سواليف:
2025-03-20@14:32:41 GMT

إشكالية الهوية بين الوطنية والقومية

تاريخ النشر: 20th, March 2025 GMT

#إشكالية_الهوية بين #الوطنية_والقومية
الشاعر #أحمد_طناش_شطناوي
رئيس فرع رابطة الكتاب الأردنيين/ إربد
عندما نتناول مسألة الهوية الوطنية والهوية العربية من منظور فلسفي، فإننا نغوص في أعماق المفاهيم التي تجمع بين التاريخ والسياسة والثقافة والوجود الإنساني ذاته، فالهوية ليست مجرد إطار انتمائي، بل هي سيرورة ديناميكية تتشكل من خلال التفاعل بين الفرد والمجتمع، وبين الماضي والحاضر، وبين الذات والآخر، أي أنها ليست قالبًا جاهزًا، بل هي عملية مستمرة من التفاوض بين ما كنّا عليه وما نصبو لأن نكونه.

وتطرح الهوية إشكالية أساسية: من نحن؟ وما الذي يميزنا عن غيرنا؟
فلسفيا، يعد هذا السؤال من أكثر الأسئلة تعقيدًا، لأنه يتطلب تحديدًا لعناصر الذات في مواجهة الآخر، فالهوية الوطنية تُعرَّف عبر علاقتها بالدولة والتاريخ السياسي والاجتماعي، بينما تُعرَّف الهوية العربية من خلال اللغة والتاريخ المشتركين، غير أن كليهما يواجه تحديًا مستمرًا في ظل العولمة والصراعات السياسية والهيمنة الثقافية التي تعيد تشكيل وعي الأفراد والجماعات.

غير أن التوتر الحاصل بين الهوية الوطنية والهوية العربية لا ينحصر في كونه تناقضا سطحيا، بل هو جدل يعكس تعقيدات التاريخ العربي الحديث، فمنذ نشوء الدول الوطنية (نتاجات سايكس وبيكو) بعد تفكك الإمبراطوريات، بدأ الانقسام بين الانتماء القومي والانتماء الوطني يتعمق، حيث سعت الأنظمة السياسية إلى ترسيخ هوية وطنية مستقلة على حساب الهوية القومية الجامعة، لكن السؤال الأكبر يكمن في: هل يمكن للفرد أن يكون عربيًا دون أن يكون له انتماء وطني محدد؟ أو أن يكون وطنيًا دون أن يكون له امتداد عربي؟

إذا نظرنا إلى هذه الجدلية من منظور الألماني (هيغل)، فإننا نجد أن الهوية تتشكل من خلال جدلية “الذات والآخر”، أي أن تعريف الهوية لا يمكن أن يكون منعزلاً عن الصراعات والتفاعلات مع الهويات الأخرى، فالهوية الوطنية تتبلور غالبًا في مواجهة التحديات الداخلية كالصراعات السياسية والتنوع العرقي، بينما تتشكل الهوية العربية في مواجهة الهيمنة الخارجية ومحاولات طمس الذات الحضارية.
أما الفرنسي (بول ريكور) فيرى أن الهوية ليست كيانًا ثابتًا، بل هي سردية مستمرة تتشكل عبر الزمن من خلال الأحداث والتجارب التاريخية، فالهوية الوطنية تتطور نتيجة التغيرات السياسية والاجتماعية، بينما تستمد الهوية القومية قوتها من تراكمات ثقافية تمتد عبر التاريخ، وبذلك فإن أي محاولة لتجميد الهوية في قالب ثابت تؤدي إلى إقصاء جزء من المجتمع أو إنكار التحولات الطبيعية التي تطرأ عليها.

مقالات ذات صلة اختتام فعاليات الأسبوع الثاني من فعاليات رمضانيات ٢٠٢٥ باجواء رمضانية في جرش. 2025/03/18

أما في سياقنا العربي، نجد أن الأنظمة السياسية والإيديولوجيات القومية حاولت عبر التاريخ فرض تعريفات معينة للهوية، مما أدى إلى توترات بين النزعة القطرية والنزعة القومية، ومع ذلك فإن المفكر المغربي (محمد عابد الجابري) أكد أن المشروع النهضوي العربي لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تجاوز الثنائية الزائفة بين الهوية الوطنية والقومية، والتركيز على بناء وعي عربي حديث قائم على الديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية.
وإذا ما أردنا البحث عن حلول فلسفية لهذا التحدي، فعلينا أن ننتقل من مفهوم الهوية الأحادية إلى مفهوم الهوية المركبة، فكما تحدث اللبناني (أمين معلوف) عن فكرة “الهويات القاتلة”، حيث يؤدي التشدد في تعريف الهوية إلى الإقصاء والصراعات، فإن بناء هوية عربية وطنية متوازنة يتطلب تجاوز الإقصاء والاعتراف بتعددية الانتماءات.
وبالتالي، فإن الهوية ليست مجرد ماضٍ يُستدعى، بل هي مشروع يُبنى، فلا يمكن تحقيق نهضة عربية دون تعزيز الهويات الوطنية بطريقة لا تتعارض مع البعد العربي، بل تكمله وتغذيه في إطار مشروع حضاري مشترك، وهذا يتطلب نهجًا قائمًا على الحرية الفكرية، والتعددية، والتفاعل مع متغيرات العصر دون التخلي عن الجذور التاريخية.
وإن النقاش حول الهوية الوطنية والهوية العربية لا يجب أن يبقى في إطار الجدل السياسي فقط، بل يجب أن يتحول إلى مشروع فكري يعيد تعريف العلاقة بين الفرد والجماعة، وبين المحلي والقومي، وبين التراث والحداثة، فلا يمكن للوطنية أن تنجح إن لم تكن جزءًا من فضاء ثقافي أوسع، كما لا يمكن للعروبة أن تتحقق دون أن تجد تجسيدًا عمليًا في الدول الوطنية.
فالهوية، ليست معطى جاهزًا، بل هي مشروع مستمر يتطلب إعادة التفكير فيه وفق تطورات الزمن، وإعادة بنائه في كل مرحلة من مراحل التاريخ.
وأخيرًا يبقى السؤال الإشكالي الذي يفتح بابا واسعا على النقاش: كيف يمكن للدول العربية اليوم أن تتجاوز أزماتها الهوياتية لبناء مستقبل مشترك؟

المصدر: سواليف

كلمات دلالية: الهویة الوطنیة الهویة العربیة من خلال أن یکون لا یمکن

إقرأ أيضاً:

كيف يمكن للمصور أن يلتقط صورا تبقى في الذاكرة وتؤثر في الوعي الجماعي واتخاذ القرار؟!

في عصر تغمرنا فيه ملايين الصور يوميا، يصبح السؤال عن قدرة الصورة على البقاء والتأثير أكثر إلحاحا من أي وقت مضى. كيف يمكن للصورة الفوتوغرافية أن تتجاوز كونها مجرد لقطة عابرة وسط سيل المحتوى البصري، لتترسخ في الذاكرة الجماعية وتصبح دافعا للتغيير؟

طرحنا هذا السؤال وغيره على ثلاثة مصورين عالميين محترفين، لكل منهم قضية بيئية صرف تفكيره لها واستخدم عدسته كأداة لروايتها وإخبار العالم عنها، والذهاب بالصور الجميلة إلى ما هو أبعد لتكون سردا بصريا مؤثرا.

فهناك غيريت فين المصور الذي فتح نافذة على الحياة الاستثنائية للطيور الساحلية والشاطئية في القطب الشمالي الأمريكي بل وشدد من خلال تجربته على أهمية حماية التنوع البيولوجي. أما المصور صاحب الخلفية العملية رالف بيس فيذكر من خلال صوره أهمية الوعي بتغير المناخ وتأثيرنا عليه، وكيف يمكن أن نعامل المحيطات بشكل أفضل. أما خايمي روخو، الذي لاحق فراشات المونارك المهددة بالانقراض بعدسته وشهد موت الكثير منها، فيحاول من خلال تجربته الإجابة على سؤال اختفاء بعض الكائنات والسبيل إلى إنقاذها.

فما الذي يجعل الصورة أكثر من مجرد مشهد جميل؟ وما العوامل التي تمنحها القدرة على التأثير في الوعي الجماعي؟ هذا ما سيجيب عليه المصورون الثلاثة فيما يلي من سطور.

التأثير والذاكرة

في عصر تزاحم الصور والاستهلاك البصري اللامحدود، طرحنا على المصورين الثلاثة سؤالا: كيف يمكن للمصور أن يلتقط صورًا تبقى في الذاكرة وتؤثر في الوعي الجماعي؟

قال غيريت فن: هذا سؤال جيد جدًا. كمصور، أحاول دائمًا التقاط صور تكون أولا جميلة، فأنا أعتقد أن القيمة الجمالية مهمة جدا. الشيء الآخر الذي أبحث عنه هو محاولة سرد قصة من خلال الصور، وهذا يساعد كثيرا. وأخيرا، أريد أن تثير صوري مشاعر لدى الجمهور. عندما تنشئ ارتباطا عاطفيا مع الجمهور، يصبح من السهل لصورتك أن تبرز وسط آلاف الصور الجميلة التي نراها يوميًا عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. نحن نعيش في عصر مربك للغاية، لكنه أيضًا وقت رائع لنكون مصورين، لأن لدينا القدرة على إحداث فرق. لكن يجب أن نعمل بجد حتى تتميز صورنا.

فيما قال رالف بيس: مع تزايد انتشار الصور والتكنولوجيا التي تتيح للجميع التقاط الصور، ارتفع مستوى الجودة، لكن قد يكون هناك نقص في التميز الحقيقي. لذلك، هناك مساحة كبيرة لأولئك الذين يركزون على القضايا المهمة. في مجالي، السرد القصصي هو الأساس. إذا كنت تريد أن تتميز، فعليك أن تبحث في القضايا المعقدة التي نواجهها اليوم. لم يعد كافيًا أن تلتقط صورًا جميلة فقط؛ يجب أن تكون قادرًا على سرد قصة من خلالها. عالمنا اليوم بحاجة إلى هذا النوع من التصوير أكثر من أي وقت مضى، سواء في قضايا البيئة أو حقوق الإنسان. هناك أشياء كثيرة تتغير بسرعة، وإذا كنا نريد مستقبلًا أفضل، فعلينا أن نغير أساليبنا.

أما خايمي روخو فعبر قائلا: بالنسبة لي، الجمال هو نقطة البداية، لكن القصة هي التي تصنع الفرق. لا يكفي أن تكون الصورة جميلة، يجب أن تروي شيئًا. نحن شهود على التغيرات التي تحدث في العالم، ولدينا مسؤولية كبيرة لنقل هذه القصص. في بداية مسيرتي، قررت أنني لا أريد مجرد التقاط صور جميلة، بل أردت أن أروي قصصًا تساعد في تغيير العالم وحماية كوكبنا الجميل.

أكثر من مجرد سجل بصري

بالنسبة لفين وبيس وروخو، وهم مهتمون بالقضايا البيئية الصورة تتجاوز مجرد كونها سجلًا بصريًا لتصبح أداة تدفع نحو التغيير الاجتماعي أو السياسي، سألناهم عن كيفية ذلك؟!

أشار غيريت فين قائلا: "أعتقد أن مفتاح تحول الصورة إلى أداة للتغيير يكمن في جهد المصور نفسه. بالنسبة للكثيرين، تنتهي عملية التصوير بمجرد نشر الصورة، لكنني أؤمن بأن عملنا يبدأ بعد التقاط الصورة. أنا أعرّف نفسي كمصور معني بالحفاظ على البيئة، لذا لا يكفي أن نكتفي بالإلهام، بل يجب أن نذهب إلى أبعد من ذلك، وأن نكون نشطين في حماية الأماكن والأنواع التي نصورها".

وأضاف: "عندما تحصل أعمالنا على انتشار عالمي، فإنها تمنحنا وصولًا إلى الأشخاص النافذين وصناع القرار الذين يمكنهم إحداث تغيير حقيقي، سواء من خلال سن القوانين أو تقديم التمويل لمشاريع الحفاظ على البيئة. إنها عملية مستمرة، تمامًا مثل ضرب صخرة بمطرقة مرارًا وتكرارًا حتى تتحطم".

وقال رالف بيس: "أنا أعمل بشكل أساسي مع العلماء، وأتيت من خلفية علمية. المشكلة أن ما يكتشفه العلماء يستغرق عادةً سنوات قبل أن يصل إلى وسائل الإعلام الجماهيرية بسبب عمليات المراجعة العلمية. ولكن المصورين لديهم القدرة على تسريع هذه العملية من خلال تقديم تلك القضايا في وقت أبكر من وصولها إلى الأخبار العامة".

وتابع: "إذا عملت مع العلماء، يمكنك أن تفهم الاتجاهات المستقبلية قبل أن يعرفها الآخرون، ويمكنك استخدام صورك للتحدث عنها. لا يمكن للعلماء تسريع نشر أبحاثهم، لكن المصورين يمكنهم أخذ نتائجهم وإيصالها إلى العالم بطريقة بصرية مؤثرة. البشر كائنات بصرية، وعندما نعرض عليهم صورة قوية، يكون التأثير أكبر من مجرد تقديم بيانات أو إحصائيات".

وأجاب خايمي روخو بقوله: "المفتاح هو الاستمرار في العمل بعد التقاط الصورة. نشر الصورة ليس نهاية القصة، بل بدايتها. من خلال نشر صورنا على نطاق واسع، يمكننا الوصول إلى الأشخاص الذين لديهم القدرة على تغيير القوانين أو تقديم التمويل للحفاظ على البيئة". وتابع: "هذه عملية تتطلب جهدا مستمرا، مثل ضرب صخرة بمطرقة مرارا وتكرارا حتى تتحطم. التأثير لا يحدث فورا، لكنه يتراكم بمرور الوقت".

إثارة الجمهور

ثمة عناصر سردية يجب أن تتضمنها الصورة لإثارة المشاعر في الجمهور لتشجعهم على التفكير أو اتخاذ موقف معين، قال غيريت فين عنها: "كل صورة قوية يجب أن تتجاوز الجمال البصري وحده. هذا هو جوهر محاضرتي اليوم، حيث سأناقش فكرة "ما بعد الجمال". الجمال مهم، لكنه ليس كل شيء. القصص لها قوة هائلة. نحن كنوع بشري نحب القصص، وقد اعتدنا منذ العصور القديمة على سردها حول النيران. القصص يمكنها أن تكون من أقوى المحركات للتغيير الاجتماعي، لأن السياسة نفسها قائمة على السرد، فالحروب تبدأ وتنتهي بالقصص".

وأضاف: "أنا لا أريد التركيز فقط على الأشياء السلبية، بل أريد تسليط الضوء على الأشياء التي تلهم الناس لاتخاذ إجراءات. إذا كان كل شيء قاتمًا، فإن الناس سيشعرون بالإحباط ولن يرغبوا في التحرك. لكن إذا رأوا بصيص أمل، حتى لو كان ضعيفا، فإن ذلك يمكن أن يدفعهم للتصرف. لذلك، لا تهمني فقط الصور التي ألتقطها، بل القصص التي يمكن أن أحكيها من خلالها".

وقال رالف بيس: "نحن، كمصورين، نحاول دائمًا التقاط الصور التي تؤثر على المشاعر. في البداية، ركز التصوير البيئي كثيرا على صور الكوارث والجثث والحيوانات النافقة، لكن الناس أصبحوا غير مبالين بها. لذلك، من الضروري إيجاد طرق جديدة للتواصل، مثل التركيز على قصص النجاح في الحفاظ على البيئة، وإبراز الحلول وليس فقط المشكلات".

وتابع: "إذا عرضت صورة جميلة، سيجذب الناس إليها، ثم من خلال التعليقات المرفقة بالمعرض أو التفسير المصاحب، يمكنك إيصال رسالتك. بهذه الطريقة، يدخل الجمهور إلى المعرض بدافع الجمال، لكنه يخرج بفهم أعمق للقضية التي تناقشها".

وأشار خايمي روخو إلى أن "القصص هي العنصر الأساسي. البشر متصلون بالسرد بطبيعتهم. عندما تُحكى قصة بشكل جيد، يمكنها أن تصبح أحد أقوى المحركات للتغيير".

وقال: "أنا أركز على تسليط الضوء على الحلول بدلا من التركيز فقط على المآسي، لأن الناس بحاجة إلى الأمل كي يتحركوا. إذا كنت تُظهر لهم فقط المشاكل، فقد يشعرون بالإحباط والاستسلام. لكن إذا رأوا بصيص أمل، حتى لو كان صغيرًا، فسيدفعهم ذلك إلى اتخاذ إجراءات".

مقالات مشابهة

  • إشكالية الهوية الكردية في علاقتها بالدين والسياسة والتوازنات الإقليمية
  • إشكالية الهوية الكردية في علاقتها بالدين والسياسة والتوازنات الإقليمية- عاجل
  • إشكالية الهوية الكردية في علاقتها بالدين والسياسة والتوازنات الإقليمية- علجل
  • ”البخنق“ يعيد إحياء التراث ويعزز الهوية الوطنية لدى أطفال القطيف
  • أمسية رمضانية طلابية بمأرب تؤكد على دور الشباب في تعزيز الهوية الوطنية
  • ثقافة المنيا تواصل تعزيز الهوية الوطنية بفعاليات فنية وثقافية في جزيرة شارونة
  • كيف يمكن للمصور أن يلتقط صورا تبقى في الذاكرة وتؤثر في الوعي الجماعي واتخاذ القرار؟!
  • أمانة منطقة الرياض تطلق فعاليات الخيمة الثقافية لتعزيز الهوية الوطنية والتواصل المجتمعي
  • الناقدة مها متبولي لـ«الأسبوع»: محمد رمضان لا يستحق لقب «نمبر وان».. ومي عمر ليست بطلة مطلقة