"أنجبت قتاتين توأم يوم الأحد ولا أستطيع أن أبقيهم على قيد الحياة" .. هكذا تحدثت ماريا موسيليان، وهي سيدة من أرمينيا عن الأوضاع الإنسانية الكارثية التي تعيش بها، هي وجميع سكان مدينتها، في كلمات تعبر عن حجم الوضع المأساوى بتلك المنطقة، ووسط اتهامات لأذربيجان بعرقلة جميع الإمدادات إلى جيب ناجورنو كاراباخ العرقي الأرمني، تتزايد المخاوف بشأن مصير 100 ألف شخص يعيشون هناك.

وتكمل السيدة حديثها قائلا: "كانت هناك أيام أثناء حملي أدركت فيها أنني لم أحصل على ما يكفي من الطعام، والآن لا يتعلق الأمر بالطعام فقط، فلا يوجد ورق تواليت، ولا معجون أسنان، ولا حليب أطفال، ولا ملابس للأطفال"، وهنا ما قصة تلك المنطقة، وكيف يكون لأذربيجان دورا في حصار أرمن في ظل وجود دولة خاصة بهم، وهنا نرصد تفاصيل تلك الأزمة الإنسانية المتأججة.

 

أرمن محاصرين داخل أذربيجان 

ووفقا للتقرير الذين نشرته صحيفة بوليتيكو الأمريكية، فقد خاض أرمن منطقة ناجورنو كاراباخ حربًا ضد أذربيجان في أوائل التسعينيات، وقُتل خلالها مئات الآلاف من الأذربيجانيين أو أُجبروا على الفرار من منازلهم عندما سيطر الأرمن على السلطة وأعلنوا استقلال دولتهم الانفصالية غير المعترف بها - داخل حدود أذربيجان المعترف بها دوليًا، ولكنها ظلت معزولة عن بقية البلاد بسبب الخنادق والتحصينات.

ثم قلبت أذربيجان الطاولة في عام 2020 بهجوم خاطف استعادت أجزاء رئيسية من الجيب، وتوقفت الحرب بوقف إطلاق النار بوساطة روسية، لكن في الأشهر الأخيرة ضيقت أذربيجان الخناق على ممر لاتشين، وهو طريق جبلي يمثل الرابط الوحيد بين ناجورنو كاراباخ وأرمينيا، وهو ما قطع خط الإمدادات الغذائية والإنسانية لتلك المنطقة، وهنا أصبحت أزمة معقدة.

حصار

وبحسب الصحيفة الأمريكية، ففي كورنيدزور، وهي قرية أرمنية على الحدود مع أذربيجان، كان هناك صف من شاحنات المساعدات البيضاء - المحملة بمئات الأطنان من الدقيق وزيت الطهي وغيرها من الإمدادات من الحكومة الأرمينية - عالقة عند نقطة تفتيش تابعة للجيش خلال الشهر الماضي، وترفض أذربيجان السماح لها بالمرور، فيما تحذر منظمات الإغاثة، بما في ذلك اللجنة الدولية للصليب الأحمر، من أنها غير قادرة على إيصال الغذاء والوقود إلى المنطقة الانفصالية وأن أزمة إنسانية تلوح في الأفق.

ويقول سيرجي غازاريان، وزير خارجية حكومة ناجورنو كاراباخ غير المعترف بها: "الوضع يقترب من الكارثة، فلا يوجد مجال في الحياة لا يعاني، فيما تصر أذربيجان على أن هناك حلاً، لكنه ليس حلاً مستساغاً بالنسبة للأرمن في كاراباخ الذين يأملون في الحفاظ على بعض مظاهر الاستقلال، حيث يصر حكمت حاجييف، مستشار الرئيس الأذربيجاني للسياسة الخارجية إلهام علييف، لمجلة بوليتيكو على أن "طريق لاتشين مفتوح" - في حين رفض توضيح سبب عدم قدرة الصليب الأحمر والمنظمات الدولية الأخرى على استخدامه.

 

الحسابات السياسية وراء عدم وصول المساعدات 

ووفقا للواقع على الأرض، فإن أن الحسابات السياسية هي العائق الأساسي لعدم وصول المساعدات، حيث تصر أذربيجان على عبور المساعدات من داخل أراضيها، فيما يرفض الأرمن داخل الجيب الجغرافي بحثا عن استقلالية الحدود، وهنا يقول حاجييف إن حكومته تريد تسليم المساعدات، ليس فقط عبر ممر لاتشين من أرمينيا ولكن من مدينة أغدام الأذربيجانية، لأنه يربط تاريخياً كاراباخ بالبر الرئيسي لأذربيجان، وهو طريق أقل تكلفة وأكثر ملاءمة، وتدعم روسيا الفكرة مبدئيا، في حين يقول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إنها ليست بديلا عن لاتشين.

ومن الواضح أن دافع أذربيجان لهذا التحول واضح، ففي حين أن ممر لاتشين يوفر لناجورنو كاراباخ شريان حياة مجاور لأرمينيا، فإن عمليات التسليم عبر أغدام - التي تقع إلى الشرق من الجيب - ستتطلب عبورًا طويلًا ومتكررًا عبر أذربيجان، وعند السؤال "لماذا يرفض الأرمن استخدام طريق أغدام؟"، أجاب حاجييف قائلا: "لأنهم لا يسعون إلى إعادة الإدماج - إنهم ببساطة يسعون إلى الانفصال ويسعون إلى الوحدوية ويرغبون في الحفاظ على نظامهم غير القانوني العميل على أراضي أذربيجان".

 

الأرمن يتمسك بموقفه والأوضاع تزداد سواء

ولكن للأرمن وجهة نظر مختلفة، فقد حذر غازاريان، وزير خارجية حكومة ناجورنو كاراباخ غير المعترف بها،  من أن عرض أذربيجان إدخال المساعدات عبر أغدام هو محاولة لإجبار أرمن كاراباخ على التخلي عن استقلالهم وقبول أن يكونوا جزءًا من أذربيجان، وقال: “إذا قبلنا بفتح طريق أغدام والإمداد من الجانب الأذربيجاني، فإننا نضفي الشرعية على الجريمة التي يرتكبونها”، وأضاف: "في حالة إعادة فتح ممر لاتشين، سنعيد اكتفائنا الذاتي ولن تكون هناك حاجة لاستقبال البضائع من أغدام".

ولكن في الوقت الحالي، ما زال الأرمن صامدين، لكن التكلفة الإنسانية آخذة في الارتفاع، وفي يوليو، قال طبيب أرمني في كاراباخ إن حالات الإجهاض تضاعفت ثلاث مرات نتيجة لسوء التغذية ونقص الرعاية الطبية، في حين ذكرت وسائل الإعلام المحلية أن امرأة فقدت طفلها بعد أن لم تتمكن من الوصول إلى المستشفى بسبب نقص الوقود لسيارة الإسعاف.

وقال مسؤولون محليون إن العمل الزراعي توقف تقريبا دون وقود لتشغيل الآلات الزراعية أو نقل الغذاء من الريف إلى العاصمة الأرمينية كاراباخ، ويزعمون أيضًا أن القوات الأذربيجانية أطلقت النار على المزارعين في حقولهم، مما يجعل من المستحيل تقريبًا زرع المحاصيل وحصد التبن لحيواناتهم، وذلك بحسب ما ذكرته الصحيفة الأمريكية.

 

البحث عن تدخل دولي

وتدعو قيادة ناجورنو كاراباخ الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة وغيرهما إلى فرض عقوبات على أذربيجان والضغط من أجل العودة إلى الوضع الذي كان قائما من قبل لمنع وقوع كارثة، وفي اجتماع لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، اعترفت دول من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا وروسيا بالحصار المستمر ودعت إلى السماح بدخول المساعدات، ولكن النقاش سلط الضوء على مدى التباعد بين الجانبين.

فيما رد ياشار علييف، الممثل الدائم للبلاد لدى الأمم المتحدة، على الادعاءات الأرمنية من خلال رفع نسخ مطبوعة من منشورات على إنستغرام يُزعم أنها تظهر أرمن كاراباخ وهم يأكلون الطعام ويعيشون الحياة كالمعتاد، وقال: "الناس سعداء، فهم يرقصون في حفل زفافهم".

 

البحث عن مساعدة

وتتزايد الضغوط على أذربيجان لحملها على التراجع، وقد نشر لويس مورينو أوكامبو، المدعي العام السابق للمحكمة الجنائية الدولية، تقريرا في وقت سابق من هذا الشهر وصف فيه الوضع بأنه "إبادة جماعية مستمرة"، وربما فشل روسيا في ضمان المرور الآمن داخل المنطقة وخارجها، وهو ما تعهدت بالقيام به بموجب شروط وقف إطلاق النار لعام 2020، قد دفع أرمن كاراباخ للتطلع إلى الغرب للحصول على ضمانات أمنية، وقال تيغران غريغوريان، رئيس المركز الإقليمي للديمقراطية والأمن في العاصمة الأرمينية يريفان: "لقد شهدنا اتجاهين رئيسيين منذ بداية الحرب في أوكرانيا، الأول هو أن اهتمام روسيا بالمنطقة يتضاءل وأولوياتها تتغير، عسكرياً ودبلوماسياً وسياسياً، والثاني أنها لم يعد لديهم النفوذ الذي كانوا يتمتعون به في السابق”.

فيما تسعى أذربيجان إلى طمأنة المجتمع الدولي بأن التحذيرات من حملة التطهير العرقي المستمرة مبالغ فيها، وقد عينت المحامي اللندني رودني ديكسون لكتابة رفض تقرير مورينو أوكامبو، وقال ديكسون: "إذا كنت تريد تقديم ادعاء خطير مثل الإبادة الجماعية، فعليك أن تنظر إلى جميع العوامل، وقد يكون هناك العديد من القضايا الأخرى بين الطرفين، ولكن لا يوجد دليل على أن الإبادة الجماعية جارية"، وتابع: "عرض أذربيجان لإعادة توجيه المساعدات عبر أغدام يظهر أنها لا تنوي طرد السكان الأرمن في ناجورنو كاراباخ، ولكن هناك شكوك حول نوايا الحكومة الأذربيجانية على المدى الطويل".

 

المصدر: صدى البلد

كلمات دلالية: المعترف بها ممر لاتشین فی حین

إقرأ أيضاً:

قصف إسرائيلي مستمر على غزة وتحذيرات من مجاعة بسبب الحصار

استشهد 3 فلسطينيين على الأقل وأصيب عدد آخر -فجر الجمعة- بقصف إسرائيلي استهدف منزلا شرق مدينة غزة، في حين يمعن الجيش الإسرائيلي بالإبادة الجماعية بنسف مبان سكنية شمال القطاع.

وأفاد مصدر طبي بأن 3 فلسطينيين استشهدوا في قصف إسرائيلي استهدف منزلا شرق مدينة غزة.

وقال شهود عيان إن المنزل المستهدف يعود لعائلة عوض ويقع في حي الزيتون.

ودوت أصوات انفجارات ضخمة في محافظة الشمال ناجمة عن نسف الجيش الإسرائيلي مباني سكنية.

وقتل الاحتلال الإسرائيلي -أمس الخميس- 32 فلسطينيا بغارات متفرقة طالت مناطق عدة من القطاع، ضمن حرب الإبادة المستمرة منذ 17 شهرا.

كما أعلن "المطبخ المركزي العالمي"، مقتل أحد متطوعيه وإصابة 6 أشخاص آخرين، في قصف إسرائيلي قرب أحد مطابخه أثناء توزيع الوجبات.

وعبر "المطبخ" عن حزنه جراء فقدان أحد متطوعيهم في غزة نتيجة الضربات الإسرائيلية التي استهدفت المنطقة بالقرب من أحد مطابخهم أثناء توزيع الوجبات.

قصف إسرائيلي استهدف مجمع ناصر الطبي في غزة (الفرنسية) خطر الجوع في غزة

من جهته، حذر برنامج الأغذية العالمي، من أن آلاف الفلسطينيين في قطاع غزة يواجهون مجددا خطر الجوع الحاد وسوء التغذية مع تناقص مخزونات الغذاء، وإغلاق المعابر أمام المساعدات في إطار سياسة التجويع التي تنتهجها إسرائيل ضمن إبادتها الجماعية بالقطاع.

إعلان

وأضاف البرنامج الأممي -في بيان- أن توسع النشاط العسكري في غزة يعيق بشدة عمليات المساعدة الغذائية، ويعرض حياة العاملين في مجال الإغاثة للخطر.

وشدد أن الآلاف من الفلسطينيين بغزة يواجهون مجددا خطر الجوع الحاد وسوء التغذية مع تناقص مخزونات الغذاء في القطاع، وإغلاق المعابر أمام المساعدات.

وفي 2 مارس/آذار الجاري أغلقت إسرائيل معابر قطاع غزة أمام دخول المساعدات الإنسانية والإغاثية والطبية للقطاع، مما تسبب بتدهور غير مسبوق في الأوضاع الإنسانية وفق ما أكدته تقارير حكومية وحقوقية محلية.

وبشأن آخر المستجدات حول الأمن الغذائي في غزة، ذكر "الأغذية العالمي" أنه لم يتمكن مع شركائه من إدخال إمدادات غذائية جديدة إلى غزة منذ أكثر من 3 أسابيع.

وأشار إلى أن مواصلة إسرائيل إغلاق المعابر الحدودية منذ 2 مارس/آذار الجاري، يحول دون دخول أي سلع، إنسانية أو تجارية.

وأوضح البرنامج أن لديه نحو 5 آلاف و700 طن من مخزونات الغذاء المتبقية في غزة، تكفي لدعم عملياته لمدة أقصاها أسبوعان.

كذلك لفت إلى أنهم بالتعاون مع شركائهم قاموا بتخزين أكثر من 85 ألف طن من السلع الغذائية خارج غزة، وهي جاهزة للإدخال إن تم حال فتح المعابر الحدودية.

وقال البرنامج الأممي إنه يحتاج إلى 30 ألف طن من الغذاء شهريا لتلبية الاحتياجات الأساسية لنحو 1.1 مليون شخص بغزة.

وفي معرض وصفه لارتفاع أسعار المواد الغذائية بشكل كبير داخل غزة، أفاد البرنامج الأممي بأن كيس دقيق القمح سعة 25 كيلوغراما يُباع بما يصل إلى 50 دولارا، بزيادة قدرها 400% مقارنة بأسعار ما قبل 18 مارس/آذار الجاري، في حين ارتفعت أسعار غاز الطهي بنسبة 300% مقارنة بفبراير/شباط الماضي.

القصف الإسرائيلي دمر المستشفيات وسيارات الإسعاف في غزة (الفرنسية)

 

وحث برنامج الأغذية العالمي جميع الأطراف على إعطاء الأولوية لاحتياجات المدنيين، وحماية العاملين في المجال الإنساني وموظفي الأمم المتحدة، والسماح بدخول المساعدات إلى غزة على الفور.

إعلان

وكانت المحكمة العليا الإسرائيلية رفضت التماسات تطالب بالسماح بوصول المساعدات إلى قطاع غزة، الذي تمنع تل أبيب إدخالها إليه، مما فاقم الأوضاع الإنسانية المتردية بالقطاع، وفق صحيفة "معاريف" العبرية الخاصة.

ومنذ استئنافها الإبادة الجماعية بغزة، قتل الاحتلال أكثر من 900 فلسطيني وأصاب نحو ألفين آخرين، معظمهم أطفال ونساء، وفق وزارة الصحة بالقطاع.

وفي 18 مارس/آذار الجاري تنصلت إسرائيل من اتفاق وقف إطلاق النار وتبادل الأسرى الذي استمر 58 يوما واستأنفت حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأسفرت عن استشهاد وإصابة أكثر من 164 ألفا، معظمهم أطفال ونساء، وما يزيد على 14 ألف مفقود.

وتحاصر إسرائيل غزة للعام الـ18، وبات نحو 1.5 مليون من مواطنيها، البالغ عددهم نحو 2.4 مليون فلسطيني، بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم، ودخل القطاع أولى مراحل المجاعة، جراء إغلاق تل أبيب المعابر بوجه المساعدات الإنسانية.

مقالات مشابهة

  • قصف إسرائيلي مستمر على غزة وتحذيرات من مجاعة بسبب الحصار
  • الغذاء والدواء تضع تحذيرات بخصوص استخدام العدسات اللاصقة
  • ترامب يضع مطبات جديدة في طريق صناعة السيارات العالمية.. نخبرك القصة كاملة
  • كوكاكولا تسحب آلاف العبوات من الأسواق بسبب تلوّث محتمل
  • سحب آلاف عبوات كوكاكولا من الأسواق الأمريكية بسبب تلوث بلاستيكي
  • لأسباب صحية.. «كوكا كولا» تسحب آلاف العبوات من منتجاتها!
  • "الغذاء والدواء" توضح إجراءات سحب المنتجات الخطرة من الأسواق
  • الغذاء والدواء تستعد لحج آمن.. تدريبات وفرضيات لسلامة ضيوف الرحمن
  • “الغذاء والدواء” توضح فوائد الشمر واليانسون في تحسين الهضم
  • هل تعقد امتحانات الثانوية العامة 2025 في الجامعات؟ القصة كاملة