيسي لنقل العلوم والفنون وسائر المعارف الإنسانية. فمن خلالها، استطاع الإنسان أن يتعرّف على تراث الأمم التي سبقته، ويستعيد تاريخ حضارات اندثرت، ومدن تلاشت معالمها عبر الزمن.
وتزخر المكتبات الكبرى، والمتاحف، والجامعات، ومراكز البحوث، بآلاف المخطوطات التي تُعد من نفائس التراث الإنساني وكنوزه.
وقد ارتبطت بالمخطوطات فنون متعددة، كان لها دور بارز في إبراز قيمتها الجمالية، ومنها فنون الخط العربي، والتزويق، والتنميق، والتذهيب، والتمويه، وهي الفنون التي بلغت ذروتها في المخطوطات الإسلامية والعربية.
وفي كتابه المعنون بـ"التطور التاريخي لصناعة المخطوط.. قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية"، الصادر عن معهد الشارقة للتراث، يتتبع الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي المراحل التي مرت بها صناعة المخطوط، مستعرضا الجهود التي بذلها الإنسان في سعيه الحثيث لامتلاك أدوات العلم والمعرفة.
إعلانيوثّق الكتاب كيف اجتهد الإنسان في ابتكار الوسائل التي تيسر نشر المعرفة وتداولها، حتى أصبحت أدوات التعلّم وصناعة الكتاب في متناول الجميع. كما يسلط الضوء على دور الحضارة الإسلامية في نقل وتطوير صناعة الورق، ويبرز كيف تحولت بغداد، عاصمة الخلافة، إلى مركز رائد في هذه الصناعة، ما شكل نقلة نوعية في تاريخ المعرفة، وساهم في جعل تداول الكتاب وقراءته أمرا ميسورا، قليل الكلفة، واسع الانتشار.
تطور المخطوطيؤكد الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي، مؤلف كتاب "التطوّر التاريخي لصناعة المخطوط: قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية"، أن المسلمين لم يكتفوا باهتدائهم إلى صناعة الورق، بل ارتقوا بها إلى مستوى من الجمال والابتكار جعل من الكتاب قيمة متعدّدة الأبعاد، تبدأ من المعرفة ولا تنتهي عند حدود. فالمخطوط في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد وعاء علمي، بل تحوّل إلى تحفة جمالية تفيض بأسرار الصنعة وإبداع الحرف، حتى غدت صفحاته مرآة لعصور من النهضة والمعرفة، تميزت بروعة التعبير ودقة التزويق، وصعب على حضارات أخرى مجاراتها أو الإتيان بمثلها.
يتناول الكتاب الصادر عن معهد الشارقة للتراث صناعة الكتاب في التاريخ الإسلامي من زوايا معرفية وحرفية وروحية، أسفرت عن إرث ثقافي خالد، ما زالت آثاره حية في كنوز المخطوطات. وقد قسّم المؤلف عمله إلى فصلين و5 مباحث، تنوّعت موضوعاتها بين تاريخ صناعة الورق، وانتشاره جغرافيا، ودوره في العواصم الكبرى كمدينة بغداد في العصر العباسي، وبلاد المغرب الإسلامي، فضلا عن تناول الجوانب الجمالية للخطوط المغاربية، وتوثيق تأثيرات المخطوط الإسلامي على نظيره الأوروبي.
ويستعرض الكتاب تطوّر صناعة الورق، منذ بدايات اكتشافه، وانتقاله إلى العالم الإسلامي، مرورا بإضافات نوعية أبدع فيها الورّاقون والعلماء المسلمون، جعلت من الورق الإسلامي علامة فارقة، من حيث النوع والحجم واللون والاستخدام، بحيث رُوعي فيه حال الكاتب، وطبيعة النص، وقيمة الموضوع، فجاء المخطوط جامعا بين المعرفة والجمال، حافظا لعلوم الأمم ومصدر إلهام للأجيال.
إعلانويؤرخ المؤلف لصناعة الورق كتجربة متصاعدة، بدأت من النقل، ثم تطورت بإبداعات المسلمين التي نقلت هذه الصناعة إلى آفاق حضارية واسعة، ومنحها بعدا معرفيا وجماليا لا نظير له. ويبيّن أن الفضل في اكتشاف الورق يعود إلى الصينيين، لكن سمرقند مثّلت نقطة الانطلاق في الحضارة الإسلامية، قبل أن تنتقل الصناعة إلى بغداد في عهد الخليفة هارون الرشيد، حيث بلغت أوجها، لتنتشر بعد ذلك في أرجاء العالم الإسلامي.
ويسجل الكتاب تحول الكتابة في الحضارة الإسلامية من استخدام الجلود والرقوق والعظام إلى الاستقرار على الكاغد أو الورق، الذي تم تحسينه وتزيينه وتلوينه، ليناسب مختلف الأغراض. كما يوثق أن التزويق والتذهيب والتفضيض في المخطوطات الإسلامية لم يكن محض زخرفة، بل تعبير عن الحس الجمالي المصاحب للمحتوى العلمي.
ويرى اللهيبي أن وفرة الرسوم والأشكال في بعض المخطوطات ارتبطت بأهداف علمية وجمالية وحضارية، عكست روح العصر والتفاعل الثقافي بين الحضارات، وأسهمت في نشوء طبقات متخصصة من النساخ والمذهبين والمزوقين، تميزوا بمهارات عالية في إنتاج المخطوط. كما أن للعلماء دورا فاعلا في إثراء الجانب البصري للمخطوط، بما يلائم مضمونه العلمي، والهدف من تأليفه، ما أضفى على هذه المخطوطات قيمة متحفية استثنائية، لا تقدر بثمن، ولا تزال شاهدة على مجد حضارة جعلت من المعرفة فنا، ومن الكتاب تحفة.
التزويق وجماليات المخطوطضمَّ الدكتور صالح محمد زكي اللهيبي في نهاية كتابه "التطوّر التاريخي لصناعة المخطوط: قراءة في تصنيع الورق وتزيين المخطوط في الحضارة الإسلامية" ملحقا توثيقيا جمع فيه أبرز المصطلحات الفنية المرتبطة بجماليات المخطوطات، مقدّما للقارئ دليلا معرفيا يُضيء على مفردات فنية طالما رافقت صناعة الكتاب العربي الإسلامي، وتشكّلت من خلالها هوية المخطوط في شكله النهائي المتقن.
إعلانفي مقدمة هذه المصطلحات يأتي "التزويق"، ويعني التزيين البصري للنصوص من خلال الصور والأشكال والمشاهد التي تتّصل مباشرة بمحتوى المخطوط، ويأتي "التنميق" ليشير إلى التجويد الزخرفي عبر النقش وتزيين الحروف والهوامش. أما "التمويه"، فيُقصد به استخدام التذهيب والزخرفة لتجميل الصفحات، بينما يُستخدم "التذهيب" تحديدا للإشارة إلى تزيين المخطوط بماء الذهب أو صفائحه، وهو فن قديم بدأ مع المصاحف، فشمل الصفحات الافتتاحية وفواتح السور، قبل أن يتوسّع ليشمل كتابة النصوص بماء الذهب.
كما يورد المصطلح "الترويسة"، وهي مقدّمة النص التي تُكتب غالبا بخط مميز وأحيانا بحبر ذهبي. ويُشير مصطلح "التصاوير" إلى الرسوم التوضيحية التي تُستخدم في المخطوطات لتعزيز النص وإيضاح معانيه، في حين "التلوين" يمثل فنا بصريا متعدد الأبعاد يشمل الزخارف والخطوط باستخدام ألوان متنوّعة.
ومن المصطلحات اللافتة كذلك: "الأشكال"، وهي عناصر بصرية غير نصية تُدرج في المتن العلمي لتوضيح الأفكار، وتظهر بشكل خاص في مخطوطات العلوم التطبيقية، أما "التحمير" فهو تقنية تلوين عناوين الأبواب والمسائل والفواصل بالحبر الأحمر للتمييز والإبراز.
وفي ما يخص الهيكل المادي للمخطوط، نقرأ عن "التجمير"، وهي عملية تدعيم الغلاف الداخلي بورق خاص، و"الرّق"، أي الجلد الرقيق المستخدم في الكتابة منذ الجاهلية وحتى العصور الإسلامية.
أما فن الزخرفة، فتنقسم أنواعه إلى:
"الزخرفة الخطية"، وهي التي تعتمد على جمال الخط العربي وتحويله إلى تكوينات زخرفية هندسية أو نباتية. "الزخرفة النباتية"، باستخدام الأشكال النباتية لتجميل المخطوط. "الزخرفة الهندسية"، التي تقوم على التكوينات الهندسية المتماثلة. "صنعة الخط"، وهي علم مستقل يهتم بقواعد كتابة ورسم الحرف العربي، وضبط نسبه وجماليته وفق قواعد دقيقة. إعلانويمثل هذا الملحق اللغوي البصري نافذة مهمة لفهم اللغة الفنية للمخطوطات العربية والإسلامية، ويؤكد من جديد أن الكتاب في الحضارة الإسلامية لم يكن مجرد حامل للمعرفة، بل هو عمل فني متكامل تتناغم فيه الكلمة مع الصورة، والوظيفة مع الجمال.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رمضان صناعة الورق التی ت
إقرأ أيضاً:
متحف آثار ملوي يشارك في يوم المخطوط العربي
تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق
شارك متحف آثار ملوى اليوم الجمعة في يوم المخطوط العربي الذي يوافق 4 أبريل من كل عام، والذى ينظمه معهد المخطوطات العربية بالقاهرة التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو) بجامعة الدول العربية ، فى دورته الثالثة عشرة تحت شعار "المخطوط العربي.. حياة أمة ورائد حضارة"، وذلك من خلال عرض مجموعة من المقتنيات الأثرية النادرة والتمائم والتماثيل التى تجسد عظمة الفنانين المصريين القدماء عبر عصور مختلفة.
كان المتحف قد اختار عرض تمثال للمعبودة سخمت، إلهة الحرب في مصر القديمة. لشهر ابريل تزامنا مع الاحتفال بيوم المخطوط العربى فى الرابع من أبريل الجاري.
والتمثال تم اختياره عبر مشاركة الجمهور بالتصويت الالكتروني على موقع المتحف على شبكة الانترنت ، ويجسد التمثال امرأة برأس أنثى الأسد، وهو مصنوع من الخزف ، وتحمل المعبودة " سخمت "عدة ألقاب منها : “السيدة العظيمة” و”محبوبة بتاح” و”عين رع” و”سيدة الحرب”.
تأتي المشاركة المتميزة لمتحف ملوى هذا العام فى اليوم العالمى للمخطوط العربى ، فى ظل موسم سياحى ناجح ، وزيادة ملحوظة فى أعداد السائحين للمواقع الأثرية والمزارات السياحية التى تتمتع بها المحافظة، ويضم متحف ملوى 950 قطعة أثرية، موزعة على 3 قاعات كبرى مزودة بأحدث أجهزة العرض، أبرزها تمثال مزدوج لـ«بيبى عنخ إيب» مصنوع من الحجر الجيرى الملون يرجع إلى عصر الأسرة السادسة الدولة القديمة، وتمثال لإحدى بنات الملك أخناتون تم اكتشافه فى تل العمارنة.
89400253-091a-4aea-8102-8603f127a002 481169075_1048433290662113_3223952641431462655_n 481247953_1044148261090616_4188433635305784048_n 482984922_1061071139398328_6954637795553688057_n 484067497_1061365562702219_6042693767561594086_n 484322107_1057841916387917_7653987940542437036_n 484900361_1062052389300203_592860442854892425_n 485005975_1064987449006697_1375622518298516482_n 485793014_1065423835629725_3922227722990899107_n bf7b0571-9329-47ba-bc66-1e2d2bbf8c04