لجريدة عمان:
2025-03-14@17:55:51 GMT

تأملات في الكتابة عن العبقرية

تاريخ النشر: 14th, March 2025 GMT

في إحدى زياراتي إلى شارع المتنبي، أهداني صديقٌ كتابًا مترجمًا عن ليوناردو دافينشي، من تأليف والتر إيزاكسون وترجمة محسن بني سعيد. فأثار فضولي: كيف يمكن لمؤلفٍ أن يعالج شخصية موسوعية بحجم دافينشي دون الوقوع في شرك الإعجاب المبالغ فيه؟

إنّ التصدي لكتابة سيرة رجلٍ تُجمع الألسن على عبقريّته مغامرة قد تجرّ إلى درك التمجيد.

فالتاريخ حافل بسِيَرٍ تحوّلت فيها الشخصيات إلى رموزٍ معصومة، بعيدًا عن التناقضات الواقعية. ولعلّ كتاب جورجيو فازاري حياة الفنانين «1550» مثال على الهالة الأسطورية التي أُضفيت على عمالقة النهضة، ما يفسّر جزئيًّا الأسعار الخيالية لأعمالهم اليوم، كبيع لوحة سلفاتور مندي المنسوبة لليوناردو بقيمةٍ قاربت 450 مليون دولار.

يعتمد إيزاكسون في كتابه منهجًا يجمع بين التأريخ والتحليل، متتبعًا أعمال ليوناردو ومشاريعه، من رسومٍ ولوحاتٍ وصولًا إلى ابتكاراته الهندسية. يُضيف بذلك بُعدًا علميًّا يبني على أحدث الاكتشافات، مثل نسب والدته الحقيقي، واكتشاف لوحة مبكرة للقديس سباستيان في مزادٍ فرنسي عام 2016، إلى جانب تحليلٍ بالأشعة تحت الحمراء يكشف عن فروقٍ بين نسختي عذراء الصخور. ويؤكّد المؤلّف أيضًا أنّ حقبة النهضة كانت زمنًا للعمل الجماعي، حين تلاقحت المواهب في ورشٍ مشتركةٍ تحتضن العقول المتقدة، فلا تكون العبقرية حِكرًا على فردٍ بعينه.

وقد جاءت سيرته أشبه برصد متحمّس لكل مشروع تبنّاه ليوناردو، لا بوصفها تأريخًا لحياته فحسب، بل استقصاءً لرحلة إبداعه. وليس في ذلك مأخذ، بل يُحمد للكاتب أنه يضع بين يدي القارئ أحدث ما توصل إليه الباحثون المعاصرون، من إثبات نسب والدته الحقيقي، إلى الكشف عن لوحة مبكرة للقديس سباستيان عُثر عليها في دار مزادات فرنسية عام 2016، فضلًا عن تحليل الأشعة تحت الحمراء الذي كشف الفروق بين نسختي عذراء الصخور.

كذلك، لا يغفل الكاتب عن الإشارة إلى طبيعة الفن في عصر النهضة، مؤكدًا أنّ العبقرية الفردية لم تكن وحدها المحرك، بل كان العمل الفني ثمرة ورش جماعية، حيث تتلاقى العقول وتتضافر الجهود، ليولد الإبداع من روح الجماعة لا من فردية النبوغ وحدها.

ولعلّ أبرز إنجاز لإيزاكسون هو رسم صورة ليوناردو فنانًا مسكونًا بالكمال حدّ الوسواس؛ إذ ينوء تحت وطأة مشاريعه التي لا تُستكمَلُ إلا بشقّ النفس، كما في التمثال الفروسي الضخم للودوفيكو سفورزا في ميلانو، والجدارية العظمى لمعركة أنغياري في فلورنسا، وحتى مشروعه الطموح لتغيير مجرى نهر أرنو. ويخصّص الكاتب مساحةً واسعةً لتحليل تنظيرات ليوناردو حول فن الرسم، مقارنًا إياها بلوحاته الباقية. وتبرز جرأته في مخالفته بعض المختصين، كما في تفسير الإصبع البارزة في لوحة القدّيس يوحنا المعمدان في متحف اللوفر، إذ يصرّ على أنها ابتكارٌ متعمَّد. وحتى إن لم نقتنع ببعض هذه الاجتهادات، فإنّ الكتاب يبهرنا بالرسومات الملونة واللوحات المدمجة التي تُعين القارئ على تتبع أفكار المؤلّف خطوةً خطوة، ولا سيما عندما يشرح تقنية سفوماتو التي جعلت لوحات ليوناردو تنبضُ بالحياة.

لكن لهذا التركيز الشديد سلبياته؛ إذ يقع إيزاكسون في شرك الحماسة المفرطة لعبقرية ليوناردو، ويورد إشاداتٍ قد تُبخس حقَّ معاصريه وأسلافه. ففي حقبته الفلورنسية الأولى، على سبيل المثال، لا نجد تفصيلًا وافيًا لأثر جوتو وماساتشيو، اللذين أثّرَا في تطوُّر فن الرسم وشكّلا أرضيةً ألهمت ليوناردو نفسه. ولعل السبب هو قناعة الكاتب بفكرة «العبقرية الخالدة عبر التاريخ»، إذ يرى في ليوناردو مثالًا فذًّا لا يحتاج إلى إرثٍ سابق. إلا أنّ هذه النظرة قد تغفل التراكمات الحضارية والعلمية التي أسهمت في تطوّره.

وفي هذا السياق، يلمّح إيزاكسون إلى أنّ ليوناردو سبق غاليليو ونيوتن في منهج البحث القائم على الملاحظة والتجريب، لكنه يتجاهل الجذور التي أرساها ابن الهيثم وجان بوريدان وغيرهما ممن وضعوا الأسس الأولى لنظريات الحركة. وليس لأحدٍ أن ينكر سبق ليوناردو في كثيرٍ من الجوانب، غير أنّ إغفال عناصر التأثر لا يزيد الصورة إلا تشويهًا بدلًا من أن يضفي عليها وهجًا مستحقًا.

وفي القسم الأخير من الكتاب، يستشهد المؤلف بعبارة شهيرة من إعلانٍ لشركة أبل، كتبها ستيف جوبز: «الذين هم مجانين بما يكفي ليعتقدوا أنهم قادرون على تغيير العالم، هم الذين يفعلونه حقًّا». ثم يمضي في نثر نصائح تحفيزية، تُضفي على الكتاب طابعًا احتفائيًا بالعبقرية، ولو كان ذلك أحيانًا على حساب حقائق التاريخ وسياقه الأشمل.

وإن كانت هناك مآخذ على تركيز الكتاب على عبقرية ليوناردو الفردية وإغفال السياق الأوسع، فإنّه يظلّ علامةً بارزةً فيما كُتب عن هذه الشخصية في المكتبة المعاصرة.

ومن الطبيعي أن يركّز إيزاكسون على ما يراه الأجدر بالاهتمام في شخصيةٍ فذّةٍ يصعب الإحاطة بكل أبعادها في مجلدٍ واحد. ورغم أنّ الكتاب تجاوز 800 صفحة، فإنّ القارئ الحصيف سيجد نفسه مدفوعًا للبحث عن مصادر أوسع، تتيح له رؤية أشمل للفترة التاريخية التي تألّق فيها ليوناردو، وتكشف عن بيئته الثقافية والاقتصادية التي أثّرت في إبداعه.

لقد نجح والتر إيزاكسون في إماطة اللثام عن جانبٍ كبيرٍ من عبقرية ليوناردو، وإنْ كان قد اكتفى أحيانًا بمقاربةٍ تُعلي من شأن الفرد على حساب تراكمات التاريخ. وبفضل الترجمة، ينفتح أمام القارئ العربي أفقٌ معرفيٌّ ثريٌّ حول شخصيةٍ يصعبُ حصرها في مجالٍ واحد، ليكتشف، في تفاصيل السيرة، كيف كانت مخيلة ليوناردو الجامحة وراء اختراعاتٍ حلّقت بأفكار البشر إلى آفاقٍ جديدة. وإذا أيقظ هذا الكتاب في أنفسنا الرغبة في تعميق البحث واستكشاف جذور عصر النهضة وامتداداته، فقد حقّق غايته، إذ إنّ الكشف عن عبقرية فنانٍ بحجم ليوناردو ليس غايةً في حد ذاته، بل مدخلٌ للتأمّل في رحلة الإبداع الإنساني، وفي الكيفية التي يرسم بها التاريخ ملامح من يُعدّون مناراتٍ ساطعةً في مسيرة الحضارة البشرية.

المصدر: لجريدة عمان

إقرأ أيضاً:

“الكتاب الأبيض”.. استثمارات الصناعة العسكرية والدفاع في أوروبا لدعم أوكرانيا و”ردع” روسيا

بروكسل – كشفت “بوليتيكو” عن وثيقة “الكتاب الأبيض للدفاع” ونية بروكسل إطلاق مشروع ضخم في استثمارات الصناعة العسكرية لدعم أوكرانيا و”ردع” روسيا مع تراجع مشاركة واشنطن في “الناتو”.

ووفقا للوثيقة فإن إحياء القدرات الدفاعية الأوروبية يتطلب استثمارات ضخمة وطويلة الأمد وتحفيز إنتاج الأسلحة من قبل دول الاتحاد والشركات المتوافقة فكريا من دول ثالثة، بالإضافة إلى تعزيز المشتريات المشتركة للأسلحة وتبسيط آليات تمويل المشاريع الدفاعية.

وأشارت الوثيقة إلى أن إعادة إحياء الصناعة العسكرية الأوروبية تتطلب من الاتحاد الأوروبي “النظر في إمكانية” تفضيل شراء المنتجات الدفاعية المصنعة داخل دول الاتحاد.

كما اقترحت تنظيم عمليات “مشتريات مشتركة” للأسلحة من قبل دول الاتحاد لمواجهة تشتت السوق الدفاعية في أوروبا، حيث ستلعب المفوضية الأوروبية دور “الجهة المركزية” في إدارة هذه المشتريات.

واعتبرت الوثيقة أن روسيا “تشكل تهديدا وجوديا” للاتحاد الأوروبي، مما يدفع بروكسل إلى مواصلة سياسة “الردع” ضد موسكو حتى بعد تحقيق السلام في أوكرانيا.

مواصلة دعم كييف

وفي الوقت الراهن، تظل المهمة الرئيسية للاتحاد الأوروبي هي مواصلة دعم كييف. وجاء في نص الوثيقة: “بدون موارد عسكرية إضافية كبيرة، خاصة في ظل توقف المساعدات الأمريكية، لن تتمكن أوكرانيا من التفاوض على سلام عادل ودائم من موقع قوة.”

كما أشارت الوثيقة إلى أن أوروبا “لا يمكنها أن تعتبر الضمانات الأمنية الأمريكية أمرا مفروغا منه، بل عليها زيادة مساهمتها بشكل كبير في تعزيز قدرات حلف الناتو”.

1.5 مليون قذيفة مدفعية ومنظومة دفاع جوي

وتضمن “الكتاب الأبيض” أيضا عددا من الإجراءات الرئيسية لدعم أوكرانيا، منها توريد 1.5 مليون قذيفة مدفعية ومنظومة دفاع جوي، واستمرار تدريب الجنود الأوكرانيين من قبل دول الاتحاد الأوروبي، وتنظيم مشتريات منتجات الصناعة العسكرية الأوكرانية.

بالإضافة إلى ذلك، تعمل بروكسل على إشراك أوكرانيا في برامج التمويل العسكري للاتحاد الأوروبي وتوسيع ممرات الحركة العسكرية لتشمل الأراضي الأوكرانية.

المصدر: تاس

Previous ماذا سيجري في الجلسة الأولى؟.. مثول الرئيس الفلبيني السابق دوتيرتي أمام “الجنائية الدولية” Related Posts ماذا سيجري في الجلسة الأولى؟.. مثول الرئيس الفلبيني السابق دوتيرتي أمام “الجنائية الدولية” دولي 14 مارس، 2025 الولايات المتحدة وإسرائيل تتطلعان إلى توطين الفلسطينيين المهجرين من غزة في دول إفريقية دولي 14 مارس، 2025 أحدث المقالات “الكتاب الأبيض”.. استثمارات الصناعة العسكرية والدفاع في أوروبا لدعم أوكرانيا و”ردع” روسيا ماذا سيجري في الجلسة الأولى؟.. مثول الرئيس الفلبيني السابق دوتيرتي أمام “الجنائية الدولية” الولايات المتحدة وإسرائيل تتطلعان إلى توطين الفلسطينيين المهجرين من غزة في دول إفريقية مدرب بطل أفريقيا 2022.. أليو سيسيه مدربًا جديدًا للمنتخب الليبي تعاون ليبي بريطاني لتعزيز صناعة النفط وتحفيز الاقتصاد

ليبية يومية شاملة

جميع الحقوق محفوظة 2022© الرئيسية محلي فيديو المرصد عربي الشرق الأوسط المغرب العربي الخليج العربي دولي رياضة محليات عربي دولي إقتصاد عربي دولي صحة متابعات محلية صحتك بالدنيا العالم منوعات منوعات ليبية الفن وأهله علوم وتكنولوجيا Type to search or hit ESC to close See all results

مقالات مشابهة

  • النساء لن تدخل الجحيم.. إصدار جديد بهيئة الكتاب لـ سليمان العطار
  • “الكتاب الأبيض”.. استثمارات الصناعة العسكرية والدفاع في أوروبا لدعم أوكرانيا و”ردع” روسيا
  • المنشاوي.. "القارئ الباكي" الذي نجا من محاولة اغتيال بالسم
  • «عقلان وثقافتان».. أحدث إصدارات هيئة الكتاب لـ سليمان العطار
  • احذر.. الكتابة على العملات الورقية يعرضك لغرامة 100 ألف جنيه بالقانون
  • طه الفشني.. القارئ الذي فقد صوته فاستعاده بمعجزة أمام قبر النبي
  • لوحة.. رواح للفنانة شادية عالم
  • الرئيس السيسي: التاريخ يسطر بأحرف من نور المواقف الثابتة والحكيمة التي تخطوها مصر
  • “تأملات تحليلية” حول حالة سوريا ما بعد الأسد