تعرف الولايات المتحدة أن  عليها إكمال 4 خطوات شديدة الأهمية للحفاظ على قيادتها لما يسمى "النظام العالمي القائم على القواعد"، وهي 4 خطوات تمضي واشنطن إليها وسط دائرة مأزق جيوسياسي معقد، كما يقول الدبلوماسي الإيطالي السابق والمبعوث الخاص لروما في سوريا حتى 2017 وسفيرها السابق في العراق  ماركو كارنيلوس.

ويعدد كارنيلوس هذه الخطوات الأربعة، في مقال نشره بموقع "ميدل إيست آي"، وترجمه "الخليج الجديد"، وهي:

أولا: هزيمة روسيا في أعقاب الفرصة الذهبية التي قدمها الرئيس فلاديمير بوتين بغزوه السيئ التخطيط لأوكرانيا، والذي استمر لأكثر من 18 شهراً.

ثانيا: احتواء الصين سياسيا واقتصاديا وتقنيا لمنعها من أن تصبح القوة المهيمنة في القرن الحادي والعشرين.

ويتطلب هذا حشد حلفاء الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين والآسيويين بأي ثمن، من خلال إعادة إصدار مرسوم "إما أن تكون معنا أو علينا".

ثالثا: إنقاذ ما تبقى من النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، وهذا يستلزم إبعاد الصين عن المنطقة، وزيادة عزلة إيران، وإغراء السعودية عبر ترتيب ثلاثي معقد مع إسرائيل، دون مطالبة الأخيرة بأي تنازلات كبيرة بشأن القضية الفلسطينية.

رابعا: منع ولادة نظام مختلف متعدد الأقطاب من خلال المغازلة المكثفة للهند، والتي تهدف في الأساس إلى تفكيك مجموعة البريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا).

اقرأ أيضاً

بايدن يأمل في تسجيل ثلاثية شرق أوسطية قبل الانتخابات.. فما هي؟

ويقول الكاتب إن المسار الرابع تحديدا سيظل غير واضح، وسيتعين على المراقبين انتظار نتائج قمة بريكس التي تستضيفها جنوب أفريقيا، هذا الأسبوع، لتكوين صورة أوضح.

وبشكل عام، يؤكد كارنيلوس أن الكيفية التي ستنجح بها واشنطن في ضبط التحركات المعقدة التي تتطلبها مثل هذه المجموعة الطموحة من السياسات تظل لغزا؛ خاصة وأن الولايات المتحدة سوف تدخل في غضون أسابيع قليلة الحملة الانتخابية الرئاسية الأكثر غموضا وربما انفجارا في تاريخ البلاد.

وفيما يلي تصور الكاتب للمسارات الثلاثة الأولى

المسار الأول: هزيمة روسيا

يقول الكاتب إن أمريكا روجت لسحق روسيا في أوكرانيا بـ"ضربة قاضية"، وكان من المفترض أن تجبر العقوبات الضخمة بوتين وأعوانه على الركوع في الصيف الماضي، ولكن يبدو أن تأثيرها كان ضئيلاً للغاية.

ويضيف أن  أوروبا تبنت هذه العقوبات بحماس وعلى نحو أعمى، فألحقت بنفسها الفعل الكارثي الثالث من أذى الذات خلال ما يزيد قليلاً عن قرن من الزمان، بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية.

والواقع أن النتيجة العكسية المتمثلة في التخلي عن إمدادات الغاز الروسية الرخيصة، جنباً إلى جنب مع سياسات الحماية التي تنتهجها الولايات المتحدة مثل قانون خفض التضخم، تدفع القارة العجوز إلى حافة التراجع عن التصنيع.

وفي أوكرانيا، قالت مصادر الاستخبارات الأمريكية إن الهجوم المضاد الأوكراني ضد روسيا كان محبطا، لذلك من المتوقع أن تستمر روسيا وأوكرانيا في النزيف، هناك، غير أن الثانية باتت أضعف كثيرا.

اقرأ أيضاً

روسيا بوتين لن تقبل بحدودها بسبب نزعة إمبريالية متجذرة

المسار الثاني: احتواء الصين

يرى الكاتب أن سياسة احتواء الصين لا تزال تنطوي على علامات استفهام كبرى، والشعور السائد الآن هو أن الأوان قد فات.

وكانت إدارة بايدن تعمل بشكل محموم على إعداد صيغ سياسية مثل الحوار الأمني الرباعي (الولايات المتحدة والهند واليابان وأستراليا) وحوار أوكوس (أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة)، بهدف احتواء بكين. وهذا الأخير سيكلف أستراليا فاتورة فلكية تتراوح بين 268 مليار دولار و368 مليار دولار، فقط للحصول على عدد قليل من الغواصات النووية و20 ألف وظيفة جديدة.

في الأسبوع الماضي، استضاف بايدن زعماء اليابان وكوريا الجنوبية في كامب ديفيد لتعزيز التنسيق الثلاثي الذي يهدف إلى إبقاء الصين في مأزق.

وفي كل الأحوال، فقد أصبحت "سياسة الصين الواحدة" التي استمرت أربعة عقود من الزمان، والتي احترمتها الولايات المتحدة، الآن منتهية الصلاحية.

ومن وجهة نظر القيادة الصينية فإن هذا يعني ضمناً حرباً محتملة حول مستقبل تايوان، حيث تصبح الجزيرة أكبر منتج على مستوى العالم للرقائق الدقيقة الضرورية للثورة الصناعية الرابعة الجارية.

ويرى الكاتب أن التحرك مع الصين سوف يكون لعبة طويلة الأمد. تاريخياً وثقافياً، والصين تتفوق في مثل هذه المسرحيات؛ ومن ناحية أخرى، فإن أمريكا (مع العامل الإضافي المتمثل في النظام السياسي المختل بشكل واضح الآن) لا تفعل ذلك.

ويضيف أنه من السهل على واشنطن الإعلان عن الانفصال عن الصين، ولكن من الصعب تحقيقه.

اقرأ أيضاً

المتكامل الأمني.. خطة بايدن لكبح النفوذ الصيني في السعودية والخليج

وحتى أحد أبرز دعاة المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، وهو الرئيس التنفيذي لشركة رايثيون، جريج هايز، اعترف بصراحة بأن الولايات المتحدة لا تستطيع الانفصال عن الصين، وحتى صناعتها العسكرية، ولكن ينبغي لها أن تعمل على التخلص من المخاطر.

إن إعادة تصنيع الرقائق إلى الولايات المتحدة، وهي الأولوية القصوى لبايدن، تشكل صداعا.

وسيكون من الصعب أن تجد في الولايات المتحدة المهارات اللازمة لإنشاء مصنع تصنيع متقدم، حيث قامت شركة تصنيع أشباه الموصلات التايوانية بتأخير المصنع الذي تم تكليفها ببنائه في ولاية أريزونا بسبب نقص العمال المهرة.

كما أصبح من الواضح أكثر فأكثر أن المورد الأكثر أهمية للتحول إلى الطاقة الخضراء هو الصين الآن.

إنه أمر مأساوي، بالنظر إلى مدى الضغوط التي مارستها الولايات المتحدة على حلفائها الأوروبيين للتخلي عن الغاز الروسي الرخيص، لكي ينتهي بهم الأمر إلى الاعتماد بشكل كامل على الصين للحصول على الطاقة الخضراء.

المسار الثالث: النفوذ الأمريكي بالشرق الأوسط

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فقد تعرضت أمريكا على مدى السنوات العشرين الماضية لسلسلة من الصدمات.

فالحربان في أفغانستان والعراق لم تحققا شيئا، وكذلك سنوات العقوبات والضغوط القصوى ضد إيران لم تؤدي إلا إلى تدهور المعادلة الاستراتيجية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل.

وتحاول واشنطن الآن تهدئة الوضع الخطير مع إيران، بعد انسحابها من الاتفاق النووي السابق، من خلال ترتيبات مخصصة، بما في ذلك تبادل السجناء وتخفيف بعض العقوبات المتواضعة.

وفي الوقت نفسه، تحاول واشنطن جذب السعودية للانضمام إلى اتفاقيات إبراهيم، التي أصبحت لا تحظى بشعبية متزايدة في العالم العربي بسبب سياسات إسرائيل الوحشية ضد الفلسطينيين ونشاطها الاستيطاني المتواصل.

اقرأ أيضاً

تقدير جيوسياسي: روسيا تخسر بلعبة النفوذ لكنها لم تخرج من المنافسة بالخليج

وفي المقابل، ستحصل الرياض على اتفاق أمني غامض على غرار حلف شمال الأطلسي مع الولايات المتحدة، ومشتريات ضخمة من الأسلحة، ودعم الولايات المتحدة في تطوير برنامج نووي مدني، وبعض "التنازلات" الإسرائيلية غير المحددة لإبقاء حل الدولتين للقضية الفلسطينية حياً. .

ويقول الكاتب: يبدو أن هناك عددًا كبيرًا جدًا من القطع التي لا يمكن وضعها في مثل هذه الفسيفساء المعقدة. وفيما يتعلق بشراء الأسلحة والبرنامج النووي المدني السعودي، فإن إسرائيل وأنصارها في الكونجرس الأمريكي قد يثيرون أكثر من اعتراض.

إن مثل هذا الاتفاق الثلاثي له غرضان محددان: زيادة عزلة إيران وتعقيد العلاقات المتطورة بين المملكة العربية السعودية والصين.

لذلك، تحاول إدارة بايدن من ناحية وقف التصعيد مع إيران وتأخير أي قرارات رئيسية إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية عام 2024، وفي الوقت نفسه، تتبع سياسات تهدف إلى عزل طهران.

ومن غير الواضح ما إذا كانت إيران والصين ستبقى مكتوفي الأيدي بينما تعمل الإدارة الأميركية على «تخريب» المسارين السعودي الإيراني والسعودي الصيني، يقول الكاتب.

ومن ناحية أخرى، تنزلق إسرائيل، التي تمثل حجر الزاوية في سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ببطء إلى دولة استبدادية من خلال الإصلاحات القضائية المثيرة للجدل التي يفرضها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو على البلاد.

ويختم كارنيلوس مقاله بالقول: "إذا نجحت الدبلوماسية الأمريكية في حل هذه الدائرة المعقدة، فهذا يعني أن القدرات الدبلوماسية لفريق بايدن أفضل بكثير مما كان متصورًا سابقًا.. سنرى".

المصدر | ماركو كارنيلوس / ميدل إيست آي - ترجمة وتحرير الخليج الجديد

المصدر: الخليج الجديد

كلمات دلالية: النفوذ الأمريكي إدارة بايدن العلاقات الأمريكية الصينية الشرق الأوسط الولایات المتحدة اقرأ أیضا من خلال

إقرأ أيضاً:

إيران ترد على دعوة أمريكا للتفاوض وتعلق على تهديدات ترامب

كشفت صحيفة "وول ستريت جورنال" الأمريكية أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تضغط لعقد محادثات نووية مباشرة مع إيران، في محاولة لتفكيك برنامجها النووي، وسط تصعيد عسكري أمريكي وإسرائيلي في المنطقة.

وبحسب مسؤولين أمريكيين، تسعى واشنطن إلى تجاوز الاتفاق النووي لعام 2015، الذي انسحب منه ترامب عام 2018، عبر محادثات مباشرة مع طهران، في وقت تقترب فيه إيران من القدرة على إنتاج سلاح نووي خلال أسابيع قليلة.

و أبدت طهران انفتاحاً على وساطة لحوار غير مباشر، مع احتمال القبول بمحادثات مباشرة لاحقاً.

كما يأتي ذلك وسط تحذيرات من مسؤولي الأمن القومي الأمريكيين بأن طهران تنتج يورانيوم مخصباً بكميات كافية لصنع قنبلة كل شهر تقريباً.

وكثفت واشنطن وجودها العسكري في الشرق الأوسط بنشر حاملات طائرات ومقاتلات "F-35"، وقاذفات "B-2"، بذريعة دعم الحملة ضد الحوثيين، بينما يرى مراقبون أن التحركات تستهدف إيران مباشرة.

ووفقاً لمسؤول كبير في الإدارة الأمريكية، فإن الولايات المتحدة تهدف هذه المرة إلى القضاء على برنامج إيران النووي.

وفي سياق متصل، كثفت "إسرائيل" من ضرباتها ضد الدفاعات الجوية الإيرانية والفصائل التابعة لطهران، وهددت بتنفيذ ضربة عسكرية مباشرة ضد المنشآت النووية.

ويرى مراقبون أن ترامب يستغل الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران لدفعها إلى التفاوض، لكنه لم يستبعد الخيار العسكري، في حين تصر إيران على الاحتفاظ بحقها في تخصيب اليورانيوم وبرنامجها الصاروخي، محذرة من "رد قوي" إذا تعرضت لهجوم.

وفي حديثه مساء الخميس الماضي، صرّح ترامب للصحفيين بأنه من الأفضل إجراء محادثات مباشرة، وقال: "أعتقد أنها تسير بشكل أسرع، وستساعد على فهم الطرف الآخر بشكل أفضل بكثير، مقارنةً بالتعامل عبر وسطاء"، وأضاف: "أعلم يقيناً أنهم يرغبون في إجراء محادثات مباشرة".

والأسبوع الماضي، أبلغت القيادة الإيرانية ترامب بانفتاحها على محادثات غير مباشرة، تتوسط فيها دولة أخرى، وفقاً لمسؤولين إيرانيين.

ايران ترد

قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، اليوم السبت، إن بلاده تريد الحوار مع الولايات المتحدة من موقف متساو، وألا يتم تهديدها من جهة ومطالبتها بالتفاوض من جهة أخرى، وذلك وفق ما ذكرت وكالة "تسنيم" الإيرانية.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال، الخميس، إنه يفضّل إجراء "مفاوضات مباشرة" مع إيران من أجل التوصل إلى اتفاق جديد حول برنامجها النووي.

وقال لصحافيين من الطائرة الرئاسية "اير فورس وان": "أظن أنه سيكون من الأفضل إجراء مفاوضات مباشرة، فالوتيرة تكون أسرع، ويمكنكم فهم المعسكر الآخر بشكل أفضل مما هي الحال وقت الاستعانة بوسطاء".

وقالت إيران أخيرا إنها منفتحة على مفاوضات غير مباشرة لا غير طالما لم تغيّر الولايات المتحدة موقفها من الجمهورية الإسلامية.

واعتبر ترامب أن "الحال ليست بالضرورة دوما كذلك. أظنّ أنهم قلقون، إنهم يشعرون بالضعف، وأنا لا أريدهم أن يكونوا على هذه الحال".

وصرّح "أظنّ أنهم يريدون إجراء مفاوضات مباشرة"، من دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وكان ترامب قد سحب بلده من اتفاق دولي حول البرنامج النووي الإيراني سنة 2018 خلال ولايته الرئاسية الأولى، لكنه يؤكد اليوم أنه منفتح على الحوار.

وينصّ الاتفاق المبرم في 2015 على رفع بعض القيود عن إيران في مقابل الإشراف على نشاطاتها النووية.

ومنذ عقود، تشتبه البلدان الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في أن طهران تسعى إلى التزوّد بالسلاح النووي، في حين تنفي إيران هذه الاتهامات من جهتها، مؤكدة أن برنامجها النووي مصمّم لأغراض مدنية، لا سيما منها توليد الطاقة.

وكشف ترامب بعد شهر ونصف شهر من عودته إلى البيت الأبيض، أنه بعث برسالة إلى طهران ليعرض عليها مفاوضات، لكن مع التلويح بتدخل عسكري.

وأكد المرشد الإيراني علي خامنئي أن تهديدات الولايات المتحدة "لن توصلها إلى أي مبتغى"، وشدّد وزير الخارجية عباس عراقجي من جهته على أن إيران لا ترغب في "التفاوض مباشرة" تحت الضغط.

وهدّد دونالد ترامب إيران الأحد بـ"القصف" إذا ما فشلت المفاوضات، متطرّقا إلى احتمال فرض رسوم جمركية جديدة.

وتأتي مبادرات الرئيس الأميركي إزاء إيران في وقت تبدو الجمهورية الإسلامية مضعفة إثر سلسلة من النكسات التي تكبّدتها في المنطقة منذ هجوم حماس على جنوب إسرائيل واندلاع الحرب في غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

مقالات مشابهة

  • إيران ترفع حالة التأهب وتهدّد الولايات المتحدة وإسرائيل
  • إيران تبدي استعدادها لمفاوضات غير مباشرة مع الولايات المتحدة
  • عراقجي: إيران مستعدة لتجربة طريق المفاوضات غير المباشرة مع أمريكا
  • عراقجي: إيران مستعدة للمحادثات مع أمريكا مقابل رفع العقوبات
  • بزشكيان: إيران تريد حوارا “على قدم المساواة” مع الولايات المتحدة
  • ترمب: الصين تأثرت بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة
  • ترامب: الصين تضررت من الرسوم الجمركية بشكل أكبر بكثير من الولايات المتحدة
  • إيران ترد على دعوة أمريكا للتفاوض وتعلق على تهديدات ترامب
  • الصين تعلن فرض رسوم جمركية بنسبة 34% على جميع الواردات القادمة من الولايات المتحدة
  • مستقبل تيك توك في أمريكا.. هل ينجح ترامب في إتمام الصفقة قبل الحظر؟