صواريخ الاحتلال تقتل فرحة العيد بغزة في يومه الأول
تاريخ النشر: 31st, March 2025 GMT
غزة- تلطخت ملابس الأطفال الجديدة التي ارتدوها في أول أيام عيد الفطر بلون الدم القاني، بعدما وصلوا لتلقي العلاج في مجمع ناصر الطبي، إثر إصابتهم بشظايا صاروخ إسرائيلي استهدف خيام النازحين غربي مدينة خان يونس.
كانت لحظات صعبة غابت فيها ضحكات الأطفال، وتبدلت فرحتهم بصرخات ألم، وسيطرت عليهم علامات الفزع وهم يبحثون عن ذويهم بعدما تفرق جمعهم.
على جانب آخر من المستشفى، أطبق الصمت حول جثامين مسعفي الهلال الأحمر الفلسطيني والدفاع المدني الذين تمكنت الطواقم المختصة من انتشالهم، بعدما أعدمتهم قوات الاحتلال الإسرائيلي قبل 8 أيام في أثناء استجابتهم لنداء استغاثة أطلقته العائلات المحاصرة غربي محافظة رفح.
مَر اليوم الأول من العيد ثقيلا على قطاع غزة، الذي ودّع فيه أكثر من 50 شهيدا سرق الاحتلال حياتهم، وأطفأ البهجة من قلوب ذويهم.
تبدو التفاصيل قاسية في العيد الثالث الذي يمر على الفلسطينيين وهم في أتون الحرب، حيث غابت تكبيرات العيد عن معظم مساجد غزة المدمرة، في حين تمكن عدد قليل من إقامة الصلاة داخل مراكز الإيواء على عجل، خشية من قذائف الاحتلال التي عمّت المناطق الشمالية والشرقية والجنوبية لقطاع غزة.
إعلانوفي مقبرة الفالوجا غرب مخيم جباليا، تجمع عدد من ذوي الشهداء حول قبور أبنائهم التي جاؤوا لزيارتها، بعدما غيبتهم آلة العدوان الإسرائيلية وافتقدوهم في "لمة العيد".
يقول الشاب حسن وهو يغادر أسوار المقبرة: "فقدت خلال الحرب اثنين من إخوتي، و15 شهيدا من الدرجة الأولى، والمناسبات تفتح جروحا غائرة تركها عدوان الاحتلال ولا يمكن لها أن تندمل".
ويشير حسن -في حديثه للجزيرة نت- إلى أن "الحزن لم يفارق ذوي الشهداء، وفي كل بيت تفاصيل مؤلمة من الفقد ليس من السهل تجاوزها".
حصار مطبقغابت مظاهر العيد عن قطاع غزة الذي تفرض عليه قوات الاحتلال الإسرائيلي حصارا مطبقا منذ الأول من مارس/آذار الحالي، بعد انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وحال إغلاق المعابر دون توفر أيّ من السلع الأساسية في الأسواق.
واعتاد معظم أهالي غزة تناول السمك المملح "الفسيخ" في وجبة الإفطار صباح اليوم الأول للعيد، لكن إغلاق المعابر اضطرهم لاستبداله بمواد غذائية معلبة، بدأت تشح من الأسواق.
وتغيب أي من اللحوم الحمراء والدواجن عن موائد الفلسطينيين في قطاع غزة، في حين اضطرت جميع المطاعم التي اعتاد الأطفال التردد عليها في الأعياد إلى إغلاق أبوابها.
وبموجب البروتوكول الإنساني المتعلق باتفاق وقف إطلاق النار، كان من المفترض دخول 600 شاحنة مساعدات يوميا و50 شاحنة وقود، غير أن الاحتلال منع منذ بداية الشهر الحالي دخول ما مجموعه 18 ألف شاحنة مساعدات، و1500 شاحنة وقود، مما فاقم الكارثة الإنسانية التي تهدد حياة 2.4 مليون فلسطيني، متسببا في انعدام الأمن الغذائي لأكثر من 85% من سكان غزة بسبب توقف المساعدات والمبادرات الخيرية.
وفي شوارع غزة المدمرة، بدا الفرح على وجوه الأطفال الذين يتأرجحون بألعاب بدائية، حيث اتخذ الشبان منها مهنة موسمية بعدما أفقدتهم الحرب مصدر دخلهم.
إعلانكما تولى مبادرون مهمة إدخال الفرح على الأطفال في العيد، حيث انتشر عددا من المهرجين بين المناطق السكنية المدمرة لإسعاد الصغار، الذين لم يسلم أي منهم من ويلات الحرب، على أمل أن تتوقف الحرب قريبا.
في المقابل، تخشى الأمهات -اللواتي كن يأملن تجدد وقف إطلاق النار مع حلول العيد- من خروج أبنائهن للشارع والاحتفال بالعيد، وذلك بسبب القصف العشوائي والمباغت من الطائرات الحربية الإسرائيلية.
يُذكر أن قوات الاحتلال الإسرائيلي دمرت جميع المتنزهات والمشاريع السياحية في قطاع غزة، التي يقرب عددها من 5 آلاف منشأة، وتسبب عدوان الاحتلال في فقدان 15 ألفا و265 عاملا في نشاط السياحة لوظائفهم، وذلك حسب تقرير صادر عن الجهاز المركزي للإحصاء.
المصدر: الجزيرة
إقرأ أيضاً:
باهتا وثقيلا.. هكذا يبدو العيد بغزة في ظل الحرب
غزة- إنها تكبيرات العيد ينبعث صوتها من مُصل أسفل البيت، هرعت أم حسام شبات إلى النافذة في محاولة منها لتصديق ما تسمع، "عيد؟ عيد؟"، سألت من حولها وهي تبحث في وجوههم عن نفي ما تتوجس منه، سدّت أذنيها بكفيها، فهي لا تريد سماع ما يستدعي ذكرياتها مع ابنها الشهيد.
لأول مرة يبدو العيد مرعبا لأم حسام وتصرخ من قدومه، فلم يمر على فقد ابنها سوى بضعة أيام، وتنادي الأم المكلومة من أعمق نقطة في قلبها "آه يمه، آه يا حسام يمه وينك؟! تعال إليّ، جاء العيد ووجهك العيد يمة".
وبعد بكاء وانهيار مدة من الزمن، تماسكت أم حسام قليلا وتحدثت إلى الجزيرة نت، وتقول وهي تضع كفها على صدرها "نار تأبى الانطفاء تندلع في قلبي، لقد كان حسام يحب العيد ويحب شراء الملابس الجديدة، يحب كعك العيد الذي أصنعه وقهوته، يحب عيش طقوس العيد وتفاصيله".
كانت أم حسام تتلهف لقدوم العيد هذه المرة، فقد انتهت الحرب وعادت من نزوحها إلى الشمال، والتقت بحسام الذي كان لا يزال حيا يُرَزق كما تقول، لكنها لم تكن تعلم أن الحرب ستعود لتختطف منها أقرب أبنائها إليها "لقد تُوفي والده وهو صغير، فبنيته خلية خلية حتى صار شابا مفتول العضلات طويلا، ثم راح في غمضة عين".
إعلان
عيد بطعم الفقد
بينما تكتمل فرحة الأطفال بعيدهم مع عائلتهم السعيدة، حُرمت بنان عابد (13 عاما) من ذلك، فقد نجت وحدها من استهداف أودى بحياة عائلتها كلها، تقول بنان -وهي ابنة الصحفية الشهيدة إيمان الشنطي- "يستوطن داخلي الحزن، ورغم أن أعمامي وخالاتي يحاولون تعويض الفراغ الذي حل بحياتي، فإن غصة ما زالت تخنقني".
ترى بنان أن ما يواسيها ويخفف عنها هو "علمها بأن عائلتها في مكان أفضل، وأنهم فرحون بما آتاهم الله من فضله"، وهو عزاؤها في كل مرة تفقد فيها السيطرة على مشاعرها، كما تقول.
أما بين خيام النازحين، فجولة واحدة كفيلة بقلب مفهوم العيد كما يُعرّفه أصحاب المعاناة، فهنا تجلس زوجة أسير مع أطفالها على باب الخيمة، ترى أن عيدها سيكون يوم اجتماعها بحبيبها، حتى وإن استمرت الحرب، فهي توقن أن "عودته مُبددة للخوف مُعينةً على احتمال نوائب الدهر"، كما تقول.
مقابلها يجلس عجوز هرم على كرسيه يقرأ القرآن، يتنقل ببصره بين صفحتي المصحف والسماء التي تكتظ بالطائرات، يُعلّق أبو جمال للجزيرة نت "يحتفل العالم خلال العيد بالألعاب النارية، أما نحن فالنار تنهمر فوق رؤوسنا منذ شهور"، وتجلس بجواره ابنته وردة التي تحتضن طفلها، وتكمل حديث والدها قائلة "عيدنا يوم ننجو نحن وأطفالنا من كل هذا الموت".
وتستهجن أم أحمد سؤال الجزيرة نت عن شعورها مع قدوم العيد، "عن أي عيد تتحدثين؟" ثم تفتح كفها لتحاول حصر فقدها قائلة "زوجي، وأولادي الاثنان، وأولادهم، وأزواج بناتي الثلاث اللواتي ترملن أمامي، ونُسفت جُل بيوتنا وفقدنا سياراتنا وتجارتنا، ونحن منذ شهور في هذه الخيمة، هل سمعت من قبل عن عيد في خيمة؟!".
وبعينين مليئتين بالعتب تقول "سيمر العيد كالعيدين السابقين، وكأيّ يوم في السنة، الفرحة فيه غائبة منذ تمكّن الفقد منا".
وفي حين كانت تزدحم شوارع قطاع غزة عادةً في مثل هذه الأيام استعدادا لاستقبال العيد، يبدو مشهد اليوم مختلفا، ففي سوق الزاوية شرق مدينة غزة، يقف البائع أبو عمر أمام متجره الصغير لبيع الزينة والألعاب، لكنه بالكاد يجد من يشتري، يقول للجزيرة نت بحسرة "في الأعياد السابقة، كان المحل يعجّ بالزبائن، لكن الأوضاع الاقتصادية الآن صعبة للغاية والقدرة الشرائية شبه معدومة".
إعلانويضيف أبو عمر "الناس بالكاد يستطيعون توفير الطعام والدواء، فمن أين لهم المال ليشتروا ما يعدونه من الرفاهيات"، وبينما يتحدث الرجل للجزيرة نت، وقف طفل صغير مع والدته أمام واجهة المتجر ينظر بإعجاب إلى لعبة بلاستيكية، لكن الأم تمسك بيده وتبتعد سريعا دون أن تشتري شيئا.
يبدو العيد باهتا في غزة، فلم تبقِ الحرب شيئا من شكله القديم أو لونه المعهود، لا ضحكات صاخبة ولا ملابس جديدة، حتى التهاني فيه تبدو ثقيلة على ألسنة الغزيين، فلا مساجد لأداء صلاة العيد بعد أن طالتها كلها يد الخراب الإسرائيلية، كما أن التصعيد الميداني وتخوّف الناس من التجمهر يحول دون صلاتهم في العراء.
حتى الزيارات الاجتماعية وصلة الأرحام باتت محدودة جدا، فارتفاع أسعار الوقود ضاعف من أجرة المواصلات العامة، كما أنه قلل من توفر المركبات التي يحتاجونها للتنقل بين أقربائهم.
كما أنهم لو أرادوا إحياء العيد بإعداد طبقي السماقية الغزاوية والسمك المملح (الفسيخ)، فإنهم يحتاجون مبلغا مضاعفا عن الأعياد السابقة، فالغلاء الفاحش الذي طال جميع مناحي الحياة في غزة يقابله قلة ما في اليد وشح البضائع التي لم تتدفق إلى الأسواق منذ إطباق الاحتلال حصاره، وإغلاق المعابر في وجه البضائع قبل قرابة شهر.
الشحّ بدا واضحا خلال تجول الجزيرة نت في أسواق غزة لرصد حالتها، حيث تبدو أرفف المحال فارغة إلا من بعض البضائع، كما أن عددا منها أغلق أبوابه لنفاد بضائعهم، وهو أمر ينطبق على المنتجات الغذائية أو الملابس على حد سواء.
تحدثت الجزيرة نت إلى مروان وهو تاجر يبيع الملابس في سوق الرمال وسط مدينة غزة، حيث قال "لقد قمنا بشَحن بضائع جديدة من الخارج عندما توقف إطلاق النار، ودفعنا ثمنها كاملا، لكن إغلاق الاحتلال للمعبر حال دون وصولها إلينا لاستغلال موسم العيد، وظلت عالقة على بوابته".
إعلانيضيف مروان بحسرة "كلما حاولنا رفع رؤوسنا بعد النكبة التي حلت بنا، عادت أمورنا أسوأ مما كانت عليه"، وعزا مروان غلاء أسعار الملابس إلى سببين: الأول هو قلتها، والآخر بسبب زيادة التكاليف التشغيلية المُلقى على عاتق التجار.
يقول "تضاعفت تكلفة كيلو الكهرباء التي نستمدها من المولدات لإنارة محلاتنا من نصف دولار إلى 10 دولارات للكيلو الواحد، كما اضطررنا لرفع أجرة العمال لارتفاع تكاليف المواصلات وغلاء المعيشة".
وإضافة لسوء الوضع المعيشي وغلاء المتوفر، أرجع مروان أسباب ضعف الإقبال على الشراء إلى الفصل بين شطري القطاع، ويقول "فقدت أكثر من 50% من زبائن المحل الذين كانوا يأتون للشراء من الجنوب، أما اليوم فمع خطورة الوضع وتضاعف أسعار المواصلات فلا أحد يأتي إلينا منهم".
ومع تفاقم مشكلة السيولة المالية في غزة، فقد صار اعتماد جزء كبير من الغزيين على التحويل البنكي الإلكتروني الأمر الذي يشكّل عبئا لأصحاب المحال لضرورة توفير الإنترنت في المحال لإتمام الدفع، فضلا عن تبعات ذلك من تكدس الزبائن في انتظار الاتصال بالإنترنت والدفع، وهو أمر مرهق لسوء خدمة الإنترنت في غزة بعد تدمير الاحتلال شبكاته خلال الحرب.
ولفت إلى أن فترة فتح المحل تقتصر على 6 ساعات فقط، حيث يضطرون لإغلاقه مع غروب الشمس، "فشوارع المدينة الخالية من الكهرباء تجعلها كمدينة أشباح مع حلول الظلام، كما أن الوضع الميداني خاصة مع استئناف الحرب ما زال مخيفا وخطرا"، كما يقول مروان.
وخلال مقابلة الجزيرة نت مع التاجر، كانت ملاك -التي فقدت والدتها خلال الحرب- بصحبة خالتها، تقفان لدفع ثمن الفستان المزركش الذي تحتضنه الطفلة بيديها، وعلى وجهها الحزين تتلألأ ابتسامة ناصعة، تقول خالتها "العيد للصغار، لقد حرمتهم إسرائيل من كل شيء، فلماذا نحرمهم نحن من مجرد شعورِ سعادةٍ يمكن أن يعيشوه مقابل فستان منفوش، أما نحن فندعو الله أن يخلصنا من مأساتنا ومن انطفاءة الروح التي نعيشها".
إعلان