بغداد اليوم - خاص

لا أحد في بغداد ينام حقًا. فحتى حين تهدأ الضوضاء في الشوارع، ويُطفأ ضوء آخر مكتب حكومي، يبقى القلق مستيقظًا. وبينما يبدو المشهد السياسي العراقي ساكنًا على السطح، تغلي تحته براكين من الاحتمالات، ليس أولها استمرار التواجد الأمريكي، وليس آخرها خشية الدولة من عقوبات لا تأتي بصيغة تهديد، بل تُفرض كأنها قَدَر سياسي لا مفر منه.

منذ سقوط نظام صدام وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لم تكن العلاقة بين بغداد وواشنطن سوى قصة طويلة من الخوف المقنّع بالتحالف، والتبعية المتزيّنة بمساحيق السيادة. وإذا كانت القوات الأمريكية قد خرجت رسميًا عام 2011، فإنها عادت بعدها بثلاث سنوات، لا بقرارٍ من البيت الأبيض فحسب، بل بطلب يائس من عراقٍ كان يتفكك تحت ضربات داعش، ويبحث عن قشة في بحره الغارق.

لكن القشة ذاتها تحوّلت إلى حبل يُمسك بخناق القرار العراقي، لا يُفلت، ولا يسمح له بالتنفس. اليوم، لا تتحدث واشنطن عن انسحاب، ليس لأنها تخشى العودة إلى نقطة الصفر، بل لأنها تدرك أن العراق بات هو النقطة التي تبدأ منها كل خرائط المنطقة الجديدة. والبقاء الأمريكي، كما يقول أحمد الشريفي، "أمر وارد جداً"، بل قد يكون، وهنا تكمن المفارقة، خيارًا عراقيًا بامتياز، حين تتحول السيادة إلى مجاز، والخوف من المجهول إلى عقيدة سياسية، والمصلحة الوطنية إلى ملفّ مؤجل إلى إشعار آخر. السؤال لم يعد: "هل ستخرج أمريكا؟"، بل: "هل يستطيع العراق أن يعيش من دونها؟"، والإجابة المضمَرة بين السطور، هي: لا، أو على الأقل، ليس الآن، ولا بهذه الطبقة السياسية التي تخشى العقوبات أكثر من احتلال القرار.


الانسحاب المؤجل... أم البقاء بطلب عراقي؟

في زمن أصبحت فيه مفردات السيادة تُوزن بميزان الذهب السياسي، لا يبدو "الانسحاب الأمريكي" من العراق خيارًا مطروحًا على الطاولة بجدية، حتى لو رُفع كيافطة في بعض الخطابات الرنانة. فالميدان يقول شيئًا آخر، يقول إن الأمريكيين باقون، وإن الدولة العراقية – بتركيبتها المرتجفة – لم تعد تملك ترف الاستغناء عنهم. وهنا لا نتحدث عن الاحتلال بمعناه الكلاسيكي، بل عن نوع جديد من الحضور: حضور بالطلب، ووجود بالرضا، وتمدّد بالصمت. تلك المفارقة عبّر عنها بوضوح الخبير العسكري والاستراتيجي أحمد الشريفي، حين قال: "حتى الساعة لا يوجد أي تأكيد أمريكي رسمي يؤكد بأن هناك نية حقيقية للانسحاب من العراق، خاصة في ظل التطورات الأخيرة، وخاصة في الساحة السورية، ولهذا بقاء الأمريكان لفترة أطول في العراق أمر وارد جداً، وربما البقاء يكون بطلب عراقي."

وهنا تكمن المفارقة القاتلة: أن الحكومة التي طالما تباهت بأنها تعمل على إنهاء "الوجود الأجنبي"، قد تكون نفسها من يطلب بقاءه، ليس حبًا في الدبابة الأمريكية، بل خوفًا مما قد تجرّه الفوضى التي تحوم كطائر جارح فوق سماء العراق. في حسابات الواقعية السياسية، الانسحاب يعني إعادة خلط الأوراق؛ يعني تَحرُّك الفصائل بحرية، واندفاع الخصوم الإقليميين لسد الفراغ، وانكشاف القرار العراقي أمام شمس العقوبات الدولية. ولهذا، ما يُحكى في العلن لا يعكس ما يُهمس به في أروقة الدولة، حيث تُدار المعادلات وفق ميزان الخسارة الأقل، لا الربح الأكبر. وهكذا، تتحوّل السيادة من حقّ دستوري إلى ورقة تفاوضية، وتتحوّل الجيوش الأجنبية من "قوة احتلال" إلى "حاجة مؤقتة" تتجدد كلما خاف القرار السياسي من مصيره.


الصوت الذي خفت... حين تصبح المقاومة عبئًا

لم تعد المطالبات بإخراج القوات الأمريكية تصدح كما كانت، ولا تعلو كما كانت تصدح أيام التظاهرات المليونية والخطابات النارية التي تُلقَى من على منصات حديدية متهالكة. الآن، انكفأ الصوت، وتراجعت الحناجر، كأن المقاومة نفسها باتت غير مرغوب بها في خريطة توازنات جديدة، أكثر هشاشة، وأشد تعقيدًا. لم تعد المسألة مجرّد "رفض احتلال"، بل تحوّلت إلى سؤال خائف: "ماذا لو خرجوا؟ من سيحمينا من الضغوط؟ من سيفصل بين بغداد وواشنطن الغاضبة؟". وهنا تنكشف هشاشة القرار الوطني حين يصبح رهينة لردود الفعل الخارجية.

الخبير العسكري أحمد الشريفي، وضع إصبعه على هذه النقطة الحرجة حين قال: "الجانب العراقي الحكومي وكذلك السياسي يخشى في ظل هذه الأوضاع الانسحاب الأمريكي، خاصة أن هذا الانسحاب قد يعجّل في فرض العقوبات على العراق كدولة، والشخصيات السياسية والفصائل، ولهذا نرى هناك تراجع في الأصوات التي كانت تطالب بإخراج الأمريكان سابقاً."

بهذا المعنى، صار الأمريكي هو الغطاء غير المُعلن للطبقة السياسية التي تدرك أن خروجه قد يجرّ معها انكشافًا خطيرًا: سياسيًا، واقتصاديًا، وربما قانونيًا. فالعقوبات لم تعد سيفًا مسلطًا على "دول مارقة"، بل أصبحت وسيلة ضبط حتى للحلفاء. وبين نظام مصرفي هش، ودولة تعتمد في خزينتها على رضا الدولار، يصبح الكلام عن السيادة مجرّد قناع يُلبس في المؤتمرات، ويُخلع خلف الأبواب المغلقة. 

لذلك تراجعت أصوات "التحرير"، لا لأنها اقتنعت بضرورة الوجود الأمريكي، بل لأنها باتت تخشى اليوم ما كانت تريده بالأمس، حين أدركت أن التوازن في العراق لا يُصنع على الأرض فقط، بل على ورق العقوبات، وفي تقارير وزارة الخزانة، وبين سطور المبعوثين الدوليين الذين يكتبون بلغة القوة، لا البلاغة.


إيران التي انسحبت بصمت... وتركَت ظلها يتنقّل وحيدًا

ذات يوم، كانت طهران تتنفس من رئة بغداد، وتحرّك أوراق الشام من كواليس كربلاء، وترسل إشاراتها إلى الضاحية الجنوبية من قلب البصرة. لكنها اليوم لم تعد تلك القوة المتحفزة العابرة للحدود، بل تبدو وكأنها تنسحب إلى داخلها، تنكمش على همومها، وتطفئ جبهات الخارج واحدة تلو الأخرى. إيران التي كانت تهندس السياسة في العراق بالمجسات، وتراقب حركة القوات الأمريكية بالنبضات، باتت اليوم تنظر إلى الخارطة بنظارات داخلية... مرهقة، مثقلة، ومحمّلة بكمٍّ من الخسارات لا يُخفى.

الخبير العسكري أحمد الشريفي اختصر هذا التحوّل العميق بجملة تكشف ما خلف الستار، حين قال: "إيران لن يكون لها أي رأي بهذا الأمر، خاصة وهي الآن تتعرض إلى ضغوطات وتهديدات أمريكية كبيرة، خاصة بعد رسالة ترامب الأخيرة لها، ولهذا هي ستكون منشغلة في وضعها الداخلي أكثر من وضع نفوذها في العراق وباقي دول المنطقة، التي خسرته في سوريا ولبنان."

ولعل في هذا التصريح ما يتجاوز التوصيف، ليبلغ مستوى التحذير: إيران التي انسحبت من شوارع دمشق، وغابت عن نقاشات بيروت، وارتبكت في ساحات بغداد، لم تعد الشريك الثقيل الذي يخشاه الغرب، بل الحليف الذي يُرثى له. ومع كل ضغط مالي، وعقوبة اقتصادية، ورسالة تحذير من واشنطن، تنكمش الأذرع الإيرانية أكثر فأكثر، وتتحول من مشروع إقليمي طموح إلى دولة تحاول النجاة من الغرق داخل حدودها. وفي ظل هذا التراجع، يبقى العراق بلا مظلة إقليمية حقيقية، مكشوفًا على قراراته، محاطًا بالأعداء، ومربوطًا بقيد أمريكي لا يُرى، لكنه يُحَسّ كاختناق في حلق القرار السياسي. لم يعد لإيران ما يكفي من القوة لتفرض رأيًا، ولا ما يكفي من النفوذ لتمنع الانهيار، وهي تدرك – قبل غيرها – أنها خسرت كثيرًا، وأن البقاء في العراق لم يعد مشروعًا استراتيجيًا، بل عبئًا إضافيًا على جسدها المنهك.


العراق بين مفترقين... والقرار يُصنع خارج الحدود

العراق، ذلك البلد الذي كان يصدر قراراته يومًا تحت قباب ملوكية وأروقة إمبراطورية، أصبح اليوم يترقب مصيره من على حافة هاتف خارجي أو تقرير من وزارة دفاع لا تعرف الجغرافيا بقدر ما تعرف المصالح. الوجود الأمريكي فيه لم يعد مجرّد حالة أمنية أو ضرورة عسكرية، بل تحوّل إلى معادلة وجودية، تكشف هشاشة البنية السياسية، وتعرّي التصورات الرومانسية عن "الاستقلال الوطني". فالعراق، كما يبدو، لا يستطيع أن يبقى معهم، ولا يملك أدوات البقاء بدونهم، وكأنه واقع في مساحة رمادية يتحكم بها الجميع، إلّا هو.

في هذا التناقض القاتل، تُصبح الدولة العراقية كأنها سفينة مشروخة تسير في بحرٍ هائج، لا تملك بوصلة، ولا تملك قرار العودة إلى الشاطئ. كل محاولة للانسحاب الأمريكي تعني زعزعة للتوازن الهش، وكل محاولة للبقاء تعني تجذيرًا لوصاية مرفوضة على الورق، مقبولة بحذر في الواقع. واشنطن تعرف هذه الحقيقة، وتدير اللعبة بحسابات دقيقة: لا انسحاب كامل، ولا التزام طويل الأمد… فقط وجود كافٍ لردع الخصوم، وضغط يكفي للهيمنة. أما بغداد، فهي العالق الأبدي في المنتصف، تنظر إلى طهران المُنهكة فلا تجد سندًا، وإلى واشنطن المتحفّظة فلا تجد حليفًا، وإلى الشارع المتذمّر فلا تملك له جوابًا.

والبقاء الأمريكي لم يُعلن، لكنه يتحقّق يوميًا بصمتٍ ثقيل، بين خوف سياسي من العقوبات، وتراجع إيراني عن الدعم، وعجز تام عن تخيّل عراق بلا ظلّ أمريكي يتمدد فوق أرضه، من البرلمان إلى غرفة العمليات.

هكذا يُختصر الموقف: القرار الأمريكي لم يُحسم، لكن القرار العراقي محسوم سلفًا... "ليس بيده".


المصدر: بغداد اليوم + وكالات

المصدر: وكالة بغداد اليوم

كلمات دلالية: فی العراق التی ت لم تعد لم یعد

إقرأ أيضاً:

من العوجة إلى ميسان رحلة تحول الحكم الكبرى

بقلم : فراس الغضبان الحمداني ..

على مدى قرون من الزمن رزح الجنوب العراقي تحت حكم السطوة السياسية المحكومة بالجذور الأولى لقيام الدولة العربية الإسلامية في بغداد وما تبعها من أنظمة حكم مختلفة كانت سبباً في تكريس مفهوم السلطة الغالبة والمهيمنة على القرار السياسي والإقتصادي وتفاعلات السطوة على الثقافة والنسيج الإجتماعي الذي تصنعه أياد بتوجهات معينة ثابتة مستقرة غير قابلة للتحول والإنهيار لتلك الإعتبارات التي رسخها الوجود العثماني في العراق على مدى قرون من الزمن والذي كرس هو الآخر سلطة متفردة واحدة غالبة غير قابلة للتصدع مدعومة من هيمنة عثمانية في غالب الدول العربية حتى شمال افريقيا والمناطق الداخلية البعيدة نسبياً عن البحر المتوسط ومدن الساحل المتوسطي الذي يطبعه وجود ديني وطائفي متجذر وممتزج بالوجود التركي الذي كان يقاوم في البداية وفقاً لقاعدة الصراع القومي بين العرب والأتراك الذين مارسوا سياسة التتريك في المناهج العلمية والثقافية العامة وحتى إشتراطات الدين والمذهب من خلال تكريس الفكر الصوفي المتماهي مع الدولة وغير الراغب في المواجهة لأنه يعتمد الروحانية الخالصة البعيدة عن المنافسة والتي تقترب وتبتعد وفقاً لمزاج خاص مع المذاهب الدينية في الجسد الإسلامي ما سمح بتهدئة الأوضاع بين جماعات فكرية والسلطة العثمانية مع أن الوازع القومي كان يتصاعد في الجغرافيا التركية حتى إنهيار الخلافة العثمانية وصعود التيار الأتاتوركي الذي دفع بالدين خارج مساحة التاثير ودعم الثقافة التركية القومية الممتزجة مع العلمانية الحديثة المتأثرة بأوربا وتداعيات التحولات الكبرى فيها منذ الثورة الفرنسية التي غيرت وجه العالم .
ومع إنهيار الوجود التركي ودخول القوات البريطانية من جنوب العراق في العام 1916 وترسخه عام 1917 بإحتلال بغداد وقيام المملكة الهاشمية التي كرست هيمنة دينية خالصة لم تسمح لجغرافيا الجنوب العراقي من النهوض لكن بمرور الوقت وتجذر الثقافة الدينية والإنفتاح الثقافي وظهور الإعلام بشكله الجديد وتأسيس برلمان ونظام حكم ملكي ووزارات راعية لشؤون الدولة .

كانت هيمنة بغداد على الجنوب تتآكل ببطء رهيب يشبه التحولات المناخية أو ذوبان الجليد في القطبين وإرتفاع درجة حرارة الكوكب رويداً رويداً وهنا كان صعود الجنوب من خلال زيادة السكان ونزوحهم نحو المركز ومدن الفرات الأوسط وقيام ثقافة متجذرة من خلال نشوء الحوزات الدينية وظهور فئات إجتماعية تشتغل في التجارة والسياسة والثقافة وكان الثقل السكاني في بغداد يتحول تدريجياً رغم محاولات نظام صدام حسين منع ذلك وإصدار قوانين وتشريعات لا تتيح الإنتقال أو التملك في بغداد وبرغم أن القانون كان شاملاً للمحافظات كافة لكنه كان واضحاً في قصديته لسكان الجنوب والفرات الأوسط الذي يتمثل فيه ثقل السكان الذين تمكنوا من الإنتقال بنسبة كبيرة إلى ضواحي العاصمة وما إن إنهار نظام صدام حسين حتى وجدنا أن الحكم والنفوذ والهيمنة السياسية والإقتصادية تحول من شمال وغرب ووسط العراق إلى الجنوب الفاعل والمتحفز والمنتظر لتلك اللحظة التاريخية .
بدأ الصعود السياسي والإقتصادي والثقافي المدعوم من اغلبية سكانية متصاعدة ونسبة إنجاب عالية أدت إلى سطوة وهيمنة كبرى للجنوب العراقي على بقية الجغرافيا العراقية .
كان صدام حسين يتعمد في مناسبات عدة أن يتوجه إلى تكريت مملكته الخاصة وعاصمتها قرية العوجة ليمارس رقصة الجوبي في المناسبات المختلفة وكان يبعث بإشارات الإهتمام والأفضلية من خلال تغليب تكريت والعوجة إقتصادياً وسياسياً وثقافياً وحتى من خلال اللهجة التي بدأ العديد من العراقيين بنطقها على قاعدة : ( عجل يابا .. هينه .. يولو ) وبدأت سلطة القرية تتكرس في العاصمة العتيدة بغداد التي تمتزج فيها اللغات واللهجات والثقافات ، لم يجرؤ أي رئيس وزراء على إرسال إشارات التحدي والنظرة بإعتزاز بمحافظات الجنوب كما فعل رئيس الوزراء محمد شياع السوداني الذي جال بلباس عربي تقليدي على مضايف محافظة ميسان وصلى صلاة عيد الفطر وزار أسرها وتوغل في نواحيها ومعروف عن ميسان أنها المحافظة الأكثر معاناة من سطوة البعث والسلطة المهيمنة التي جعلت الجنوب يتراجع ويتخلف ويتحول إلى نكتة وسخرية ونوع من القمع غير المسوق .
التحولات السياسية الكبرى في العراق في هذا القرن تنسف أربعة عشر قرناً من هيمنة الرأي الواحد والفكر الواحد ولعل زيارة السوداني إلى ميسان مسقط رأسه دليل على نوع التحول ومداه وإلى أين يذهب .

Fialhmdany19572021@gam

فراس الغضبان الحمداني

مقالات مشابهة

  • تراجع سعر الجنيه الذهب اليوم الأربعاء 2 أبريل 2025
  • بغداد تترنح بين الشرق والغرب.. من سيظفر بـكنز العراق الضائع؟
  • الحكيم والسفير الإيراني يبحثان الاستقرار في المنطقة
  • خارطة الأرض السوداء.. آلاف الألغام تهدد شرق العراق
  • على وقع تراجع أصوات التحرير.. مفارقة قاتلة: الطبقة السياسية تستنجد بالأمريكان لا تتركونا - عاجل
  • من العوجة إلى ميسان رحلة تحول الحكم الكبرى
  • عمرو زكي يحتفل بعيد ميلاده الـ42 اليوم
  • برلمانية تكشف أبرز الرسائل التي أطلقتها القوي السياسية والشعبية حفاظاً علي أمننا القومي
  • تراجع تربية النحل في العراق يهدد التنوع البيئي