هل سافر ابن بطوطة إلى الصين؟ باحثون يروون من جديد حكاية الرحالة المغربي
تاريخ النشر: 16th, March 2025 GMT
طنجة- في مدخل متحف برج النعام بمدينة طنجة، يقف تمثال ابن بطوطة بشموخ حاملا رسالة تذكّر العالم برحلته التاريخية التي ساهمت في مد جسور بين الشرق والغرب.
انطلق ابن بطوطة من هذه المدينة الساحلية، حيث ولد، في رحلة استغرقت ربع قرن، جاب خلالها العالم، ووصل إلى بلدان لم يسبقه إليها أحد، في أقصى الشرق في ماليزيا والفلبين، ومرورا بجزر المالديف والهند.
ترك هذا الرائد في الرحلة وأدبها كتاب "تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار"، المعروف أيضا بـ"رحلة ابن بطوطة"، لكن ما جاء في روايته عن زيارته الصين أسال كثيرا من المداد وأثار حوله الشكوك من قِبل المستشرقين.
جدل رحلة الصينيرى الباحث المغربي عبد الله العلوي مؤلف كتاب "ابن بطوطة في الصين" -في حديث للجزيرة- أن سوء الترجمة أدى إلى تشكيك المؤرخين الغربيين في بعض روايات ابن بطوطة، إذ فهم المؤرخ الفرنسي هنري بول (1946-2017) من وصف ابن بطوطة تجارا صينيين يستخدمون الفيلة في مدينة "قلقيلية" (مدينة لم تعد قائمة) بالأرخبيل الإندونيسي أنه يتحدث عن الصين، وهو ليس كذلك.
كما أن المغاربة شككوا في روايات ابن بطوطة التي تصف ثراء الصين، وفي القصص الخارقة مثل حكاية المشعوذ الذي قطع أعضاء صبي ثم ركبها من جديد، وهذه حكاية أكد ابن بطوطة أنها خدعة.
إعلانلذلك، فإن انتقاد ابن بطوطة جاء نتيجة سوء فهم، وقد تعرض لهذا الموقف كل الرحالة تقريبا ومنهم ماركو بولو، فالناس تظن أن جميع الشعوب تعيش على شاكلتها، ثم إن الصين كانت بعيدة ومختلفة الثقافة كليا، ومن ثم فلا أحد صدق الرحالة فيما رووه.
ويلاحظ الأكاديمي المغربي ناصر بوشيبة -في حديث للجزيرة نت- أن ابن بطوطة يعد من أبرز رواد أدب الرحلة في العالم الإسلامي، إذ جاب أصقاع الأرض من المغرب إلى الصين وإندونيسيا، حاملا معه رؤية صوفية ساهمت إلى حد ما في المبالغة في روايته لبعض الأخبار، متأثرا بالمتخيل الشعبي الذي يؤمن بالكرامات والخوارق.
مع ذلك، يشدد الباحث بوشيبة -صاحب كتاب "تاريخ العلاقات بين المغرب والصين"- على أن انتقاص مستشرقين من ابن بطوطة غير مقبول، مشيرا إلى أن ذلك يأتي في سياق تاريخي من التنافس بين الشمال والجنوب، ومحاولات التقليل من قيمة الحضارة الإسلامية.
ويستعرض عدة أدلة من المصادر الصينية التي تثبت صحة رواية ابن بطوطة، ومن أهمها وجود شخصية الشيخ برهان الدين الكازروني، الذي ذكره ابن بطوطة في رحلته، في الوثائق الصينية القديمة، كما أن وصف ابن بطوطة مختلف الهدايا المتبادلة بين سلطان الهند وإمبراطور الصين وأهداف البعثة الدبلوماسية الصينية إلى الهند، تتطابق بشكل كبير مع ما ذكره المؤرخون الصينيون.
في حين يقول رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث وارف قميحة للجزيرة نت إن الشكوك حول رحلة ابن بطوطة إلى الصين تعود إلى: "وصفه بعض العادات الصينية (مثل استخدام الأوراق النقدية) الذي يتطابق مع روايات ماركو بولو، مما دفع المؤرخ هنري بول للاعتقاد بأنه نقلها من مصادر أخرى. كما أن غياب ذكر سور الصين العظيم في روايته، رغم أنه رمز بارز، يثير تساؤلات عن مدى دقته". ويرى المغاربة أن رواية ابن بطوطة عن "عجائب الصين" تشبه قصص "ألف ليلة وليلة"، مما قد يشير إلى تضخيم أو استعارة أدبية.
دور التجار والمستكشفين العرب في نقل المعرفة والثقافة بين الحضارتين الصينية والعربية أثار اهتمام الباحثين، فوجدوا في تتبع خطى ابن بطوطة وسيلة لفهم هذا الترابط العميق.
إعلانولاحظ الباحث اللبناني وارف قميحة التأثير الإسلامي في المعمار المحلي، إذ إن هناك جناح الآثار الإسلامية بمتحف مدينة الزيتونة (تشيوانتشو حاليا) للمواصلات البحرية مما يؤكد وجود جالية إسلامية نشطة.
ومن الآثار التي صادفها وذكرها ابن بطوطة:
ميناء تشيوانتشو حاليا الذي كان يعد من أكبر الموانئ التجارية. مسجدها القديم (مسجد تشينغ جينغ/ مسجد الأصحاب) ولا يزال قائما حتى اليوم، ويعد من أقدم المساجد في الصين. في مدينة خان بالق (عاصمة الخان/ بكين حاليا)، تحدث عن قصر الإمبراطور المنغولي، الذي يحتمل أن يكون موقع "المدينة المحرمة" لاحقا. وصفه العمارة الفخمة في المدينة يتوافق مع سجلات الحقبة اليوانية (سلالة يوان). مقابر صحابة النبي محمد ﷺ في جنوب الصين، مثل مقبرة سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- في غوانغتشو، وهذه المقبرة لا تزال مزارا للمسلمين الصينيين.يقول الأكاديمي قميحة إن ابن بطوطة وصل إلى الصين في أواخر عهد أسرة يوان (المنغولية)، التي كانت تعاني اضطرابات سياسية وثورات ضد الحكم الأجنبي، مما جعل تحركاته محدودة وخطرة.
ويرجح أن تنقله بين المدن الساحلية بدلا من التوغل داخليا جعله يعتمد على كرم التجار المسلمين، مما يفسر تغير وضعه المادي بين الرفاهية والاعتماد على الآخرين.
وهو ما أكده بوشيبة بذكره أن ابن بطوطة سافر عبر القناة المائية التي تربط بين الخنساء (هانغتشو) وبكين، وقدم وصفا تفصيليا لكل مدينة وحاكمها، مبرزا أن رحلته أثارت إعجاب الباحثين الصينيين، الذين رأوا في شهادته دعوة إلى التعايش الممكن بين الثقافات المختلفة.
ويبرز العلوي أن ابن بطوطة كان "متغير الخاطر"، كما عبر هو بنفسه، إذ لم تعجبه المنكرات في الصين، ولم يكن له حظ للالتقاء بالإمبراطور والأمراء كما في بلدان أخرى، بينما كان مصدره الأساسي للمعلومات التاريخية هو القاضي "الصاغرجي"، الذي نصحه بمغادرة الصين.
إعلانويشير إلى أن ابن بطوطة وضع عِلم الرحلة المقارن على خلاف من سبقوه الذين كانت رحلاتهم وصفية فقط، إذ كان يقارن الخضر واللحوم، والخزف، والفواكه، والأنهار، والكرم، والبحار، وعادات الشعوب، حتى أنه قارن فاكهة "النبق" الشوكية في المغرب وفي الهند، وذكر أن الخزف الصيني الذي يصنع بها يصل إلى المغرب في تلك المرحلة.
يقول قميحة إن ابن بطوطة انبهر أيضا بالاختراعات الصينية مثل الورق النقدي، مقارنة باستخدام المغرب للعملة المعدنية، كما أشار إلى أن الصينيين "لا يغادرون بلادهم أبدا" بسبب الاكتفاء الذاتي، بينما المغاربة كانوا تجارا رحالين، ووصف القصور الصينية ذات الأسقف المزخرفة، مقارنة ببساطة العمارة المغربية الإسلامية، وذكر أن المسافر في الصين يمكنه حمل الذهب لمسافات دون خوف، بينما في المغرب كانت القوافل تحتاج حراسة مسلحة.
ويقول رئيس جمعية التعاون الأفريقي الصيني للتنمية بوشيبة أن المؤرخين الصينيين استفادوا من كتاب ابن بطوطة لفهم تاريخ المجتمع الصيني والإدارة العمومية المحلية في تلك الحقبة، والذي كان مقسما إلى الطبقة الحاكمة من أسرة اليوان (المغول)، والعرب من غرب آسيا المشتغلين في الصناعات الحربية والمصارف، ثم الصينيين الأصليين (الهان) الذين كانوا يعانون الاضطهاد.
ويضيف أن ابن بطوطة روى أن الصين أحسن مكان لتطوير الأعمال التجارية، لوجود إجراءات أمنية صارمة، مثل محطات الإقامة والتفتيش، وتجهيز المسافرين بالمؤن الضرورية، وإرسال كل المعلومات الضرورية إلى المحطة الموالية، كما وصف بدقة جوانب من الحياة الصينية، مثل الطبخ بالبخار وصناعة الخزف، وقارنها بالمنتجات المحلية.
كان ابن بطوطة يميز ما شهده وما سمع به وما حُكي له، ويضيف أحيانا "والله على ما أقول شهيد". ويشرح العلوي أن خلفيته الإيمانية تمنعه من مخالفة الصدق، فمثلا سمع أن سد يأجوج ومأجوج يقع على بعد 6 أشهر من خان بالق، وأن هناك بشرا يأكلون "بني آدم إذا ما ظفروا به"، غير أنه أكد أنه "لم يشاهد السد ولا من شاهده".
إعلانبينما يبرز قميحة أن ابن بطوطة، بصفته فقيها مالكيا، كان ينظر إلى الصين عبر عدسة "دار الإسلام ودار الكفر"، فوصف إعجابه بتسامح الصينيين مع المسلمين، لكنه استنكر عادات مثل عبادة الأصنام.
ويضيف أن عدم إتقانه اللغة الصينية جعله يعتمد على ترجمة التجار المسلمين، مما قد يكون سبب أخطاء في نقل بعض التفاصيل. كما قد يكون أدخل بعض القصص الشفوية التي سمعها في رحلته ضمن سياق مشاهداته الشخصية، لتعزيز عنصر الإثارة في الرواية.
يحتفي الصينيون بابن بطوطة ليس فقط بصفته رمزا للتعددية الثقافية، بل أيضا لجذب السياح وتعزيز السياسة الخارجية.
يقول الأكاديمي قميحة إن الصين اليوم تروج لتراثها كملتقى للحضارات، وابن بطوطة يمثل التواصل التاريخي بين الصين والعالم الإسلامي. كما أن تسمية الشوارع والفنادق باسمه في مدن مثل تشيوانتشو تعكس رغبة في تسليط الضوء على تاريخها كجزء من شبكة طريق الحرير.
ويضيف أن الاحتفاء يأتي بتوافق مع خطاب "الحزام والطريق" الذي يُظهر الصين دولة منفتحة تاريخيا، وهي مبادرة صينية قامت على أنقاض طريق الحرير في القرن الـ19 من أجل ربط الصين بالعالم، لتكون أكبر مشروع بنية تحتية في تاريخ البشرية.
بالإضافة إلى ذلك، أفرد الصينيون لابن بطوطة دراسات منشورة في مجلة العالم العربي، وهناك عديد من الكتب حول تاريخ أسرة "اليوان" التي اعتمدت على رحلاته، والتي لم تُترجم بعد إلى اللغة العربية، كما يبرز الكاتب العلوي.
ومن بين من اهتم برحلة ابن بطوطة المستشرق الصيني عضو مجمع الكتاب الثقافي الصيني الدولي وو فو قوي (عبد الكريم)، الذي استغرق تأليف كتابه "رحلات ابن بطوطة في الصين" عدة عقود.
ويعد هذا الكتاب مرجعا أكاديميا مهمًا يوثق عملية الترجمة والتواصل الثقافي بين الصين والمغرب، ويقدم تحليلات وشروحات النسخ الأصلية من "رحلة ابن بطوطة".
يقول الخبير في شؤون الشرق الأوسط الصيني وو فو قوي عبد الكريم للجزيرة نت إن كتاب "رحلة ابن بطوطة"، قدم وصفا دقيقا لتفاصيل الحياة في الصين، من عادات وتقاليد وفنون وعمارة، مما أتاح للأوروبيين والعرب على حد سواء فرصة التعرف على حضارة بعيدة ومختلفة، وصحح الصورة المشوشة وغير الدقيقة التي كانت سائدة في أوروبا عن الصين.
ويبرز أن كتاب ابن بطوطة يعد وثيقة تاريخية ثمينة توثق العلاقات العريقة بين العرب والصين في القرن الـ14، وشهادة حية على الروابط الثقافية والتجارية التي كانت قائمة بين الحضارتين.
إعلانكما ساهم في تقديم صورة إيجابية عن الصين في العالم العربي، ووصف حياة المسلمين المغتربين هناك، مما ساعد على تعزيز الاحترام والتقدير للحضارة الصينية، والتواصل والتفاهم بين المسلمين في مختلف أنحاء العالم.
المصدر: الجزيرة
كلمات دلالية: حريات رمضان اجتماعي رحلة ابن بطوطة ابن بطوطة فی إلى الصین فی الصین کما أن
إقرأ أيضاً:
نفط عُمان يسجّل قفزة والمحادثات الأمريكية الصينية تعيد الأمل للأسواق
عواصم - العمانية "ورويترز": ارتفع سعر نفط عُمان الرسمي تسليم شهر يوليو القادم إلى 62 دولارًا أمريكيًّا و10 سنتات للبرميل، مسجلًا زيادة قدرها دولارًا و47 سنتًا مقارنة بسعر الخميس الذي بلغ 60 دولارًا و63 سنتًا.
ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه الأسواق العالمية موجة صعود لأسعار النفط، مدفوعة بتطورات إيجابية على صعيد العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، أكبر اقتصادين في العالم. وتجدر الإشارة إلى أن المعدل الشهري لسعر الخام العُماني تسليم شهر مايو الجاري بلغ 72 دولارًا و51 سنتًا للبرميل، منخفضًا 5 دولارات و12 سنتًا عن تسليم شهر أبريل الماضي.
وفي الأسواق العالمية، صعدت العقود الآجلة لخام برنت 42 سنتًا أو 0.7 بالمائة إلى 62.55 دولار للبرميل، كما ارتفعت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 43 سنتًا أو 0.7 بالمائة إلى 59.67 دولار للبرميل، وسط أجواء من التفاؤل بعد إعلان الصين أنها منفتحة على محادثات جديدة مع واشنطن بشأن الرسوم الجمركية.
وقالت وزارة التجارة الصينية إنها تُقيِّم عرضًا من الولايات المتحدة لاستئناف المحادثات التجارية، ما أعاد الآمال بإمكان نزع فتيل التوترات التي أضعفت الأسواق وأثرت سلبًا على سلاسل التوريد العالمية.
وكانت أسعار النفط قد تأثرت في الأسابيع الماضية بمخاوف من ركود اقتصادي عالمي ناتج عن اتساع الحرب التجارية، في وقت تتجه فيه مجموعة "أوبك بلس" إلى رفع إنتاجها تدريجيًا.
وفي تعليقها على التطورات، قالت فاندانا هاري، مؤسسة شركة "فاندا إنسايتس" لتحليل أسواق النفط :إذا قررت واشنطن السير في اتجاه التهدئة، فسيشكل ذلك تحوّلًا في المزاج العام داخل الأسواق، مؤكدة أن الطريق لن يكون سهلًا، لكن هذه بوادر مشجعة لتجاوز مأزق أثقل كاهل الأسواق لأسابيع.
إلى جانب ذلك، تلقت أسعار النفط دعمًا إضافيًا من تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بفرض عقوبات ثانوية على مشتري النفط الإيراني، بعد تأجيل جولة من المحادثات مع طهران بشأن برنامجها النووي، وكان ترامب قد أعاد سابقًا فرض سياسة "الضغوط القصوى" على إيران، في مسعى لدفع صادراتها النفطية نحو الصفر ومنعها من تطوير السلاح النووي.
وحققت أسعار النفط مكاسب بنحو 2% عند تسوية تعاملات الخميس، مستفيدة من هذه التصريحات، رغم استمرار التوقعات بزيادة المعروض من مجموعة "أوبك بلس".
ونقلت رويترز عن مصادر أن السعودية أبلغت شركاءها بأنها لا تمانع في تحمّل انخفاض الأسعار لفترة طويلة، ولا تخطط لدعم السوق عبر تخفيضات إنتاج إضافية، فيما يستعد عدد من أعضاء "أوبك بلس" لاقتراح تسريع وتيرة زيادة الإنتاج خلال اجتماع يجمع 8 دول من الأعضاء يُعقد يوم الأثنين المقبل لتحديد خطة إنتاج يونيو.
وأشارت وحدة أبحاث "بي.إم.آي" التابعة لوكالة فيتش إلى أن نمو إمدادات الدول غير الأعضاء في "أوبك بلس"، إلى جانب تراجع هيكلي في نمو الطلب العالمي، سيجعل المجموعة مضطرة إلى التكيّف مع أسعار أقل، بغض النظر عن توقيت تقليص خفض الإنتاج.