جريدة الوطن:
2025-04-03@02:06:49 GMT

معية الله خير

تاريخ النشر: 23rd, August 2023 GMT

إن الإنسان طالما يجنح إلى الصحبة المخلصة التي يضمن جانبها ويأمن بوائقها ويطمئن إلى كنفها ويستريح إلى مؤانستها، ولكن تلك المصاحبة قد تهدأ يوما وقد تنتابها العواصف أيامًا، ولا عجب فالدنيا في تقلب دائم وتقلبها كما يشمل من فيها من موجودات فإنه يشمل أيضا بني البشر.
ولهذا تتقلب الأمزجة وتختلف الأذواق والطباع من فرح إلى حزن والعكس، ومن حب إلى كراهية والعكس، ومن صحة إلى مرض والعكس، فمن الطبيعي أن يرى الناس السفن فوق الماء عائمة، فلا يعي لهم انتباها، ولا يعيرهم نظرًا، ولكن من سرعان ما يخطفهم الخطر ويقلقهم المنظر حينما يرون الماء فوق السفينة، ولكن هكذا حال الدنيا، تتقلب من فوق إلى تحت والعكس.


فكن ـ أخي الكريم ـ دائمًا فوق الدنيا وفي قلبها واجعلها تأتيك وهي راغمة راغية، ولا تجعلها فوقك أو تسكنها قلبك يوما، فهي متقلبة غير مستقرة على كل ما يسكنها، الأمر الذي يصيب الصداقات يوما أو يجور عليها، فقد تجد من يصاحبك من أخ أو زوجة أو صديق.. وغيرهم، مهما طالت مدة اصطحابهم تتقلب أحيانا بين الهدوء والاندماج إلى الاضطراب والافتراق، والعكس كذلك أحيانًا.
ولهذا أدعوك ـ أخي القارئ الكريم ـ أن تجعل من ربك لقبلك أنيسًا، ومن ذكره تعالى لك جليسًا، ومن قرآنه الحكيم لك حديثًا، ومن معيته سبحانه لك رقيبًا، ومن مراقبته وحفظه لك حافظًا ومعينًا، قال تعالى:(إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ).
فمعية الله ـ إخواني الكرام ـ هي المخرج الوحيد من كل ضيق، وهي الملاذ لكل مستغيث، وهي المأوى لكل ساكن، وهي الأنس من كل وحشة، وهي اليسر لكل عسر، كيف لا؟ وقد أقسم الله تعالى مرتين في سورة الشرح فقال تعالى:(فإنّ مع العُسر يُسرًا، إنّ مع العسر يسرًا)، كما أن معية الله تعالى هي التفاؤل من كل شؤم، فبها يتفاءل المؤمن عندما تصعب عليه الأمور، وهي الهدوء لكل اضطراب، وهي الألفة لكل خصومة، والمحبة من كراهية، فهي الروح التي يستمد منها المؤمن نور قلبه، وصالح عمله، وحسن سعيه، وعظيم أجره، وزيادة حسناته، ومحو سيئاته، وتجديد نشاطه، المكسب من كل خسارة، حتى تجعل المؤمن إن خسر شيئًا يومًا مما لم يكن يتوقع أن يخسره، فإن معية الله تعالى تجعله على يقين بأنه سبحانه سيرزقه مالم يكن يتوقعه يومًا أو أن يمتلكه، فيبادر بطبيعة حاله إلى مزيد من طاعة ربه، فإنه لا يعلم بعد رحمة الله تعالى ومعيته ما الذي سيدخله الجنة؟ وما الذي سيجعل الله تعالى يرضى عنه؟ حقًا لا يدري! فربما كان القبول في ركعة قامها في جوف ليل، أو صدقة أخرجها سرًّا حيث لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، بل رما كان الأمر في شيء بسيط كسقيا ماء قدمه لأنسان عطش أو حتى حيوان أو طير، بل وما يدري ذلك الرضا ــــ الذي هو غايته القصوى ــــــ أيناله من قضاء حاجة لإنسان استعان به فكان له الفضل في قضائها له، أو في دعوة من إنسان صالح دعا له في ظهر الغيب بدعوة صالحة، ومن هنا فإن معية الله تعالى تكون هي المعين الأول الذي ينهل منه صالح الأعمال دون أن يستصغر منها شيئًا. ومن هنا أردت بهذه المقالة أن أذكر نفسي وإياك ـ أخي المؤمن ـ أن لا تحزن إن رأيت من أحد ما لا يسرك فإن الله معك وهو الذي يأتيك بما يسرك وطيب خاطرك، فأي ألم من آلام الدنيا إذا أتعبك فإن معية الله تعالى هي الحاجز الصلب الذي يمنع عنك تأثير ذلك عليك.
فناجي مولاك الذي لطالما أحب الله سماع صوتك وأنت تناجيه وتدعوه مستغيثا به سبحانه لا سواه، واجعل دوما نصب عينيك قول الله تعالى:(وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ).

محمود عدلي الشريف
ma.alsharif78@gmail.com

المصدر: جريدة الوطن

إقرأ أيضاً:

هذا دورنا الذي يجب أن نفعله لمن حُرموا فرحة العيد

كانت أعياد جيلنا في الطفولة جميلة للغاية. ربما تسترجعون أنتم أيضًا ذكرياتكم قائلين: "أين تلك الفرحة؟"، وتشعرون بالحنين إلى تلك الأيام. قد يكون السبب أننا كنا ننظر إلى الأشياء بإيجابية في طفولتنا، ونفرح بأقل الأمور، ولهذا كانت تلك الأيام تبدو أجمل.

لكن مع تقدّمنا في العمر، بدأ طعم الأعياد يتلاشى؛ بسبب الحروب الكبرى، والاضطرابات، والمآسي التي تعصف ببلداننا، والعالم الإسلامي، ودول الجوار والعالم بأسره. ففي سوريا وحدها، على مدار أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية، قُتل الآلاف وهُجّر الملايين، وتحوَّلت الأعياد إلى كوابيس.

أما الفلسطينيون، فقد عانوا من القمع لعقود طويلة، حتى إن أحدًا لم يعد يحصي عدد الأعياد التي مرت عليهم وهم تحت الاحتلال والاضطهاد. كم من جيل أمضى العيد في المنفى، أو تحت القصف، أو بين جدران السجون! المجازر الأخيرة حصدت وحدها أرواح خمسين ألفًا، لم تتح لهم الفرصة ليفرحوا بالعيد.

هذا ليس سوى مثال واحد من عشرات الأمثلة.. ففي عشرات الدول، رحل آلاف الناس عن هذه الدنيا قبل أن يحظوا بفرحة العيد.

أتصدقون أن هذا المقال يتحدث عن العيد! كان يجدر بي أن أكتب شيئًا مفعمًا بالأمل والفرح والسعادة للشباب، لكنني أجد نفسي مرة أخرى أكتب عن الأحزان في يوم العيد.

إعلان

يتردد بين أبناء جيلي في تركيا مؤخرًا سؤال واحد: "في أي زمن نعيش؟"

إنه زمن مليء بالأزمات والصراعات والمآسي، حتى إننا لا نتوقف عن طرح هذا السؤال على أنفسنا. خلال السنوات الخمس الماضية، شهدنا كل أنواع المصائب، من الكوارث الطبيعية إلى الحروب الكبرى، ومن الأوبئة إلى موجات الهجرة الجماعية، ومن الأزمات الاقتصادية إلى الصراعات السياسية.

لقد استُنزفت فرحتنا بالحياة..

لكننا لم نفقد الأمل في الله، ولم يعد لدينا ملجأ سوى التضرع إليه. هو الباب الوحيد المفتوح أمامنا، فلنلجأ إليه قائلين: "اللهم كن لنا عونًا".

كثيرًا ما نشعر بالعجز، وربما في لحظات العجز هذه تحديدًا يكون اللجوء إلى الله والابتهال إليه هو الحل الوحيد.

عندما كنت أتجول في شوارع دمشق بعد الثورة، كنت أفكر: قبل عشرة أيام فقط، كانت هذه الشوارع تعيش تحت قمع نظام الأسد. أما الآن، فقد استعاد الشعب السوري حريته، وبدأ بإعادة بناء وطنه بأمل جديد. ومع كل يوم يمر، تثبت سوريا قدرتها على الوقوف على قدميها، مثل طفل صغير بدأ لتوّه بالمشي، وكنت أشعر بسعادة غامرة وأنا أشاهد هذا التحول.

امتلأ قلبي بالأمل في دمشق.. فإذا كان نظام الأسد قد سقط بعد 61 عامًا، فلماذا لا يسقط الاستبداد الصهيوني أيضًا؟

ولماذا لا تنهار أنظمة الطغيان والقمع التي تحكم شعوبها بالحديد والنار؟

إن كان الله قد منح الشعب السوري النصر في غضون عشرة أيام، فلا شك أنه قادر على منح النصر لشعوب أخرى أيضًا.

لكنْ هناك شيئان أساسيان لا بد من التمسك بهما لتحقيق ذلك:

أولًا: الثقة بالله.

ثانيًا: العمل بجد للقضاء على الظلم.

أنا مؤمن بأن الله لا يخذل المؤمنين الذين يتمسكون به ويعملون بلا كلل لنصرة الحق.

ربما علينا أن نغرس هذا المفهوم في نفوس شبابنا: ثقوا بالله واعملوا جاهدين لتصبحوا أقوياء. ومهما كان المجال الذي تعملون فيه، فلتقدموا فيه أفضل ما لديكم، لأن كل جهد صادق يسهم في إنهاء الظلم.

إعلان

أما أن نبقى مكتوفي الأيدي، نذرف الدموع، ونتحسر على واقعنا، ونتحدث عن مآسينا دون أن نبذل جهدًا، فهذا لا معنى له. المسلم لا بد أن يكون صامدًا، مجتهدًا، متفائلًا.

في هذا العصر الذي يطغى فيه الظلم، علينا أن نكون أقوياء. علينا أن ننظر إلى أهل غزة الذين يواجهون آلة القتل الصهيونية بصدورهم العارية، ونستلهم منهم القوة لاستعادة توازننا. علينا أن ننهض، ونستعيد عزيمتنا على حماية أوطاننا، وشعوبنا، وأمتنا الإسلامية.

هذا النظام الإمبريالي سيجلب للعالم مزيدًا من الكوارث في المستقبل، لذا يجب أن نستعد منذ الآن للنضال من أجل عالم أفضل.

فلنفكر في أولئك الذين لم يشهدوا العيد. نحن وإن كنا نعاني، ما زلنا نشهد فرحة العيد، لكن إذا أردنا لأطفالنا أن يعيشوا أعيادًا جميلة كما عشناها في طفولتنا، فعلينا أن ننهض، ونجاهد، ونصبح أقوى.

دعنا نجدد تلك الآمال مرة أخرى بمناسبة هذا العيد.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

aj-logo

aj-logo

aj-logo إعلان من نحناعرض المزيدمن نحنالأحكام والشروطسياسة الخصوصيةسياسة ملفات تعريف الارتباطتفضيلات ملفات تعريف الارتباطخريطة الموقعتواصل معنااعرض المزيدتواصل معنااحصل على المساعدةأعلن معناابق على اتصالالنشرات البريديةرابط بديلترددات البثبيانات صحفيةشبكتنااعرض المزيدمركز الجزيرة للدراساتمعهد الجزيرة للإعلامتعلم العربيةمركز الجزيرة للحريات العامة وحقوق الإنسانقنواتنااعرض المزيدالجزيرة الإخباريةالجزيرة الإنجليزيالجزيرة مباشرالجزيرة الوثائقيةالجزيرة البلقانعربي AJ+

تابع الجزيرة نت على:

facebooktwitteryoutubeinstagram-colored-outlinersswhatsapptelegramtiktok-colored-outlineجميع الحقوق محفوظة © 2025 شبكة الجزيرة الاعلامية

مقالات مشابهة

  • علي جمعة: كثرة التعلق بالدنيا تُنسي الآخرة كما هو حال الكفار
  • علامات قبول الطاعة بعد رمضان.. 5 أمارات ترقبها في نفسك
  • هذا دورنا الذي يجب أن نفعله لمن حُرموا فرحة العيد
  • علامات قبول العبادات وكيفية الاستمرار على الطاعة بعد رمضان
  • لمن قل إيمانه وتكاسل عن العبادة بعد رمضان.. 14 كلمة تجعلك نشيطا
  • الدفاعات الجوية تسقط طائرة أمريكية في أجواء محافظة مأرب
  • إسقاط طائرة أمريكية في أجواء محافظة مأرب
  • ديوان حاكم رأس الخيمة ينعى الشيخة حصة بنت حميد الشامسي
  • ماذا يحدث بعد صلاة العيد؟.. الملائكة تبشر المصلين بـ3 أرزاق في الدنيا
  • صلاة عيد الفطر اليوم.. أحكامها لتصليها مثل النبي وترقب 7 عجائب