محمد عبدالمؤمن الشامي

لطالما رفع الاتّحاد الأُورُوبي شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام القانون الدولي، لكنه في كُـلّ مرة يثبت أن هذه القيم تسقط أمام المصالح السياسية والاقتصادية. فبينما يتعرض الشعب الفلسطيني لأبشع الجرائم من قتل وتهجير وحصار، يكتفي الاتّحاد الأُورُوبي بإصدار بيانات خجولة تندّد دون أن تردع، وتستنكر دون أن تعاقب.

هذه الازدواجية الصارخة في المواقف تجعل منه شاهد زور على واحدة من أطول المآسي الإنسانية في العصر الحديث، حَيثُ تُرتكب الجرائم بحق الفلسطينيين أمام أعين العالم، دون أن يحرك المجتمع الدولي ساكنًا. فإلى متى يبقى الاتّحاد الأُورُوبي متفرجًا، مكتفيًا بالكلمات، بينما الاحتلال الإسرائيلي يمضي في عدوانه بلا حسيب ولا رقيب؟

عندما اندلعت الأزمة الأوكرانية، سارع الاتّحاد الأُورُوبي إلى فرض عقوبات صارمة على روسيا، شملت تجميد الأصول، وقطع العلاقات الاقتصادية، ووقف تصدير التكنولوجيا والمنتجات العسكرية. كما قدمت دول الاتّحاد دعمًا عسكريًّا واقتصاديًّا واسعًا لكييف، متذرعة بضرورة حماية السيادة الوطنية الأوكرانية ووقف الانتهاكات الروسية للقانون الدولي.

لكن على الجانب الآخر، عندما يتعلق الأمر بفلسطين، فَــإنَّ الموقف الأُورُوبي يتغير تمامًا. رغم أن “إسرائيل” تمارس الاحتلال والاستيطان والقصف العشوائي ضد المدنيين في غزة والضفة الغربية، إلا أن الاتّحاد الأُورُوبي يكتفي بالإعراب عن القلق وإصدار بيانات غير ملزمة، دون أن يتخذ أي إجراءات فعلية لمعاقبة الاحتلال أَو الضغط عليه لإنهاء جرائمه.

التفسير لهذا التناقض يكمن في عدة عوامل، أبرزها النفوذ الإسرائيلي في أُورُوبا، حَيثُ تملك “إسرائيل” لوبيات قوية تؤثر على السياسات الأُورُوبية، بالإضافة إلى علاقات اقتصادية وأمنية متينة مع العديد من دول الاتّحاد. كما أن المصالح الاستراتيجية تلعب دورًا كَبيرًا، حَيثُ يعتبر الاتّحاد الأُورُوبي “إسرائيل” حليفًا مُهَمًّا في الشرق الأوسط، خَاصَّة في مجالات التكنولوجيا والأمن والاستخبارات، مما يجعله يتجنب أي صدام دبلوماسي معها.

إضافة إلى ذلك، يظهر الخضوع للضغوط الأمريكية، حَيثُ تتماشى السياسات الأُورُوبية في كثير من الأحيان مع التوجّـهات الأمريكية التي تقدم دعمًا غير مشروط لـ “إسرائيل”. وأخيرًا، يتجلى الإرث الاستعماري الأُورُوبي في كيفية تعامل بعض الدول مع القضية الفلسطينية بنوع من الإرث التاريخي الاستعلائي؛ مما يجعلها أقل اندفاعًا في دعم الفلسطينيين مقارنة بأزمات أُخرى.

إذا كان الاتّحاد الأُورُوبي جادًّا في إنهاء معاناة الفلسطينيين، فعليه التوقف عن الاكتفاء بالإدانات الفارغة، والبدء باتِّخاذ إجراءات ملموسة ضد الاحتلال. وتشمل هذه الإجراءات فرض عقوبات اقتصادية على “إسرائيل”، كما فعل مع روسيا، وإيقاف التعاون العسكري والتكنولوجي مع الاحتلال، ودعم التحقيقات الدولية في جرائم الحرب الإسرائيلية بدلًا من عرقلتها، والضغط على “إسرائيل” لوقف الاستيطان وإنهاء الحصار على غزة.

إن استمرار هذه السياسة المتخاذلة لا يقوض فقط مصداقية الاتّحاد الأُورُوبي، بل يجعله شريكًا غير مباشر في الجرائم التي تُرتكب بحق الفلسطينيين. وبينما تتصاعد المعاناة في غزة والضفة الغربية، يبقى الاتّحاد غارقًا في بياناته الدبلوماسية، التي لم تعد تعني شيئًا لشعب يرزح تحت الاحتلال منذ عقود، ويتطلع إلى عدالة لا تزال غائبة عن ضمير العالم.

ختامًا، يجب على الفلسطينيين أن يتيقنوا أن الانتظار للبيانات الدبلوماسية أَو الوعود الزائفة لن يحقّق لهم حقوقهم، ولن يخفف من معاناتهم. فلا العدالة تُمنح في مؤتمرات أَو من خلال تصريحات جوفاء. المقاومة هي الطريق الوحيد الذي يضمن لهم الحرية والكرامة، وهي السبيل الفعلي لتحطيم قيد الاحتلال وجعل العدالة واقعًا ملموسًا على الأرض. على الفلسطينيين أن يواصلوا نضالهم دون تردّد أَو ضعف، وأن يلتفوا حول إرادتهم وقوة مقاومتهم. وفي هذا السياق، يجب أن يعلموا جيِّدًا أن محور المقاومة بأطيافه كافة يقف معهم بصلابة، وأن أحرار العالم يشدون أزرهم في معركتهم العادلة ضد الظلم والعدوان. سيظل العالم، بكافة فصائله الحرة، داعمًا لهم في مسيرتهم نحو الحرية والاستقلال، فالعالم الحر لا يعترف إلا بحق الشعوب في التحرير والنضال؛ مِن أجلِ الكرامة.

المصدر: يمانيون

كلمات دلالية: دون أن

إقرأ أيضاً:

خبير عسكري: إسرائيل تدفع الفلسطينيين للموت أو الهجرة القسرية

تابع أحدث الأخبار عبر تطبيق

قال اللواء سمير عباهرة، الخبير العسكري والاستراتيجي، إن ما نشهده في قطاع غزة من مشاهد نزوح قسري مأساوية يعكس بشكل واضح أن إسرائيل تنتهج سياسة الأرض المحروقة، ولم تترك أي مكان آمن للمدنيين الفلسطينيين، ما يدفعهم نحو خيارين أحلاهما مر: إما الموت أو الهجرة.

وأشار اللواء عباهرة، في مداخلة من جنين عبر شاشة القاهرة الإخبارية، إلى أن التركيز الإسرائيلي على مناطق جنوب غزة يأتي ضمن محاولة للضغط على حركة حماس، خاصة مع اعتقاد الجانب الإسرائيلي بأن الرهائن المحتجزين لدى الحركة يتواجدون في تلك المناطق، مضيفًا أن إسرائيل تسعى لفرض واقع جديد من خلال مسح شامل للقطاع وفرض شروط قاسية، مثل تسليم الرهائن أو مغادرة المشهد السياسي والعسكري بالكامل.

وأوضح أن إسرائيل تتحدث بلغة القوة والحسم، وتوجه رسائل واضحة إلى حماس مفادها: "إما تسليم الرهائن، أو الرحيل الكامل عن غزة"، معتبرًا أن الكرة الآن في ملعب حماس، داعيًا الحركة إلى التعاطي مع الوساطات، سواء من الجانب المصري أو القطري أو الأمريكي، والعودة إلى طاولة المفاوضات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من دماء الفلسطينيين.

مقالات مشابهة

  • نسف المنازل في قطاع غزة.. سياسة ممنهجة لقتل الحياة وتهجير الفلسطينيين (شاهد)
  • خبير سياسي لـ «الأسبوع»: تصريحات إسرائيل حول موافقة دول على استقبال الفلسطينيين تستوجب تحركا عربيا ودوليا حازما
  • خبير عسكري: إسرائيل تدفع الفلسطينيين للموت أو الهجرة القسرية
  • الديب أبوعلي: إسرائيل تعمل على تطهير غزة عرقيا والقاهرة تدافع وحدها عن الفلسطينيين
  • مندوب فلسطين لدى مجلس الأمن: إسرائيل تسعى لتهجير الفلسطينيين خارج غزة
  • الأمم المتحدة: إسرائيل تستهدف الفلسطينيين في مناطق نزوحهم
  • معاريف: إسرائيل قامت بقصف سجادي لمطارين في سوريا لمنع تركيا من استغلالهما
  • رئيس "القدس للدراسات": إسرائيل تستخدم الحرب لفرض واقع أمني جديد في غزة
  • ملك الأردن: تهجير الفلسطينيين يهدد أمن المنطقة بالانزلاق إلى عدم الاستقرار
  • رئيس القدس للدراسات: إسرائيل تستخدم الحرب لفرض واقع أمني جديد في غزة