الجزيرة:
2025-04-03@09:01:12 GMT

خطط إسرائيل الخفيّة في السويداء

تاريخ النشر: 1st, April 2025 GMT

خطط إسرائيل الخفيّة في السويداء

الزيارة التي قام بها وفد ديني درزي إلى إسرائيل في 15 مارس/ آذار 2025 لم تكن سوى الشرارة التي أعادت إشعال المشروع الإسرائيلي لتوظيف الأقليات والجماعات العرقية والدينية في تقسيم المنطقة العربية.

وفي فقه السياسة المجردة، قد تُعتبر هذه الخطوة بداية لإستراتيجية تهدف إلى مزيد من الضغط على حكومة أحمد الشرع، التي باتت تل أبيب تعتبرها تهديدًا مستقبليًا لمشروعها الاستيطاني في المنطقة العربية.

إسرائيل وتحالف الأقليات

أكد منظمو زيارة الوفد الدرزي من السويداء والقنيطرة، أن زيارتهم لا تحمل أي دلالات سياسية، وإنما الغاية تعزيز الروابط بين دروز سوريا وفلسطين والتي انقطعت منذ خمسين عامًا، حينما منع الرئيس حافظ الأسد وابنه بشار الزيارات على جانبي الحدود بين أبناء العمومة في القنيطرة والسويداء وأقاربهم في الجولان المحتل.

ولكن الإعلام الإسرائيلي، ومراكز القوى في إسرائيل ضخّمت الحدث، وسعت إلى توظيفه في إطار السياسة الإسرائيلية القديمة التي أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن إعادة تفعيلها تحت ستار (تحالف الأقليات)، حيث أعلن في ضوئها أنه سيتدخل لحماية الدروز ليس في إسرائيل، وإنما في سوريا.

فهل ستشهد المرحلة المقبلة توظيفًا واستغلالًا للدروز ضد وحدة سوريا؟ وهل من الممكن أن تتوسع سياسة إسرائيل نحو جماعات دينية متذمّرة من تغيير النظام في سوريا، كالعلويين، الذين تضرّروا من التغيير في سوريا وفقدوا السلطة، وأعلنوا العداء للنظام كما اتّضح في أحداث السّاحل الأخيرة!

إعلان

لا شك أن توظيف إسرائيل ملفَّ الأقليات ليس بجديد، فقد أعلنت منذ نهاية السبعينيات عن مشروعها حول تحالف الأقليات في الشرق الأوسط، ونشر الصحفي الإستراتيجي الإسرائيلي أوديد ينون في فبراير/شباط 1982، وثيقة بعنوان "الخطة الصهيونية للشرق الأوسط في الثمانينيات"، والتي تستند إلى رؤية مؤسّس الصهيونية ثيودور هيرتزل مطلع القرن الماضي، ومؤسسي الكيان الصهيوني، ومن بينهم بن غوريون، والمتعلقة بإقامة "إسرائيل الكبرى".

بُنيت هذه الإستراتيجية على تكثيف الاستيطان بالضفة الغربية، وطرد الفلسطينيين من جميع الأراضي الفلسطينية، وتهجيرهم بالحرب والتجويع والحصار؛ تمهيدًا لضم الضفة وقطاع غزة لإسرائيل، تمامًا مثلما يحصل الآن في غزة والضفة.

وقد شكلت تلك الخطة حجر الزاوية في رؤية القوى السياسية الصهيونية وبضمنها حكومة بنيامين نتنياهو، وكذلك في سياسات مؤسستَي الجيش والاستخبارات الإسرائيليتَين.

وفقًا للخطة الصهيونية فإن الأقليات ستكون سندًا أساسيًا للسياسة الصهيونية. إذ إنّ الاستبداد العربي، واحتكار السلطة، وعدم قدرة العقلية العربية على استيعاب الآخر المختلف دينيًا وعرقيًا، ستدفع بالأقليات والجماعات الدينية إلى أن يكونوا حلفاء طبيعيين لإسرائيل، وعلى سياسيي الدولة العِبرية توظيف التذمّر لدى أبناء الأقليات؛ لتمرير سياساتهم في تمزيق المنطقة العربية.

ورغم تبدّل الحكومات الإسرائيلية وحروبها المستمرة حيال الفلسطينيين، وفي لبنان، بقيت هذه الإستراتيجية قائمة، وظلت إسرائيل تتحين الفرصة لتنفيذها في أي لحظة ضعف أو انهيار في النظام الإقليمي العربي.

وقد شكّلت لحظة سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/ كانون الأوّل 2024، فرصة تاريخية لإسرائيل لتنفيذ إستراتيجيتها عبر استثمار حالة الفوضى في الأمن، وانهيار الجيش السوري لقضم مساحات واسعة من الجنوب السوري، وحاولت استغلال الانقسامات الداخلية، وهواجس بعض الجماعات الدينية، لكسب ثقة الدروز والأكراد والمسيحيين والعلويين، فهدّدت بالتدخل لحماية الدروز من النظام الجديد في سوريا.

إعلان

وحسب صحيفة وول ستريت جورنال الأميركيّة، فإنّ إسرائيل تسعى إلى تعزيز قناعات الدروز برفض السلطة السورية الجديدة، والمطالبة بحكم ذاتي فدرالي، وتخطط لضخّ مليار دولار لتحقيق هذا الهدف.

وقد أكّد وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أن إسرائيل لديها تحالف مع الدروز، وعلينا دومًا مساعدتهم، في حين صرّح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، بأنّه سيُسمح للعمال الدروز القادمين من سوريا بدخول إسرائيل.

وضمن هذا الخُطة نقلت إسرائيل ما يزيد عن عشرة آلاف سلة غذائية للدروز في السويداء، وبعض القرى المحاذية لحدود إسرائيل.

الدروز والهوية العربية

ينحدر الدروز من قبائل عربية، ولسانهم وعاداتهم عربية إسلامية، ولهم فلسفتهم الدينية وشعائرهم التي يتميزون بها عن بقية الطوائف الإسلامية الأخرى، ويؤكد تاريخهم أنهم ساهموا في غالب المنازلات الوطنية الكبرى ضد الاستعمار في سوريا ولبنان وفلسطين.

ولا يزال التيار العروبي القومي يشكل ثقلًا كبيرًا داخل الطائفة الدرزية، وهذا الثقل التاريخي رسمت معالمه مساهماتهم الفعالة في حركة التحرر والبناء الوطني في سوريا، ولبنان، حيث تقدّمت شخصيات سياسية واجتماعية، لعبت دورًا في تاريخ النضال السوري، مثل سلطان باشا الأطرش، وفارس الخوري، وكمال جنبلاط، ولم تظهر منهم طوال تاريخهم في سوريا أي نوازع انفصالية، وطالما عارضوا المشاريع الصهيونية لتقسيم سوريا.

بيدَ أن سقوط النظام ومجيء حكومة ذات لون إسلامي، والخطاب الذي بثته بعض الجماعات الإسلامية المتحالفة مع النظام، فضلًا عن أثر أحداث الساحل السوري الأخيرة على الأمن المجتمعي، قد انعكس ذلك برسائل سلبية، على واقع الدروز، عبّر عنها رئيس الطائفة الدرزية موفق طريف بتصريحات تعبّر عن مخاوف واضحة من النظام الجديد، وتحديدًا رئيسه أحمد الشرع، حيث قال: إنه لا وفاق ولا توافق مع الحكومة السورية الجديدة التي وصفها بالمتطرّفة ولا يمكن التفاهم معها.

إعلان

هذا التصريح من أكبر رجال الدين الدروز، فتح الباب لشخصيات درزية طامعة في الظهور إلى إطلاق تصريحات مماثلة، ولكن هذه المرّة بتشجيع التطبيع مع إسرائيل، وهي المرّة الأولى التي يظهر فيها بعض الدروز بصورة المتعاون مع ما كانوا يعتبرونه محرمًا على هُويتهم الوطنية وانتمائهم القومي.

فقد صرّح مالك أبو الخير، الأمين العام لحزب اللواء السوري في السويداء، بأن الزيارة التي قام بها وفد ديني درزي لإسرائيل، هي "تمهيد للعلاقات بين سوريا وإسرائيل"، وأن هذه العملية ستتمّ بشكل تدريجي وتشمل جميع الطوائف، ولن تقتصر على الدروز فقط.

والواضح أن الهيمنة الإسرائيلية على مناطق جنوب سوريا، والتأييد الأميركي لسياسات نتنياهو، سيتركان مساحة لظهور قوى سياسية وشخصيات اجتماعية درزية مؤيدة للسياسة الصهيونية في حماية سكان جنوب سوريا.

وهذا إن حصل فسيكون على حساب الصوت العروبي والتاريخ الوطني للدروز، وهو ما حذّر منه الزعيم اللبناني وليد جنبلاط، حيث يسعى الاختراق الفكري الصهيوني، إلى استخدام بعض الدروز كإسفين إسرائيلي لتقسيم سوريا والمنطقة العربية تحت شعار "تحالف الأقليات"، وهو المشروع الذي عارضه والده كمال جنبلاط ودفع حياته ثمنًا لذلك.

موقف الحكومة

لا يزال الموقف السياسي الرسمي حيال الإستراتيجية الصهيونية يتسم بالضعف وعدم الوضوح، وربما يعود ذلك إلى انشغال حكومة أحمد الشرع بملفات أخرى تعتبرها أكثر أهمية.

إضافة إلى ذلك، يبدو أن الشرع يفضّل تجنّب أي اهتمام بهذا الملف، حتى لا يمنح إسرائيل ذريعة لتكرار زيارة وفود من جماعات دينية سورية شاردة ومعارضة، مثل العلويين في الساحل، الذين ربما أصبحوا بعد الأحداث الأخيرة أكثر استعدادًا للتعاون مع أي حليف يهدد أو يقوض سلطة النظام الجديد في سوريا.

المطلوب من النظام هو مزيد من الحكمة في التعامل مع جنوح بعض الشخصيات الدينية والإعلامية والاجتماعية التي باتت تؤثر علانية التعامل مع إسرائيل ضد الأمن السوري، ففتح جبهات ثانوية سيكون مرهقًا للنظام، والمطلوب من حكومة الشرع البدء بنهج جديد للتعامل السلمي مع مناطق الأقليات، ومنهم الدروز، عبر إعادة إعمار مناطقهم وتشجيع المشاريع الزراعية والصناعية الصغيرة والمتوسطة المدرّة للدخل، ومعالجة مشكلات البطالة والفقر والهجرة المتصاعدة في مناطقهم.

إعلان

فمناطق الدروز تشهد هجرات متواصلة إلى خارج سوريا، ولهم جاليات كبيرة في أميركا اللاتينية، ومن الملحّ في هذه الفترة، الإسراع بإرسال وفود حكومية من شخصيات درزية موالية لمناقشة مخاوف السكان من النظام الجديد، والبدء بجملة من السياسات الاجتماعية التي تطمئنّ السكان حول مستقبلهم، مثل فتح باب التطوع لأبناء الطائفة للانضمام إلى الجيش السوري الجديد، والأجهزة الأمنية والإدارية، والقيام بحملة تعيينات لحمَلة الشهادات من أبناء المناطق الدرزية، وإبعاد الأصوات المتشددة داخل المؤسسة السياسية والأمنية السورية، والتي تثير بتصريحاتها وممارساتها مخاوف الدروز وغيرهم من الطوائف السورية الأخرى حول مستقبل وجودها وتمثيلها في الواقع السوري الجديد.

إن مستقبل سوريا واستقرارها السياسي يعتمدان، بلا شك، على ما يعتمده النظام الجديد من سياسات تليق بتاريخها العريق، وحاضرها المعقد.

ينبغي للنظام الجديد أن يكون بمثابة البوصلة التي يلتفّ حولها الجميع، وصولًا إلى الاستقرار والتنمية. وهو ما يتطلب حكمة سياسية بعيدة المدى، تقوم على تعزيز التضامن الوطني، وترسيخ قيم المشاركة والعدالة بين السوريين بلا استثناء.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

المصدر: الجزيرة

كلمات دلالية: حريات رمضان تحالف الأقلیات النظام الجدید من النظام فی سوریا

إقرأ أيضاً:

إسرائيل تعلّق دخول عمال سوريين دروز للعمل فيها

علّقت الحكومة الإسرائيلية دخول عمال سوريين دروز من جنوب سوريا للعمل في إسرائيل، وذلك بعد نحو شهر من إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس عن خطة لاستقدام عشرات العمال الدروز للعمل في إسرائيل.

وقالت هيئة البث الإسرائيلية إن قرارا صدر عن القيادة السياسية ألغى دخول عمال سوريين من القرى الدرزية في جنوب سوريا للعمل داخل إسرائيل، وذلك رغم الاستعدادات المتقدمة لتنفيذ الخطوة.

كما ذكرت القناة الـ12 الإسرائيلية أن الحكومة الإسرائيلية علّقت دخول العمال الدروز من سوريا بعد معارضة أحد الأجهزة الأمنية.

ويأتي هذا القرار بعد نحو شهر على إعلان كاتس أن إسرائيل تستعد لاستقدام عشرات العمال الدروز من سوريا داخل إسرائيل، مشيرا حينها إلى أن إسرائيل ستعمل على حماية الدروز في سوريا من أي تهديد.

وكانت الخطة تقضي -حسب ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية- بإدخال عشرات العمال من القرى الدرزية للعمل بالزراعة والبناء تحديدا في منطقة الجولان السوري المحتل؛ بهدف تعزيز العلاقة مع السكان المحليين في القرى القريبة من الحدود لدواعٍ إنسانية وأمنية في آنٍ واحد، على حد زعمهم.

وحسب اقتراح كاتس، فقد كان سيتم استقدام العمال من البلدات الدرزية في جنوبي سوريا بأجر يومي يتراوح بين 75 إلى 100 دولار، للعمل لمدة 8 ساعات، ومن ثم العودة إلى قراهم مع نهاية يوم الدوام.

إعلان

وكان بنيامين نتنياهو ووزير دفاعه أصدرا تعليمات للجيش الإسرائيلي في مطلع الشهر الماضي "بحماية سكان مدينة جرمانا"، وقال ديوان نتنياهو -في بيان- إنه لن يسمح لما وصفه بـ"النظام الإسلامي المتطرف في سوريا بالمساس بالدروز"، مضيفا أنه "سيضرب النظام السوري حال مساسه بهم في جرمانا".

وفي 15 مارس/آذار الماضي اختتم وفد من مشايخ الدروز السوريين، يضم 100 شخصية، زيارة إلى مرتفعات الجولان المحتل التي تحتلها إسرائيل، واستغرقت الزيارة، التي تعتبر الأولى من نوعها منذ 52 عاما، يومين، زاروا خلالها بلدة مجدل شمس في الجولان المحتل، ومقام النبي شعيب في بلدة جولس بالقرب من طبريا، حسب وكالات الأنباء.

مقالات مشابهة

  • العفو الدولية: المذابح التي ارتكبتها الجماعات التكفيرية في الساحل السوري “جرائم حرب”
  • زيارة أبنائهم الراحلين.. من طقوس العيد التي استعادتها أسر شهداء الثورة
  • مغازلة أقليات الشرق الأوسط.. تل أبيب تسعى لاحتواء الأقليات كحلفاء محتملين ومصادر للعمالة وحواجز فى وجه القومية العربية
  • إسرائيل تعلق دخول العمال الدروز من سوريا لأسباب أمنية
  • الاحتلال يقرر إلغاء دخول عمال دروز من جنوب سوريا في اللحظات الأخيرة
  • إسرائيل تعلّق دخول عمال سوريين دروز للعمل فيها
  • إسرائيل تتراجع عن السماح بدخول العمال الدروز من سوريا
  • خبير إسرائيلي يزعم تمركز حماس في سوريا وسط ضعف سيطرة النظام الجديد
  • إسرائيل ترى الرئيس السوري الجديد عدوًّا