تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

كشف رسام وكاتب الأطفال أحمد عبدالنعيم، عن علاقته برائد ادب الطفل، الراحل يعقوب الشارونى، مؤكدًا انها بدات من مرحلة الطفولة الفنيه لرسوم الأطفال.

وقال "عبدالنعيم" فى تصريحات خاصة لـ "البوابة نيوز"، إن يعقوب الشارونى كان الناصح والمعلم الأول فى صناعة الكتب، موضحًأ ان عالم الشارونى بمثابة دخول جامعة خاصة بكل ما يتعلق بأدب الطفل.

وأضاف: " أتذكر أول تعاونى بينى وبين الأستاذ همس فى أذنى فنان كبير( خلى بالك كتب الشارونى بتتشاف كويس ) أدركت حجم مسئولية التعامل مع نص لكاتب كبير وتعلمت أن الرسوم للأطفال ليست تعبيرا عن النص فقط ولكنها قيمة مضافة ونص آخر مواز للنص الأصلى".

وتابع: "استمرت علاقة التعاون لعلنى أتذكر آخر حوار للأستاذ الشارونى عن أقرب الأصدقاء إلى قلبه ذكرنى بالاسم فقد ظلت علاقة الصداقة أكثر من ثلاثين عاما أتعلم منه وأصاحبه وأتكء عليه وقت الضيق".

أحمد عبدالنعيم ، هورسام وكاتب للأطفال، له إسهامات عديدة فى مجال رسوم الطفل والصحافة الساخرة، يشغل منصب المدير الفنى لمجلة "قطر الندى"، وهو عضو لجنة فنون الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة، استمد حبه لمجال أدب الطفل من الكاتب القدير الراحل يعقوب الشارونى، حيث دامت صداقتهم لأكثر من 30 عامًا، فكان له أثر كبير فى تكوينه الأدبى، وله أكثر من 250 كتابا للطفل، وقال عنه نجيب محفوظ:  يدك تعكس موهبة صادقة أرجو لها النمو، وهو صاحب المناظرة الشهيرة مع الرسام البريطانى ستيف بيل حول أصول فن الكاريكاتير.

المصدر: البوابة نيوز

كلمات دلالية: رائد أدب الطفل الراحل يعقوب الشاروني المجلس الأعلى للثقافة

إقرأ أيضاً:

ليست مجرد حكاية عن أب وابنته.. «البوابة نيوز» تنشر حكايات من المتوالية القصصية "بنت أبوها" للكاتبة غادة عبدالرحيم

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

تنشر «البوابة نيوز» بضع حكايات من المتوالية القصصية “بنت أبوها” للكاتبة والأكاديمية الدكتورة غادة عبد الرحيم على؛ والصادر حديثا عن “صفصافة للنشر”.

تتناول حكايات الكتاب علاقة الابنة الكبرى «فريدة» بوالدها، والذي طالما لقبّها بـ «بنت أبوها»، واحتلت في نفسه مكانة خاصة، بينما ظل منذ وعت عيناها الدنيا يعني بالنسبة إليها كل شيء، ما أثّر إيجابا على سلوكها وسير حياتها.

طفولة مختلفة

منذ طفولتها، كانت فريدة مختلفة عن الجميع، لم تكن مجرد فتاة تكبر وسط عائلة تقليدية، بل نشأت في عالم يملؤه الحب والدفء؛ حيث لم يكن والدها مجرد أب، بل كان صديقها، ظلها الذي لا يفارقها، ومرشدها الأول في الحياة.

كان دائمًا يقول لها:

"إنتي أغلى حاجة عندي. مش بس بنتي، إنتي روحي اللي بتمشي على الأرض". 

بالطبع، وكأية طفلة، لم تكن تدرك في البداية كم كان هذا الحب استثنائيًّا. لكن كلما كبرت، بدأت تلاحظ أن علاقاتها بوالدها لم تكن مثل الجميع. وبينما كانت زميلاتها في المدرسة يتحدثن عن آبائهن بطريقة رسمية، كانت هي تحكي عنه كما لو كان صديقها المفضل.

الدكتورة غادة عبد الرحيم علىكانت تقول:

- بابا عمره ما رفض لي طلب.. بس الأهم إني عمري ما طلبت حاجة تافهة.

وتضيف بعفوية دون أن تقصد إغاظة أي منهن:

- بابا بيحترم رأيي حتى لو كنت صغيرة.. وبيسمعني كأن كلامي مهم.

لكن -شيئًا فشيئًا- بدأت تشعر بأن هذا الأمر يثير دهشة الآخرين! لكن بالنسبة لها، كان ذلك الحب هو الغلاف الرقيق الذي يحميها من العالم، فبدا لها -قبل أن تدرك حقائق الحياة القاسية- أن كل هذه المحبة مثل ماكينة لا تكف عن الهدير من أجل إسعادها.

أول وقود تلك الماكينة كان صباحات مليئة بالحب. كل صباح كان والدها يدخل غرفتها برفق، يزيح الستائر قليلًا، ثم يهمس بابتسامة:

- صباح الفل على أحلى بنوتة في الدنيا.

كان هذا المشهد يتكرر يوميًّا، لكنه لم يكن مجرد روتين، بل كان طقسًا خاصًّا، لحظة دافئة تبدأ بها يومها بطاقة تستمدها من هذا الرجل المتفاني في إسعادها.

لكن والدتها كانت ترى الأمور بشكل مختلف!

ذات صباح، بينما كانت فريدة تحتضن والدها بعد استيقاظها، قالت والدتها بنبرة حازمة:

-   فريدة، لازم تعتمدي على نفسك أكتر، مش معقول تفضلي طفلة طول عمرك.

عندها شعرت فريدة بالانزعاج، وكأن هناك ضربة بمطرقة ثقيلة هوت على قدمها. وقضيت بقية يومها تتساءل: لماذا ترى والدتها علاقتها بوالدها بهذه الطريقة؟ وهل كانت مخطئة في شيء؟ ولِمَ لا تترك أيامها تسير كما هي؟

لكن حتى عندما أدركت حقيقة كلمات أمها، كان ظلّ أبيها لا يفارقها، كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتها، من حفلات المدرسة، إلى قراراتها الكبيرة والصغيرة. كان يشعر بالفخر بها، وكان يرى فيها انعكاسًا له. فقط، عندما التحقت بالجامعة، بدت لها كلمات الأم حقيقية أكثر من اللازم، وبدأت تشعر بأن العالم ليس مثاليًّا كما كانت تعتقد، وكانت الحياة تستعد لخمش جدار الهدوء الذي يحيط بعالمها.

في إحدى المرات، بينما كانت تجلس مع زميلاتها في قاعة المحاضرات، قالت ندى -إحدى زميلاتها- بسخرية:

- فريدة لسه عايشة في فقاعة باباها، مش عارفة إن الدنيا مختلفة!

عندها شعرت فريدة بالارتباك، فهي لم تكن معتادة على أن يكون قربها من والدها موضع سخرية، لكنها فضّلت ألا ترد. لكن بعد المحاضرة، واجهتها ندى مباشرة:

-   إنتي لازم تبدئي تفكري لوحدك، مش كل حاجة ترجعي لباباكي.

وكان هذا أول تحدٍّ حقيقي تواجهه فريدة، شيء لم تفكر فيه من قبل.

كانت فريدة تعشق الإذاعة المدرسية، فلم تكن تخشى الوقوف أمام الجميع، بل على العكس، كانت تحب صوتها وهو يملأ ساحة المدرسة، وكان لديها شغف بالكلمات والقصائد، وأحبت نقل المشاعر من خلال صوتها؛ لذلك لم تكن مجرد طالبة تؤدي فقرتها الصباحية، بل كانت تشعر أن صوتها يحمل رسائل، يبث الدفء والإحساس في نفوس زميلاتها ومعلميها.

ذات ليلة، بينما كانت تحضّر لفقراتها الصباحية لليوم التالي، اقترب منها والدها حاملًا ورقة بين يديه، فنظر إليها بحب وقال مبتسمًا:

-   حبيبتي، دي أول قصيدة أكتبها ليكي، نفسي تلقيها في الإذاعة.

نظرت إليه فريدة بدهشة ممزوجة بالسعادة، أخذت الورقة بحماس، وبدأت تقرأ الكلمات:

مَنْ يا عصفورةَ قلبي

يهديكِ الآنَ الوردة؟!

من يمنحكِ الحُلْم،

يتغنَّى باسمكِ في الطرقاتْ

يُطعمك السُّكَّرْ!

"فالشاعرُ ماتْ"

لم يبقَ سوى الإنسانِ المطروحِ

بعرضِ الشارعْ!!

تتقاسمه الأرجلُ والعرباتْ!!

ظلٌّ يتأبَّطُ كلَّ مسافاتِ الوجعِ الليليِّ

يسير..

خلف غزالٍ يَشْردُ،

يتوجَّسُ هذا الدرب

من يجثو الآنَ ليرفعَكِ على كتفيْهِ

"فالحلمُ تكسَّرْ"

لنْ تَرَيِ الآنَ سوى رَهَجِ الترحالْ

على الكتفيْن!

قال صديقي:

الشاعرُ لم يَعُدِ الآنَ نبيًّا

يعرفُ كلَّ الأسرار

صارَ الشاعرُ ظلًّا للوهَجِ المنبعثِ من البركانْ

قلتُ: العمرُ يجيءُ

ولا أعرف غيرَ نبيٍّ يأتي من عينيْها

حين تحاولُ أن ترفعَ جفنْيها

كي تبعثَ فيَّ الخوفْ

قال: الشعرُ حروفٌ من نارْ!

قلتُ: عيونُك يا "بنتي" يسبح فيها

وجهُ الله!

لم تكن مجرد أبيات شعر، بل كانت رسالة حب من والدها، تعبيرًا عن فخره بها وعن مكانتها في قلبه. شعرت أنها تعبر عنها تمامًا، وكأنها كُتبت بروحها قبل أن تخرج من قلمه.

وفي اليوم التالي، عندما ألقتها في الإذاعة المدرسية، كانت تشعر بارتجاف طفيف في صوتها، ليس بسبب الخوف، بل بسبب التأثر العميق. أيضًا كان هذا ما جعلها أبدعت في الإلقاء، حتى إن الجميع صمت تمامًا ليستمع إليها. كان إحساسها عاليًا، وعيناها تلمعان بنشوة النجاح. بعد انتهاء فقرات الإذاعة، اقتربت منها صديقتها إنجي وقالت بدهشة:

-   إزاي باباكي يكتب لك قصيدة؟ ده إحنا حتى حبايبنا مش بيكتبوا لنا كده!

ضحكت فريدة، لكنها لم تكن بحاجة للرد، فقد كان حب والدها مختلفًا عن أي حب آخر، وهو ما جعلها تشعر أنها ليست بحاجة إلى اهتمام أي شخص آخر، فحب والدها كان كافيًا لملء قلبها تمامًا. وكان هذا يتجلى خلال الاحتفال بعيد الحب. فكل عام في يوم الحب، كانت تذهب إلى المدرسة حاملة وردة حمراء، لم تكن من زميل معجب أو من صديقة، بل كانت من الأب الحنون المحب. وكان هذا طقسهما السنوي. في الصباح، قبل أن تخرج من المنزل، يمد يده ليعطيها وردة، ويقول لها بابتسامته الدافئة:

-   كل سنة وإنتي حبيبتي الأولى.

كانت تأخذ الوردة معها بفخر، تضعها في حقيبتها طوال اليوم، وعندما تسألها زميلاتها عن مصدرها، كانت تجيب بفخر:

-   من بابا.

وكان الأمر غريبًا بالنسبة لهن، فمعظم الفتيات كن يحلمن بأن يحصلن على وردة من شاب، بينما كانت فريدة ترى أن حب والدها هو الأهم، فهو الحب الذي لا يخيب، ويدوم إلى الأبد. وكانت الوردة دليلًا على أنه مهما كبرت، فستظل طفلته المدللة، وسيفضلها على الجميع.

ومن هذا الحب، ورثت فريدة حب الشعر من أبيها. وذات يوم دخل الأستاذ أسامة -مدرس اللغة العربية- إلى الفصل بحماس، وقال بصوته الجهوري:

-   في مسابقة لإلقاء الشعر على مستوى المحافظة، واللي عندها الجرأة والثقة في نفسها منكم ممكن تشارك!

كانت فريدة متحمسة، لكنها كانت تخشى تلك الفكرة "المنافسة على مستوى المحافظة"، فلم يعد الموضوع مقصورًا على المدرسة فقط. لكنها في المساء أخبرت والدها عن مخاوفها، ابتسم الرجل بحنان وقال:

- إنتي أقوى من أي مسابقة، وبكرة هتشوفي بنفسك.

في اليوم التالي، اختار لها الأستاذ أسامة قصيدة "إذا الشعب يومًا أراد الحياة" لأبي القاسم الشابي، وقال لها بحماس:

- أنت قوية وشاطرة وهتقدري تتغلبي عليهم كلهم على المسرح.

تدربت على القصيدة لساعات حتى باتت تحفظها عن ظهر قلب. وفي يوم المسابقة صعدت على خشبة المسرح، وقبل أن تبدأ ألقت نظرة سريعة على والدها الجالس بين الحضور، كان هناك جالسًا يبتسم لها بثقة. أغمضت عينيها وبدأت في الإلقاء، كان صوتها قويًّا، مشبعًا بالمشاعر. وحين انتهت، دوّى التصفيق في القاعة. نظرت إلى لجنة التحكيم فرأت في أعينهم إعجابًا واضحًا، أدركت حينها أنها انتصرت، ليس فقط في المسابقة، ولكن على مخاوفها أيضًا.

وفي اليوم التالي، عندما دخلت معلمة اللغة العربية إلى الفصل وأعلنت أن موضوع التعبير في هذا اليوم عن القدوة، وطلبت من كل فتاة أن تكتب عن شخص تعتبره قدوتها في الحياة، كان بطلها حاضرًا. لم تفكر فريدة كثيرًا، أمسكت قلمها وبدأت تكتب عن والدها، الرجل الذي منحها القوة والأمان في هذه الدنيا. كتبت عن دعمه لها، وثقته فيها، وعن حبه غير المشروط. وعندما انتهت من الكتابة، شعرت بالفخر بكل كلمة. لكن لم تكن تتوقع رد فعل المعلمة، التي -بعد أن قرأت موضوعها- نظرت إليها وقالت بسخرية:

-   هو أنا كل ما أطلب منك تكتبي، هتكتبي عن باباكي؟ في بنات باباها متوفي، وبتجرحيهم بكلامك.

شعرت فريدة بالحرج أمام الفصل كله، لكنها تماسكت وقالت بهدوء:

-   أنا لم أقصد أن أجرح أي حد، لكني عبرت عن مشاعري.

ساد الصمت للحظات، ثم همست إنجي بجانبها:

-   ولا يهمك.. اللي كتبتيه جميل جدًّا.

مع هذا، ظلت كلمات المعلمة تؤلمها، وجعلتها تتساءل: هل من الخطأ أن تحب والدها بهذا الشكل؟!

ولم تكن وحدها التي تفكر في الأمر. ففي "الفسحة"، وعندما كانت فريدة تجلس مع إنجي، فجأة سألتها صديقتها:

- فريدة، هو ليه علاقتك بباباكي قوية كده؟

تنهدت فريدة وقالت:

-   عارفة يا إنجي، أنا اتولدت وقعدت ٨ سنين طفلة وحيدة مدللة قبل ما تيجي أختي. كنت بحس إن بابا هو العالم كله، كنت وأنا طفلة أستناه في الشباك، حافظة حتى صوت كحته! كان لازم يأكلني بإيده، وكنا بنلعب مع بعض لعبة تثير فزعه، كنت أمسك إيده وأغمض عيني وأرمي راسي كأني مُت، وأول ما هو يخاف ويحاول يصحيني، أفتح عيني وأضحك من فرحتي بلهفته عليا.

ابتسمت إنجي بحزن وقالت:

-   أبوكي مختلف عن بابا… بابا كان شديد، كل حاجة أوامر، عمري ما حسيت إني قادرة أتكلم معاه. حتى لبسي هو اللي بيختاره، عمري ما حسيت بالحرية زيك.

نظرت فريدة إليها بحزن، وأدركت أنه ليس كل الآباء مثل والدها. شعرت للمرة الأولى أن ما تملكه ليس مجرد حب أبوي، بل كنز حقيقي لا يقدر بثمن.

وهكذا ظل حب والدها يملأ حياتها، يمنحها القوة والثقة، ويجعلها تشعر دائمًا أنها ليست بحاجة إلى أي شيء آخر. فالحب الأول في حياتها لم يكن قصة عابرة، بل كان أساسًا متينًا بنى شخصيتها، وصنع منها الفتاة التي لا تحتاج غير نظرة واحدة من والدها، لتشعر أنها قادرة على مواجهة العالم بأسره.         

رجل لا يشبه أحدًا

كانت فريدة تعيش في عالمها الخاص، عالم كان فيه والدها كل شيء. لم تكن فقط ابنته، بل كانت حبيبته الصغيرة، وكان يعاملها كما لو كانت طفلة رغم مرور السنوات. لم يتغير شيء، ما زال يجلسها على حجره ويداعب خصلات شعرها، ويقول لها بحب:

-   حبيبتي، إنتي أجمل بنت في الدنيا.

وكانت تشعر بأن حب والدها لها مختلف، ليس فقط لأنه كان أبًا رائعًا، بل لأنه كان يعرف كيف يحتويها، كيف يكون حضنًا دافئًا تلجأ إليه عندما تضيق بها الحياة. لكن الطبيعة الأنثوية القلقة جعلتها في أحد الأيام، وكانت تجلس بجانبه في المساء تشاهد التلفاز وهو منشغل بقراءة الجريدة، تلتفت فجأة إليه وتسأله بصوت خافت:

-   بابا، هو أنا هفضل بنتك المدللة حتى لما أكبر؟

وضع الجريدة جانبًا، ونظر إليها بابتسامة دافئة، وقال بثقة:

-   طبعًا، مهما كبرتِ، إنتي في عيني حبيبتي الصغيرة.

لكنها لم تكن تدرك حينها أن هذه الأيام الجميلة لن تدوم للأبد، وأن علاقتها بوالدها ستواجه اختبارًا لم تعتقد يومًا أنه سيأتي.

أبي.. الصحفي والشاعر

كان والدها عاشقًا للشعر منذ صغره، يكتب القصائد والنثر، وكانت مكتبته مليئة بالكتب، ودواوين الشعر، والروايات العتيقة. كان يعتبر الكلمات نافذته للعالم، والطريقة التي يرى بها الحياة. وكثيرًا ما كان يقرأ لها بصوت عالٍ. لكنه -رغم كل هذا العشق- لم يسلك الطريق التقليدي للأدباء. في الحقيقة، كان يحلم بدخول كلية الهندسة، لكنه لم يتمكن من ذلك، فانجرف نحو الصحافة، وهناك وجد نفسه.

كان والد فريدة شخصية متميزة في مجال الكتابة والصحافة؛ حيث أثرى المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات المتخصصة في الإسلام السياسي. تميزت أعماله بعمق التحليل وسلاسة الأسلوب؛ مما جعلها محط اهتمام القراء والباحثين على حد سواء. ونظرًا لأهميتها، تمت ترجمة بعض هذه المؤلفات إلى اللغتين الإنجليزية والفرنسية؛ مما وسّع دائرة انتشارها وأتاح لغير الناطقين بالعربية الاستفادة من رؤاه وأفكاره.

كان شغوفًا بعمله، مكرِّسًا جلّ وقته للكتابة والبحث، مؤمنًا بدور الكلمة في إحداث التغيير والتأثير في المجتمع. لم يقتصر نشاطه على الكتابة فحسب، بل خاض تجربة إعلامية مميزة من خلال تقديم برنامج تلفزيوني وحيد. ورغم أنها كانت تجربته الأولى في هذا المجال، فإنه نجح فيها بامتياز، حيث كان البرنامج محط أنظار الجميع، من أبسط المواطنين إلى أكثرهم ثقافة. تميز بأسلوبه الفريد، بدءًا من لهجته البسيطة التي تخترق القلوب بسهولة، وصولًا إلى مصداقيته وشفافيته في تناول المواضيع.

وعندما قرر خوض غمار الانتخابات البرلمانية، حظي بدعم شعبي كبير؛ مما أهّله ليكون النائب الأول والأعلى تصويتًا. فقد أحبّه الناس لبساطته وقربه منهم، فقد كان يجسّد دور الأخ والأب والابن البار، بملامح الصعيدي الشهم الشجاع. تميّز بنزاهته وصدقه، وكان دائمًا قريبًا من هموم المواطنين، مكتبه مفتوح للجميع، يستمع لمشاكلهم ويسعى لحلها بكل إخلاص.

كذلك، خلال فترة رئاسته لتحرير إحدى الصحف كان قريبًا من الصحفيين، يدعمهم ويناصرهم، مؤمنًا بأهمية دورهم في نقل الحقيقة وتوعية المجتمع. كان مديرًا حنونًا وعادلًا، لا يخذل موظفيه، ويؤمن بأن الإدارة بالحب والعطاء هي السبيل لتحقيق النجاح والتميّز.

لذلك، لم يكن غريبًا في طفولتها عندما كانت كل مرة يُطلب منها كتابة موضوع تعبير عن شخصية مهمة أو رمز تكتب عن أبيها، حتى إن المعلمة سألتها مرة ساخرة: هو كل مرة هتكتبي موضوع عن والدك.. هو سعد زغلول يا بنتي؟!

وفي إحدى الليالي، وبينما كانت فريدة تقلب في أحد دفاتره القديمة، سألته بفضول:

-   بابا، أنت كنت بتحب الهندسة. ليه دخلت الصحافة؟!

ضحك والدها وهو يشبك يديه خلف رأسه، وقال:

-   الدنيا مش دايمًا بتدي لنا اللي إحنا عايزينه، بس أوقات بتدينا حاجة أحسن.

-   بس إنت كنت بتحلم تكون مهندس!

-   صحيح، لكن لقيت نفسي في الكتابة أكتر. ولما بدأت أكتب، حسيت إني بعرف أفهم الدنيا وأحكيها بطريقة مختلفة.

ظلت كلماته محفورة في ذهنها، ورغم أنها لم تكن تفكر في أن تصبح كاتبة، فإنها أدركت كم كان شغفه بالكلمات يشكل جزءًا من حياته. وفيما بعد، صار جزءًا من حياتها أيضًا.

أحلام مؤجلة

كانت فريدة تحلم بالسفر، أرادت أن ترى العالم خارج حدود مدينتها، أن تخوض مغامرات بعيدة عن الروتين المعتاد. كثيرًا ما كانت تجلس أمام شاشة الكمبيوتر، تبحث عن أماكن سياحية، تشاهد الكثير من مقاطع الفيديو عن السفر، وتقرأ تجارب أشخاص سافروا وحققوا أحلامهم.

وذات مساء جمعت شجاعتها وسألت والدها:

-   بابا، لو نجحت بمجموع عالي، ممكن تسيبني أسافر لوحدي في رحلة صيفية؟

نظر إليها والدها بتركيز، وكأنه يزن كلماتها، ثم قال بجدية:

-   السفر مسئولية كبيرة يا فريدة، مش مجرد فسحة، لازم تكوني مستعدة فعلًا.

أومأت برأسها بحماس:

-   أنا مستعدة! ها أثبت لك إني قد المسئولية.

راق له حماسها، لكنه ابتسم بحنان وربّت على رأسها:

-   نشوف، خلينا الأول ننجح بمجموع عالي.

ولم تكن تعلم أن هذا الوعد سيصبح عقدة في حياتها لاحقًا.

أول خلاف!

في الواقع، لم يكن كل شيء مثاليًّا! فقط هذه هي الحياة، لا يمكن أن تسير على وتيرة واحدة.

جاءت اللحظة التي شعرت فيها فريدة أن والدها غاضب منها لأول مرة في حياتها. كانت في الثانوية العامة، وكانت أحلامه لها أن تدخل كلية الإعلام لتصبح مذيعة مشهورة، لكنها تهاونت في دراستها، اعتقدت أن الأمور ستكون سهلة، لكنها صُدمت عندما حصلت على مجموع أقل من المتوقع.   

عندما علم والدها، نظر إليها بعيون مليئة بخيبة الأمل. قال بصوت هادئ لكنه مؤلم:

-   أنا كنت واثق فيكي.. سبت لك كل الحرية، لكنكِ خذلتيني.       

شعرت فريدة وكأن العالم قد انهار من حولها. لم يكن الأمر مجرد درجات فقدتها ومسيرة سوف تتغير خططها، بل كان إحساسها بأنها خيّبت ظن والدها لأول مرة في حياتها. وبعد أسابيع من التفكير، قررت أن تغير كل شيء. بدأت تضع جدولًا صارمًا لنفسها، تعيد تنظيم وقتها، وتبحث عن طرق لتحسين مهاراتها. انضمت إلى دورات تدريبية، بدأت في قراءة كتب تطوير الذات، واهتمت بتحسين مهاراتها في مجالات مختلفة، ليس فقط من أجل دراستها، بل لأنها أرادت أن تكون أفضل، أن ترى الفخر في عينَيْ والدها مرة أخرى.

مقالات مشابهة

  • محافظ الدقهلية لـ "البوابة نيوز": العمل الميداني سر النجاح وتقديم الخدمات وتوفير بيئة معيشية أفضل للمواطنين هدفي الأول.. طارق مرزوق: لا أعمل منفردا ولكنى فرد من ضمن أبطال وهم التنفيذيون وعمال النظافة
  • ليست مجرد حكاية عن أب وابنته.. «البوابة نيوز» تنشر حكايات من المتوالية القصصية "بنت أبوها" للكاتبة غادة عبدالرحيم
  • لماذا يحذر الخبراء من إعطاء الأطفال مكملات غذائية كالفتيامينات؟
  • 6 نصائح.. استعدادات العيد مع الأطفال ذوي الإعاقة البصرية
  • المخرج أحمد خالد موسي في حوار لـ"البوابة نيوز": أنا ضد فكرة التكرار لكن توليفة العتاولة لم تقدم من قبل .. ولم أظلم فريدة سيف النصر.. ولا نية لتقديم جزء ثالث
  • فاطمة المعدول: أكتب للأطفال بأفكار تشبه الفراشات
  • حوارات ثقافية| متحدثًا عن معرضه.. عازف الخطوط مراد درويش لـ «البوابة نيوز »: 153 اسكتش بغرض التعُلم.. والرسم هيكل أساسى للنجاح.. ترك التكنولوجيا وعودة المهارة اليدوية هدفى الأول
  • الفنان مراد درويش لـ "البوابة نيوز": ترك التكنولوجيا وعودة المهارة اليدوية هدفى الأول
  • «الجليلة» تتلقى تبرعاً بـ 50 مليون درهم لدعم «صندوق الطفل»
  • «انطباعات الحياة البرية».. مبادرة بيئية للأطفال