هل حسم ترامب أمره تجاه الإدارة السورية الجديدة؟
تاريخ النشر: 31st, March 2025 GMT
يبدو أنّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لم تحسم بعدُ موقفها من التغيير الحاصل في سوريا بعد سقوط نظام الأسد في الثامن من ديسمبر/ كانون الأوّل الماضي، حيث لم تواصل سياسة الانفتاح على الإدارة الجديدة في سوريا، التي بدأتها إدارة الرئيس السابق جو بايدن، وجسدتها في خطوات عديدة.
حيث كان لافتًا مسارعة الولايات المتحدة إلى التعبير عن ارتياحها لسقوط نظام الأسد البائد، ثم رحب الرئيس الأميركي – في وقتها – جو بايدن بسقوط هذا النظام، وأصدر بعده وزير الخارجية الأميركي السابق بيانًا أعاد فيه تأكيد الولايات المتحدة على دعمها الكامل لعملية انتقال السلطة السياسية بقيادة سورية جديدة.
وأورد شروطًا تحدد طريقة تعامل بلاده مع الإدارة السورية الجديدة، والتي لخصها في احترام حقوق الأقليات، وتسهيل تدفُّق المساعدات الإنسانية إلى كافة المحتاجين، ومنع استخدام سوريا قاعدة للإرهاب أو محطّ تهديد لجيرانها، وضمان تأمين كافة مخزونات الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وتدميرها بشكل آمن.
وفي سياق دعم التغيير الحاصل في سوريا، طلبت الخارجية الأميركية من كافة الدول الامتناع عن التدخل الخارجي في شؤون سوريا، وأبدت استعداد واشنطن "لتوفير كامل الدعم المناسب لكافة المجتمعات والدوائر الانتخابية السورية المختلفة".
إعلانثم أوفدت إدارة بايدن مساعدة وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأوسط، باربرا ليف، والتقت مع أحمد الشرع في 20 ديسمبر/ كانون الأول 2024، وتزامن ذلك مع إلغاء واشنطن مكافأة القبض على الشرع، التي كانت تقدر بعشرة ملايين دولار، بعد تأكيدها أنه بدا في صورة "رجل عملي".
ثم اتخذت واشنطن مجموعة من الإجراءات والاستثناءات حول العقوبات المفروضة على سوريا، كان أولها وأبرزها قرار وزارة الخزانة الأميركية في السادس من يناير/ كانون الثاني الماضي، القاضي برفع جزئيّ عن العقوبات المفروضة على سوريا لمدة ستة أشهر، وذلك "للمساعدة في ضمان عدم عرقلة العقوبات للخدمات الأساسية واستمرارية وظائف الحكم في جميع أنحاء سوريا، بما في ذلك توفير الكهرباء والطاقة والمياه والصرف الصحي".
لم تتخذ الإدارة الأميركية السابقة جملة هذه المواقف جزافًا، بل لأن سقوط نظام الأسد البائد حقق لها رغبة كانت تسعى إليها جاهدة، وهي تحجيم نفوذ النظام الإيراني في سوريا، حيث إن إسقاط الأسد، قضى على النفوذ الإيراني كليًا في سوريا، وقطع شريان التواصل ما بين طهران والضاحية الجنوبية في بيروت، ولم تعد سوريا ممرًا للأسلحة الإيرانية إلى حزب الله الإيراني، لذلك من الطبيعي أن تنفتح الولايات المتحدة على الإدارة السورية الجديدة.
بالمقابل، ظهرت مؤشرات متضاربة حول موقف الإدارة الأميركية من الإدارة الجديدة في سوريا، فهناك شخصيات قيادية في الكونغرس الأميركي، ومن الحزبين؛ الجمهوري والديمقراطي، تطالب بتخفيف العقوبات الاقتصادية المفروضة على سوريا، لا سيما العقوبات القطاعية.
فيما أظهر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو موقفًا متشددًا، حين تحدث عن أن "السلطة أصبحت متركّزة بيد شخص واحد، وهذا غير صحي"، وأكد أن الولايات المتحدة تراقب الوضع في سوريا، ولن تعمل على رفع العقوبات قريبًا.
ثم أعلن في بيان أصدره عن تنديد "الولايات المتحدة بإرهابيين إسلاميين متطرفين، من بينهم متشددون أجانب، قتلوا أشخاصًا في غرب سوريا"، وطالب السلطات المؤقتة في سوريا بمحاسبة مرتكبي المجازر ضد المجتمعات الأقلية في سوريا.
وفي نفس السياق، ذهبت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأميركية تامي بروس، إلى أن واشنطن ما تزال تراقب تصرفات السلطات الجديدة، والخطوات التي تتخذها، وأنها ستحدد سياستها المستقبلية بناء على ما ستقوم به السلطات المؤقتة من خطوات في عدد من القضايا، وتُواصل في نفس الوقت دعوتها إلى حكومة شاملة بقيادة مدنية في سوريا.
إعلانأما مبعوث الرئيس ترامب إلى الشرق الأوسط ستيف ويتكوف، فقد ربط الموقف الأميركي مع التطبيع الإسرائيلي مع كل لبنان وسوريا. وهو ربط لافت وخطير، كونه يعبر عن كنه السياسة الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، التي تأخذ أولًا وقبل أي شيء مصالح إسرائيل وأمن إسرائيل، كما يشي بأن هاجس أمن إسرائيل يشكل أولوية بالنسبة إلى إدارة ترامب، وأنه من الممكن لهذه الإدارة أن تساوم السلطات السورية المؤقتة في مقايضة، تقوم على التطبيع مع إسرائيل، وعقد اتفاقية سلام مذلة معها، مقابل رفع تدريجي للعقوبات الاقتصادية الأميركية المفروضة على سوريا.
لذلك ليس صدفة أن يتحدث ويتكوف عن ضرورة ضمان أمن إسرائيل، لأنه يعكس ما تريده بالفعل الولايات المتحدة من السلطات السورية الجديدة بعيدًا عن الشروط المعلنة، والادعاءات المستخدمة لتغطية أهدافها الحقيقية، فالأمر يتعلق بتقديم ضمانات لأمن إسرائيل أولًا وقبل كل شيء، وبما يفضي إلى تجريد سوريا من ممكنات تحوّلها إلى قوة عسكرية مستقبلًا، وهو ما تقوم به إسرائيل عبر عملياتها العسكرية العدوانية، التي لم تتوقف منذ سقوط نظام الأسد البائد، سواء عبر عمليات قصف المواقع والأصول العسكرية للجيش السوري السابق، أو عبر التوغلات المستمرّة واحتلال المنطقة العازلة.
اللافت هو أنَّ الاتفاق الذي وقع مؤخرًا بين الرئيس أحمد الشرع ورئيس قوات سوريا الديمقراطية (قسَد) مظلوم عبدي، تمّ بوساطة أميركية شبه علنية، حيث لعب قادة عسكريون أميركيون دورًا هامًا في دفع عبدي للقبول بإدماج كافة المؤسسات العسكرية والمدنية في مناطق شرقي الفرات ضمن الجسد السوري، بما فيها المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز.
وهو الأمر الذي يعكس وجود تيار في الإدارة الأميركية يدفع باتجاه وحدة الأرض السورية وسيادة الدولة السورية الجديدة على كامل أراضيها، وبما يدعم وحدتها واستقرارها، ويمنح الولايات المتحدة دورًا في تشكيل مستقبلها، في ظل تواتر الحديث عن استعدادات الإدارة الأميركية لسحب قوات بلادها من سوريا.
إعلانوبالتالي ترى هذه الإدارة أن أي لعب باستقرار سوريا الجديدة في الوقت الراهن يحمل معه إمكانية عودة النفوذ الإيراني بشكل أو بآخر، وهو ما يعمل على تجنّبه صنّاع القرار في واشنطن، الذين باتوا يتبنون سياسة تدعم ذلك، مقرونة بشروط عديدة لتوجيه عملية الانتقال في سوريا، بشكل يفترق عن سلوك النظام البائد، القائم على القمع ومركزة السلطة، وتسهم في إشراك مختلف المكوّنات الاجتماعية السورية في العملية السياسية الانتقالية.
السؤال الأكبر بالنسبة إلى السوريين، هو استمرار العقوبات الأميركية على سوريا، التي تعيق كلّ الجهود الرامية إلى تحسين الأوضاع المعيشية للشعب السوري، وتعيق جهود التعافي المبكّر، فضلًا عن إعاقتها تدفق الاستثمارات اللازمة من أجل الشروع في إعادة إعمار ما هدمه نظام الأسد البائد.
ويبدو أنّ البيت الأبيض قد يمضي نحو انفتاح أوسع في العلاقة مع السلطات السورية الانتقالية، ويُفترض أن يشمل ذلك تخفيفًا تدريجيًا للعقوبات الأميركية، لكن الشروط الأميركية المعلنة لرفع العقوبات تشمل تدمير أي مخزونات متبقية من الأسلحة الكيماوية، والتعاون في مجال مكافحة الإرهاب، وعدم تعيين مقاتلين أجانب في مواقع عسكرية قيادية، وذلك في ضوء تعيينات سابقة أثارت قلقًا دوليًا، وشملت مقاتلين إيغورًا وأردنيين وأتراكًا في وزارة الدفاع السورية، إضافة إلى تعيين جهة اتصال سورية لمساعدة الولايات المتحدة في جهودها للعثور على الصحفي الأميركي أوستن تايس، المفقود في سوريا منذ أكثر من عقد من الزمن.
المشكلة ليست في الشروط الأميركية المعلنة، وحتى الأوروبية، بل في ممكنات استخدامها كوسيلة ابتزاز للسلطة الجديدة، وليس للتأثير فقط على سير العملية الانتقالية.
وبالتالي فإن ذلك يزيد حجم التحديات التي تواجهها، خاصة أن الإدارة السورية الجديدة، بالرغم من أنها أرسلت العديد من الإشارات الإيجابية، المطمئنة للداخل السوري وللخارج أيضًا، وقدمت صورة تبتعد عن نماذج الحكم الإسلامية المتشددة، فإن ثمة أخطاء ترتكب، حيث ما تزال أغلب مؤسسات الدولة الناشئة تمتلئ إداراتها بلون واحد، وأسهمت أحداث الساحل والانتهاكات في زيادة الارتباك، وفقدان الثقة بين مختلف المكونات الدينية والمذهبية السورية.
إعلانكما أن الإعلان الدستوري منح صلاحيات مطلقة للرئيس، وقوبل ذلك بانتقادات داخلية وخارجية واسعة، وبالتالي، فإن المطلوب سوريًا هو تحصين الوضع الداخلي.
لا شك في أن المواقف الأميركية حيال سوريا الجديدة تتصل بالمواقف الإقليمية والدولية، وخاصة المواقف الأوروبية والتفاهمات الأميركية الروسية، خاصة أن سوريا حاضرة بقوة في الاتصالات الأميركية الروسية، التي جرت مؤخرًا.
ولعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تعرّف على النهج الذي من المتوقع أن تبلوره إدارة الرئيس ترامب قريبًا بخصوص سوريا، وربما بناء عليه بعث برسالته إلى الرئيس السوري أحمد الشرع في 20 مارس/ آذار الجاري، وأبدى فيها استعداده لانفتاح أكبر على السلطات السورية الجديدة، بما يتوافق مع الرؤية الأميركية الروسية المشتركة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
aj-logoaj-logoaj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+تابع الجزيرة نت على:
facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineالمصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رمضان الإدارة السوریة الجدیدة المفروضة على سوریا الإدارة الأمیرکیة الخارجیة الأمیرکی نظام الأسد البائد الولایات المتحدة السلطات السوریة فی سوریا
إقرأ أيضاً:
واشنطن: نأمل أن تكون الحكومة السورية الجديدة شاملة وتمثل للجميع
واشنطن – أعربت وزارة الخارجية الأمريكية، امس الاثنين، عن أملها أن تكون الحكومة الجديدة في سوريا “شاملة وممثلة للجميع وخطوة إيجابية” للبلاد.
جاء ذلك على لسان متحدثة الخارجية تامي بروس، في مؤتمر صحفي، اليوم.
وأوضحت بروس أن الشعب السوري عانى من القمع لسنوات تحت نظام الأسد “الاستبدادي”، وقالت: “نأمل أن تكون الحكومة الجديدة شاملة وتمثل الجميع وخطوة إيجابية لسوريا”.
وأشارت إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية ستواصل مراقبة التطورات من أجل رفع العقوبات.
وأضافت: “لتحقيق ذلك، يتعين على السلطات السورية رفض الإرهاب وقمعه بشكل كامل، ومنع منح الإرهابيين الأجانب مناصب رسمية، ومنع إيران والجماعات التابعة لها من استغلال استخدام الأراضي السورية”.
ومن ضمن الشروط أيضا “تدمير الأسلحة الكيميائية لنظام الأسد، والمساعدة في العثور على المواطنين الأمريكيين وغيرهم من المفقودين في سوريا، وتوفير الأمن والحرية للأقليات الدينية والعرقية”.
ومساء السبت، أعلن الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية أحمد الشرع، من قصر الرئاسة بدمشق، تشكيل حكومة جديدة لتحل محل حكومة تصريف الأعمال.
وتضم الحكومة الجديدة 23 وزيرا، بينهم سيدة واحدة و5 من الحكومة الانتقالية التي تشكلت في 10 ديسمبر/ كانون الأول 2024 لتسيير أمور البلاد عقب الإطاحة بنظام الرئيس المخلوع بشار الأسد.
وفي 8 ديسمبر الماضي، بسطت فصائل سورية سيطرتها على دمشق بعد أيام من السيطرة على مدن أخرى، منهية 61 عاما من حكم حزب البعث الدموي و53 سنة من حكم عائلة الأسد.
وأعلنت الإدارة السورية، في 29 يناير/ كانون الثاني 2025، الشرع رئيسا للبلاد بالمرحلة الانتقالية، وإلغاء العمل بالدستور، وحل الفصائل المسلحة والأجهزة الأمنية ومجلس الشعب (البرلمان) وحزب البعث.
ووقَّع الشرع، في 13 مارس/ آذار الجاري، إعلانا دستوريا يحدد المرحلة الانتقالية في البلاد بمدة خمس سنوات.
وفي اليوم ذاته، قالت لجنة الخبراء المكلفة بصياغة الإعلان الدستوري، في مؤتمر صحفي، إنها اعتمدت في صياغته على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني.
الأناضول