عربي21:
2025-04-03@04:05:51 GMT

طوفان غزة ووهم الدولة الوطنية

تاريخ النشر: 28th, March 2025 GMT

عملية خلط الوقائع بالأماني مستمرة في أغلب مقالات الكتاب العرب بمختلف المواقع، فكثير من الأقلام تنوي الحديث فيما هو كائن فتكتب في ما ينبغي أن يكون، لذلك نقع جميعا في حالة من التحفز لوضع جديد مريح بينما نحن ماكثون في حفرة السوء العربية المسماة دولة وطنية. دولة الكيان لن تنهار غدا ونصر العرب بسورة الأحزاب ليس حقيقة علمية (وهذا موضوع غالب على أقلام كثيرة)، ولذلك فإن تأمل دروس غزة يصير أولوية منهجية نرتب بها أفكارنا للمستقبل وربما تساعدنا على حركة سلمية في الزمن القادم.



أضع في مقدمة دروس غزة أن الدولة العربية المسماة وطنية هي مخفر شرطة صهيوني؛ مهمته قمع المواطن العربي وإهدار كرامته وبدون مقابل لصالح قوى الهيمنة وفي مقدمتها الكيان الصهيوني. أما الدرس الثاني (الدرس الأول في الحقيقة) فهو أن إزالة الوهم مقدم على بناء الحقيقة.

مجاملة الفلسطيني للتخلص منه

كانت هذه سيرة الدولة العربية منذ انطلاق حركة التحرر الفلسطيني ومرورها بمراحل مختلفة؛ شعارات تضامن وأغان ثورية ومقعد في الصف الأول للقيادة وتسمية شوارع بأسماء أبطال أو مواقع مقدسة وبعض الدولارات لخبز المخيمات. لكن ذلك كان في عمقه تخلصا من الفلسطيني الذي لا يريد أن يستسلم ويغلق الملف، وكان من يذِّكر الساسة العرب بأن معركة تحرير فلسطين ليست فلسطينية بل عربية وإسلامية، وأن وجود الخازوق الصهيوني في تلك البقعة ليس موجها للفلسطيني وحده،النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف بل لأمة وتاريخ وثقافة يُدْمَغُ بخطاب أولوية تنمية الداخل الوطني استعداد للمعركة الحاسمة التي تجمع العرب الأقوياء (بلغة دولة البعث السوري، تحقيق التوازن الاستراتيجي مع العدو). لذلك يستوي في هذه الخطاب أنظمة قُطرية رجعية عميلة وأنظمة قومية ثورية صامدة ومتصدية.

النتيجة بعد سبعين سنة من الدولة الوطنية: شعوب عربية فقيرة بل جائعة وعارية ومقهورة وفلسطيني مشرد، وكيان/خازوق مهيمن برا وبحرا وجوا وعلى غرف نوم القيادة العربية. تنادي غزة الدول فلا تستجيب وتنادي الشعوب فتحول شرطة الدولة الوطنية بين الشعوب وغزة. ويبارك الكيان قدرة الأنظمة على حماية الكيان من الشعوب ويطلب المزيد؛ التهجير لإغلاق الملف. وتناور الدولة العربية لتمرير البرشام المر لشعوبها في الأخير: "الفلسطيني أخونا ومرحبا به ولنغلق الملف".

لم تطور الدولة العربية شعبها ولم تحرر فلسطين لكنها تطورت حتى صارت هي نقطة الحراسة المتقدمة للكيان. نحن هنا وهذه حقيقة صقلتها معركة طوفان الأقصى، نحن ممنوعون حتى من التضامن اللفظي في السوشيال ميديا مع غزة ومعركتها الشريفة.

هل ننسف المكاسب القُطرية؟

السؤال الصواب هنا والآن: كم كانت كلفة الكيان الصهيوني على تاريخ العرب الحديث وكم ستكون كلفته على مستقبلهم المنظور؟ ما نثمنه كمكاسب قُطرية نسميها تنمية اقتصادية واجتماعية ونسميها سيادة وطنية ومقعد بين الأمم (الخ)، هي قليل من كثير لم يتحقق لأن الكيان "يخوزق" الأمة منذ قرن. بإمكان المرء أن يحسب مقدار الخسارات قياسا إلى الإمكانات المتاحة (نظريا)، فالتقييم الحقيقي هو كم خسرنا مما كان متاحا لنا أن نكسب؟ فما كسبناه قليل قياسا إلى عمر الدولة العربية وأعمار شعوبها وإمكاناتها البشرية والطبيعية المتاحة.

نقول في الإمكانيات المهدرة لقد كان بالإمكان تحرير فلسطين باستعمال قناة السويس كورقة سياسية دون الإنفاق على قطعة سلاح واحدة، لكنني أسمع اللحظة تهمة المثاليات الرومانسية. ليكن الوجه الآخر لدرس غزة وكنا نعرفه ونغض الطرف حتى لا تنفجر مراراتنا، الدولة العربية تحتاج وجود الكيان لتعيش من وهم مقاومته.

نحن لا نستطيع السير في الشوارع متضامنين مجرد تضامن لفظي مع غزة لأن حكومتنا تمنعنا، وهي تفعل ذلك بمقابل من الصهاينة وداعميهم "اقمعوا شعوبكم لصالحنا سنحميكم من شعوبكم"، هكذا بمثل هذا التبسيط. أين الدولة الوطنية إذن؟ أين مكاسبها؟ وأين كرامة شعوبها؟ تتضح الصورة أكثر، تلازم التحرير مع بناء الديمقراطية في الأقطار.

لا مهرب لنا
توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية
نحن أيضا، أعني الشعوب الثرثارة، نحتاج الكيان ليقمع الفلسطيني فنثرثر بالتضامن، خاصة بعد أن مُنحنا وسائله الرخيصة فنحرر القدس في إكس وفيسبوك وأخواتهما. لكن فينا أمل أو نظنه، نحن ننظر إلى الدولة العربية (الوطنية) بوعي ما بعد الطوفان. ونجزم بأن أسباب بقائها قد انتهت، لقد انكشف الوهم فلا تنمية ولا تحرير ولا ديمقراطية. غير أن هذا الوعي لا يتحول حتى اللحظة إلى مشروع طوفان لأن هناك معركة أخرى محلية تقف دونه، هي المعركة ضد النخب التي وقف وعيها عند الدفاع عن الإدارة التي تمنحها رواتبها كل شهر.

النخب العربية أو نخب الرواتب هي التي ما زالت تبيع وهم الدولة الوطنية بعد حرب الطوفان، وقد عاينت في أكثر من مرة أنها ممنوعة حتى من مظاهرة رفع عتب في شارع ضيق. هناك أولوية تاريخية، خوض المعركة المحلية للتحرر من النخب الوطنية والتي ليست إلا أبواقا للأجهزة الأمنية المسماة دولة وطنية، وهي في حقيقتها مخفر شرطة صهيوني.

يوجد شيء من الأحلام العاجزة في ما نقول هنا، فهل يمكن إعادة تأسيس الدول؟ لكن توجد حقيقة بحجم التاريخ نفسه، هي ما كشف الطوفان خلال عشرين شهرا؛ الكيانات السياسية العربية التي نراها ونسميها دولا وطنية تعيش آخر أيامها، وهي تستشعر أن من يستخدمها يعرّيها أمام شعوبها وكل خطوة تهز أسسها المزيفة. تلك الجلسة الذليلة أمام مدفأة ترامب هي حقيقة الدولة العربية.

لحظة الانفلات الشعبي ضد مخافر الشرطة الصهيونية تلوح في الأفق، وعسى أن تبدأ بكنس النخب التي تحرص على إيهام الشعوب بوجود دول وطنية لتضمن رواتبها. هل خلطت الأماني بالوقائع؟ نعم، لكن الأمل في وصول الطوفان إلى أبعد من حدود غزة لم يفارقنا منذ الرصاصات الأولى، فلم نر الطوفان معركة غزاوية بل معركة إنسانية.

المصدر: عربي21

كلمات دلالية: سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي سياسة اقتصاد رياضة مقالات صحافة أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة تفاعلي مقالات قضايا وآراء كاريكاتير بورتريه العرب غزة تضامن طوفان غزة تضامن عرب طوفان مقالات مقالات مقالات سياسة سياسة اقتصاد مقالات سياسة سياسة سياسة سياسة سياسة اقتصاد رياضة صحافة قضايا وآراء أفكار عالم الفن تكنولوجيا صحة الدولة العربیة الدولة الوطنیة

إقرأ أيضاً:

الاحتلال ينشر نتائج صادمة للتحقيق في اختراق منطقة إيرز خلال طوفان الأقصى

لا زالت نتائج التحقيقات الإسرائيلية، في عملية "طوفان الأقصى"، تتضح شيئا فشيئا كاشفة عن فشل كبير وغير مسبوق في صد الهجوم الواسع الذي نفذته حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023.

ونشر جيش الاحتلال "نتائج صادمة" جديدة بشأن التحقيق في العملية تتعلق في منطقة معبر إيرز شمال قطاع غزة، والتي شهدت هجوما واسعا من قبل عناصر المقاومة الفلسطينية بالتزامن مع الهجوم الواسع على أكثر من 22 موقعا لقوات الاحتلال.

ونقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن تقرير للجيش أفاد بأن مقاتلي حركة حماس، اخترقوا حاجز إيرز شمالي قطاع غزة في دقائق معدودة، ربما لم تتخط نصف ساعة، حيث عانى "الجيش الإسرائيلي" من افتقار إلى الاستخبارات والتحضير والتنظيم والتنسيق والقيادة.

وأشارت إلى أن "الضباط الإسرائيليين دخلوا الملاجئ قبل الجنود أنفسهم، وكانوا يديرون المعركة عن طريق الهاتف وليس بأجسادهم".

ولفتت إلى مقتل 9 جنود من "الجيش" وأسر 3 جنود آخرين خلال الساعات الأولى من فجر السابع من أكتوبر 2023، في حاجز إيرز فقط.

وأظهرت التحقيقات التي نشرها "الجيش الإسرائيلي" بشأن الحاجز نفسه، غياب التنسيق بين الوحدات العسكرية على الحاجز، أو القريبة منه داخل مستوطنات غزة.

ولم يكن هناك روتين عملياتي عسكري منسق بين جميع الجنود العاملين هناك، وهو ما ساهم في غياب التنظيم بوجه عام، وفق التحقيق.

وكشفت التحقيقات أن "قاعدة إيرز تم اختراقها واحتلالها من قبل 120 عنصرا فلسطينيا فقط، ولم تصل قوة الإنقاذ الإسرائيلية إلا حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر"، على حد قولها.

وأشارت إلى عدم وجود أي خطة مناسبة للدفاع عن قاعدة إيرز، حتى أن موظفي سلطة حاجز إيرز الخمسة حبسوا أنفسهم داخل غرفة الاتصالات، حتى الساعة الرابعة إلا الربع من مساء اليوم نفسه.

وفي السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، هاجمت فصائل فلسطينية بغزة عبر عملية سمتها "طوفان الأقصى"، 11 قاعدة عسكرية و22 مستوطنة بمحاذاة القطاع بهدف إنهاء الحصار الجائر على غزة، والذي استمر 18 عاما، وإفشال مخططات للاحتلال كانت تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية وفرض سيادتها على المسجد الأقصى.

مقالات مشابهة

  • ترامب يعلن عن نسب الرسوم التي سيفرضها على دول العربية منها الجزائر
  • اقتصادي: احتشاد المصريين ضد مُخطط التهجير يعكس الروح الوطنية الأصيلة
  • العصابة إسرائيل في مواجهة مباشرة مع الشعوب العربية
  • رئيس حزب الحركة الوطنية يكشف حقيقة وفاة أحمد شفيق
  • عضو حزب الوعي: وثيقة سند مصر تعبر على الثوابت الوطنية المصرية
  • ما حقيقة مزاعم التعذيب في السجون التركية؟.. وزير العدل يرد
  • الكيان لمستوطنيه: الملاجئ خيارنا الوحيد أمام صواريخ اليمن (فيديو)
  • الخرطوم هي العاصمة العربية التي هزمت أعتى مؤامرة
  • من أوكرانيا إلى فلسطين.. العدالة التي تغيب تحت عباءة السياسة العربية
  • الاحتلال ينشر نتائج صادمة للتحقيق في اختراق منطقة إيرز خلال طوفان الأقصى